تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أبو علقمة النحوي النميري

وأراه من أهل واسط.

حدّث أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: أتى أبو علقمة الأعرابي أبا زلازل الحذاء فقال: يا حذّاء احذ لي هذه النعل، قال: وكيف تريد أن أحذوها؟

فقال: خصّر نطاقها وغضّف معقّبها وأقبّ مقدّمها، وعرج ونية الذؤابة بحزم دون بلوغ الرصاف، وانحل مخازم خزامها وأوشك في العمل. فقام أبو زلازل فتأبط متاعه، فقال أبو علقمة: إلى أين؟ قال: إلى ابن القرّية ليفسّر لي ما خفي عليّ من كلامك.

وقال أبو أحمد ابن أبي خليفة الجمحي قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال قال أبو علقمة لغلام له: خذ من غريمنا هذا كفيلا، ومن الكفيل أمينا، ومن الأمين زعيما، ومن الزعيم عزيما، فقال الغلام للغريم: مولاي كثير الكلام، فمعك شيء؟ فأرضاه وخلّاه، فلما انصرف قال: يا غلام ما فعل غريمنا؟ قال: سقع، قال: ويلك ما سقع؟ قال: بقع؟ قال: ويلك وما بقع؟ قال: استقلع، قال:

ويلك ما استقلع؟ قال: انقلع، قال: ويلك لم طوّلت عليّ؟ قال: منك تعلمت.

الهيثم بن عدي: ركب أبو علقمة النميري بغلا فوقف على أبي عبد الرحمن القرشي فقال: يا با علقمة ان لبغلك هذا منظرا فهل مع حسن هذا المنظر من خبر؟

قال: سبحان الله أوما بلغك خبره، قال: لا، قال: خرجت عليه مرة من مصر فقفز بي قفزة إلى فلسطين، والثانية إلى الأردن، والثالثة إلى دمشق، فقال له أبو عبد الرحمن: تقدم إلى أهلك يدفنوه معك في قبرك فلعله يقفز بك الصراط.

ذكر أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان في «كتاب الثقلاء» من تصنيفه، أخبرنا إسحاق بن محمد بن أبان الكوفي، حدثني بشر بن حجر قال: انقطع إلى أبي

علقمة النحوي غلام يخدمه، فأراد أبو علقمة الدخول في بعض حوائجه فقال له: يا غلام أصقعت العتاريف؟ فقال له الغلام: زقفيلم. قال أبو علقمة: وما زقفيلم؟ قال له: وما معنى صقعت العتاريف؟ قال قلت لك: أصاحت الديوك؟ قال: وأنا قلت لك لم يصح منها شيء.

قال محمد بن خلف حدثنا أبو بكر القرشي حدثني جعفر بن نصير قال: بينما أبو علقمة النحوي في طريق من طرق البصرة إذ ثار به مرار فسقط وظنّ من يراه أنه مجنون، وأقبل رجل يعضّ أصل أذنه ويؤذن فيها فأفاق، فنظر إلى الجماعة حوله فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كما تتكأكئون على ذي جنّة؟! افرنقعوا عني؛ قال فقال بعضهم لبعض: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية.

قال ابن المرزبان حدثني عبد الله بن مسلم: دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب فقال له: أمتع الله بك إني أكلت من لحوم هذه الجوازل فطسئت طسأة فأصابني وجع بين الوابلة إلى دأية العنق، فلم يزل ينمي حتى خالط الخلب وألمت له الشراسيف، فهل عندك دواء؟ قال أعين: خذ حرقفا وسلقفا فزهزقه ورقرقه واغسله بماء روث واشربه بماء الماء، فقال أبو علقمة: أعد ويحك عليّ فإني لم أفهم عنك، قال له أعين: لعن الله أقلّنا إفهاما لصاحبه، ويحك وهل فهمت عنك شيئا مما قلت؟! قرأت في كتاب «النوادر الممتعة» جمع ابن جني عن محمد بن المرزبان قال:

حدثني عبد الله بن أحمد بن عبد الصمد، قال حدثني محمد بن معاذ البصري قال: بينا أبو علقمة النحوي يسير على بغلة إذ نظر إلى عبدين أحدهما حبشي والآخر صقلبي، فإذا الحبشيّ قد ضرب بالصقلبيّ الأرض، وأدخل ركبتيه في بطنه، وأصابعه في عينيه، وعضّ أذنيه وضربه بعصا كانت معه فشجّه وأسال دمه، فجعل الصقلبي يستغيث فلا يغاث، فقال لأبي علقمة: اشهد لي، فقال: قدّمه إلى الأمير

حتى أشهد لك، فمضيا إلى الأمير، فقال الصقلبي: إن هذا ضربني وشجّني واعتدى عليّ، فجحد الحبشيّ، فقال الصقلبي: هذا يشهد لي، فنزل أبو علقمة عن بغلته وجلس بين يدي الأمير فقال له الأمير: بم تشهد يا أبا علقمة، فقال: أصلح الله الأمير، بينا أنا أسير على كودني هذا إذ مررت بهذين العبدين، فرأيت هذا الأسحم قد مال على هذا الأبقع فحطأه على فدفد ثم ضغطه برضفتيه في أحشائه حتى ظننت أنه تدمج جوفه، وجعل يلج بشناتره في جحمتيه يكاد يفقأهما، وقبض على صنّارتيه بمبرمه وكاد يجذهما جذّا، ثم علاه بمنسأة كانت معه فعفجه بها، وهذا أثر الجريال عليه بينا، وأنت أمير عادل. فقال الأمير: والله ما أفهم مما قلت شيئا، فقال أبو علقمة: قد فهّمناك إن فهمت، وعلّمناك إن علمت، وأديت إليك ما علمت، وما أقدر أن أتكلم بالفارسية؛ فجعل الأمير يجهد أن يكشف الكلام فلا يفعل حتى ضاق صدره، فقال للصقلبي: أعطني خنجرا، فأعطاه وهو يظن أنه يريد أن يستقيد له من الحبشي، فكشف الأمير رأسه وقال للصقلبي: شجّني خمسا وأعفني من شهادة هذا.

(الصنارتان: الأذنان بلغة حمير. الكودن: الغليظ من الدوابّ. وحطأه صرعه. والفدفد: الغليظ من الأرض. ورضفتاه: ركبتاه. وشناتره: أصابعه والجحمتان: العينان لغة يمانية. والمنسأة: العصا. عفجه: أي ضربه بها.

والجريال: الأحمر فاستعاره للدم).

قال ابن جني: وأخبرنا عثمان بن محمد، حدثنا محمد بن القاسم، قال حدثني محمد بن المرزبان وأبو الحسين علي بن محمد المقرىء قال: تبيّغ بأبي علقمة الدم وهو في بعض القرى، فقال لابنه جئني بحجام، فأتاه به فقال له: لا تعجل حتى أصف لك ولا تكن كامرىء خالف ما أمر به ومال إلى غيره، اشدد قصب المحاجم، وأرهف ظبة المشارط، وأسرع الوضع وعجّل النزع، وليكن شرطك وخزا ومصّك نهزا، لا تردّنّ آتيا ولا تكرهن آبيا؛ فوضع الحجام محاجمه في قفّته وقال:

كلامك يقطع الدم، وقام وانصرف. وفي رواية علي بن إبراهيم قال: فلما سمع الحجام الكلام قال: يا قوم هذا رجل قد ثار به المرار ولا ينبغي أن يخرج دمه في هذا الوقت وانصرف.

(قال أبو بكر: القصب: الموضع الذي يجتمع فيه الدم، وتبيغ: هاج وهو من البغي أصله تبغى فقدمت الياء وأخرت الغين).

كان أبو علقمة النحوي لا يدع الإعراب في كلامه، فقال للطبيب: أجد رسيسا في أسناخي وأحسّ وجعا فيما بين الوابلة إلى الأطرة من دأيات العنق، فقال له الطبيب: خذ خزانا وسلقفا وشربقا فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال له أبو علقمة: أعد فاني لم أفهم، فقال: أخزى الله أقلنا إفهاما لصاحبه.

وجمش امرأة كان يهواها فقال: يا خريدة قد كنت إخالك عروبا فإذا أنت نوار، مالي أمقك فتشنئيني؟ فقالت: يا رقيع ما رأيت أحدا يحبّ أحدا فيشتمه سواك.

وقال لحجام حجمه: أشدد قصب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأمرّ المسح واستنجل الرشح، وخفف الوطء وعجّل النزع، ولا تكرهنّ آبيّا ولا تمنعن آتيا.

ورأى رجل أبا علقمة على بغل مصري حسن فقال له: إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل، فقال أبو علقمة: والله لقد خرجت عليه من مصر فتنكبت الطريق مخافة السرّاق وجور السلطان، فبينا أنا أسير في ليلة ظلماء قتماء طخياء مدلهمّة حندس داجية في ضحضح أملس واذا حسّ نبأة من صوت تعر أو طيران ضوع أو نقض سبد، فحاص عن الطريق متنكبا بعزة نفسه وفضل قوّته، فبعثته باللجام فعسل، وحركته بالركاب فنسل، وانتعل الطريق يغتاله معتزما، والتحف الليل لا يهابه مظلما، فو الله ما شبهته إلا بظبية نافرة تحفزها فتخاء شاغية، فقال الرجل: يا هذا ادع الله واسأله أن يحشر هذا البغل معك يوم القيامة، قال: ولم؟ قال ليجيزك الصراط بطفرة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.