تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب بن صخر

الجمحي: يكنى أبا خليفة من أهل البصرة.

قال أبو الطيب اللغوي: هو ابن أخت محمد بن سلام الجمحي، من رواة الأخبار والأدب والأشعار والأنساب، مات في شهر ربيع الأول من سنة خمس وثلاثمائة بالبصرة، وكان قد ولي القضاء بالبصرة، وكان أعمى، روى عن خاله كتبه فأكثر وعن غيره، وروى له من الكتب كتاب طبقات شعراء الجاهلية. كتاب الفرسان. وكان شاعرا، فمن شعره ما أنشده محمد بن عمر بن عثمان البغدادي عنه:

قالوا نراك تطيل الصمت قلت لهمما طول صمتي من عيّ ولا خرس
لكنه أحمد الأمرين عاقبةعندي وأبعده من منطق شكس
أأنشر البزّ فيمن ليس يعرفهأو أنثر الدرّ للعميان في الغلس
قالوا نراك أديبا لست ذا خطلفقلت هاتوا أروني وجه مقتبس
لو شئت قلت ولكن لا أرى أحدايروي الكلام فأعطيه مدى النفس

وقد روي من جهة أخرى أن الأبيات لابن دريد، لما نزل سيراف سئل أن يجلس للقراءة عليه فأبى ذلك إذ لم يكن هناك من يساوي أن يجلس له، فكتب هذه الأبيات في قبلة مسجد سيراف وانصرف.

نقلت من خط أبي سعد السمعاني باسناد له قال: ألقيت رقعة إلى أبي خليفة الفضل بن الحباب القاضي فيها:

قل للحكيم أبي خليفهيا زين شيعة ابي حنيفه
إني قصدتك للذيكاتمت من حذر وخيفه
ماذا تقول لطفلةفي الحسن منزلها شريفه
تصبو إلى زين الورىمن غير ما بأس عفيفه

فقرأ الرقعة ثم كتب على ظهرها:

يا من تكامل ظرفهاحال الهوى حال شريفه
إن كنت صادقة الذيكاتمت من حذر وخيفه
فلك السعادة والشهادة والجلالة يا شريفه
هذا النصاح بعينهوبه يقول أبو حنيفه

نقلت من خط الامام الحافظ حقا، صديقنا ومفيدنا أبي نصر عبد الرحيم بن النفيس بن وهبان من «كتاب الارشاد في معرفة علماء الحديث» تصنيف الخليل بن عبد الله بن أحمد الحافظ القاضي، أنشدني الصاحب إسماعيل بن عباد الوزير، أنشدني أبي، أنشدني أبو خليفة لنفسه:

شيبان والكبش حدثانيشيخان بالله عالمان
قالا إذا كنت فاطميافاصبر على نكبة الزمان

قال: إني سألت أبا خليفة عن الكبش من هو، قال: أبو الوليد الطيالسي، وشيبان هو ابن فرّوخ الأبلّي. قال الخليل، قلت لعبد الله بن محمد: هذا يدل على أن أبا خليفة كان يميل إلى التشيع، فقال: نعم.

قرأت بخط أبي سعد أيضا باسناد له إلى أبي سهل هارون بن أحمد بن هارون الاستراباذي قال: أنشدنا الفضل بن الحباب الجمحي القاضي لنفسه:

ومتعب السّفر مرتاح إلى بلدوالموت يرصده في ذلك البلد
وضاحك والمنايا فوق هامتهلو كان يعلم غيبا مات من كمد
آماله فوق ظهر النجم شامخةوالموت من تحت إطليه على الرصد
من كان لم يعط علما في بقاء غدماذا تفكّره في الرزق بعد غد

قرأت في «كتاب هراة» للفامي قال: روي عن محمد بن إبراهيم بن عبدويه ابن سدوس بن علي أبي عبد الله المسندي أنه قال: كنا عند أبي خليفة القاضي بالبصرة فدخل عليه اللص داره، فصاح ابنه باللص، فخرج أبو خليفة إلى صحن الدار فقال: أيها اللص مالك ولنا؟ إن أردت المال فعليك بفلان وفلان، إنما عندنا قمطران: قمطر فيه أحاديث وقمطر فيه أخبار، إن أردت الحديث حدثناك عن أبي الوليد الطيالسي وأبي عمر الجوصي وابن كثير وهو محمد، وإن أردت الأخبار أخبرناك عن الرياشي عن الأصمعي ومحمد بن سلام، فصاح ابنه: إنما كان كلبا، فقال:

الحمد لله الذي مسخه كلبا وردّ عنا حربا.

وذكر التنوخي هذه الحكاية وقال في آخرها: فقال له غلامه: يا مولاي ليس إلا الخير إنما هو سنور، فقال أبو خليفة: الحمد لله الذي مسخه هرّا وكفانا شرّا.

قال المؤلف: ومثل هذه الحكاية تحكى عن أبي حية النميري، مشهورة عنه، وقال في آخرها: الحمد لله الذي مسخه كلبا وردنا حربا.

وقرأت في كتاب أبي عليّ التنوخي حدثني أبي ﵁ أن صديقا لأبي خليفة القاضي اجتاز عليه راكبا وهو في مسجده فسأله أن ينزل عنده فيحادثه، فقال:

أمضي وأعود، فقال له أبو خليفة: إيحاشك فقد وإيناسك وعد.

