من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أبو هفان عبد الله بن أحمد بن حرب بن خالد بن مهزم
بن العرد بن مهزم بن الجوين بن مخاشن بن الصيق بن مالك بن مرة بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو ابن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن حاشد بن
ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد أبي هفّان المهزمي لأمّه، وهو شاعر خطيب، كان على البصرة أيام المأمون، وهو القائل:
كريم له نفس تثبّى بلينهالتدفع عن سلطانها عظم القدر
إذا ما دعته نفسه عظم قدرهدعاه إلى تسكينها عظم القدر
أبو هفان نحوي لغوي أديب راوية من أهل البصرة، وكان مقترا عليه ضيق الحال متهتكا شرابا للنبيذ، روى عنه جماعة من أهل العلم منهم يموت بن المزرع وروى هو عن الأصمعي.
قيل: زار أبو هفان سعيد بن حميد إلى عمل قد كان تولاه فأقام عنده واشتغل عنه ابن حميد أياما بقوم من أهل عمله إلى منازلهم فأجابهم، فقال أبو هفان:
وأغرّ من ولد الملوك كأنهفي عين حاسده الربيع المبقل
قد كان أنزلني ففرّ من القرىوغدا على أهل القرى يتنزل
فأكرمه سعيد وأرضاه وأقام عنده مدة. ثم أنكر أبو هفان تغيرا من أنس كان منه، فانصرف عنه عاتبا عليه، وقال:
قل لابن كسرى سعيد في تتايههما كان كسرى على هذا من الصلف
سعيد يا ابن حميد كنت واسطةمن جوهر العقد فاستأخرت في الطرف
قد كنت تسرف في ذكري وفي صفتيفاليوم صرت ترى ذكري من السّرف
أراك ذا كلف بالمال تجمعهوإنني بالمعالي دائم الكلف
فاذهب فما أنت من شكلي فتصحبنيولا تداني في نفس وفي سلف
حجبت عنك ولم أحسبك تحجبنيعن حرمة ما حمي أنف من الأنف
تيه الفتى بالغنى لؤم ومفسدةللدين والعرض ماح آية الشرف
لقد عهدتك لي دهرا أخا ثقةتودّ أنك تفديني من التلف
فغيّرت ودّك الدنيا وزخرفهاوكان ذاك بأدناها على نطف
ما زلت مذ كنت مسموم السهام وماقصّرت عن غرّة القرطاس في الهدف
إني أعيذك بي من مجتنى غضبيكما أعوذ بودّ منك مؤتنف
لي منك في كلّ من أحببته خلفوليس مني لو استخلفت من خلف
حدث أحمد بن أبي طاهر قال: لما قدم أبو هفان من البصرة اشتملنا عليه فلم يكن يفارقنا، وكنا إذا تمازحنا ذهب بنفسه وقال: أنا لا أمزح باليدين ولا الوالدين، فغاظنا ذلك منه، وكنا نجلّه لمكانه من الأدب والرواية، فلما كثر ذلك علينا من قوله شربنا معه يوما حتى عمل فينا النبيذ وفيه، وكنا نتهيّب الإقدام عليه، فلم نزل حتى صفعناه وصافعنا وترك ما كان عليه.
ومن شعر أبي هفان في إبراهيم بن المدّبر:
يا ابن المدبّر أنت علّمت الورىبذل النوال وهم به بخلاء
لو كان مثلك في البرية آخرفي الجود لم يك بينهم فقراء
ومن شعره من أبيات:
ألا يا عاشق الظبيات جهلاأترضى أن تكون أبا السّفول
أترضى للهوى من ليس يرضىعلى ضيق الهوى ألفي خليل
ومن شعره:
لعمري لئن بيّعت في دار غربةثيابي لمّا أعوزتني المآكل
فما أنا إلا السيف يأكل جفنهله حلية من نفسه وهو عاطل
وله:
ومغن يورث الندمانبالبرد زكاما
لو تغنّى في حريقصار بردا وسلاما
وجدت في بعض الكتب أن دعبل بن علي الخزاعي دعا أبا هفان في دعوة أطعمه ألوانا كثيرة من الحبوب، وسقاه نبيذا حلوا، وغمز الجواري أن لا يدللنه على
الخلاء، ثم تركه وتناوم فلما أجهده الأمر قال لبعض الجواري: أين الخلاء؟ فقالت لها الأخرى: ما يقول سيدي قالت: يقول غنوني:
خلا من آل عاتكة الديارفمثوى أهلها منها قفار
فغنت هذه وزمرت هذه وضربت هذه، وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم وجوّدتم غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي وسكت. فلما أجهده الأمر قال: لعلّ الجارية بغدادية، فالتفت إلى الأخرى فقال لها: فداك أبوك، اين المستراح؟ فقالت الأخرى: ما يقول سيدي، فقالت: يقول غني:
وأستريح إلى من لست آلفهكما استراح عليل من تشكّيه
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم، غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، ثم أجهده الأمر فقال: لعلّ الجارية بصرية لم تفهم ما قلت، فقال للأخرى: أين المتوضا؟ فقالت الأخرى: ما يقول سيدي؟ قالت:
يقول غنوني:
توضأ للصلاة وصلّ خمساوباكر بالمدام على النديم
فضربت هذه وزمرت هذه وغنت هذه وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم وجودتم، غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، ثم قال: لعلهن حجازيات، فقال لاحداهن: فداك أبوك أين الحشّ؟ فقالت الأخرى: ما يقول سيدي؟ فقالت: يقول غنوني:
وحاشاك أن أدعو عليك وإنماأردت بهذا القول أن تقبلي عذري
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحا وسقوه فقال: أحسنتم وجودتم، غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، ثم أجهده الأمر فقال: لعلهن كوفيات فقال: فداكن أبوكن، أين الكنيف؟ فقالت واحدة للأخرى، ما يقول؟ قالت: يقول غنوني:
تكنّفني الواشون من كلّ جانبولو كان واش واحد لكفاني
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحا، فما تمالك حتى وثب قائما
وحلّ سراويله وزرق على وجوههن، فتصارخن، فانتبه دعبل فقال: ما شأنك يا أبا هفان؟ فقال:
تكنّفني السّلاح وأضجرونيعلى ما بي بنّيات الزواني
فلما قلّ عن حمل اصطباريرميت به على وجه الغواني
فقام دعبل فدلّه على الخلاء، فدخل واغتسل، وخلع عليه خلعا، وتضاحكوا مليا.
قال سعيد بن حميد لأبي هفان: لئن ضرطت عليك ضرطة لا بلغنك إلى فيد، فقال له أبو هفان: بادرني بأخرى تبلغني إلى مكة فإني صرورة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع