من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
علي بن فضال بن علي بن غالب بن جابر
بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن عيسى بن حسن بن زمعة بن هميم بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم (هكذا وجدته هميم والمعروف همام، وهو الفرزدق الشاعر، لأن ابن فضال يعرف بالفرزدقيّ) القيرواني النحوي أبو الحسن المجاشعي: هجر مسقط رأسه، ورفض مألوف نفسه، وطفق يدوّخ بسيط الأرض، ذات الطول والعرض، يشرّق مرة ويغرّب أخرى، ويركب القفار ويأوي إلى ظل الأمصار برهة، حتى ألمّ بغزنة فألقى عصاه بها ودرّت له أخلافها، فلقي وجه الأماني، وصنف عدة تصانيف بأسامي أكابر غزنة سارت في البلاد، ثم عاد إلى العراق وانخرط في سلك خدمة نظام الملك مع أفاضل العراق، ولم تطل أيامه حتى نزل به حمامه.
وكان إماما في النحو واللغة والتصريف والتفسير والسير، صنّف كتاب التفسير الكبير الذي سماه «البرهان العميدي» في عشرين مجلدة. وكتاب النكت في
القرآن. وكتاب شرح بسم الله الرحمن الرحيم وهو كتاب كبير. وكتاب إكسير الذهب في صناعة الأدب في النحو في خمس مجلدات. وكتاب العوامل والهوامل في الحروف خاصة. وكتاب الفصول في معرفة الأصول. وكتاب الإشارة في تحسين العبارة. وكتاب شرح عنوان الاعراب. وكتاب المقدمة في النحو. وكتاب العروض. وكتاب شرح معاني الحروف. وكتاب الدول في التاريخ، رأيت في الوقف السلجوقيّ ببغداد منه ثلاثين مجلدا ويعوزه شيء آخر. وكتاب شجرة الذهب في معرفة أئمة الأدب. وقيل إنه صنف كتابا في تفسير القرآن في خمس وثلاثين مجلدة سماه «كتاب الاكسير وفي علم التفسير» وكتاب معارف الأدب كبير نحو ثمانية مجلدات.
وله غير ذلك من الكتب في فنون من العلم.
وأقام ببغداد مدة وأقرأ بها النحو واللغة وحدّث بها عن جماعة من شيوخ المغرب.
وذكر هبة الله السقطي أنه كتب عن ابن فضال أحاديث قال: فعرضتها على عبد الله بن سبعون القيرواني لمعرفته برجال الغرب فأنكرها وقال: أسانيدها واهية مركبة على متون موضوعة، واجتمع عبد الله بن سبعون في جماعة من المحدثين وأنكروا عليه فاعتذر وقال: إني وهمت فيها.
وذكره عبد الغافر الفارسي فقال: ورد نيسابور واختلفت إليه فوجدته بحرا في علمه، ما عهدت في البلديين ولا في الغرباء مثله في حفظه ومعرفته وتحقيقه، فأعرضت عن كلّ شيء وفارقت المكتب ولزمت بابه بكرة وعشية وكان على أوفاز.
قال السمعانيّ: سمعت ابن ناصر يقول: مات ابن فضال في ثاني عشرين ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة ودفن بباب أبرز.
وقال شجاع الذهلي أنشدنا ابن فضال لنفسه:
لا عذر للصبّ إذا لم يكنيخلع في ذاك العذار العذار
كأنه في خدّه إذ بداليل تبدى طالعا من نهار
تخاله جنح ظلام وقدصاح به ضوء صباح فحار
وقال أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي: أنشدنا ابن فضال لنفسه:
كأن بهرام وقد عارضتفيه الثريّا نظر المبصر
ياقوتة يعرضها بائعفي كفه والمشتري مشتري
ومن شعره:
خذ العلم عن راويه واجتلب الهدىوان كان راويه أخا عمل زاري
فإن رواة العلم كالنخل يانعكل التمر منه واترك العود للنار
قال عبد الغافر بن إسماعيل: وأنشدني ابن فضال لنفسه:
يا يوسفيّ الجمال عبدك لمتبق له حيلة من الحيل
إن قدّ فيه القميص من دبرقد قدّ فيه الفؤاد من قبل
وأنشد السمعاني باسناده لعلي بن فضال المجاشعي في ترجمة صاعد بن سيار الهروي:
وإخوان حسبتهم دروعافكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائباتفكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوبلقد صدقوا ولكن من ودادي
وأنشد له صاحب «الوشاح» في نظام الملك:
دوارس آي ما تكاد تبينعفاهنّ دمع للسحاب هتون
وقفنا بها مستسلمين فلم يزللسان البلى عن عجمهن يبين
وما خفت أن تبدي خفيّ سرائريمواثل أمثال الحمائم جون
على حين عاصيت الصبا وهو طائعوأرخصت علق اللهو وهو ثمين
أرى المزن يهوى رسم من قد هويتهفلي وله دمع به وحنين
سقى الله حيث الظاعنون سحائبافقلبي حيث الظاعنون رهين
فكم ضمّنت أحداجهم من جآذرأوانس ينصوها جآذر عين
وأقمار تمّ لم ير الناس قبلنابدورا تثنّى تحتهن غصون
يجرّدن من ألحاظهن صوارمامهنّدة أجفانهن جفون
وأنشد له:
والله إن الله ربّ العبادوخالص النية والاعتقاد
ما زادني صدّك إلا هوىوسوء أفعالك إلا وداد
وإنني منك لفي لوعةأقلّ ما فيها يذيب الجماد
فكن كما شئت فأنت المنىواحكم كما شئت فأنت المراد
وما عسى تبلغه طاقتيوإنما بين ضلوعي فؤاد
ومما نقلته من السمعانيّ لا بن فضال:
فتنتني أمّ عمرووكذاك الصبّ مفتون
قلت جودي لكئيبمستهام بك محزون
فلوت عني وقالتأترى ذا المرء مجنون
ما رأى الناس جميعافي كتاب الله يتلون
«لن تنالوا البرّ حتّىتنفقوا ممّا تحبّون»
في «كتاب سرّ السرور» لابن فضال:
ما هذه الألف التي قد زدتمفدعوتم الخوّان بالاخوان
وزادني الحافظ شمس الدين أبو نصر عبد الرحيم بن وهبان:
ما صحّ لي أحد فأجعله أخافي الله محضا أو ففي الشيطان
إما مولّ عن ودادي ما لهوجه وإما من له وجهان
وحدث محمد بن طاهر المقدسيّ، وكان ما علمت وقّاعة في كل من انتسب إلى مذهب الشافعي لأنه كان حنبليا، سمعت إبراهيم بن عثمان الأديب الغزي بنيسابور يقول: لما دخل أبو الحسن ابن فضال النحوي نيسابور واقترح عليه الأستاذ أبو المعالي ابن الجويني أن يصنّف باسمه كتابا في النحو وسماه الاكسير ووعده بأن يدفع
إليه ألف دينار، فلما صنّفه وفرغ منه ابتدأ بقراءته عليه، فلما فرغ من القراءة انتظره أياما أن يدفع إليه ما وعده أو بعضه فلم يدفع إليه شيئا، فأنفذ إليه يقول: إنك إن لم تف لي بما وعدتني هجوتك، فأنفذ إليه الأستاذ: عرضي فداؤك، ولم يدفع إليه حبة واحدة. قلت أنا: وبلغني أنه عقيب ذلك ورد بغداد وأقام بها ولم يتكلم بعد في النحو وصنّف كتابه في التاريخ.
ومن شعره الذي أورده السمعاني:
أحبّ النبيّ وأصحابهوأبغض مبغض أزواجه
ومهما ذهبتم إلى مذهبفما لي سوى قصد منهاجه
قال السلفي، قال الرئيس أبو المظفّر الأبيورديّ، أنشدني أبو القاسم ابن ناقيا في ابن فضال المجاشعي المغربي قال: ودخلت دار العلم ببغداد وهو يدرّس شيئا من النحو في يوم بارد، فقلت:
اليوم يوم قرس باردكأنه نحو ابن فضّال
لا تقرأوا النحو ولا شعرهفيعتري الفالج في الحال
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع