من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي
شهاب الدين أبو الفوارس المعروف بحيص بيص، الفقيه الأديب الشاعر: كان من أعلم الناس بأخبار العرب ولغاتهم وأشعارهم، أخذ عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وقرأ عليه ديوان شعره وديوان
رسائله، وذكره في «ذيل مدينة السلام» وأثنى عليه، وأخذ الناس عنه علما وأدبا كثيرا، وكان لا يخاطب أحدا إلا بكلام معرب.
وإنما قيل له حيص بيص لأنه رأى الناس يوما في أمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص؟ فبقي عليه هذا اللقب.
مات ليلة الأربعاء سادس شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ببغداد.
ومن تقعّر الحيص بيص في كتابه ما حدّث به بعض أصحابه أنه نقه من مرض فوصف له صاحبه هبة الله البغدادي الطبيب أكل الدراج، فمضى غلامه واشترى دراجا واجتاز على باب أمير وغلمانه يلعبون، فخطف أحدهم الدراج، فأتى الغلام الحيص بيص وأخبره الخبر، فقال له: ائتني بدواة وقرطاس، فأتاه بهما فكتب إلى ذلك الأمير: لو كان مبتزّ دراجة فتخاء كاسر، وقف بها السّغب بين التدويم والتمطر، فهي تعقي وتسفّ، وكان بحيث تنقب أخفاف الإبل لوجب الإغذاذ إلى نصرته، فكيف وهو ببحبوحة كرمك، والسلام. ثم قال لغلامه: امض بها وأحسن السفارة بايصالها للأمير، فمضى بها ودفعها للحاجب، فدعا الأمير بكاتبه وناوله الرقعة فقرأها ثم فكر ليعبّر له عن المعنى، فقال له الأمير: ما هو؟ فقال: مضمون الكلام أن غلاما من غلمان الأمير أخذ دراجا من غلامه، فقال: اشتر له قفصا مملوءا دراجا واحمله إليه، ففعل.
وكتب إلى أمين الدولة ابن التلميذ يطلب منه شياف أبار: أزكنك أيها الطبّ اللبّ الآسي النطاسي النفيس النقريس، أرجنت عندك أمّ خنّور، وسكعت عنك أمّ هوبر، أني مستأخذ أشعر في حنادري رطسا ليس كلسب شبوة، ولا
كنخز المنصحة، ولا كنكز الحضب، بل كسفع الزخيخ، فأنا من التباشير إلى الغباشير لا أعرف ابن سمير من ابن جمير، ولا أحسّ صفوان من همام بل آونة أرجحنّ شاصيا، وفينة أحبنطي مقلوليا، وتارة أعرنزم، وطورا أسلنقي، كل ذلك مع أحّ وأخ، وتهمّ قرونتي أن أرفع عقيرتي بيعاط عاط إلى هياط ومياط، وها لي أول وأهون وجبار ودبار ومؤنس وعروبة وشبار، ولا أحيص ولا أكيص، ولا أغرندي ولا أسرندي فبادرني بشياف الأبار النافع لعلتي، الناقع لغلتي. فلما قرأ أمين الدولة رقعته نهض لوقته وأخذ حفنة شياف أبار وقال لبعض أصحابه: أوصلها إليه عاجلا ولا تتكلف قراءة ورقة ثانية.
ومن شعره يمدح المقتفي لأمر الله:
ماذا أقول إذا الرواة ترنموابفصيح شعري في الإمام العادل
واستحسن الفصحاء شأن قصيدةلأجلّ ممدوح وأفصح قائل
وترنّحت أعطافهم فكأنمافي كلّ قافية سلافة بابل
ثم انثنوا غبّ القريض وضمنهيتساءلون عن الندى والنائل
هب يا أمير المؤمنين بأننيقسّ الفصاحة ما جواب السائل
ودخل ابن القطان يوما على الوزير الزينبي وعنده الحيص بيص فقال: قد عملت بيتين هما نسيج وحده وأنشده:
زار الخيال بخيلا مثل مرسلهفما شفاني منه الضمّ والقبل
ما زارني قطّ إلا كي يوافينيعلى الرقاد فينفيه ويرتحل
فقال الوزير للحيص بيص: ما تقول في دعواه هذه؟ فقال: إن أنشدهما ثانية سمع لهما ثالثا فأنشدهما فقال الحيص بيص:
وما درى أن نومي حيلة نصبتلطيفة حين أعيا اليقظة الحيل
وحدث نصر الله بن مجلى قال: رأيت في المنام علي بن أبي طالب ﵁ فقلت له: يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ثم يتمّ على ولدك الحسين يوم الطفّ ما تم؟ فقال: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ فقلت: لا، فقال: اسمعها منه. فلما استيقظت بادرت إلى دار الحيص البيص، فخرج إليّ فذكرت له الرؤيا فأجهش بالبكاء وحلف بالله أنه ما سمعه منه أحد وأنه نظمها في ليلته هذه، ثم أنشدني:
ملكنا فكان العفو منا سجيةفلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحلّلتم قتل الأسارى وطالماغدونا عن الأسرى نعفّ ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بينناوكلّ إناء بالذي فيه ينضح
ومن شعره أيضا:
العين تبدي الذي في قلب صاحبهامن الشناءة أو حبّ إذا كانا
إنّ البغيض له عين تكشّفهلا تستطيع لما في القلب كتمانا
فالعين تنطق والأفواه صامتةحتى ترى من ضمير القلب تبيانا
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع