تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله

بن نصر، أبو محمد بن الخشاب: قال القاضي الأكرم أيضا: كان أعلم أهل زمانه بالنحو حتى يقال إنه كان في درجة أبي عليّ الفارسي، وكانت له معرفة بالحديث والتفسير واللغة والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة، وما من علم من العلوم إلا وكانت له فيه يد حسنة. قرأ الأدب على أبي منصور موهوب الجواليقي وغيره، والحساب والهندسة على أبي بكر ابن عبد الباقي الأنصاري، والفرائض على أبي بكر المرزوقي، وسمع الحديث من أبي الغنائم النرسي وأبي القاسم ابن الحصين وأبي العز ابن كادش وجماعة. ولم يزل يقرأ حتى علا أقرانه، وقرأ العالي والنازل، وكان يكتب خطا مليحا، وجمع كتبا كثيرة جدا، وقرأ عليه الناس وانتفعوا به وتخرج به جماعة.

وروى كثيرا من الحديث: سمع منه الحافظ أبو سعد السمعاني وأبو أحمد ابن

سكينة وأبو محمد ابن الأخضر، وكان ثقة في الحديث صدوقا نبيلا حجة، إلا أنه لم يكن في دينه بذاك، وكان بخيلا متبذّلا في ملبسه وعيشه، قليل المبالاة بحفظ ناموس العلم، يلعب بالشطرنج مع العوام على قارعة الطريق، ويقف في الشوارع على حلق المشعوذين واللاعبين بالقرود والدّباب، كثير المزاح واللعب طيب الأخلاق، سأله شخص وعنده جماعة من الحنابلة: أعندك كتاب الجبال؟ فقال له:

يا أبله أما تراهم حولي؟! وسأله آخر عن القفا يمد أو يقصر فقال له: يمد ثم يقصر.

وقرأ عليه بعض المعلّمين قول العجاج:

أطربا وأنت قنسريّوإنما يأتي الصّبا الصبّيّ

فقال وإنما يأتي الصبيّ الصّبي، فقال له ابن الخشاب: هذا عندك في المكتب وأما عندنا فلا، فخجل المعلّم وقام.

وكان يتعمم بالعمامة فتبقى مدة على حالها حتى تسودّ مما يلي رأسها وتنقطع من الوسخ، وترمي عليها الطيور ذرقها. ولم يتزوّج قط ولا تسرّى. وكان إذا حضر سوق الكتب وأراد شراء كتاب غافل الناس وقطع منه ورقة وقال: إنه مقطوع ليأخذه بثمن بخس، وإذا استعار من أحد كتابا وطالبه به قال: دخل بين الكتب فلا أقدر عليه.

وصنف: شرح الجمل للزجاجي. وشرح اللمع لابن جنّي لم يتم. والردّ على ابن بابشاذ في شرح الجمل. والردّ على الخطيب التبريزي في «تهذيب إصلاح المنطق». وشرح مقدمة الوزير ابن هبيرة في النحو، يقال إنه وصله عليها بألف دينار. والردّ على الحريري في مقاماته.

توفي عشية يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة، ووقف كتبه على أهل العلم، ورؤي بعد موته بمدة في النوم على هيئة حسنة فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قيل: ودخلت الجنة؟ قال: نعم إلا أن الله أعرض عني، قيل: أعرض عنك؟ قال: نعم، وعن كثير من العلماء ممن لا يعمل بعلمه.

ومن شعره:

لذّ خمولي وحلا مرّهإذ صانني عن كلّ مخلوق
نفسي معشوقي ولي غيرةتمنعني من بذل معشوقي

وقال ملغزا في كتاب:

وذي أوجه لكنه غير بائحبسرّ وذو الوجهين للسرّ مظهر
يناجيك بالأسرار أسرار وجههفتفهمها ما دمت بالعين تنظر

وله في شمعة.

صفراء لا من سقم مسّهاكيف وكانت أمها الشافيه
عريانة باطنها مكتسفاعجب لها كاسية عاريه

وقيل:

إذا عنّ أمر فاستشر فيه صاحباوان كنت ذا رأي تشير على الصحب
فإني رأيت العين تجهل نفسهاوتدرك ما قد حلّ في موضع الشهب

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.