قال: وكان أبو خليفة كثير الاستعمال للسجع في كلامه. وكان بالبصرة رجل يتحامق ويتشبّه به يعرف بأبي الرطل، لا يتكلم إلا بالسجع هزلا كله، فقدمت هذا الرجل امرأته إلى أبي خليفة وهو يلي قضاء البصرة إذ ذاك، وادعت عليه الزوجية والطلاق، فأقر لها بهما، فقال له أبو خليفة: أعطها مهرها، فقال أبو الرطل: كيف أعطيها مهرها، ولم تقلع مسحاتي نهرها؟! فقال له أبو خليفة: فأعطها نصف

صداقها، فقال: لا أو أرفع بساقها، واضعه في طاقها. فأمر به أبو خليفة فصفع.

قال: وأخبرني غير واحد أن أبا الرطل هذا كان إذا سمع رجلا يقول لا تنكر لله قدرة قال هو: ولا للهندبا خضرة، ولا للزردج صفرة، ولا للنخلة بسرة، ولا للعصفر حمرة، ولا للقفا نقرة.

حدث أبو علي التنوخي، حدثني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الايذجي، وكان يخلف أبي على القضاء بايذج وعلى رامهرمز ثم لم يزل على الحكم ونادم أبا محمد المهلبي في وزارته فغلب عليه وعلا محله عنده، وتخالع وتهتك فيما لا يجوز للقضاة، وكان يدعى بالقضاء ويخاطبه أبو محمد في الوزارة في كتبه بسيدي القاضي، وكان له محل مكين من الأدب، قال: وردت البصرة وأنا حديث السن لأكتب العلم وأتأدب، فلزمني أبو عبد الله المفجع، وكنت أقتصر عليه، فكتب إليّ يوما وقد قرص الهواء:

أيهذا الفتى وأنت فتى الدهر إذا عزّ أن يقال فتى
طوبى لمن كان في الشتاء لهكاس وكيس وكسوة وكسا

وكتب في الرقعة: وقد بقيت كاف أخرى لولا أني أحبّ تقليل المؤونة عليك لذكرتها- يعنى الكس- فبعث إليه بجميع ما التمسه.

قال التنوخي: وحدثني قال: كان أبو خليفة القاضي صديقا لأبي وعمي أيام وفد إلى كور الأهواز في فتنة الزنج، فلما قدمت إلى البصرة قدمتها مع أبي، فأنزلنا أبو خليفة داره وأكرمنا، وأمكنني من كتبه، فكنت أقرأ عليه كلّ ما أريد وأسمع كيف شئت وأكتب وأنسخ لنفسي، وأصوله لي مبذولة، فإذا كان الليل جلسنا وتحادثنا فربما أحببت القراءة عليه فيجيبني، فإذا أضجرته يقول: يا بني روّحني، فأقطع القراءة، وإذا استراح أخرج من كمه دفترا من ورق أصفر فيقول: اقرأ عليّ منه فإنه خطي، وما

تقرأه عليّ فهو من خط غيري، فكنت أقرأ عليه منه، وكان فيه ديوان عمران بن حطان. فكان يبكي على مواضع منه، فأنشدته ليلة القصيدة التي فيها البيتان المشهوران:

يا ضربة من تقيّ ما أراد بهاإلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
إني لأذكره يوما فأحسبهأوفى البرية عند الله ميزانا

فبكى عليهما لما انتهيت إليهما حتى كاد يعمى، فاستطرفت ذلك وعجبت منه، فلما كان من الغد اجتمعت مع المفجّع فحدثته بذلك، واغتررت به للأدب واستكتمته إياه، فأشاعه وأذاعه وعمل:

أبو خليفة مطويّ على دخنللهاشميين في سرّ وإعلان
ما زلت أعرف ما يخفي وأنكرهحتى اصطفى شعر عمران بن حطان

وأنشدنيها لنفسه وأنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب في رقعة لطيفة وجعلها في مقلمته، وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل مقلمته وقد أنسي ما فيها فسقطت الرقعة، وانصرف الناس، ووجدها أبو خليفة وقرأها فاستشاط وقال: ابن الايذجي قبحه الله وترّحه أشاط بدمي، عليّ بأبي العباس الساعة، يعني والدي، فجاءه وحدثه الحديث، فوقعت في ورطة وكادت الحال أن تنفرج بيني وبين أبي، ومنعني أبو خليفة القراءة واحتشمني، فحملت إليه ثيابا لها قدر وأهديت إليه من مأكل الجند واعتذرت إليه فرجع إليّ وقبل عذري وعاود تدريسي ومكنني من القراءة عليه، فقرأت «كتاب الطبقات» وغيره مما كان عنده، وقال: لا أظهر الرضى عنك أو تكذب نفسك، ففعلت ذلك، وأعطيت المفجع ثوبا دبيقيا حتى كفّ عن إنشاد الأبيات، وجحدها واعتذر إلى أبي خليفة.

قال وقال أبي على عقيب هذا: أكثر رواة العرب فيما بلغني عنهم إما خوارج وإما شعوبية، كأبي عبيدة معمر بن المثنى وأبي حاتم سهل السجستاني وفلان وفلان وعدد جماعة.

وقرأت بخطّ ابن مختار اللغوي المصري: أبو خليفة الفضل بن الحباب اشترى جارية فوجدها خشنة فقال: يا جارية هل من بزاق أو بصاق أو بساق- العرب تنقل السين صادا أو زايا فتقول أبو الصقر والزقر والسقر- فقالت: الحمد لله الذي ما أماتني حتى رأيت حري قد صار ابن الأعرابيّ تقرأ عليه غرائب اللغة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.