من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الفضل بن إسماعيل التميمي أبو عامر الجرجاني
أديب أريب فاضل لبيب، أحد أصحاب عبد القاهر الجرجاني النحوي، وكان مليح الخط صحيح الضبط رائق النظم فصيح النثر جيد التصنيف حسن التأليف، ذكره محمد بن محمود في «كتاب سر السرور» فقال: رباع الفضل بتصانيفه عامرة، ورياض الأدب بكلماته ناضرة، فكأنّ الربيع فضلة من بدائعها، والزهر ضرّة لروائعها، وشعره يطرق السحر بين يديه، وتهتف الملح بحفافيه، تقرأ آيات الإحسان من أبياته، وتخفق عذبات الابداع من راياته، وله تصنيفات باسم الشيخ الأجل عبد الحميد أهداها إليه بغزنة فأشرقت بها أرجاؤها، وأغدقت أنواؤها. منها: كتاب البيان في علم القرآن. وكتاب عروق الذهب من أشعار العرب. وكتاب سلوة الغرباء وغيرها.
وقال عبد الغافر في «كتاب السياق»: الفضل بن إسماعيل التميمي الشيخ أبو عامر الجرجاني النحوي الكاتب الأديب الشاعر من أفاضل عصره، وأفراد دهره، حسن النظم والنثر، متين في الفضل، كتب مدة للشيخ الرئيس أبي المحاسن الجرجاني وغيره، وصحب الكتّاب والمشايخ، سمع الحديث من المشايخ الذين سمعنا منهم مثل الشيخ أبي سعد ابن رامش وأبي نصر ابن رامش المقرىء وأبي بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي وأبي القاسم إسماعيل بن زاهر النوقاني، وسمع من الشيخ أبي بكر أحمد بن منصور بن خلف المغربي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وسمع من المشايخ الإسماعيلية وغيرهم في شبابه، ولم يذكر وفاته لكنه كان قد مات في حياة عبد الغافر.
وكان ورد نيسابور واجتمع به الأديب يعقوب بن أحمد المذكور في بابه وسأله أن يكتب له بخطه في كتابه الذي سماه «جونة الند» وهو مجموع جمع فيه يعقوب من
أشعار نفسه وغيره من أهل عصره ومن تقدمه، وظفرت أنا بأصل يعقوب الذي بخطه وفيه بخط أبي عامر الذي لا أرتاب به ما نقلته بصورته بعد أن أسقطت بعض النظم، وأما النثر فلا، وهذا نسخة خطه: سألني الشيخ الجليل الأديب- أدام الله نعمته- أن أكتب له في هذا الدفتر شيئا من هاذوري، فترجحت بين صوارف تنهاني عن الاجابة سترا لعورتي، ودواع تحثني على امتثال رسمه إظهارا لطاعتي، وأنا على كلّ حال واثق بكرمه، ساكن إلى حسن شيمه، وعالم انه يحرص على إقالة عثرة الاخوان، وستر عيوبهم بقدر الإمكان، والله أسأل أن يجبر نقيصتنا بفضيلته، ويمحو إساءتنا بحسنته، فانه عليه قدير، وها هو الهاذور:
بالله يا حتفي أما تستحيحتى متى توردني حتفي
تحلف لي أنك في كفّيوعضّ كفي منك في كفي
وأنت يا قلبي إلى كم وكمتحيل بالذنب على طرفي
وأيضا:
خدّه الياسمين والخطّ فيهسنبل نابت على ياسمين
سمته قبلة فقال تحرّزبين صدغيّ عقدتا التنين
وأيضا:
إذا حفزتك نائبة لأمرفجئت إلى صغير أو كبير
فكاثره بهزّ بعد هزّفإن الزبد بالمخض الكثير
وأيضا في الرئيس أبي الفضل أدام الله علوه:
تولّى الغانيات فليس عنديلهنّ سوى هوى أخفي وأبدي
رأين الشيب ألبسني قتيراعلى حدّ البلى فنقضن عهدي
وسالمني الغيور فكلّ يوميوازن بيننا ودّ بودّ
وقنعني الزمان فلست آسىعلى فوت الثراء وأنت عندي
وكلّ تعجبى طول اللياليلذلة ماجد يسعى لوغد
فشكرا للإله فقد كفانيتولّي غير عباس بن سعد
له قلبي وخالصتي ووديوفيه تردّدي وإليه قصدي
ومنه معيشتي وصلاح حاليومعصوب به غيّي ورشدي
وكلّ الناس يشرك في هواهوقد أفردته بهواي وحدي
فان أفزع فكهف علاه حرزيوان أعطش فبحر نداه وردي
فضلت الناس مأثرة وفخراوطلتهم باحسان ومجد
ولما صرت عبدك صار يرضىأنو شروان لو أرضاه عبدي
أدلّ عليك إدلال المواليفلا نكر لديك ولا تعدي
وتلك مزيّة لي ليس تخفىورثت مكانها من ابي وجدي
فعش ألفا معي في خير حالوألفا بعدها ألفان بعدي
فكلّ الناس دونك آل قفريغرّ بلمعة من غير رفد
وأنت الفرد مكرمة فكن ليتكن فردا بلا شكّ لفرد
وأيضا:
نشدّ على الموت مستبسلينغلاظ الرقاب غلاظ الكبود
ونفترع البيض سود القرونصفر الترائب حمر الخدود
وله أيضا:
عذيري من شاطر أغضبوهفجرّد لي مرهفا باتكا
يقول أنا لك يا ابن الوكيلوهل لي رجاء سوى ذلكا
أيضا:
إني بليت بشادنبلواه عندي تستحبّ
فإذا بلوت طباعهفالماء يشرب وهو عذب
وإذا نضوت ثيابهفاللوز يقشر وهو رطب
وقصار وصفي أنهفيما أحبّ كما أحبّ
وأيضا:
قد ضاق صدري من صدور زماننافهم جماع الشرّ بالاجماع
يتضارطون فان شكوت ضراطهمشفعوا سماع الضّرط بالاسماع
هذا يفرقع في الضراط وذاكميرمي بمثل حجارة المقلاع
ومن البلية أن تعاشر معشرايتضارطون الدهر بالايقاع
وله:
مللت مكافحة الحادثاتوكنت بها معجبا عاجبا
وحيرني الدهر حتى نشدتحماري وكنت له راكبا
وأيضا:
اصبحت مثل عطارد في طبعهإذ صرت مثل الشمس في الإشراق
فلذاك ما ألقاك يوما واحداإلا قضيت عليّ بالاحراق
الشيخ الجليل الأديب، أدام الله نعمته، وأنعم عليّ بقراءة ما علقه عن دفتري عليّ، والله يمتعه به وبفضله، ويقر عين العلم بحراسته، وسمع معه ابنه الشيخ الفاضل أبو بكر الحسن، والفقيه الفاضل العالم أبو المجد محمد بن أبي القاسم، أبقاهما الله، وكذلك سمعوا جميعا ما أبنته من هاذوري بخطي. وكتب الفضل بن إسماعيل أبو عامر الجرجاني ومن خطه نقلت: كتب إليّ الكيا الأجل أبو الفتح ﵀:
أبا عامر إن الرتائم إنماتذكّر بالأمر العبام المغمّرا
ولكنّ من عيناه درج فؤادهفليس بمحتاج إلى أن يذكّرا
وكتب أيضا إليّ الشيخ الإمام أبو بكر عبد القاهر:
ما أبو عامر سوى اللطف شيءإنه جملة كما هو روح
كلّ ما لا يلوح من سرّ معنىعند تفكيره فليس يلوح
قال المؤلف: هذا آخر ما نقلته من خط أبي عامر ﵀.
وله من التصانيف: كتاب عروق الذهب في الشعر واختياره. كتاب قلائد الشرف في الشعر أيضا. كتاب البيان في علم القرآن. كتاب سلوة الغرباء.
ونقلت من خط الأديب يعقوب بن أحمد النيسابوري وتصنيفه رقعة كتبها الشيخ الفقيه الجليل أبو عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني، أدام الله تأييده، إلى الشيخ الرئيس الشهيد أبي المحاسن سعد ﵀، قال يعقوب: وكتبتها من خطه إبان مقدمه نيسابور في شعبان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة: أنا في هذه السنة- أطال الله بقاء الشيخ- من الاختلال والتكشف، والاعتلال والتشعث، على صورة أستحيي من عرضها وآنف من شرحها، وقد رحل عامتها بما أشكر الله تعالى عليه، وأدّرع الصبر في كل ما يمتحن عباده به، وأعمل الحيلة من الآن في استقراض ما عسى أن يبلغني المحل، ولكن من يقرض أبا فرعون بعد وقوفه بالأبواب مع العصا والجراب؟ وأسأل الله تعالى السلامة ثم أسأل سيدنا أن ينظر واحدة فيما أقول من قبل ان يعضل الداء فلا ينفع الدواء، ويعظم النقب فلا ينجع الهناء، وان يجعل عنوان بره أن لا يرى تعليق هذه الرقعة ضراعة أو رقاعة، فما في شرط الحكمة أن أكتم عنه متربة، وأتضوّر جوعا ومسغبة، ولولا مكاني من خدمته، ومكاني من شفقته، لكان استفاف الملّة أحبّ إليّ من اظهار الخلّة والسلام.
ومن «كتاب مرو» لأبي سعد السمعاني لأبي عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني التميمي يصف الهر:
إنّ لي هرة خضبت شواهادون ولدان منزلي بالرقون
ثم قلدتها لخوفي عليهاودعات تردّ شرّ العيون
كلّ يوم أعولها قبل أهليبزلال صاف ولحم سمين
وهي تلعابة إذا ما رأتنيعابس الوجه وارم العرنين
فتغنّي طورا وترقص طوراوتلهّى بكلّ ما يلهيني
لا أريد الصلاء ان ضاجعتنيعند برد الشتاء في كانون
وإذا ما حككتها لحستنيبلسان كالمبرد المسنون
وإذا ما جفوتها استعطفتنيبأنين من صوتها ورنين
وإذا ما وترتها كشفت ليعن حراب ليست متاع العيون
أملح الخلق حين تلعب بالفار فتلقيه في العذاب المهين
وإذا مات حسّه أنشرتهبشمال مكروبة أو يمين
وتصاديه بالغفول فان رام انجحارا علته كالشاهين
وإذا ما رجا السلامة منهاعاجلته ببطشة التنين
وكذاك الأقدار تفترس المرء وتغتاله بقطع الوتين
بينما كان في نشاط وأنسإذ سقاه ساق بكاس المنون
ويروى له:
علّقتها بيضاء ظامئة الحشاتسبي القلوب بحسنها وبطيبها
مثل الشقائق في احمرار خدودهاللناظرين وفي اسوداد قلوبها
وله:
وقد يستقيم المرء فيما ينوبهكما يستقيم العود في عرك أذنه
ويرجح من فضل الكلام إذا مشىكما يرجح الميزان من فضل وزنه
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع