تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن سليمان بن الفضل الأخفش أبو الحسن،

وهو الأخفش الصغير، وهناك الأخفش الأكبر وهو أبو الخطاب عبد الحميد، وقد ذكر، والأوسط وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة وقد مرّ في بابه، وهناك أخفش آخر وهو عبد العزيز بن أحمد المغربي الأندلسي، وقد ذكر في بابه أيضا، وغيرهم.

ومات علي بن سليمان هذا في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة ودفن بمقبرة قنطرة البردان، ذكر ذلك المرزباني، قال المرزباني في «كتاب المقتبس»: ذكر جماعة لقيناهم من النحويين وأهل اللغة منهم علي بن سليمان بن الفضل الأخفش، ولم يكن بالمتسع في الرواية للأخبار والعلم بالنحو، وما علمته صنّف شيئا البتة ولا قال شعرا، وكان إذا سئل عن مسائل النحو ضجر وانتهر كثيرا ممن يواصل مساءلته ويتابعها، ثم ذكر وفاته كما تقدم قال: وشهدته يوما وصار إليه رجل من حلوان كان يلزمه فحين رأه قال له:

حياك ربّك أيها الحلوانيوكفاك ما يأتي من الأزمان

ثم التفت إلينا وقال: ما نحسن من الشعر إلا هذا وما جرى مجراه، هكذا ذكر أبو عبيد الله وهو تلميذه وصاحبه.

وقال الجوهري: الأجلع الذي لا تنضمّ شفتاه على أسنانه، وكان الأخفش الأصغر النحويّ أجلع.

ووجدت في «كتاب فهرست النديم» بخط مؤلفه، وذكر الأخفش هذا فقال: له من التصانيف كتاب الأنواء. وكتاب التثنية والجمع. وكتاب شرح سيبويه- حدثني الصاحب الوزير جلال الدين القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف القفطي أدام الله أيامه أنه ملكه في خمسة أجلاد- وكتاب تفسير رسالة كتاب سيبويه، رأيته في نحو خمس كراريس. وكتاب الحداد. ووجدت أهل مصر ينسبون إليه كتابا في النحو هذبه أحمد بن جعفر الدينوري وسمّاه «المهذب».

وحدث أبو عبيد الله: حضرت يوما أبا الحسن الأخفش ودفع كتابا إلى بعض من كان في مجلسه ليكتب عليه اسمه فقال له أبو الحسن خفّش خفّش، يريد اكتب الأخفش، ثم قال: أنشدنا أبو العباس المبرد:

لا تكرهن لقبا شهرت بهفلربّ محظوظ من اللقب
قد كان لقّب مرّة رجلبالوائليّ فعدّ في العرب

قال الأخفش: دعاني سوّار بن أبي شراعة فتأخرت عنه فكتب إليّ:

مضى النور واستبهم الأغطشوأخلفني وعده الأخفش
وحال وحالت به شيمةكما حال عن لونه البرقش
أبا حسن كنت لي مألفافما لك عن دعوتي تطرش
وكنت لأعدائك الشانئيكسماما كما نفث الأرقش
وكنت بقربك في روضةفها أنا والبلد المعطش
إذا قلت قرطست في صاحبنزعت كما ينزع المرعش
وسيّان عندي من عقّنيعقوقك والحية الحربش
أقول وما حلت عن عهدهرأيتك كالناس إذ فتّشوا

وحدث [ ...] قال: كان ابن الرومي كثير الهجاء للأخفش، وذاك أن ابن الرومي كان كثير الطيرة، وكان الأخفش كثير المزاح، وكان يباكره قبل كلّ أحد، فيطرق الباب على ابن الرومي فيقول: من بالباب؟ فيقول الأخفش: حرب بن مقاتل، وما أشبه ذلك، فقال ابن الرومي يهجوه ويتهدده:

قولوا لنحويّنا أبي حسنإني حسام متى ضربت مضى
لا تحسبنّ الهجاء يحفل بالرفع ولا خفض خافض خفضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
كأنني بالشقيّ معتذراإذا القوافي أذقنه مضضا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قولا لنحوينا أبي حسن»
ينشدني العهد يوم ذاك وللعهد خضاب أزاله فنضا

قال المرزباني: فحدثني المظفر بن يحيى قال حدثني أبو عبيد الله النحوي أن الأخفش قال يوما لابن الرومي: إنما كنت تدّعي هجاء مثقال، فلما مات مثقال انقطع هجاؤك، قال: فاختر عليّ قافية أهجوك، قال: على رويّ قصيدة دعبل الشينية، فقال قصيدته التي يهجوه فيها ويجوّد حتى لا يقدر أحد أن يدفعه عن ذلك ويفحش حتى يفرط، أولها:

ألا قل لنحويّك الأخفشأنست فأقصر ولا توحش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»
وما كنت عن غيّة مقصراوأشلاء أمك لم تنبش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»

قال فيها:

أما والقريض ونقادهونجشك فيه مع النّجّش
ودعواك عرفان نقّادهبفضل النقيّ على الأنمش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»
لئن جئت ذا بشر حالكلقد جئت ذا نسب أبرش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»
وما واحد جاء من أمهبأعجب من ناقد أخفش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»
كأنّ سنا الشتم في عرضهسنا الفجر في السحر الأغبش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»
أقول وقد جاءني أنّهينوش هجائي مع النوّش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»
إذا عكس الدهر أحكامهسطا أضعف القوم بالأبطش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»
وما كلّ من أفحشت أمهتعرّض للمقذع الأفحش
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ألا قل لنحويك الأخفش»

وهي قصيدة طويلة. ولما سار هجاؤه في الأخفش جمع الأخفش جماعة من الرؤساء، وكان كثير الصديق، فسألوا ابن الرومي أن يكفّ عنه فأجابهم إلى الصفح عنه، وسألوه أن يمدحه بما يزيل عنه عار هجائه فقال فيه:

ذكر الأخفش القديم فقلناإن للأخفش الحديث لفضلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ذكر الأخفش القديم فقلنا»
فإذا ما حكمت والروم قوميفي كلام معرّب كان عدلا
أنا بين الخصوم فيه غريبلا أرى الزور للمحاباة أهلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ذكر الأخفش القديم فقلنا»
ومتى قلت باطلا لم ألقبفيلسوفا ولم أسمّ هرقلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ذكر الأخفش القديم فقلنا»

وذكر الزبيدي أن الأخفش كان يتحفّظ هجاء ابن الرومي له ويمليه في جملة ما يملي، فلما رأى ابن الرومي أنه لا يألم لهجائه ترك هجوه.

وكان الأخفش قد قرأ على ثعلب والمبرد وأبي العيناء واليزيدي.

وحدث الأخفش قال: استهدى إبراهيم بن المدبر المبرد جليسا يجمع إلى تأديب ولده الاستمتاع بايناسه ومفاكهته، فندبني إليه وكتب معي: قد أنفذت إليك أعزك الله فلانا وجملة أمره:

إذا زرت الملوك فان حسبيشفيعا عندهم أن يخبروني

وقدم الأخفش هذا مصر في سنة سبع وثمانين ومائتين وخرج منها سنة ثلاثمائة إلى حلب مع علي بن أحمد بن بسطام صاحب الخراج فلم يعد إلى مصر.

وحدث الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابىء في كتابه «كتاب الوزراء» قال: حكى لي أبو الحسن ثابت بن سنان قال: كان أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش يواصل المقام عند أبي علي ابن مقلة ويراعيه أبو علي ويبرّه، فشكا إليه في بعض الأيام الاضافة وسأله أن يكلم أبا الحسن علي بن عيسى، وهو يومئذ وزير، في أمره، وسأله إجراء رزق عليه في جملة من يرتزق من أمثاله، فخاطبه أبو علي في ذلك وعرّفه اختلال حاله وتعذر القوت عليه في أكثر أيامه، وسأل أن يجري عليه رزقا في جملة الفقهاء، فانتهره علي بن عيسى انتهارا شديدا وأجابه جوابا غليظا، وكان ذلك في مجلس حافل ومجمع كامل، فشقّ على أبي علي ما عامله به وقام من مجلسه وقد اسودت الدنيا في عينيه، وصار إلى منزله لائما لنفسه على سؤال علي بن عيسى ما سأله، وحلف أنه يجرد في السعي عليه، ووقف الأخفش على الصورة واغتمّ، وانتهت به الحال إلى أن أكل الشلجم النيّ، فقيل إنه قبض على قلبه فمات فجاءة، وكان موته في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.