من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
القاسم بن الحسين بن محمد أبو محمد الخوارزمي
صدر الأفاضل حقا، وواحد الدهر في علم العربية صدقا، ذو الخاطر الوقاد، والطبع النقاد، والقريحة الحاذقة، والنحيزة الصادقة. برع في علم الأدب، وفاق في نظم الشعر ونثر الخطب، فهو إنسان عين الزمان، وغرة جبهة هذا الأوان.
سألته عن مولده فقال: مولدي في الليلة التاسعة من شعبان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وحضرت في منزله بخوارزم فرأيت منه صدرا يملأ الصدر ذا بهجة سنية، وأخلاق هنية، وبشر طلق، ولسان ذلق، فملأ قلبي وصدري، وأعجز وصفه نظمي ونثري، واستنشدته من قبله فأنشدني لنفسه بمنزله في خوارزم في سلخ ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة:
يا زمرة الشعراء دعوة ناصحلا تأملوا عند الكرام سماحا
إن الكرام بأسرهم قد أغلقواباب السماح وضيّعوا المفتاحا
ورأيته شيخا بهيّ المنظر حسن الشيبة كبيرها سمينا بدينا عاجزا عن الحركة، وكان له في حلقه حوصلة كبيرة، وقلت له: ما مذهبك؟ فقال: حنفي، ولكن لست خوارزميا، لست خوارزميا، يكررها، إنما اشتغلت ببخارى فأرى رأي أهلها، نفى عن نفسه أن يكون معتزليا، ﵀.
قال: وسألني قاضي القضاة بخوارزم أن أنشىء له أبياتا يكتبها على جدران دار استحدث بناءها فقلت:
من كان يفخر بالبنيان والشّرففليس فخري بغير المجد والشّرف
ما قيمة الدار لولا فضل ساكنهاوأيّ وزن بدون الدرّ للصدف
إن كان يعجبني خشب مسنّدةفلست أكرم نجل من بني خلف
قد صحّ لي باتفاق الناس كلهمرواية العدل والانصاف عن سلفي
إني لمن معشر كانت معايشهمبالقصد أما عطاياهم فبالسرف
قوم متى طلعت ليلا مآثرهمرأيت بدر الدجى في زيّ منخسف
بدولة الملك الميمون طائرهأنّى توجهت فالإقبال مكتنفي
وأنشدني لنفسه:
أيا سائلي عن كنه علياه إنهلأعطي ما لم يعطه الثقلان
فمن يره في منزل فكأنمارأى كلّ إنسان وكلّ مكان
وأنشدني لنفسه في أبناء شيخ الإسلام الرستاني، ورستان من قرى مرغينان، ومرغينان من بلاد فرغانة:
فديت إماما صيغ من عزة النفسأنامله والسحب نوعان من جنس
أشدّ ارتياحا نحو طلعة معتفمن المفلس الخاوي اليدين إلى الفلس
وأفقه في تدريسه من محمدوأجود من كعب وأخطب من قس
مناقب لو أنّ الحرابيّ مرةبصرن بها استنكفن عن خدمة الشمس
ويغدو على طرف من الشقر كلمارأته إماء الحيّ وافته للقبس
على سابح من خلقة الوهم طالعوأهون شيء عنده درك الأمس
فتى ساومته خلقه وهو فاغمولا فغمة المسك الخرائد للعرس
له الصفو من ودي وإخوته الألىغدوا من سهام الزيغ للدين كالترس
لفتيان صدق ما اقتنوا طول عمرهمسوى البحث والافتاء والوعظ والدرس
لأربعة شادوا الهدى بعد شيخهمفقد بني الاسلام منهم على خمس
بنور إلهيّ عليهم وزهدهموعلمهم أضحوا ملائكة الانس
فعاشوا لترشيح الهدى ويراعهمبصائبة الاحكام يقطر في الطرس
وقال بعض الفضلاء الخراسانية في الامام صدر الأفاضل يمدحه:
إن للعالمين فخرا وزيناوجمالا يجلّ عن كلّ شين
بفتى وافر العلوم نقابمثله ما رأيت قطّ بعيني
ليس ذاك الفتى المبرّز إلاأفضل الناس قاسم بن الحسين
وحدثني صدر الأفاضل [قال]، قال بعض الفضلاء العراقية فيّ وهو من أصحابي:
يقولون إنّ الأصمعيّ لبارعوبالنحو والآداب والشعر عالم
كذا ابن دريد والخليل وجاحظوكلّ لدرّ العلم والفضل ناظم
فقلت أجل قد جلّ في الناس شأنهموأفضل منهم صدر خوارزم قاسم
وأنشدني صدر الأفاضل لنفسه:
أتحمل منّي نحو ذيّالك الرّشاسلاما كصدغيه وحالي مشوّشا
وإني لوجدي أستضيء لدى الحمىبشعلة أنفاسي إذا الليل أغطشا
ويرحمني العذّال حتى يقول ليأموقد نار بين جنبيك أم حشا
وهل ترد الجرعاء مني بجنّةعلى طرفيها رونق العهد قد مشى
وإني قد كتّمت سرّي وإنمابرغمي صوب المدمعين به فشا
كما أن صدر الشرق أخفى سخاءهولكنه بشر الجبين به وشى
متى جحدت نعماه أنهض جودهشهودا من الإحسان لا تقبل الرشا
وإن هزّه الإطراء ثم تبجستأياديه لم يسكر له فقد انتشى
أيلحقه الوهم القطوف إذا سعىلإدراك غايات العلا متكمشا
لك المنهل المسكيّ ما زال نقعهيعلّل صلّا في يمينك أرقشا
فيلفظ في منسابه من لعابهحتوفا وأرزاقا على حسب ما تشا
وهي أطول من هذا.
وحدثني الإمام صدر الأفاضل قال: كتب إليّ الصوفي المعروف بالصواب يسألني عن بيت حسان بن ثابت وهو:
فمن يهجو رسول الله منكمويمدحه وينصره سواء
وقولهم بأن فيه ثلاثة عشر مرفوعا فأجبته:
أفدي إماما وميض البرق منصرعمن خلف خاطره الوقّاد حين خطا
يبغي الصواب لدينا من مباحثهأما درى أنّ ما يعدو الصواب خطا
الذي يحضرني في هذا البيت من المرفوعات اثنا عشر فمنها قوله فمن يهجو فيه ثلاثة مرفوعات المبتدأ والفعل المضارع والضمير المستكن، ومنها المبتدأ المقدر في قوله ويمدحه، المعنى ومن يمدحه فيكون هاهنا على حسب المثال الأول ثلاثة مرفوعات أيضا، ومنها المرفوعان في قوله وينصره أحدهما الفعل المضارع والثاني الضمير المستكن، ومنها المرفوعات الأربعة في قوله سواء، اثنان من حيث أنه في مقام الخبرين للمبتدأين واثنان آخران من حيث أن في كلّ واحد ضميرا راجعا إلى المبتدأ، فهذا يا سيدي جهد المقل، وغير مرجوّ قطع المدى من الكلّ، فليعذرني سيدي- قبل الله معاذيره- من المرفوع الثالث عشر، فإنه لعمري قد استكنّ واستتر
حتى لا أعرف له عينا، وكيف يعرف له وجار وقد صار أغرب من العنقاء، وأشد عوزا من الوفاء.
وأنشدني صدر الأفاضل لنفسه:
سرى ناشدا أنسي قضيب من الآسفناولني الصهباء والشهد في كاس
وأرشدني وهنا لتقبيل خالهوميض ثناياه وشعلة أنفاسي
ولو لم يكن يلقي على جمر خدّهمن الطرّة السوداء ظلّة أنقاس
إذن لأضاء الليل حتى انجلت لناهواجس تخفيهن أفئدة الناس
وكتب الإمام صدر الأفاضل إلى بعض أصدقائه: كتابي إلى المجلس الرفيع جمال الحرمين إمام الفريقين يديم الله رفعته ثم يديم، وينيم عنه طوارق الحدثان ثم ينيم، وأنا إليه كالصادي إلى قعقعة الحمد، وبجماله [مشغوف] كهو بجمال المجد، لا أروي إلا عن فضله وأفضاله، ولا أرتوي إلا من ورده وزلاله، ولا أتحسر إلا على ليال وشيتها بجواره، ثم طرزتها بحواره:
إذا ذكرتها النفس باتت كأنهاعلى حدّ سيف بين جنبيّ ينتضى
تولّى الصبا والمالكية أعرضتوزال التصابي والشباب قد انقضى
رفع الله البين من البين، حتى أرى نضاره في قميص من اللجين.
ومن إنشائه إلى الدار العزيزة ببغداد حرسها الله تعالى: رايات مولانا الصوّام القوّام أمير المؤمنين وإمام المتقين وخليفة ربّ العالمين، الإمام الذي ليس للتابعين غيره إمام، ولا دون عتبته متمسك واعتصام، هي التي لم أزل أدعو الله أن يعقد بعذباتها النصر، ويجعل من أشياعها الذئب والنسر، تسايرها الآمال، وتحل حيثما رفعت الآجال، وتحتف بها الجدود، وترفرف عليها السعود، وهذا دعاء لو سكتّ كفيته، وأمل وإن لم أسأله فقد أوتيته، منى العبد أن يسعى إلى المواقف المقدسة مسعى القلم، يحبو على رأسه لا على القدم، ليشمّ بثراها الثريّ، لخلخة المسك الذكيّ، ويعفّر بها جبينه وأنفه، ويجيل في مسارح الحمد طرفه، ويستلم عتبة بها
التفّ الثقلان، ودانت لها الأيام بعد حران. لكن الحوادث قلما توافقه، والأيام تشاكسه في ذلك وتضايقه، وظني بأن الله سوف يديل.
ولما ورد الرسم- اعلى نور الله به مشارق الأرض ومغاربها- تلقاه العبد بالتعظيم والاجلال، ووضعه على قمة الامتثال، وفضّ ختامه عن الدرّ المكنون، بل أناسيّ العيون، وعن مشمول من الروض مجنوب، وكلم على صفحات الدهر مكتوب، فما زالت أعضاؤه تودّ أن تكون شفاها تقبله، وخواطر تتأمله، تمنيا يلذّ به المستهام، ويحلو له الغرام. ثم استدعى الأرامل والأيامى فأعطاهم، واستحضر المساكين واليتامى فأغناهم، وأنحى على ما ملكت يمينه من العبيد والأسرى، فأعتقهم وأطلقهم شكرا، وسأل الله تعالى أن يديم أكناف العرصة الفيحاء، مرتعا للعزّة القعساء، إن شاء الله تعالى:
سنا جبينك مهما لاح في الظّلمبتنا نطالع منه نسخة الكرم
إن يزرع الناس في أخلاقهم كرمافالبذر من جودك الطنّان بالديم
تبدو على أشقر خضر حوافرهبحرا يلاطم أمواجا على ضرم
تشمّ عندك صيد العجم لخلخةمن الرغام بآناف من القمم
كادت لحبّك تأتي وهي ساعيةعلى الرؤوس بدون الساق كالقلم
من ظنّ غير نظام الملك ذا كرمنادى به لؤمه «استسمنت ذا ورم»
لما أنشدني هذا البيت قال لي: من نظام الملك؟ قلت: أنت حرسك الله قائل الشعر تسألني عن ممدوحك؟ فقال لي متبسما: لست تعرفه؟ قلت: لا والله؛ قال:
ولا أنا شهد الله أعرفه، لأني ما تعرضت لمدح أحد قط، ولا رغبت في جداه، ولا أعرف أحدا أفضل عليّ إلا مرة واحدة فإن الغربة أحوجتني إليه، فلعن الله الغربة.
قلت له: وكيف ذلك؟ قال: إني مضيت إلى بخارى طالبا للعلم وقاصدا للقراءة على الرضى، فاجتمع إليّ أولا صدرجهان وغيره، فقد أنسيت القصة، فلما حذقوا الأدب
برني بسبعين دينارا ركنية ووعدني بوعود جميلة، ولولا الحاجة والغربة ما قبلتها منه، ولقد عرض عليّ الشهاب الحوقي، وهو أحد صدور خوارزم المتقربين من السلطان، على أن ينصب لي منصبا ومجلسا بطراحة سوداء إلى جانبه ويعطيني كل شهر عشرة دنانير لأقرأ الأدب فلم أفعل، قلت: فمن أين مادة الحياة؟ قال لي:
خلّفت لي والدتي قدرا يسيرا لا يقنع بمثله إلا أصحاب الزوايا فأنا أنفقه بالميسور، وأتلذذ بالغنى عن الجمهور، وأنا أقول الشعر والنثر تطربا لا تكسبا، وأستعير اسما لا أعرفه:
أفديك ذا منظر بالبشر ملتحفعن اليمين وللإقبال مبتسم
يد الجلال وشت في لوح جبهته«والناس من خولي والدهر من خدمي»
ولو أناف على هام السها وطنيلما لوت نحوه أجيادها هممي
على الندى وقفت أيامه وعلىنشر المحامد منه ألسن الامم
ما جئت أخدمه إلا وقد سحقتيد تلطفه عطرا من الشيم
زفّ الندى نحوه بكرا مخدرةلولاه زفّت إلى كفء من العدم
يريه شعري نجوم الليل طالعةوالنيرين معا من مشرق الكلم
لا زال مثل هلال العيد حضرتهفي الحسن واليمن والإقبال والشمم
وعاش للملك يحميه وينصرهفالملك من دونه لحم على وضم
ودام كاليمّ للعافين ملتطمابنانه وهو مرشوف بكل فم
وله من التصانيف: كتاب المجمرة في شرح المفصل صغير. وكتاب السبيكة في شرحه أيضا وسط. وكتاب التجمير في شرح المفصل أيضا بسيط. كتاب شرح سقط الزند. كتاب التوضيح في شرح المقامات. كتاب لهجة الشرع في شرح ألفاظ الفقه. كتاب شرح المفرد والمؤلف. كتاب شرح الأنموذج. كتاب شرح الأحاجي لجار الله. كتاب خلوة الرياحين في المحاضرات. كتاب عجائب النحو. كتاب السر
في الاعراب. كتاب شرح الأبنية. كتاب الزوايا والخبايا في النحو. كتاب المحصل للمحصلة في البيان. كتاب عجالة السفر في الشعر. كتاب بدائع الملح. كتاب شرح اليميني للعتبي.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع