من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي الاشبيلي
وقيل هو من أهل أندلس، أديب فاضل شاعر بليغ فصيح بذيء اللسان قوي الجنان في هجاء الأعيان، وكان متهم الخلوة فيما بلغني، مات في حدود سنة ثلاث وخمسمائة وقال العماد: سألت عنه بمصر فقيل إنه عاش بالمغرب إلى عهد شاور بمصر، فقد توفي بعد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وقال لي بعض المغاربة إنه توفي قبل هذا التاريخ.
له من التصانيف كتاب قلائد العقيان. كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس.
حدثني الصاحب الكبير العالم جمال الدين الأكرم، أدام الله علوه، قال: لما عزم ابن خاقان على تصنيف «كتاب قلائد العقيان» جعل يرسل إلى كلّ واحد من ملوك الأندلس ووزرائها وأعيانها من أهل الأدب والشعر والبلاغة ويعرّفه عزمه ويسأل إنفاذ شيء من شعره ونظمه ونثره ليذكره في كتابه، وكانوا يعرفون شرّه وثلبه، فكانوا يخافونه وينفذون إليه ذلك وصرر الدنانير، فكلّ من أرضته صلته أحسن في كتابه وصفه وصفته، وكلّ من تغافل عن برّه هجاه وثلبه، وكان ممن تصدّى له وأرسل إليه أبو بكر ابن باجة المعروف بابن الصائغ، وكان وزير ابن تيفلويت صاحب المرية، وهو أحد الأعيان وأركان العلم والبيان، شديد العناية بعلم الأوائل، مستول على أصل الأشعار والرسائل، وكانوا يشبّهونه بالمغرب بابن سينا بالمشرق، وله تصانيف في المنطق وغيره، فلما وصلته رسالته تهاون بها ولم يعرها طرفه، ولا لوى نحوها عطفه، وذكر ابن خاقان بسوء بلغه، فجعله ختم كتابه، وصيّره مقطع خطابه، وقال: أبو بكر ابن الصائغ: هو رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، وضلّ فيما يتسرع، ولا يأخذ في غير الأباطيل ولا يشرع، ولا يرد سوى الغمة ولا يكرع، ناهيك من رجل ما تطهّر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده توار في جدث، ولا أقر ببارئه ومصوّره، ولا فرّ عن تباريه في ميدان تهوره، الاساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الانسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله العليّ العظيم، ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن يكون إلى الله الفيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، فهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الانسان نبات ونور، مع منشأ وخيم، ولؤم أصل وخيم، وصورة شوّهها الله وقبحها، وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها، وقذارة يوبىء البلاد نفسها. ووضارة يحكي الحدّاد دنسها. وله نظم أجاد فيه بعض الاجادة، وشارف الإحسان أو كاده.
مع كلام طويل وهجو وبيل، وبلغ ذلك ابن الصائغ فأنفذ له مالا استكفه به واستصلحه.
وصنف ابن خاقان كتابا آخر سماه «مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ذيل شعراء الأندلس» وصله بقلائد العقيان، افتتحه بذكر ابن الصائغ وأثنى عليه فيه ثناء جميلا فقال: الوزير أبو بكر ابن الصائغ: هو بدر فهم ساطع، وبرهان علم لكلّ حجة قاطع، تفوّحت بعطره الأعصار، وتطيبت بذكره الأمصار، وقام به وزن المعارف واعتدل، ومال وتهدل، وعطّل بالبرهان التقليد، وتنفق بعد عدمه الاختراع والتوليد.
إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وان طما بحر خاطره فهو لكلّ شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، والجد الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يودّ عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى [المشتري] ان يعرفه، ونظم تتمناه اللبّات والنحور، وتدعيه مع نفاسة جوهرها البحور، وقد أتيت بما تهوى الأعين النّجل أن يكون إثمدها، ويزيل من النفس حزنها وكمدها، فمن ذلك قوله يتغزل:
أسكان نعمان الأراك تيقنوابأنكم في ربع قلبي سكّان
ودوموا على حفظ الوداد فطالمابلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا
سلوا الليل عنّي مذ تناءت دياركمهل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان
وهل جردّت أسياف برق دياركمفكانت لها إلا جفوني أجفان
وله:
اتأذن لي آتي العقيق اليمانياأسائله ما للمغاني وماليا
وسل دارهم بالحزن أقفر إننيتركت الهوى يقتاد فضل زماميا
فيا مكرع الوادي أما فيك شربةلقد سال فيك الماء أزرق صافيا
ويا شجرات الجزع هل فيك وقفةفقد فاء فيك الفيء أخضر ضافيا
وقد جرى في هذا الميدان فأحسن كلّ الإحسان.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع