من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
سعد بن علي بن القاسم بن علي بن القاسم
أبو المعالي الأنصاري الحظيري ثم البغدادي المعروف بالوراق دلال الكتب: من أهل الحظيرة وكان قد قدم بغداد واستوطنها إلى حين وفاته. كان أديبا فاضلا شاعرا رقيق الشعر وله اليد
الباسطة في النظم والنثر. صحب أبا القاسم علي بن أفلح الشاعر، وجالس الشريف أبا السعادات ابن الشجري، وأبا منصور ابن الجواليقي وأبا محمد ابن الخشاب وتفقّه على مذهب أبي حنيفة، وأحب الخلوة والانقطاع فخرج سائحا، وطاف بلاد الشام، ثم عاد إلى بغداد، وكان وجيها عند أهلها. وكان دلالا في الكتب والدفاتر، وبلغني أنه اتهم في دينه وسعي به أنه يرى رأي الأوائل، ونمي ذلك عنه وخشي على مهجته، ففارق وطنه وخرج بزيّ السيّاح، وتغرّب في البلاد مدة حتى سكنت نفسه، ومات من يخافه ثم رجع إلى بغداد، وبنى له بظاهر البلد صومعة أقام بها مدة، ثم عاد إلى ما كان عليه من بيع الدفاتر والكتب والتصنيف والاشتغال بالعلوم والتأليف إلى أن أدركته منيته فمات على هيئته. وله مصنفات منها: زينة الدهر وعصرة أهل العصر في ذكر لطائف شعراء العصر ذيّل به «دمية القصر» للباخرزي الذى جعله ذيلا على «يتيمة الدهر» للثعالبي. وله كتاب لمح الملح وكتاب الايجاز في معرفة الالغاز وديوان شعر.
توفي ببغداد يوم الاثنين خامس عشري صفر سنة ثمان وستين وخمسمائة.
قرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب، أنشدني صديقنا الشيخ الزاهد أبو المعالي الحظيري الوراق لنفسه هجوا:
يقول لي الأنقا علام هجوتنيوأبديت لي بعد الصفاء المساويا
ولو أنني أخفيت عنه عيوبهولم أبد ما فيه لما كنت صافيا
وله ديوان شعر صغير الحجم إلا أن أكثر شعره مصنوع يقرأ على جهات عدة، وهو من عجيب البديع، فمن ذلك، وهو يستخرج به الضمير من حروف المعجم، وذاك أن تعلم أن كل بيت منها له عدد، فالأول واحد، والثاني اثنان، والثالث أربعة، والرابع ثمانية، والخامس ستة عشر. [وصورة العمل بذلك أن تقول] لإنسان اضمر حرفا فإذا قرأت عليه بيتا، فسله هذا الحرف الذي أضمره في ذلك البيت أم لا؟ فإذا أعلمك فاحفظ ما لذلك البيت من العدد، ثم أنشده الآخر فإن
اعترف له بكونه فيه فأضف العدد الثاني إلى الأول، وإن لم يكن في البيت فألغه، كذلك إلى آخرها فإذا اجتمع لك شيء من العدد فعدّ من أول الحرف إلى أن تصل إلى ذلك العدد الذي حصّلته، فإن ذلك الحرف هو المضمر، وإن جاء في الجميع فهو الألف. والأبيات التي يستخرج بها ضمير الحروف هي هذه:
قل لهذا الغزال إن ظلّ يجنيأنا أضنى إن خنتني لشقائي
خاب صبّ أغراه عتبك بالحبّولو ضرّه بزور البكاء
صل خليلي حثّ السّلاف إلي كلّشفيق قضى لحيف الجفاء
وأدم ذمّ من يصدّ ومن يضمرزهدا من سائر الأشياء
وأمط عنك ظلم كلّ غنّيعنك فيه قلى لأهل العلاء
ومن شعره أيضا:
شكوت إلى من شفّ قلبي بعدهتوقّد نار ليس يطفى سعيرها
فقال بعادي عنك أكبر راحةولولا بعاد الشمس أحرق نورها
وله في غلام محموم:
ولما حمي جمر الحبيب تزايدتشجوني ولم أملك سوابق أدمعي
وما ذاك إلا حين حلّ بخاطريتلهّب منه الجسم من نار أضلعي
وله:
أحدقت ظلمة العذار بخدّيهـ فظنّوا جماله ذا ممات
قلت ماء الحياة في فمه العذب فطاب الدخول في الظلمات
وله:
وقد أنكروا سلواي نيران حبّهموفي كبدي إضرامها واستعارها
تنفّست من حرّ الجوى وتبادرتدموع حكى وهي العقيق احمرارها
فقلت لهم هذا التنفس حرّهاوهذي الدموع القانيات شرارها
ومن شعره أيضا:
اشرب على طرب من كفّ ذي طربقد قام في طرب يسعى إلى طرب
من خندريس كعين الديك صافيةمما تخيّرها كسرى من العنب
فالراح من ذهب والكاس من ذهبيا من رأى ذهبا يسقى على ذهب
وقال:
ومعذّر في خدّهورد وفي فمه مدام
ما لان لي حتى تغشّى صبح طلعته ظلام
كالمهر يجمح تحت راكبه ويعطفه اللجام
وقال:
وددت من الشوق المبرّح أننيأعار جناحي طائر فأطير
فما لنعيم لست فيه لذاذةولا لسرور لست فيه سرور
وقال:
قل لمن عاب شامة لحبيبيدون فيه دع الملامة فيه
إنما الشامة التي قلت عنهافصّ فيروزج بخاتم فيه
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع