من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا،
أبو سعد، من أهل الكرخ:
أحد الكتاب المعروفين ومن يضرب به المثل في الفصاحة وحسن العبارة، وكان نصرانيا فأسلم في زمان الوزير أبي شجاع وحسن إسلامه.
قال الهمذاني: في رابع عشر صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة خرج توقيع الخليفة بالزام أهل الذمة بلبس الغيار والتزام ما شرطه عليهم عمر بن الخطاب، فهربوا كلّ مهرب، وأسلم بعضهم، وأسلم أبو غالب ابن الأصباغي، وفي ثاني هذا اليوم أسلم الرئيسان أبو سعد العلاء بن حسن بن وهب بن الموصلايا صاحب ديوان الإنشاء وابن أخته أبو نصر صاحب الخبر على يدي الخليفة بحيث يريانه ويسمعان كلامه.
وكان يتولّى ديوان الرسائل منذ أيام القائم بأمر الله، وناب في الوزارة، وأضرّ في آخر عمره. وكان ابتداء خدمته لدار الخلافة القائمية في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فخدمها خمسا وستين سنة يزداد في كلّ يوم من أيامها جاها وحظوة،
وناب عن الوزارة عدة نوب مع ذهاب بصره. وكان أبو نصر هبة الله بن الحسن ابن أخته يكتب الانهاءات عنه إذا حضر، وكان كثير الصدقة والخير. ورسائله وأشعاره مدوّنة يتداول بها ويرغب فيها. أخذ عنه الشيخ أبو منصور موهوب بن الخضر الجواليقي، وأنشد عنه:
أحنّ إلى روض التصابي وأرتاحوأمتح من حوض التصافي وأمتاح
وأشتاق رئما كلّما رمت صيدهتصدّ يدي عنه سيوف وأرماح
غزال إذا ما لاح أو فاح نشرهتعذّب أرواح وتعذب أرواح
بنفسي وإن عزّت وأهلي أهلّةلها غرر في الحسن تبدو وأوضاح
نجوم أعاروا النور للبدر عندماأغاروا على سرب الملاحة واجتاحوا
فتتضح الأعذار فيهم إذا بدواويفتضح اللاحون فيهم إذا لاحوا
وكرخية عذراء يعذر حبهاومن زندها في الدهر تقدح أفراح
إذا جليت في الكأس والليل ما انجلىتقابل إصباح لديك ومصباح
يطوف بها ساق لسوق جمالهنفاق لإفساد الهوى فيه إصلاح
به عجمة في اللفظ تغري بوصلهوإن كان منه بالقطيعة إفصاح
وغرّته صبح وطرّته دجىومبسمه درّ وريقته راح
أباح دمي مذ بحت في الحبّ باسمهوبالشجو من قبلي المحبون قد باحوا
وأوعدني بالسوء ظلما ولم يكنلإشكال ما يفضي إلى الضيم إيضاح
وكيف أخاف الضيم أو أحذر الردىوعوني على الأيّام أبلج وضاح
وظلّ نظام الملك للكسر جابروللضرّ منّاع وللنفع منّاح
ومن شعره:
يا خليليّ خلّياني ووجديفملام المحبّ ما ليس يجدي
ودعاني فقد دعاني إلى الحكم غريم الغرام للدّين عندي
فعساه يرقّ إذ ملك الرقّ بنقد من عذله أو بوعد
ثم من ذا يجير منه إذا جار ومن لي على تعدّيه يعدي
ومات العلاء في ثاني عشرين جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وأربعمائة ومولده سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ودفن في تربة الطائع.
قال أبو الفرج في «المنتظم»: نال أبو سعد ابن الموصلايا من الرفعة في الدنيا ما لم ينله أبناء جنسه، فانه ابتدأ في خدمة دار الخلافة في أيام القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فخدمها خمسا وستين سنة، وأسلم في سنة أربع وثمانين، وناب عن الوزارة في أيام المقتدي وأيام المستظهر نوبا كثيرة، وكان كثير الصدقة كريم الفعال حسن الفصاحة، ويدلّ على فصاحته وغزارة علمه ما كان ينشئه من كتابات الديوان والعهود.
وحكى بعض أصحابه قال: شتمت يوما غلاما لي فوبخني وقال: أنت قادر على تأديب الغلام أو صرفه، فأما الخنا والقذف فاياك والمعاودة له، فان الطبع يسرق من الطبع والصاحب يستدل [به] على المصحوب. وكانت وفاته فجاءة.
وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: لما عزل المقتدي الوزير أبا شجاع خلع على الأجلّ أبي سعد ابن الموصلايا، وكانت الخلعة درّاعة وعمامة، وحمل على فرس بمركب ذهب، ووسم بنيابة الوزارة، وخلع على ابن أخته تاج الرؤساء أبي نصر هبة الله صاحب الخبر ابن الحسن بن عليّ جبة وعمامة وحمل على فرس.
ومدح الأديب أبو المظفر الأبيوردي الأجلّ أبا سعد، وقد لقبه الخليفة بأمين الدولة، بقصيدة منها:
وزعزع الصبح سلك النجم فانتثرتمنه كما تستطير النار بالشعل
قال: ومن علم السير علم أن الخليفة والملوك لم يثقوا بأحد ثقتهم بأمين الدولة ولا نصحهم أحد نصحه. وتولّى ديوان الإنشاء بعد سنة ثلاثين وأربعمائة، والناظر إذ
ذاك عميد الرؤساء أبو طالب ابن أيوب، وناب عن الوزارة المقتدية والمستظهرية.
ومن شعره:
يا هند رقي لفتى مدنفيحسن فيه طلب الأجر
يرعى نجوم الليل حتى يرىحلّ عراها بيد الفجر
ضاق نطاق الصبر عن قلبهعند اتساع الخرق في الهجر
قال العماد- وقد ذكر هذه الأبيات الثلاثة-: قد راقتني هذه الأبيات برقتها، وحلاوة الاستعارة في معناها مع دقتها، وقد ساعده التوفيق في هذا التطبيق، وما كلّ شاعر يتخلّص من هذا المضيق، وهكذا شعر الكتّاب يجمع إلى اللطافة ظرافة، وإلى الحلاوة طلاوة.
وله:
وكأس كساها الحسن ثوب ملاحةفحازت ضياء يشبه الحسن والشمسا
أضاءت على كفّ المدير وما درىوقد دجت الظلماء أصبح أو أمسى
وله:
أقول للائمي في حبّ ليلىوقد ساوى نهار منه ليلا
أقلّ فما أقلّت قطّ أرضمحبّا جرّ في الهجران ذيلا
ولو ممن أحبّ ملأت عينالكنت إلى هواه أشدّ ميلا
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع