تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

عبد الله بن الزبير وهو ابن المعتز،

ماذا روى «معجم الأدباء» عن عبد الله بن الزبير الأسدي؟

قيل، واسم المعتز محمد بن جعفر بن المتوكل بن أبي إسحاق المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله

المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا العباس. مات في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين مقتولا.

زعموا أن مولده في شعبان سنة سبع وأربعين ومائتين.

كان غزير الأدب وافر الفضل، نفيس النفس، حسن الأخلاق، وقد أخذ من كل فن من العلوم بنصيب. فأما شعره فهو الغاية في الأوصاف والتشبيهات، يقر له بذلك كل ذي فضل، وقد لقي طائفة من جلة العلماء كأبي العباس المبرد وثعلب، وتأدب عليهما، ولقي أبا علي الحسن بن عليل العنزي، وروى عنه. وروى عنه شعره جماعة منهم أبو بكر الصولي. فمن أشعاره ما كتبه إلى أبي العنبس بن أبي عبد الله بن حمدون المغني:

حتّام يا من أهوى مودتهينقطع الوصل حين يتصل
إذا التقينا فالهجر ناحيةيضحك منا والوصل محتفل

فأجابه:

لم ينأ من لم تزل مودّتهولا افترقنا والحبل متصل
وليس ودّي مما يغيّره الدهر بأحداثه فينتقل

وكتب إلى أبي الطيب القاسم بن محمد النميري في يوم عيد، وكان النميري من أهل الأدب والعقل، مليح الشعر، رقيق الطبع، وكان له نعمة واسعة، وكان ابن المعتز يأنس به:

بأبي هل حلا بعينيك شيءهو أسلاك يا خليلي بعدي
كلّ شيء مرّ إذا لم تزرنيوهو عذب إذا رأيتك عندي

فأجابه:

سيدي أنت لم تردني فماذاحيلتي إذ شقيت منك بصدّ
يعلم الله ما أعالج من شوقي ومن حسرتي وغمّي ببعدي

وكتب إليه أيضا ابن المعتز:

يا أبا العباس قد شممّر شعبان إزاره
ومضى يسعى فما يلحق إنسان غباره
فاغد نشرب صفوة الكأس ونسلبه وقاره
وإذا ذكر العذل شربنا بادكاره

قال ابن المعتز وقد تواترت أمطار كثيرة:

روينا فما نزداد يا ربّ من حياوأنت على ما في النفوس شهيد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «روينا فما نزداد يا رب من حيا»
سقوف بيوتي صرن أرضا أدوسهاوحيطان داري ركّع وسجود
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «روينا فما نزداد يا رب من حيا»

حدث جعفر بن قدامة قال: كنا يوما عند عبد الله بن المعتز، وكان له جارية اسمها مسرّة، وكان يحبّها ويهيم بها، فخرجت علينا من صدر البستان في زمن الربيع، وعليها غلالة معصفرة، وفي يدها حيّاني من باكورة باقلاء، فقالت له: يا سيدي، تلعب معي حياني؟ فالتفت إلينا، وقال على بديهته من غير توقف ولا تفكّر:

فديت من مرّ يمشي في معصفرةعشية فسقاني ثم حياني
وقال تلعب حياني فقلت لهمن جاد بالوصل لم يلعب بهجران

عن المبرد قال: كان لعبد الله غلام اسمه نشوان، وكان يهواه ويحبه حبا مفرطا، وكان من أحسن الناس وجها وغناء، فجدر ثم عوفي. قال المبرد: فدخلت على ابن المعتزذات يوم، فقال لي: قد عوفي نشوان، وعاد إلى أحسن ما كان، وقد قلت فيه بيتين:

لي قمر جدّر لما استوىفزاده حسنا وزالت هموم
أظنه غنّى لشمس الضحىفنقّطته طربا بالنجوم

قال المبرد: وغضب نشوان هذا عليه، فاجتهد في إصلاحه فأعياه فقال:

بأبي أنت قد تماديت في الهجر والغضب
واصطباري على صدودك يوما من العجب
ليس لي إن فقدت وجهك في العيش من أرب
رحم الله من أعان على الصلح واحتسب

قال المبرد: فمضيت إلى الغلام فلم أزل أداريه وأرفق به حتى ترضّيته، وجئت به، فجلس يغني وغنّت ارياف جارية ابن المعتز في هذا الشعر ومرّ لنا يوم ما رأيت أحسن منه ولا أطيب.

وكانت بنت الكراعة المغنية تألف ابن المعتز، ثم انقطعت عنه، فقال:

ليت شعري بمن تشاغلت عنيفهو لا شكّ جاهل مغرور
هكذا كنت مثله في سروروغدا بالهموم مثلي يصير

وحدث أبو منصور الثعالبي قال: لما ورد أبو حفص السهروردي على الصاحب ابن عباد، وقدمه إليه بعض كتابه فجاراه الصاحب في مسائل لم يحمد أثره فيها، وكان في بصره سوء، فقال الصاحب يداعبه:

وكاتب جاءنا بأعمىلم يحو علما ولا نفاذا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وكاتب جاءنا بأعمى»
فقلت للحاضرين كفوافقلب هذا كعين هذا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وكاتب جاءنا بأعمى»

ثم استنشده فأنشده أبياتا:

دعوت على ثغره بالقلحوفي شعر طرته بالجلح
لعل غرامي به أن يقلّفقد برّحت بي تلك الملح

فقال الصاحب: نسجت على منوال جميل في قوله:

رمى الله في عيني بثينة بالقذىوفي الغرّ من أنيابها بالقوادح
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «رمى الله في عيني بثينة بالقذى»

وما أحسنت بعض إحسان ابن المعتز في قوله:

يا ربّ إن لم يكن في وصله طمعوليس لي فرج من جور هجرته
فاشف السقام الذي في سحر مقلتهواستر ملاحة خديه بلحيته

ولعبد الله بن المعتز في عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد وولده القاسم أشعار كثيرة، منها في الوزير:

عليم بأعقاب الأمور كأنهبمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «عليم بأعقاب الأمور كأنه»
إذا أخذ القرطاس ظلت يمينهتفتّح نورا أو تنظّم جوهرا

وله:

لآل سليمان بن وهب صنائعإليّ ومعروف لديّ تقدّما
هم علّموا الأيام كيف تبرّنيوهم غسلوا من ثوب والدتي الدما

ومن شعره:

إني غريب بدار لا أنيس بهاكغربة الشعرة السوداء في الشّمط
ما أطلق العين في شيء أسرّ بهفلست أبدي الرضى إلا على سخط
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «إني غريب بدار لا كرام بها»

وله:

أليس من الحرمان حظّ سلبتهوأحوجني منه البلاء إلى العذر
فصبرا فما هذا بأول حادثرمتني به الأيام من حيث لا أدري

وحدث ابن المعتز، قال: كانت جدتي أم المعتز بالله لما تعرضت للشعر تعيبه عندي وتقبّحه إلي، وأنشدتني:

الكلب والشاعر في حالةيا ليت أني لم أكن شاعرا
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة
هل هو إلا باسط كفّهيستمطر الوارد والصادرا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «الكلب والشاعر في منزل»

أول ما صنف في صنعة الشعر عبد الله بن المعتز كتابا صغيرا سماه كتاب البديع. وذكر أن البديع اسم لفنون الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأخرين منهم.

فأما العلماء باللغة والشعر القديم الجاهلي والمخضرمي والعربي، فلا يعرفون هذا

الاسم، ولا يدرون ما هو، قال: وما جمع فنون البديع غيري، وما سبقني إليه أحد.

ومن شعره:

والريح تجذب أطراف الرداء كماأفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «يا دار يا دار أطرابي وأشجاني»

ومن منثور كلامه: الحكمة شجرة تنبت في القلب، وتثمر في اللسان.

النصح بين الملأ تقريع. المتواضع من العلماء أكثرهم علما، كما أن المنخفض من الأرض أكثر البقاع ماء. إذا زاد العقل نقص الكلام. الشفيع جناح الطالب. الدار الضيقة العمى الأصغر. المرض حبس البدن، والهم حبس الروح. المعرفة بالفضيلة عليك فضيلة منك. من لم يتعرض للنوائب تعرضت له. النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها أن لا تجد حطبا، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، ولكن فقد الحاملين سبب عدمه. المعروف غلّ لا يفكّه إلا شكر أو مكافأة. ما عفا عن الذنب من قرّع به. ما أدري ماذا أمرّ، موت الغنيّ أو حياة الفقير؟ كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا فيها. العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم.

