من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان
أبو محمد الفارسي النحوي، من أهل فسا: أحد من اشتهر اسمه، وعلا قدره، وكثر علمه. جيد التصنيف، مليح التأليف، قرأ على المبرد وصحبه، ولقي ابن قتيبة، وأخذ عنه. مات سنة سبع وأربعين وثلاثمائة في خلافة المطيع.
قال أبو محمد ابن درستويه النحوي، قال البحتري، وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد، وسلكنا مسلكا في المذاكرة: أشعرت أنني سبقت الناس إلى قولي:
سقى الغيث أكناف الحمى من محلةإلى الخيف من رمل اللوى والمعاهد
ولا زال مخضرّ من الأرض يانععليه بمحمرّ من الأرض جاسد
يذكّرنا ريّا الأحبة كلّماتنفّس في جنح من الليل بارد
شقائق يحملن الندى وكأنهادموع التصابي في خدود الخرائد
ومن لؤلؤ في الأقحوان منظّمعلى لمة مصفرّة كالفرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلتإليها بتلك البارقات الرواعد
فاستحسن المبرّد ذلك استحسانا أسرف فيه [وقال] ما صيغت مثل هذه الألفاظ الرطبة، والعبارة العذبة لأحد تقدمك أو تأخر عنك، فاعترته أريحية جرّ بها رداء العجب، فكأنه أعجبني ما يعجب الناس من مراجعة القول. فقلت: يا أبا عبادة، لم تسبق إلى هذا، بل سبقك إلي قولك: «شقائق يحملن الندى» سعيد بن حميد الكاتب في قوله:
عذب الفراق لنا قبيل وداعناوكم اجترعناه كسمّ ناقع
فكأنما أثر الدموع بخدهاطلّ سقيط فوق ورد ناصع
وشركك فيه صاحبنا أبو العباس الناشىء مما أنشدنيه آنفا:
بكت للفراق وقد راعنيبكاء الحبيب لبعد الديار
كأن الدموع على خدهابقية طلّ على جلنّار
وما أساء ابن الرومي بل أحسن في زيادته عليك حيث يقول:
لو كنت يوم الفراق شاهدناوهنّ يطفئن لوعة الوجد
لم تر إلا دموع باكيةتسفح من مقلة على خد
كأن تلك الدموع قطر ندىيقطر من نرجس على ورد
وسبقك أبو تمام الطائي إلى الخروج فقال:
من كل زاهرة ترقرق بالندىفكأنها عين عليه تحدّر
تبدو ويحجبها الجميم كأنهاعذراء تبدو تارة وتخفّر
خلق أطل من الربيع كأنهخلق الإمام وهديه المستبشر
في الأرض من عدل الإمام وجودهومن الربيع الغضّ سرج تزهر
فشق ذلك عليه وحلّ حبوته ونهض، وكان آخر عهدي بمؤانسته، وغلظ ذلك على المبرد وكدح في حالي عنده.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع