تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن أحمد بن حمزة بن جيا أبو الفرج

من أهل الحلّة المزيديّة، يلقّب شرف الكتّاب، كان نحويا لغويا فطنا شاعرا مترسلا، شعره ورسائله مدونة، قدم بغداد فقرأ على النقيب أبي السعادات هبة الله ابن الشجري النحوي وأخذ عنه،

ثم أخذ بعده عن أبي محمد ابن الخشاب، وسمع الحديث على القاضي أبي جعفر عبد الواحد بن أحمد بن الثقفي، وأصله ومولده من مطيراباذ، وصحب ابن هبيرة الوزير، وله رسائل مدونة عملها أجوبة لرسائل أبي محمد القاسم بن الحريري.

حدثني أبو علي القيلوي قال: أنا رأيته، ومات في سنة تسع وسبعين وخمسمائة وقد نيف على الثمانين.

أنشدني ابن الدبيثي قال، أنشدني أبو الثناء محمود بن عبد الله بن المفرج الحلي قال، أنشدني شرف الكتاب أبو الفرج محمد بن أحمد بن جيا لنفسه:

حتام أجري في ميادين الهوىلا سابق أبدا ولا مسبوق
ما هزّني طرب إلى أرض الحمىالا تعرّض أجرع وعقيق
شوق بأطراف البلاد مفرّقيحوي شتيت الشمل منه فريق
ومدامع كفلت بعارض مزنةلمعت لها بين الضلوع بروق
فكأن جفني بالدموع موكّلوكأن قلبي للجوى مخلوق
قدم الزمان فصار شوقي عادةفليتركنّ دلاله المعشوق
قد كان في الهجران ما يزع الهوىلو يستفيق من الغرام مشوق
لكنني آبى لعهدي أن يرىبعد الصفاء وورده مطروق
إن عادت الأيام لي بطويلعأو ضمني والنازحين طريق
لأنبّهنّ على الغرام بزفرتيولتطربنّ بما أبثّ النوق

حدثني أبو علي القيلوي قال: سمعت شرف الكتاب يحدّث أنه كان يوما في مجلس الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، فجاءه فرّاش من دار الخلافة وحدّثه بمحضري شيئا كان يحب كتمانه من كلّ أحد، قال: واتفق خروج الفراش وقد اجتمع عنده الناس، فشغل بهم عني، وقمت أنا وخرجت ومضيت، فما وصلت باب العامة حتى جاءني من ردّني إلى حضرته، فلما وقفت بين يديه قلت: أحسن الله إلى مولانا الوزير وأدام أيامه، بيت الحماسة، فقال: نعم امض بارك الله فيك كذا الظنّ بمثلك؛ قال: وخرجت من عنده ولم يفهم أحد شيئا مما جرى بيننا، وإنما أردت قول

شاعر الحماسة:

وفتيان صدق لست مطلع بعضهمعلى سرّ بعض غير أني جماعها

ومن شعره:

أما والعيون النجل تصمي نبالهاولمع الثنايا كالبروق تخالها
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أما والعيون النجل تصمي نبالها»
ومنعطف الوادي تأرّج نشرهوقد زار في جنح الظلام خيالها
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أما والعيون النجل تصمي نبالها»
وقد كان في الهجران ما يزع الهوىولكن شديد في الطباع انتقالها
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أما والعيون النجل تصمي نبالها»

ومنها:

أيا ابن الألى جادوا وقد بخل الحياوقادوا المذاكي والدماء نعالها
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أما والعيون النجل تصمي نبالها»
ذد الدهر عنّي من رضاك بعزمةمعوّدة ألا يفلّ رعالها
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أما والعيون النجل تصمي نبالها»

ووجدت بخط بعض بني معيّة العلويين الحسنيين: أنشدني الشيخ أبو الفتح ابن جيا الكاتب لنفسه:

قل لحادي عشر البروج أبي العاشر منها ربّ القرآن الثاني
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «قل لحادي عشر البروج أبي العاشر»
يا ابن شكران ضلة لزمانصرت فيه تعدّ في الأعيان
ليس طبّي ذمّ الزمان ولكنأنت أغريتني بذمّ الزمان

ومن كلامه في جواب رسالة لابن الحريري كتبها إلى سديد الدولة ابن الأنباري يشكره: سيدنا الشيخ الإمام في توالي مبارّه والقصور مني في تأدية حقّه وإيفائه كمن يقرض غريما مع عسرته، ويتكثر بمن أفرده الزمان عن أهله وأسرته، فهلّا اقتصر بي من دينه على ما تقادم عهده، ولم يشفعه بطول أضعف قوى شكري وكان مستحكما عقده:

أنت امرؤ أوليتني منناأوهت قوى شكري فقد ضعفا
فاليك بعد اليوم معذرتيلاقتك بالتصريح منكشفا
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أنت امرؤ أو ليتني منناً»
لا تسدينّ إليّ عارفةحتى أقوم بشكر ما سلفا
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «أنت امرؤ أو ليتني منناً»

فأما ما يعزوه إليّ من البراعة وحسن الصناعة، ويقرّره من الإحسان كان الطيّ به أولى من الإذاعة، فتلك حال إن ثبت فيها الدعاوي، واتفق على صحة نقلها المخالف والموالي، فإنما جريت إليها بجياد هنّ التوالي لسوابقه، الصوادي إلى مناهل حقائقه، وأين الرذايا بعد ذلك من السابقات، والمقصّرة من اللاحقات، والمقرفة من كريمات المناسك، والمكدية مطالبها من نجيحات المكاسب:

سبقت إلى الآداب أبناء دهرنافبؤت بعاديّ على الدهر أقدم
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «سبقت إلى الآداب أبناء دهرنا»
وليست كما أبقت ضبيعة أضجموليست كما سادت قبائل جرهم
ولكنّ طودا لم يحلحل رسيّهوفارعة قعساء لم تتسنم
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «سبقت إلى الآداب أبناء دهرنا»
إذا ما بناء شاده الفضل والتقىتهدّمت الدنيا ولم يتهدّم
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «سبقت إلى الآداب أبناء دهرنا»

فالله تعالى يحرس عليه ما خوّله من هذه الخصائص النفيسة والمنح الشريفة، ولا تعدم القلوب الراحة بمحاضرته، كما لم يخله من النصر إذا أشرع رماح الجدل يوم مناظرته، بمنه وجوده؛ فأما اعتذاره عن إنفاذ ذلك التأليف، وانكاره للفراغ منه بعد التعريف، فما يخفى ما وراء ذلك من المغالطة، وما يقصده في كلّ وقت من قطع حبال المباسطة، ولولا أن المعاتبة إذا حقّت قلما يسلم معها وداد، ويجود في مطاويها من الصفاء عهاد:

لأرسلتها مقطوعة العقل تغتديشوارد قد بالغن في الجولان
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «لأرسلتها مقطوعة العقل تغتدي»
قوارص تبقى ما رأى الشمس ناظروما سمعت من سامع أذنان
للشاعر ابن جيا، من قصيدة «لأرسلتها مقطوعة العقل تغتدي»

لكن المقصود ما عاد باجمام خاطره وصفاء مشاربه، والا أكون عليه عونا للدهر ونوائبه، لا سيّما وقد رأيت الصبر على فعاله، أيسر من الصبر على ترك وصاله، فأما الملحة فانني وجدتها عند الوصول كما سماها غريبة في لفظها ومعناها، عارية من لبسة التكلف، بعيدة عن التصنع، تقتاد القلوب بأزمتها. وما كان أولاه لو قرنها إلى

ذلك العقد المكنون والدر المصون، فكانت النعمى تكمل والمسرة تشمل، وها أنا أرتقب لذلك السمط أن تؤلف فرائده، وتجمع بدائده، وأنتظر لوصوله يوما تقلّ همومه وتكثر حواسده، فما ذاك بمتعذر عليه متى رامه، ولا بمعوزه ان سرح سوام الفكر فيه وشامه. ولرأيه في ذلك ومعرفته وانجاز الوعد جريا على كريم عادته مزيد من علاء لا يطرأ الأفول على أهلته، إن شاء الله تعالى وحده.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.