وكتب النميري إلى ابن المعتز في يوم خميس صامه:

أبا العباس يا خير الأنامتصوم وليس ذا وقت الصيام
فهل لك في ندام أخ ظريفيساعد في الحلال وفي الحرام

قال ابن المعتز: وكتب إليّ بعض أهلي من النساء:

فهبني مسيئا كالذي قلت ظالمافعفوا جميلا كي يكون لك الفضل

وهذا الشعر مقولها فأجبتها:

غفرت ولو كانت ذنوبك كالحصىوعندي إذا جربتني خلق سهل
وفي القلب مني شافع من هواكموجيه فلا قول يعاب ولا فعل

قرأت بخط أبي علي بن أبي إسحاق الصابي لابن المعتز:

دعوا الأسد تفرس في غابهاولا تدخلوا بين أنيابها
قتلنا أمية في دارهاوكنا أحقّ بأسلابها
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ألا من لعين وتسكابها»
ورثنا ثياب نبيّ الهدىفلم تجذبون بأهدابها
لكم حقكم يا بني بنتهولكن بنو العم أولى بها

ولابن المعتز في أبي تمام:

لست تنفكّ طالبا لوصالمن حبيب أو راغبا في نوال
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
أيّ ماء لحرّ وجهك يبقىبين ذلّ الهوى وذل السؤال
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

وله:

أيا أسفا على ما فات مماأشاهد من خلائقك الكرام
وما في القرب منك من المعاني اللواتي قد فقدن من الأنام

ومن شعره:

كم تائه بولايةوبعزله يغدو البريد
سكر الولاية طيبوخماره صعب شديد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «كم تائه بولاية»

كان عبد الله بن المعتز يقول: لو لم تقل العرب إلا هذا البيت الواحد لكان لها الفضل على الناس:

أمستوحش أنت لما أسأتفأحسن متى شئت واستأنس

ولما قتل قال فيه ابن بسّام يرثيه:

لله درك من ميت بمضيعةناهيك في العلم والآداب والحسب
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
ما فيه لولا ولا ليت فتنقصهوإنما أدركته حرفة الأدب

ومن شعره:

أشكو إلى الله أحداثا من الزمنبرينني مثل بري الدرج بالسّفن
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
لم تبق في العيش لي إلا مرارتهإذا تذوقته والحلو منه فني
يا نفس صرا وإلا فاهلكي جزعاإن الزمان على ما تكرهين بني
لا تحسبي نعما سرّتك صحبتهاإلا مفاتيح أبواب من الحزن
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ما المرء إلا كعنز السوء يضربهسوط الزمان ولا يمشي على سنن

قال بعض من كان يخدمه: إن عبد الله بن المعتز، خرج يوما يتنزه ومعه ندماؤه وقصد باب الحديد وبستان الناعورة، وكان ذلك آخر أيامه، فأخذ خزفة وكتب بالجص:

سقيا لظل زمانيودهري المحمود
ولّى كليلة وصلقدّام يوم صدود

قال: وضرب الدهر ضربانه، ثم عدت بعد قتل ابن المعتز، فوجدت خطه خفيّا، وتحته مكتوب:

أف لظل زمانيوعيشي المنكود
فارقت أهلي وإلفيوصاحبي وودودي
ومن هويت جفانيمطاوعا لحسود
يا رب موتا وإلافراحة من صدود

ومصنفاته: كتاب الزهر والرياض. كتاب البديع في صناعة الشعر. كتاب مكاتبات الإخوان بالشعر. كتاب الجوارح والصيد. كتاب السرقات. كتاب أشعار الملوك.. كتاب الآداب. كتاب حلى الأخبار. كتاب التفات الشعراء المحدثين، كتاب الجامع في الغناء. كتاب أرجوزة في ذم الصبوح.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.