من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الفتح بن خاقان بن أحمد القائد وقيل الفتح
بن خاقان بن غرطوج، كذا قال المرزباني في «كتاب المعجم». قال محمد بن إسحاق النديم: كان في نهاية الذكاء والفطنة وحسن الأدب، وكان من أولاد الملوك، واتخذه المتوكل أخا، وكان يقدّمه على جميع أولاده، قتل مع المتوكل ليلة قتل بالسيوف لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين بالمتوكلية، وكانت له خزانة كتب جمعها له علي بن يحيى المنجم لم ير أعظم منها كثرة وحسنا، وكان يحضر داره فصحاء الأعراب وعلماء الكوفيين والبصريين، قال أبو هفان: ثلاثة لم أر قطّ ولا سمعت بأكثر محبة للكتب والعلوم منهم: الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل بن إسحاق القاضي.
قال المؤلف: وباقي القصة في أخبار الجاحظ فكرهت التكرار.
وللفتح من التصانيف: كتاب البستان صنفه رجل يعرف بمحمد بن عبد ربه ويلقب برأس البغل ونسبه إليه. كتاب الصيد والجوارح.
وذكره أبو القاسم في «تاريخ الشام» فقال: الفتح بن خاقان بن غرطوج التركي أبو محمد، قدم الشام مع المتوكل معادله على جمازة، ثم نزل بالمزّة، فلما رحل المتوكل عن دمشق استخلف بها كلباتكين التركي. وكان على خاتم المتوكل وقتل معه، روى عنه أبو زكريا يحيى بن حكيم الأسلمي شيئا من شعره، وأبو العباس المبرد وأحمد بن يزيد المؤدب، ولم يذكره الخطيب في تاريخه.
وعن محمد بن القاسم قال: دخل المعتصم يوما إلى خاقان بن غرطوج يعوده فرأى الفتح بن خاقان ابنه وهو صبي لم يتّغر فمازحه ثم قال: أيما أحسن داري أم داركم؟ فقال الفتح بن خاقان: يا سيدي دارنا إذا كنت فيها أحسن، فقال المعتصم:
لا أبرح والله حتى أنثر عليه مائة ألف درهم، وفعل ذلك.
وعن أبي العباس المبرد قال: أنشد الفتح بن خاقان:
لست مني ولست منك فدعنيوامض عني مصاحبا بسلام
وإذا ما شكوت ما بي قالتقد رأينا خلاف ذا في المنام
فزاد الفتح بن خاقان:
لم تجد علة تجنّى بها الذنب فصارت تعتلّ بالأحلام
قال المبرد: وسمعت الفتح ينشد قبل أن يقتل بساعات هذا البيت وهو:
وقد يقتل الغتميّ مولاه غيلةوقد ينبح الكلب الفتى وهو غافل
وكان الفتح يتعشق خادما للمتوكل اسمه شاهك وله فيه أشعار منها:
أشاهك ليلي مذ هجرت طويلوعيني دما بعد الدموع تسيل
وبي منك والرحمن ما لا أطيقهوليس إلى شكوى إليك سبيل
أشاهك لو يجزى المحبّ بودهجزيت ولكنّ الوفاء قليل
قال ابن حمدون: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاص من سرّه، فقال لي مرة: شعرت يا أبا عبد الله أني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما دخلت منزلي استقبلتني فلانة- يعني جاريته- فلم أتمالك أن قبلتها، فوجدت فيما بين شفتيها هواء لو رقد المخمور فيه لصحا، فكان هذا من مستحسن كلام الفتح، فكأن الوأواء الدمشقي سمع هذا حتى قال:
سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفهفأفنيته حتى الصباح عناقا
يطيب نسيم منه يستجلب الكرىولو رقد المخمور فيه أفاقا
تملّكني لما تملّك مهجتيوفارقني لما أمنت فراقا
ووجدت في بعض المجاميع للفتح بن خاقان يصف الورد:
أما ترى الورد يدعو الشاربين إلىحمراء صافية في لونها صبب
مداهن من يواقيت مركّبةعلى الزمرّد في أجفانها ذهب
خاف الملال إذا طالت إقامتهفصار يظهر أحيانا ويحتجب
وكان أديبا فاضلا زكيّ النفس حسن العشرة لطيف الأخلاق متوددا محببا إلى كل من يكلمه، وكان غاية في الجود، وكان قد تنزل من المتوكل بمنزلة الروح من الجسد، وكان خدم قبله المعتصم والواثق؛ فذكر أبو العيناء قال: قال الفتح بن خاقان: غضب عليّ المعتصم ثم رضي عني وقال لي: ارفع حوائجك لتقضى، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شيء من عرض الدنيا وإن جلّ يفي برضى أمير المؤمنين وإن قلّ؛ قال: فأمر فحشي فمي جوهرا.
أخبرني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار الحافظ قال: أخبرني أبو القاسم الثعلبي، حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا الخطيب أبو بكر، أخبرنا محمد بن محمد بن المظفر السراج، حدثنا المرزباني، أخبرني محمد بن يحيى الصولي، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني وهب بن وهب بن وهب، حدثني البحتري قال: قال المتوكل: قل فيّ شعرا وفي الفتح فإني أحبّ أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي ولا يفقدني فيذل، فقل في هذا المعنى فقلت أبياتي:
سيدي أنت كيف أخلفت وعديوتثاقلت عن وفاء بعهدي
فقلت فيها:
لا أرتني الأيام فقدك يا فتح ولا عرّفتك ما عشت فقدي
أعظم الرزء أن تقدّم قبليومن الرزء أن تؤخّر بعدي
حسدا أن تكون إلفا لغيريإذ تفردت بالهوى قبل وحدي
قال البحتري: فقتلا معا وكنت حاضرا وربحت هذه الضربة، وأومأ إلى ضربة
في ظهره؛ فقال: أحسنت والله يا بحتري وجئت بما في نفسي، وأمر لي بألف دينار. وقال غير وهب الراوي للخبر، قال البحتري: قد كنت عملت هذه الأبيات في غلام كنت أكلف به، فلما أمرني المتوكل بما أمر تنحيت فقلت الأبيات وأريته أنني عملتها في وقتي وما غيرت فيها إلا لفظة واحدة فإنني كنت قد قلت:
لا أرتني الأيام فقدك ما عشت
فجعلته يا فتح.
وتحدث الشمشاطي علي بن محمد، حدثني محمد بن عبد الله، حدثني أحمد بن الفضل الهاشمي، حدثنا علي بن الجهم القرشي قال: دخلت على المتوكل يوما وهو جالس وحده فسلمت عليه فردّ السلام وأجلسني، فحانت مني التفاتة فرأيت الفتح بن خاقان واقفا في غير رتبته التي كان يقوم فيها، متكئا على سيفه مطرقا، فأنكرت حاله، فكنت إذا نظرت إليه نظر إلى الخليفة فإذا صرفت وجهي نحو الخليفة أطرق، فقال: يا علي أأنكرت شيئا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: ما هو؟
قلت: وقوف الفتح في غير رتبته التي كان يقوم فيها، قال: سوء اختياره أقامه ذلك المقام، قلت: ما السبب يا أمير المؤمنين؟ قال: خرجت من عند قبيحة آنفا فأسررت إليه سرا فما عداني السرّ أن عاد إليّ، قلت: لعلك أسررته إلى غيره يا أمير المؤمنين، قال: ما كان هذا، قلت: فلعل مستمعا استمع عليكما، قال: ولا هذا أيضا، قال: فأطرقت مليا ثم رفعت رأسي فقلت: يا أمير المؤمنين قد وجدت له مما هو فيه مخرجا، قال: ما هو؟ قلت: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا المستمرّ بن سليمان عن أبي الجوزاء قال: طلقت امرأتي في نفسي وأنا في المسجد ثم انصرفت إلى منزلي فقالت لي امرأتي: أطلقتني يا أبا الجوزاء؟ قلت: من أين لك هذا؟
قالت: خبرتني جارتي الأنصاريّة، قلت: ومن خبّرها بذلك؟ قالت: ذكرت أن زوجها خبرها بذلك، فغدوت على ابن عباس فقصصت عليه القصة فقال: علمت أن وسواس الرجل محدّث وسواس الرجل فمن ها هنا يفشو السر.
قال أبو نعيم: فكان في نفسي من هذا شيء حتى حدثني حمزة الزيات قال:
خرجت سنة من السنين أريد مكة، فلما جزت في بعض الطريق ضلّت راحلتي فخرجت أطلبها، فإذا باثنين قد قبضا عليّ أحسّ حسّهما وأسمع كلامهما ولا أرى
شخصهما، فأخذاني وجاءا بي إلى شيخ قاعد على تلعة من الأرض حسن الشيبة، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام، فأفرخ روعي ثم قال: من أين، وإلى أين؟ فقلت:
من الكوفة أريد مكة، قال: ولم تخلفت عن أصحابك؟ فقلت: ضلت راحلتي فجئت أطلبها، فرفع رأسه إلى قوم على رأسه فقال: زاملة، فأنيخت بين يدي، ثم قال لي، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: هاته فقرأت حم الأحقاف حتى انتهيت إلى هذه الآية: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
(الأحقاف/) الآية فقال لي: على رسلك تدري كم كانوا؟ قلت: اللهم لا، قال: كنا أربعة وكنت المخاطب لهم عنه ﷺ، فقلت: يا قوميا أجيبوا داعي الله. ثم قال لي: أتقول الشعر؟ قلت: اللهم لا. قال: أفترويه؟ قلت: نعم، قال: هاته، فأنشدته قصيدة:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلّمبحومانة الدرّاج فالمتثلم
فقال: لمن هذه؟ فقلت: لزهير بن أبي سلمى، قال: الجني؟ قلت: بل الانسى مرارا، فرفع رأسه إلى قوم على رأسه فقال: زهير، فأتي بشيخ كأنه قطعة لحم فألقي بين يديه فقال له: يا زهير، قال: لبيك، قال: «أمن أم أوفى» لمن؟
قال: لي؛ قال: هذا حمزة الزيات يذكر أنها لزهير بن أبي سلمى الإنسي، قال:
صدق هو وصدقت أنت. قال: وكيف هذا؟ قال: هو إلفي من الإنس وأنا تابعه من الجن أقول الشيء فألقيه في وهمه ويقول الشيء فآخذه عنه، فأنا قائلها في الجن وهو قائلها في الإنس. قال أبو نعيم فصدّق عندي هذا الحديث حديث أبي الجوزاء أنّ وسواس الرجل يحدث وسواس الرجل فمن ها هنا يفشو السر، قال: فاستفرغ المتوكل ضحكا وقال: إليّ يا فتح، فصبّ عليه خلعا وحمل على شيء من الظهر وأمر له بمال وأمر لي بدون ما أمر له به، فانصرفت إلى منزلي وقد شاطرني الفتح ما أخذ فصار الأكثر إليّ والأقل عنده.
قال جحظة في «أماليه» حدثني المبرد قال أنشدني الفتح بن خاقان لنفسه:
وإني وإياها لكالخمر والفتىمتى يستطع منها الزيادة يزدد
إذا ازددت منها ازددت وجدا بقربهافكيف احتراس من هوى متجدد
قال فحدثني ابن حمدون قال: لما قال الفتح هذه الأبيات أنشدتها المتوكل فسألني عن قائلها فعرّفت أنه الفتح، فاستحسنها وقال لي: بأبي أنت من جامع محاسن الدنيا. وبلغ هذا الشعر أبا علي البصير الفضل بن جعفر فقال في الفتح:
سمعت بأشعار الملوك فكلّهاإذا عضّ متنيه الثقاف تأودا
سوى ما رأينا لامرىء القيس إننانراه إذا لم يشعر الفتح أوحدا
قال المرزباني: ومن شعر الفتح بن خاقان:
بني الحبّ على الجور فلوأنصف المحبوب فيه لسمج
ليس يستملح في حكم الهوىعاشق يحسن تأليف الحجج
قال المؤلف وهذان البيتان يرويان لعلية بنت المهدي.
قال المرزباني: وللفتح بن خاقان:
أيها العاشق المعذب صبرافخطايا أخي الهوى مغفوره
زفرة في الهوى أحطّ لذنبمن غزاة وحجّة مبروره
وقال عمران بن موسى: سمعت الفتح بن خاقان يقول لأحمد بن أبي فنن الشاعر: يا أحمد، قال: لبيك يا سيدي (وهذا في أول سنة سبع وأربعين ومائتين) [قال]: اعمل أبياتا حسانا تمدح بها سيدي أمير المؤمنين واذكر في آخرها أني شفيعك حتى آخذ لك منه ما يسدّ خلتك، فما أسرع فقدك لي، فبكى ابن أبي فنن وقال: يا سيدي على الدنيا بعدك لعنة الله، قال له: على الدنيا قبلي وبعدي لعنة الله فما صافت منحرفا عنها نابذا لها، ولا وفت لمتمسك بها راغب فيها.
أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي: حدثنا العباس بن الفضل الربعي، حدثنا علي بن الجهم قال: إني لعند المتوكل يوما والفتح بن خاقان حاضر إذ قيل له: فلان النخاس بالباب، فأذن له فدخل ومعه وصيفة، فقال له أمير المؤمنين: ما صناعة هذه
الوصيفة: قال تقرأ بالألحان، فقال الفتح: اقرئي لنا خمس آيات فاندفعت تقول:
قد جاء نصر الله والفتحوشقّ عنا الظلمة الصبح
خدين ملك ورجا دولةوهمه الاشفاق والنصح
الليث إلا أنه ماجدوالغيث إلا أنه سحّ
وكلّ باب للندى مغلقفإنما مفتاحه الفتح
قال: فو الله لقد دخل المتوكل من السرور ما قام إلى الفتح فوقع عليه يقبله ووثب الفتح فقبل رجله، فأمره أمير المؤمنين بشرائها وأمر لها بجائزة وكسوة وبعث بها إلى الفتح فكانت أحظى جواريه عنده، فلما قتل الفتح رثته بهذه الأبيات:
قد قلت للموت حين نازلهوالموت مقدامة على البهم
ولو تبينت ما فعلت إذنقرعت سنا عليه من ندم
فاذهب بمن شئت إذ ذهبت بهما بعد فتح للموت من ألم
ولم تزل تبكي وتنوح عليه حتى ماتت.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع