من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عبد الله بن عبد العزيز البكري أبو عبيد الأندلسي
كان أميرا بساحل كورة لبلة، وصاحب جزيرة شلطيش، بلد صغير من قرى اشبيلية على البحر. وكان مقدما من مشيخة أولي البيوتات وأرباب النعم بالأندلس، فغلبه ابن عباد صاحب اشبيلية على سلطانه ببلده المذكور، فلاذ بقرطبة، ثم صار إلى محمد بن معن صاحب المرية، فاصطفاه لصحبته، وآثر مجالسته والأنس به، ووسّع راتبه.
قال ابن خاقان: رأيته وأنا غلام في مجلس ابن منظور وله شيبة يروق العيون إيماضها، ويفوق السواد بياضها، وقد بلغ سن ابن محلم، وهو يتكلم فيفوق كلّ
متكلم. فجرى ذكر ابن مقلة وخطّه، وأفيض في رفعه وحطه، فقال:
خطّ ابن مقلة من أرعاه مقلتهودّت جوارحه لو أصبحت مقلا
وكان ملوك الأندلس تتهادى مصنفاته تهادي المقل للكرى، والآذان للقرى.
ومن شعره:
أجدّ هوى لم يبل دهرا تجدداووجدا إذا ما أتهم الوجد أنجدا
وما زال هذا الدهر يلحن في الورىفيرفع مجرورا ويخفض مبتدا
ومن لم يحط بالناس علما فإننيبلوتهم شتّى مسودا وسيّدا
وكان، ﵀، معاقرا للراح لا يصحو من خمارها، ولا يمحو رسم داره من مضمارها، ولا يريح إلا على تعاطيها، ولا يستريح إلا إلى معاطيها، وقد اتخذ إدمانها هجيراه، فلما دخل رمضان طالبته نفسه بها، وخاف واشيا يشي به، فقال يخاطب نديمين له:
خليلي إني قد طربت إلى الكاسوتقت إلى شمّ البنفسج والآس
فقوما بنا نلهو ونستمع الغناونسرق هذا اليوم سرّا من الناس
فإن فطنوا كنا نصارى ترهّبواوإن غفلوا عدنا إليهم من الراس
وليس علينا في التعلّل ساعةوإن وقعت في عقب شعبان من باس
بيت:
متى تخطىء الأيام فيّ بأن أرىبغيضا تنائي أو حبيبا تقرّب
فصل من كلامه يهنىء الوزير أبا بكر ابن زيدون بالوزارة: أسعد الله بوزارة سيدنا الدنيا والدين، وأجرى لها الطير الميامين، ووصل بها التأييد والتمكين، والحمد لله على أمل قد بلغه، وجذل قد سوّغه، وضمان حقّقه، ورجاء صدقه، وله المنّة في ظلام كان أعزه الله صبحه، ومستبهم غدا شرحه، وعطل نحر عاد حليه،
وضلال دهر صار هديه:
فقد عمر الله الوزارة باسمهوردّ إليها أهلها بعد إقصار
جمع كتابا في أعلام نبوّة نبيّنا، ﵇، أخذه الناس عنه إلى غير ذلك من تواليفه.
توفي في شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع