تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

المحسن بن إبراهيم بن هلال بن زهرون

الصابىء أبو علي بن أبي إسحاق صاحب الرسائل، ووالد هلال بن المحسن صاحب التواريخ والرسائل: كان أديبا فاضلا بارعا قد لقي الأدباء والعلماء وأخذ عنهم كأبي سعيد السيرافى وأبي على الفارسي وأبي عبيد الله المرزباني. مات في تامن محرم سنة احدى وأربعمائة عن ابنه هلال، وله شعر حسن من مثله، وكان بوجهه شامة حمراء فكان يعرف بصاحب الشامة، وابنه هلال بن المحسن أعلى منزلة منه. ومات هذا على دين أبيه، وأما ابنه فأسلم على ما ذكرته في بابه. وكان لأبي اسحاق ابن آخر يقال له أبو سعيد سنان لبس بالنبيه وآخر كنيته أبو العلاء صاعد، ومات ابو سعيد سنان في حياة أبيه في رجب سنة ثمانين. ولما قبض على أبيه أبي إسحاق قبض معه على ولديه أبي عليّ هذا وأبي سعيد. فحدث أبو الحسين هلال قال حدثني أبو عليّ والدي قال: أمر عضد الدولة أبا القاسم المطهر بن عبد الله وزيره وقال له: أفرج عن [ابن] أبي إسحاق صاحب الشامة فان له قديم خدمة، فتقدم بذاك، فثقل على أبي سعيد أخى إطلاقي من دونه ودمدم على والدنا دمدمة قال له عندها: أيّ أمر لنا يا بني في نفوسنا أم أيّ ذنب لى

فيما لطف به لأخيك وحرمته؟ ثم عدل إلى مسألتي أن أخرج أسبوعا ويخرج أسبوعا ويقع بيننا مناوبة في ذاك، فامتنعت وأبيت ورفق بي رفقا استحييت معه وأجبت، فكتب أبو إسحاق إلى أبي القاسم المطهر:

ابناي عيناي كفّ الحبس لحظهماوعزّ حسّهما عن منظر النور
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
أطلقت لي منهما عينا وقد بقيتعين فصرت من الابنين كالعور
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
فسوّ بينهما في فكّ أسرهمامستوفرا منهما من أجر مأجور
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
يفديك بالأنفس اللاتي مننت بهاأبوهما وهما من كلّ محذور

فقال المطهر: الأمر إلى الملك فهو الذي رسم لي إطلاق ولدك صاحب الشامة، ولو كنت مستطيعا للجمع بينهما لفعلت، بل لم أقنع حتى تكون أنت المطلق فعاوده وشكره وقال: إذا كان قد أخذ في تخلية واحد فيجوز أن يتناوبا في الخروج، وفسح المطهر في ذلك.

قال أبو علي: وكانت خدمتي التي رعاها الملك عضد الدولة أن أبا طاهر ابن بقية لما أفرج عن أبي إسحاق والدي بعد القبض عليه عقيب خروج عضد الدولة من مدينة السلام استحلفه على أن يعرّفه ما يرد عليه من كتبه ويسلّم إليه من يجيئه من رسله، فاتفق أن جاء أبو سعد المدبر إليه بكتاب من عضد الدولة وعمل على تسليمه، فاجتهدت به ألّا يفعل، فخاف وأشفق ولم يقبل، وحمله إلى ابن بقية فتقدم باعتقاله بعد أن ضربه وقرّره، وشقّ ذلك عليّ لما يراعى من عواقبه، وحملني الشباب ونزقه والاغترار وبواعثه على أن قمت ليلا وحملت معي خمسين درهما في صرّة وعشرين درهما في صرّة أخرى وجئت إلى الحبس متنكرا وعلى رأسي منشفة وقلت للسجّان:

هذه عشرون درهما خذها ومكنّي من الدخول على هذا الجاسوس وأجتمع معه وأخاطبه وأخرج، فاخذها وأدخلني، وجئت إلى أبي سعد وتوجعت له مما حصل فيه، ووعدته بما أستطيعه من المعاونة على خلاصه، ثم قلت له: وأنت غريب وربما احتجت إلى شيء وهذه خمسون درهما اصرفها في نفقتك واستعن بها على أمرك، فشكرني وانصرفت، وأظنّه ذكر ذلك لعضد الدولة عند خلاصه وعوده إليه، فحصل لي في نفسه ما كانت هذه الحال ثمرته.

قرأت بخط أبي علي المحسّن في مجموع جمعه لولده هلال ما هذا صورته:

لبعض المحدثين في عصرنا (وعلى الحاشية بخطّ ابنه هلال: هذه الأبيات لأبي، المحسن بن إبراهيم بن هلال ﵀:

أأهجو مجوسيا لو أنّي أمرتهبنيك امّه جهرا إذا ما تأثّما
إذا ذكرت يوما له ريع قلبهوأنعظ مشتاقا إليها متيما
يحنّ إليها حنّتين لأنهيكون لها بعلا وكان لها ابنما
قضاها رضاع الثدي منه بأيرهففرّ لها فرجا وفرّت له فما
فان طرّقت بالحمل يوما فانمايكون أخا وابنا له كلما انتمى
ينيك الأقاصي والأداني محللابذلك ما كان الإله محرما
إذا ما ذوو الأديان صلّوا لربّهمتقدّم يهذي في الصلاة مزمزما
ويخرج مما كلّفوا من مشقّةويحتسب اللذات أجرا ومغنما

وكتب أبو علي إلى أبيه في بعض نكباته:

لا نأس للمال إن غالته غائلةففي حياتك من فقد اللهى عوض
إذ أنت جوهرنا الأعلى وما جمعتيداك من طارف أو تالد عرض
للشاعر إبراهيم بن هلال بن زهرون، من قصيدة «ولست أدري لم استحققت من ولدي»

فاجابه أبو إسحاق بأبيات ذكرتها في بابه فأغنى.

قرأت بخط أبي علي المحسن، أنشدني القاضي أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ﵀.

الجود والغول والعنقاء ثالثةأسماء أشياء لم تخلق ولم تكن

وأنشدني:

ألهى بني جشم عن كل مكرمةقصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهميا للرجال لفخر غير مسئوم

وأنشدني في المعنى:

كأن وجوه شمّاس بن لأيمن السوءات ملبسة عصيما
إذا ذكروا الخطيئة لم يعدّواحديثا بعد ذاك ولا قديما

وأنشدني:

أيا ابن صليبا أين طبك والذىبه كنت تشفي من به مثل دائكا
أأنكرت مما قيل ما قد عرفتهبغيرك أم آثرتهم بشفائكا
بل الموت ميقات النفوس متى يحنفداء الذي داويته في دوائكا

ومن خط أبي على المحسن قال: سألت القاضي أبا سعيد السيرافي ﵀ عن الأخبار التي يرويها عن أبي بكر ابن دريد وكنت أقرأها عليه: أكان يمليها من حفظه؟ فقال: لا، كانت تجمع من كتبه وغيرها ثم تقرأ عليه. وسألت أبا عبد الله محمد بن عمران المرزباني ﵀ عن ذلك فقال: لم يكن يمليها من كتاب ولا حفظ ولكن كان يكتبها ثم يخرجها إلينا بخطه فإذا كتبناها خرّق ما كانت فيه.

وقرأت بخط أبي علي المحسن: لأبي لحسن محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي اليّ يتقاضاني دفترا أعطانيه:

كنت يا سيدي استعرت كتابالي فيه قصائد للخليع
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
في الربيع الماضي وهذا ربيعفتفصّل بردّه يا ربيعي
تغتنم مدحتي وإن جدت أيضالي بفلسين لم يكن ببديع
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
يا جميل الصنيع لم قد تغيرت وعاملتني بسوء الصنيع
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
من عذيرى يا آل زهرون منكممن تراه يطفي لهيت ضلوعي
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
لست في المنع بالملوم تعلمت من السد الجليل الرفيع
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
كنت أعددتكم لنائبة الدهر وللحادث الملمّ الفظيع
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
ورجوت الغنى فخاب رجائيلم يخب فيك أنت بل في الجميع
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
واقريضي واخيبتي واعنائيواضنائي واذّلتي واحضوعي
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
واشبابي الذي تقضّى ضياعاواسهادي وافقد طيب هجوعى
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
واشقائي من ذلّ بختي عليكممن إليكم يا قوم كان شفيعي
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
كنت أبكي منكم فلما نكبتمقمت أبكي لكم فعزّت دموعي
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

قال أبو علي: وكنت مع أبي الحسن ابن سكرة على المائدة فحمل بعض الغلمان غضارة فيها مضيرة، فاضطربت يده وانقلب شيء منها على ثياب أبي الحسن، فادّعى عليه أنه ضرط وهجاه بأبيات لم يبق في حفظي منها غير بيتين وهما:

قليل الصواب كثير الغلطشديد العثار قبيح السّقط
جنى بالمضيرة ما قد جنىولم يكفه ذاك حتى ضرط

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.