من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب
النحوي: أوحد زمانه، وفريد أوانه. مولده ومنشأه بغداد: مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. مات سنة سبع وستين وخمسمائة، ودفن بباب حرب، خلف قبر بشر الحافي. وذكر جماعة من أهل الحديث منهم الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النجار أنهم قرأوا [عليه] جزءا من أمالي أبي الحسن محمد بن محمد بن مخلد البزار، وقد سمع على أبي القاسم علي بن الحسين الربعي، وقد سمعه في سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وقد سمي فيه بأبي محمد بن أبي الكرم الكريدي الخشاب.
أما علمه فكان غاية في الذكاء والفهم، آية في علم العربية خاصة، وفي سائر العلوم عامة. ورأيت قوما من نحاة بغداد يفضلونه على أبي عليّ الفارسي- زعموا أنه كان يعرف جميع ما عرفه أبو علي الفارسي، وزاد عليه في علم الأدب وغيره، لتفننه في جميع العلوم. وقد سمع حديث النبي، ﷺ وأكثر، وتفقّهه وعرف صحيحه من سقيمه، وبحث عن أحكامه، وتبحّر في علومه. ورأيت بخطه كثيرا من كتب الحكمة. وكان حسن السيرة، سالكا طريق الأوائل في هديه وسمته، لا يتكلّف في شيء من أمر ملبوسه وهيئته. وإذا سمعت كلامه ظننته عاميا لا يفقه شيئا. فمما يحكى عنه أنه كان له تلميذ يعرف بابن الزاهد، أرسله يوما إلى السوق ليشتري له نور كوش (؟) فقال له ابن الزاهد: تعرفه يا سيدي؟ فقال له: إلا بعرفه؟ أراد لفظة العامة، وترك التفاصح. وكان مع ما شاع من فضله مشتهرا بلعب الشطرنج، وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودّون مجالسته، ويتمنّون محاضرته، فيتركهم ويمضي إلى حريف له زنجي قبيح الصورة سمج الألفاظ، يعرف بشبيل، فيجلس معه على قارعة الطريق في بعض الدكاكين، ويلاعبه ويسافهه، ويهزأ به، أو يمضي إلى الرحبة، أو إلى شاطىء دجلة فيقف على حلق أرباب الحكايات والشعبذة وما ناسبهم فكان إذا لاموه على ذلك يقول: إنه يندر منهم نوادر لا يكون أحسن منها ولا ألطف، في صحة قرائحهم وتصديهم لما هم بصدده، وتراح النفس لذلك. وكان مع ذلك لا يخلو كمه قطّ من الكتب وأنواع العلوم، وكان بينما هو يمشي في الطريق يخطر له قراءة شيء، فيجلس كيف اتفق، ويخرج الدفاتر، فيطلع فيها، وكان معدودا في القذري الملبس والزي. وسمعت عنه ممن لا أحصي أنه كان يعتمّ العمّة فتبقى أشهرا معتمة حتى تتسخ أطرافها من عرقه فتسودّ. وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق، فتارة تجيء عذبتها من تلقاء وجهه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله فلا يغيرها، فإذا قيل له في ذلك، فيقول: ما استوت العمة على رأس عاقل. هذه كانت حجته. وكان يعجب بمناداة عامة بغداد على معايشهم، وتفننّهم فيها، وإتيانهم بالمعاني الغريبة. وكان يقول: كم خلف هذه الطرازدانات من الخواطر المظلومة لو اشتغلت بالعلوم برّزت على العلماء. وكان الوزير عون الدين بن هبيرة وزعيم الدين ابن جعفر، صاحب المخزن يعاتبانه على تبذله، ويلومانه على ما قدمنا ذكره، فلا
يلتفت إلى لومهما، ولا يترك سجيّته.
ومن نوادره أن بعض من كان يحضر مجلسه قال له يوما: القفا يقصر أو يمدّ؟
فقال: يمد ويقصر. ومنها أنه لما صنف الكمال عبد الرحمن بن الأنباري كتاب «الميزان» في النحو، وعرض على ابن الخشاب، قال: احملوا هذا الميزان إلى المحتسب، ففيه عيب.
وكان بينه وبين ابن الشجريّ العلوي النحوي مفاوضة، وصنّف في الردّ عليه كتبا. وكان يشنأ أصحابه، ويقع فيهم، وكان من أصحاب ابن الشجري محمد بن علي العتابي النحوي، فاتفق أن أهدى ملك كيس إلى بغداد هدايا في جملتها حمار عتابي، فجعل من حضر مجلسه يتفاوضون في [أمره] ويعجبون من حسنه، فقال يا قوم: لا تعجبوا من الحمار العتابي فهوذا عندنا عتابي حمار فلا تعجبون منه.
ومنها أنه كان يوما في داره في وقت القيلولة، والحرّ شديد وقد نام، إذ طرق الباب عليه طرقا مزعجا فانتبه وخرج مبادرا، وإذا رجلان من العامة، فقال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كل واحد منا قصيدة، وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه، وقد رضينا بحكمك. فقال: ليبدأ أحدكما. قال: فأنشد أحدهما قصيدته، وهو مصغ إليه، إلى أن فرغ منها، وهمّ الآخر بالإنشاد، فقال له ابن الخشاب: على رسلك، شعرك أجود، فقال: كيف خبرت شعري ولم تسمعه؟
فقال: لأنه لا يمكن أن يكون شيء أنحس من شعر هذا.
وجدت على ظهر كتاب بخط ابن الخشاب: أنشدني ابن الخازن الكاتب لابن الحجاج:
والسعيد الرشيد من شكر الناس له سعيه بمال الناس
فقلت في الحال هادما ومقابلا:
والشقيّ الشقي من ذمّه الناسعلى بخله بمال الناس
فأنشدته ذلك، فقال ابن الخازن: هذا والله خير من قول ابن الحجاج. وصدق هو خير منه، هكذا قال الشيخ عن شعر نفسه.
ومن شعره ملغزا في الكتابة:
وذي أوجه لكنه غير بائح
البيتان
ومما قيل: إن الإمام أبا شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي قال ببخارى: لما دخلت بغداد، قرأ عليّ أبو محمد ابن الخشاب كتاب «غريب الحديث» لأبي محمد القتبي قراءة ما سمعت قبلها مثلها في السرعة والصحة. وحضر جماعة من الفضلاء سماعها، وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسان، فما قدروا على ذلك.
وسمعت جماعة كثيرة من أهل بغداد ينسبون إلى الشيخ أبي محمد ابن الخشاب هذه القصيدة في التصحيف والتحميض، وسمعت من يقول إنها منحولة إليه:
ما بال عينك يجري دمعها دررالما علا الرأس شيب لاح كالقطن
تبكي وقد سلبتك الغانيات بهعيشا رغيدا فأضحى القلب في رهن
تبكي الشباب وقد أخلقت جدّتهويهلك الدهر منك العظم بالوهن
كم قد تجرّعت من شرخ الصبا قدحامن خمر عانة ينفي طارق الوسن
فالآن قد قرعتك الحادثات وقدجرّبت فيها أعاجيبا من الزمن
جربت فيما خلا ما حنكتك بهيد التجارب حتى العمر منك فني
فأصبح الشيب فاش في العذار وهلمن بعد ذلك من أمر لذي فطن
سارت بقلبك أظعان هوادجهافيها حرائر لم تبذل ولم تهن
نواهد قاصرات الطرف إن طرقتوهنا عليك أزالت لذة الوسن
وربّ جارية فيها إذا انتسبتتعزى إلى خير بطن من بني الحسن
تسقيك من يدها في القحف صافيةحمراء تنسيك طعم الخمر واللبن
قست عليك فأضحى قلبها حجرافاخضع لتحرز حسن الوصل فامتتن
تشتمّ من ثغرها مسكا إذا فتقتنوافج المسك شابته ولم تزن
دع ذا وكن بالذي أوصيك محتفظاإن كنت حرا فخذ وصلا بلا ثمن
اصبر لطارق أيام نوازلهاتزعزع الطّود من ثهلان أو حضن
وإن جرى قدر فيها بنازلةساءت فعن قدر يأتيك بالحسن
لا تلو رأسك للأضياف إن طرقواواخفض جناحك من ذلّ لهم ولن
واذكر إذا قمت يوم العرض منتفضامن التراب بلا قطن ولا كفن
وجيء بالنار قد مدوا السراط علىحافاتها تتلظى فعل مضطغن
وتنشر الصحف فيها كلّ محتقبمن المخازي وما قدمت من حسن
قد كنت تنسى وتلك الصحف محصيةما كنت تأتي ولم تظلم ولم تخن
احرز لسانك في استجلاب فائدةفالصامت البرّ خير من ذوي اللسن
هناك إن كنت قد قدّمت مدّخراتسقى من الحوض ماء غير ذي أسن
عند الجزاء تعضّ الكفّ من ندمعلى تخطيك في سرّ وفي علن
بالبذل تعرف فابذل ما حويت تحزذكرا جميلا فثق بالله واستعن
واستصف عمرك واحذر أن تكدّرهتسلم بذلك من غبن ومن غبن
وإن أتى باسطا كفيه مختبطالما وراءك من مال ومختزن
فجد فبالجود تعطى الحقّ في غرففيها مقاعد صدق عند ذي المنن
لا تركننّ إلى الدنيا ففي جدثيكون دفنك بين الطين واللّبن
واستغن بالكفّ كالماضي وكن رجلامبرءا من دواعي الغيّ والفتن
ودع مذاهب قوم أحدثت إثمافيها خلاف على الآثار والسنن
كل من جرابك واقنع بالذي قسمالقسّام فالله ذو فضل وذو منن
لا تحسدنّ فما للحاسدين سوىعضّ الأنامل من غيظ ومن إحن
ومن شعرة قصيدة نظمها في زعيم الدين ابن جعفر صاحب المخزن، وكان قد ورد من مكة، يعتذر فيها عن تأخره عن قصده بطريق مرض عرض له في رجله:
لئن قعدت بي عن تلقّيك علّةغدوت بها حلسا لربعي من شهر
رمتني في رجلي بقيد تقاصرتخطاي له والقيد ما زال ذا قصر
إذا قلت قد أفرقت منها تجدّدتفأودى بها نهضي وهيض لها كسري
فما قعدت بي عن دعاء أفيضهولا قصّرت بي عن ثناء وعن شكر
قدمت علينا مثل ما قدم الحياعلى بلد ميت فقير إلى القطر
فأصبح مغبرّ البلاد مؤزّرابه زهر غضّ كأخلاقك الزّهر
وعدت وبالبيت الحرام صبابةإليك وبالركن المعظم والحجر
وللحجر المسودّ نحوك صبوةللثمك إياه بأبيض ذي نشر
وقد صحب الحجاج منك مباركاغزير الندى طلقا محيّاه ذا بشر
أخا كرم إن أخلف الغيث أخلفتيداه بمنهلّ من البيض والصّفر
فكلّهم مثن عليك وشاكرلنعماك مغمور بنائلك الغمر
خصصتك بالمدح الذي أنت أهلهفجاءك من صدر امرىء ناحل الصدر
وأيسر ما أخفيه ما أنا مظهرفدع عنك شعري، جلّ قدرك عن شعري
ومن شعره في زعيم الدين المذكور، من أبيات وقد ورد كتابه من فيد:
فإن تك محرما من ذات عرقفقد حرّمت غمضي بالعراق
فها فتوى أتتك فقل سريعاتبرّز سابقا يوم السباق
شمائلك الشّمول فكيف تقضيفروض الحج بالكأس الدهاق
وأنت الطيب إن صافحت كفاتحلل محرما بدم مراق
ولما جاءت البشرى بكتبفكانت كالقميص على الحداق
ضممت إلى الفؤاد كتاب فيدفضاعف برده حرّ اشتياقي
وقبلت المداد فخلت أنيأقبّل ذا لمى حلو العناق
فخبّر بالسلامة ثم نبىءفإن الماء ضاق عن الرفاق
وكيف يضيق ماء عن حجيجوسحب يديك ماء ذو انبعاق
سلمت على الأنام ولي خصوصوحاطك رافع السبع الطباق
اجتمع جماعة من الحنابلة بمسجد ابن شافع الحنبلي برأس درب المطبخ يسمعون كتاب ابن مندة في فضائل أحمد بن حنبل ومحنته في القرآن، وما جرى له مع الخلفاء من بني العباس، فذموهم ولعنوهم، وذموا أبا حنيفة والأشعري، وكان
الكتاب يقرأ على ابن الخشاب، فأنكر عليهم إنسان دمشقي فقيه وقال: هذا لا يجوز. تلعنون أئمة المسلمين، وفقهاء الدين. فقاموا إليه وسبّوه، وهموا به.
ووصل الخبر إلى الخليفة، فتقدم إلى حاجب الباب بأخذهم وأخذ ابن الخشاب، وأن يركبوا بقرا ويشهّروا بالبلد. فقبض على جماعة منهم، وهرب ابن الخشاب، فلحق بالحلة إلى أن شفع فيه، فعاد، فقال ابن الخشاب في غيبته:
إذا دار السلام نبت بمثليفجنّبت السلامة والسلاما
ولا جرت الصّبا إلا سمومابها وهمت سحائبها سماما
وكتب إلى الخليفة يستعطفه، وهو المستنجد بالله:
ألا قل لمستنجد بالإلهبعدلك أصبحت مستنجدا
وما لي ذنب سوى أننيشأوت بني زمني أمردا
وإني وإن عدّت المشكلاتكنت الهزار وكانوا الصدى
حدث الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود النجار في مجلس مفاوضة، قال: حدثني شيخنا مصدق بن شبيب الواسطي النحوي قال: قدمت من واسط إلى بغداد في طلب العلم والنحو، وكان الشيخ أبو محمد هو المشار إليه في الدنيا بهذا الشأن، فأحببت مكاثرته والأخذ عنه، ولم يكن له مجلس في وقت معلوم فأقصده إليه، وإنما كان على حسب أغراضه تارة يلعب بالشطرنج، وتارة يجلس إلى عطار في السوق، وتارة في دار الوزير والأكابر، فكنت له بالرصد، ليس همي إلا تتبعه. فقال لي يوما: يا هذا قد أبرمتني وآذيتني بكثرة اتباعك لي، وما مثلي ومثلك إلا رجل من أبناء الثروة والصلاح، وكان له ولد في غاية التخلف والإدبار، قد ألهم محبة القمار، وكان يفسد أموال أبيه، ولا يزال يجيئه عريان وقد قمر ثيابه وجميع ما عنده، ويسرق أمواله، ويفسدها في ذلك، فحضرت الشيخ الوفاة فاستدعى ولده، وقال له: يا بنيّ، يقال أنفك منك وإن كان أجدع، والله ما كنت أحبّ أن يكون لي ولد مثلك، ولكنّ أمر الله لا يرفع، وقد علمت أنك لا تترك هذه العادة السيئة بعد موتي إذ كنت لم تتركها في حياتي، ولكن أحب أن تطيعني في شيء واحد، وتقسم لي بالله وبأيمان البيعة أنك تعمل بها: إذا أنا مت وملكت مالي فلا تقامر إلا مع من يجمع الناس على
أنه أحذق الناس بالقمار وأعرفهم به، فهذا ما لا ضرر عليك فيه، وتكون قد بررتني بقبولك قولي. فحلف له الغلام على ذلك، وتوثق منه بجهده. ثم مات الشيخ، واستولى الغلام على أمواله، وحازها، وشرع فيما يحبّ، وجعل يسأل عن أحذق الناس به، فدلّ على رجل بالكرخ، فجاءه وسأله أن يلاعبه. فقال: ما بيني وبينك من المودة ما يقتضي هذا فما سبب اختيارك ملا عبتي من دون الناس؟ فخبره بوصية أبيه واليمين التي أخذها عليه. فقال له: إذا كان الأمر على هذا فلا يجوز لك اللعب معي، فإن أستاذي بواسط وهو أحذق مني، ومنه تعلمت فسر إليه. فانحدر إلى واسط فلقي كهلا من الرجال محارفا ضيّق المعيشة، فسأله الملاعبة فجرى الأمر معه كما جرى مع الأول. فقال له: لا يحلّ لك ملاعبتي، فإن أستاذي وأستاذ الناس كلهم بالبصرة، فامض إليه، وبرّ يمينك. فسار الغلام حتى دخل البصرة، وسأل عن الرجل فدلّ عليه فوجده يوقد في بعض أتاتين الحمامات، فسلّم عليه، وسأله الملاعبة، فقال: دعني حتى أتفرغ مما أنا بصدده، فجلس ينتظره حتى إذا تمّ أخذه ودخل إلى منزله، فوجده على غاية الحرفة والشّعث وسوء الحال، ومدّ يده فأخذ آلة القمار وهي في زاوية البيت قد علاها الغبار، ثم قال له: يا ولدي، أضاقت الدنيا عليك ما وجدت غيري يلاعبك؟ فأخبره بالقصة، فرمى الشيخ الفصّ من يده، وأفكر ساعة، ثم قال: يا ولدي أتدري ما أراد والدك بما أحلفك عليه؟ فقال: لا. قال:
إنه أراد أن يعرفك أن مثلي وهو أستاذ الدنيا في هذا الشأن يوقد في الأتون، ومنزله وحاله كما ترى. وإن عاقبة أمرك تصير إلى الوقيد في الحمام. فارتدع يا ولدي، وانظر فيما تصلح به أمر دنياك. قال فانتفع الغلام بذلك، وتاب إلى الله منه، وراجع التجارة في دكان أبيه وصلح حاله. وكذا يا مصدق أنا، وأنت تتبعني وتضجرني حتى تصير مثلي، وأنا بزعمك شيخ الدنيا، فأيش أعجبك من أحوالي واكتسابي:
أحشمي؟ أغلماني؟ أدوري أم عقاري؟ اعلم يا ولدي أنّ طلب النحو أكثر من إصلاح اللسان حرفة.
قال الشيخ أبو محمد: قصدت الغريّ في بعض الأعوام لزيارة مشهد أمير المؤمنين علي، ﵇، وكان خروجنا من الحلّة السيفية، وكان في الصحبة علويّ يعرف بابن الشوكية، وهو من سكان المشهد، وكان نعم المصاحب، فنزل بنا
ليلا على بطن من خفاجة ليستصحب معنا منهم خفيرا، فأكرموا نزلنا، وجاء منهم في الليل صبيّ ما أظنه بلغ سبعا، وعليه آثار مرض قد نهكه فسلّم علينا، فقال له العلوي: ما بك يا فلان وسمّى الصبيّ، فقال مجيبا له: بي أنّ لي كذا وكذا- وعدّ مدة- أجهد وأمعد. يريد بأجهد أفعل من قولك: رجل مجهود ومن جهد الحمى، وأمعد أي يصيبني وجع في المعدة. يقال: معد فهو ممعود، كما يقال كبد فهو مكبود إذا أصاب كبده مرض، وكذا فئد فهو مفؤود، وباقي الأعضاء على ذاك. وكذا يقال في من أصيب هذا العضو منه برمّته. يقال في الصيد: أميدّى أم مرجول أي أصيبت يده أم رجله، فتعجبت من فصاحة الصبي. وكان معنا في الرفقة شيخ من أهل المشهد، فسمعته، وقد أعيا من السير يقول لعبد له: يا مقبل فرّكنى، فقلت لبعض من معنا:
ما معنى قوله: فركني؟ فقال: يريد غمّزني ليزول تعبي. فقلت: لا إله إلا الله، خالق ذلك الصبيّ وهذا الشيخ واحد، فكم بين اللسانين والسنّين.
وكان الشيخ أبو محمد يؤدب أولاد المستنجد: المستضيء وأخاه الأمير أبا القاسم. وكان يشتدّ عليهما في التعليم. فلما أفضى الأمر إلى المستضيء رضي ابن الخشاب أن يخلص منه رأسا برأس، وذلك أنه كان يظهر منه تفضيل أخيه عليه، فلم يذكّره بنفسه. قال العدل مسعود بن يحيى بن النادر: وكنت يوما بين يدي المستضيء فقال: كلّ من نعرفه قد ذكّرنا بنفسه، ووصل إليه برّنا إلا ابن الخشاب.
فما خبره؟ فاعتذرت عنه بعذر اقتضاه الحال. ثم خرجت فعرّفت ابن الخشاب ذلك، فكتب إليه هذين البيتين:
ورد الورى سلسال جودك فارتوىووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفّة من زحمةوالورد لا يزداد غير تزاحم
قال ابن النادر: فأخذتها منه، وعرضتها على المستضيء، فأمر له بمائتي دينار، فقال لو زادنا لزدناه.
وما أنشد لنفسه:
أفديه من متعجّب متجنبقد ضنّ ضنا بالخيال الطارق
ما زال يمطلني بوعد كاذبحتى تكشّف عن صدود صادق
وله:
أقطّع الليل بلا رقادبل بسهاد دائما سهاد
لذا تراني أرقا أناديقد أسر النوم فهل من فادي
كان أبو محمد ابن الخشاب كثير الكتب جدا، وكان له دار في باب المراتب، وكان عنده صفّة عظيمة ملأى جزازا ودفاتر، وقطّ ما استعار من أحد كتابا فردّه عليه، وكان إذا طلبه صاحبه منه يقول له: هو في هذا الجزاز، ومن يقدر على تخليصه منه؟
فيأيس صاحبه ويسكت.
وكان حادّ الخاطر جدا، جاءه يوما الشيخ مكي بن أبي القاسم الحافظ، وهو في مجلسه، وبين يديه جماعة يقرأون عليه، فقال: يا سيدي، بلغني أن للأصمعي كتابا سماه «الجبال»، هل هو عندك؟ فقال له: أنت أعمى، أما ترى الجبال قدامي؟ أشار به إلى تلك الجماعة التي تقرأ عليه.
قرأت بخطّ النقيب قثم بن طلحة بن الأنفي، قال لي الصدر بن الزاهد: دخلت على الفخر بن المطلب يوما فقال لي: من أين جئت؟ فقلت: من العودة. فقال:
واجتزت بعقد المصطنع؟ قلت: نعم، فقال: من أي عقديها دخلت؟ فتوقفت، لأنه كان كثير الولع بالناس. فقال: من العقد الذي حزّوا فيه رأس الحسين بن علي، ﵇، وتكره الشيعة الدخول فيه أم العقد الآخر؟ فقلت: العقد الآخر.
قال: يا سبحان الله، أنا أذكر بناء هذين العقدين في أيام المستظهر بالله، وأعرف هذا الموضع، وليس به عقد أصلا، فما أعلم من أين أحدث الناس هذا الخبر، والحسين، ﵇، قتل قبل بناء بغداد بأعوام كثيرة. فقلت: حكى ابن الخشاب قال، قالت أمي: ما أراك تصلي صلاة الرغائب على عادة الناس. فقلت:
يا أمي، إنما أوثر من الصلوات ما ورد عن النبي ﷺ، أو صحابته، وهذه الصلاة لم ترو عن النبي، ﷺ، ولا عن أحد من أصحابه. فقالت: لا أسمع ذلك منك، فاسأل لي ابن عمتي- وكان الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي ابن عمتها- فاتفق أني لقيته، فقلت له: الوالدة تسلّم عليك، وتسألك عن صلاة الرغائب، هل وردت عن الرسول أو صحابته؟ فقال لي: فهلا أخبرتها بحقيقة ذلك؟ فقلت: قد أبت إلّا أن
أخبرها عنك. فقال: سلّم عليها، وقل لها، أنا أسنّ منها، فإنها أحدثت في زمني وعصري، وقد مضت برهة، ولا أرى أحدا يصليها، وإنما وردت من الشام، وتداولها الناس حتى أجروها مجرى ما ورد من الصلوات المأثورة.
كان بعض المعلمين يقرأ على الشيخ أبي محمد شيئا من الأدب فجاء فيه قول العجاج:
أطربا وأنت قنّسريّوإنما يأتي الصبا الصبيّ
فقال المعلم: إنما يأتي الصبيّ الصبيّ. فقال له: هذا عندك في الكتاب، وفقك الله، وأما عندنا فلا. فاستحيا المعلم.
ومن تصانيفه: كتاب شرح اللمع إلى باب النداء في ثلاث مجلدات ضخمة رأيتها بخطه. كتاب شرح المقدمة التي ألفها الوزير ابن هبيرة. وبلغني أنه وصله بألف دينار حتى شرحها له. كتاب هادية الهادية في الرد على ابن بابشاذ في شرح الجمل.
كتاب الرد على أبي زكريا التبريزي في تهذيب «إصلاح المنطق»، ردود على العنماء كثيرة، لم تتم إذا تأملها العالم عرف موضعه من العلم. كتاب ما غلط فيه أبو القاسم ابن الحريري في المقامات. كتاب المرتجل في شرح جمل عبد القاهر.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع