من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن أحمد الابيوردي الكوفني أحد قراء أبيورد
هو أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي العباس أحمد بن إسحاق بن أبي العباس محمد الإمام بن إسحاق بن الحسن أبي الفتيان بن أبي مرفوعة منصور بن معاوية الأصغر بن محمد بن أبي العباس عثمان بن عنبسة [بن] عتبة بن عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف؛ نقلت هذا النسب من تاريخ جمعه منوجهر بن اسفرسيان بن منوجهر ابتدأه فيما ذكر لي في أوله من بعد ما ذكره الوزير أبو شجاع فقال فيه عند ذكر الأبيوردي: حكي أنه كان من أبيورد، ولم يعرف له هذا النسب، وانه كان ببغداد في خدمة مؤيد الملك ابن نظام الملك، فلما عادى مؤيد الملك عميد الدولة ابن جهير ألزمه أن يهجوه ففعل، فسعى عميد الدولة إلى الخليفة بأنه قد هجاك ومدح صاحب مصر، فأبيح دمه فهرب إلى همذان، واختلق هذا النسب حتى ذهب عنه ما قرف به من مدح صاحب مصر، وكان يكتب على كتبه
«المعاويّ»، وكان فاضلا في العربية والعلوم الأدبية نسابة ليس مثله، متكبرا عظيما، وسمع سنقر كفجك بخبره فأراد أن يجعله طغرائيّ الملك أحمد، فمات أحمد، فرجع إلى أصفهان بحال سيئة، وبقي سنين يعلم أولاد زين الملك برسق، ثم شرح سنقر الكفجك للسلطان محمد ذلك وأعطاه إشراف المملكة، وكان يدخل مع الخطير وأبي إسماعيل والمعين وشرف الدين، فتوفي فجأة بأصفهان يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة، وكذا ذكر ابن منده، ويقال: بل سقاه الخطير، ودفن بباب ديره، وكان كبير النفس عظيم الهمة لم يسأل أحدا شيئا قط مع الحاجة والمضايقة، وكان من دعائه في الصلاة: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها. ورثى الحسين ﵇ بقصيدة قال فيها، ومن خطه نقلت:
فجدّي وهو عنبسة بن صخربريء من يزيد ومن زياد
قال السمعاني، قال شيرويه: سمع الأبيوردي إسماعيل بن مسعدة الجرجاني وعبد الوهاب [بن] محمد بن الشهيد وأبا بكر ابن خلف الشيرازي، حديثا واحدا، وأبا محمد الحسن بن أحمد السمرقندي وعبد القاهر الجرجاني النحوي.
قال ابن طاهر المقدسي: عنبسة الأصغر بن عتبة الاشرف بن عثمان بن عنبسة الأكبر بن أبي سفيان. قال: ومعاوية الأصغر هو الذي ينتسب إليه الأبيوردي، ومعاوية أول من تديّر كوفن، وهي قصبة بين نسا وأبيورد ونقله إليها حيان بن حكيم العبدي.
وكتب مرة قصة إلى الخليفة، وكتب على رأسها الخادم المعاويّ يعني معاوية بن محمد بن عثمان لا معاوية بن أبي سفيان، فكره الخليفة النسبة إلى معاوية واستبشعها، فأمر بكشط الميم وردّ القصة فبقيت الخادم العاوي.
وحدث السمعاني عن أحمد بن سعد العجلي قال: كان السلطان نازلا على باب همذان فرأيت الأديب الأبيورديّ راجعا من عندهم، فقلت له: من أين؟ فأنشأ يقول ارتجالا:
ركبت طرفي فأذرى دمعه أسفاعند انصرافي منهم مضمر الياس
وقال حتام تؤذيني فإن سنحتحوائج لك فاركبني إلى الناس
وحدث أبو سعد السمعاني عن أبي علي أحمد بن سعيد العجلي المعروف بالبديع قال: سمعت الأبيوردي يقول في دعائه: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها، فقلت له: أي شيء هذا الدعاء؟ فكتب إليّ بهذه الأبيات:
يعيّرني أخو عجل إبائيعلى عدمي وتيهي واختيالي
ويعلم أنني فرط لحيّحموا خطط المعالي بالعوالي
فلست لحاصن إن لم أزرهاعلى نهل شبا الأسل الطوال
وإن بلغ الرجال مداي فيماأحاوله فلست من الرجال
قال أبو علي العجلي: وكنت يوما متكسرا فأردت أن أقوم فعضدني الأبيوردي وعاونني على القيام، ثم قال: أمويا يعضد عجليا، كفى بذلك شرفا.
وقد ولي الأبيوردي خزن خزانة دار الكتب بالنظامية التي ببغداد بعد القاضي أبي يوسف يعقوب بن سليمان الاسفرائني، وكانت وفاة الاسفرائني هذا في رمضان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة وكان أبو يوسف الاسفرائني أيضا شاعرا أديبا، وهو القائل في بهاء الدولة منصور بن مزيد صاحب حلة بني مزيد:
أيا شجرات النيل من يضمن القرىإذا لم يكن جار الفرات ابن مزيد
إذا غاب منصور فلا النور ساطعولا الصبح بسّام ولا النجم مهتدي
وحدث العماد محمد بن حامد الأصبهاني في «كتاب خريدة القصر» [أن] الأبيوردي تولى في آخر عمره إشراف مملكة السلطان محمد بن ملكشاه، فسقوه السم وهو واقف عند سرير السلطان، فخانته رجلاه فسقط وحمل إلى منزله، فقال:
وقفنا بحيث العدل مدّ رواقهوخيّم في أرجائه الجود والباس
وفوق السرير ابن الملوك محمدتخرّ له من فرط هيبته الناس
فخامرني ما خانني قدمي لهوإن ردّ عني نفرة الجأش إيناس
وذاك مقام لا نوفّيه حقّهإذا لم ينب فيه عن القدم الراس
لئن عثرت رجلي فليس لمقوليعثار وكم زلّت أفاضل اكياس
قال العماد الأصبهاني: وكان ﵀ عفيف الذيل، غير طفيف الكيل، صائم النهار قائم الليل، متبحرا في الأدب، خبيرا بعلم النسب، وأورد له صاحب «وشاح الدمية» فيه:
من أرتجي وإلى من ينتهي أربيولم أطأ صهوات السبعة الشهب
يا دهر هبني لا أشكو إلى أحدما ظلّ منتهسا شلوي من النوب
تركتني بين أيدي النائبات لقىفلا على حسبي تبقي ولا نسبي
يريك وجهي بشاشات الرضى كرماوالصدر مشتمل مني على الغضب
إن هزّني اليسر لم أنهض على مرحأو مسّني الضرّ لم أجثم على لغب
حسب الفتى من غناه سدّ جوعتهوكلّ ما يقتنيه نهزة العطب
وله:
خليليّ إن الحبّ ما تعرفانهفلا تنكرا أنّ الحنين من الوجد
أحنّ وللانضاء بالغور حنّةإذا ذكرت أوطانها بربى نجد
وله:
خطرت لذكرك يا أميمة خطرةبالقلب تجلب عبرة المشتاق
وتذود عن قلبي سواك كما أبىدمعي جواز النوم بالآماق
لم يبق منّي الحبّ غير حشاشةتشكو الصبابة فاذهبي بالباقي
أيبلّ من جلب السقام طبيبهويفيق من سحرته عين الراقي
إن كان طرفك ذاق ريقك فالذيألقى من المسقيّ فعل الساقي
نفسي فداؤك من ظلوم أعطيترقّ القلوب وطاعة الأحداق
فلقلة الأشباه فيما أوتيتأضحت تدلّ بكثرة العشاق
وله:
علاقة بفؤادي أعقبت كمدالنظرة بمنى أرسلتها عرضا
وللحجيج ضجيج في جوانبهيقضون ما أوجب الرحمن وافترضا
فاستنفض القلب رعبا ما جنى نظريكالصقر ندّاه طلّ الليل فانتفضا
وقد رمتني غداة الخيف غانيةبناظر إن رمى لم يخطىء الغرضا
لما رأى صاحبي ما بي بكى جزعاولم يجد بمنى عن خلّتي عوضا
وقال دع يا فتى فهر فقلت لهيا سعد أودع قلبي طرفها مرضا
فبتّ أشكو هواها وهو مرتفقيشوقه البرق نجديّا إذا ومضا
تبدو لوامعه كالسيف مختضباشباه بالدم أو كالعرق إن نبضا
ولم يطق ما أعانيه فغادرنيبين النقا والمصلّى عندها ومضى
وقرأت من خط تاج الاسلام اختلافا في نسبه وهو: محمد بن أحمد بن محمد بن إسحاق بن الحسن بن منصور بن معاوية بن محمد بن عثمان بن عتبة بن عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي العبشمي، أوحد عصره وفريد دهره في معرفة اللغة والأنساب وغير ذلك، وأليق ما وصف به بيت أبي العلاء المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانهلآت بما لم تستطعه الأوائل
وله تصانيف كثيرة: منها كتاب تاريخ أبيورد ونسا. كتاب المختلف والمؤتلف.
كتاب قبسة العجلان في نسب آل أبي سفيان. كتاب نهزة الحافظ. كتاب المجتبى من المجتنى في رجال كتاب أبي عبد الرحمن النسائي في السنن المأثورة، وشرح غريبه. كتاب ما اختلف وائتلف في أنساب العرب. كتاب طبقات العلم في كل فن.
كتاب كبير في الأنساب. كتاب تعلّة المشتاق إلى ساكني العراق. كتاب كوكب المتأمل، يصف فيه الخيل. كتاب تعلّة المقرور في وصف البرد والنيران وهمذان.
كتاب الدرة الثمينة. كتاب صهلة القارح ردّ فيه على المعري «سقط الزند». وله في اللغة مصنفات ما سبق إليها.
وكان حسن السيرة جميل الأمر منظرانيّا من الرجال، سمع الحديث فأكثر، ولقي عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي وأخذ عنه، وروى عنه جماعة غير محصورة.
وقال السمعاني: سمعت أبا الفتح محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم النطنزي يقول: سمعت الأبيوردي يقول: كنت ببغداد عشرين سنة حتى أمرّن طبعي على العربية وبعد أنا أرتضخ لكنة.
قال: وقرأت بخط يحيى بن عبد الوهاب بن منده: سئل الأديب الأبيوردي عن أحاديث الصفات فقال نقرّ ونمرّ.
وأنشد السمعاني للأبيوردي بإسناد:
جدّي معاوية الأغرّ سمت بهجرثومة من طينها خلق النبي
وورثته شرفا رفعت منارهفبنو أمية يفخرون به وبي
وأنشد له:
كفّى أميمة غرب اللوم والعذلفليس عرضي على حال بمبتذل
إن مسّني العدم فاستبقي الحياء ولاتكلفيني سؤال العصبة السفل
فشعر مثلي وخير القول أصدقهما كان يفترّ عن فخر وعن غزل
أما الهجاء فلا أرضى به خلقاوالمدح إن قلته فالمجد يغضب لي
وكيف أمدح أقواما أوائلهمكانوا لأسلافي الماضين كالخول
وله أيضا في مدح الأئمة الخمسة:
زاهر العود رطيبهولياليه تشيبه
كلّ يوم من مكانيلبس الذلّ غريبه
وهو يسعى طالبا للعلم والهمّ يذيبه
وطوى برد صباهقبل أن يبلى قشيبه
واقتدى بالقوم يدعوههواه فيجيبه
خمسة لا يجد الحاسدفيهم ما يعيبه
منهم الجعفيّ لا يعرف في العلم ضريبه
وإذا اعتلّ حديثفالقشيريّ طبيبه
وأخونا ابن شعيبحازم الرأي صليبه
وأبو داوود موفور من الفضل نصيبه
وأبو عيسى يرى الجهميّ منه ما يريبه
جادهم ذو زجل يستضحك الروض نحيبه
طار فيه البرق حتىخالط الماء لهيبه
وأنشد له:
تنكّر لي دهري ولم يدر أننيأعزّ وأحداث الزمان تهون
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤهوبتّ أريه الصبر كيف يكون
له في الغزل:
أعصر الحمى عد فالمطايا مناخةبمنزلة جرداء ضاح مقيلها
لئن كانت الأيام فيك قصيرةفكم حنة لي بعدها أستطيلها
وله:
رمتني غداة الخيف ليلى بنظرةعلى خفر والعيس صعر خدودها
شكت سقما ألحاظها وهي صحةفلست ترى إلا القلوب تعودها
وله:
صلي يا ابنة الأشراف أروع ماجدابعيد مناط الهمّ جمّ المسالك
ولا تتركيه بين شاك وشاكرومطر ومغتاب وباك وضاحك
فقد ذلّ حتى كاد ترحمه العدىوما الحبّ يا ظبياء إلا كذلك
ووجدت بعد ذلك رسالة كتبها إلى أمير المؤمنين المستظهر بالله يعتذر، تدلّ على صحة ما نسب إليه من الهرب من بغداد، نسختها: إحسان المواقف المقدسة النبوية الامامية الطاهرة الزكية الممجدة العلية، زاد الله في إشراق أنوارها، وإعزاز أشياعها وأنصارها، وجعل أعداءها حصائد نقمها، ولا سلب أولياءها قلائد نعمها، شمل الأنام، وغمر الخاصّ والعام، وأحقّ خدمها بها من انتهج المذاهب الرشيدة في الولاء الناصع، والتزم الشاكلة الحميدة في الثناء المتتابع، ولا خفاء باعتلاق الخادم أهداب الاخلاص، واستيجابه مزايا الاجتباء والاختصاص، لما أسلفه من شوافع الخدم، ومهّده من أواصر الذمم، متوفرا على دعاء يصدره من خلوص اليقين، ويعدّ المواصلة به من مفترضات الدين، ولئن صدّت الموانع عن المثول بالسدّة المنيفة، والاستذراء بالجناب الأكرم في الخدمة الشريفة، فهو في حالتي دنوّه منها واقترابه، وتارتي انتزاحه عنها واغترابه، على السّنن القاصد في المشايعة مقيم، ولما يشمله من نفحات الأيام الزاهرة مستديم. وقد علم الله سبحانه، ولا يستشهده كاذبا، إلا من كان لرداء الغيّ جاذبا، أنه مطويّ الجنان على الولاء، منطلق اللسان بالشكر والدعاء، يتّشح بهما الصبح كاشرا عن نابه، ويدّرعهما الليل ناشرا سابغ جلبابه، وكان يغبّ
خدمه اتقاء لقوم يبغونه الغوائل، وينصبون له الحبائل، وتدعوهم العقائد المدخولة إلى تنفيره، ويرقّون عنه غير ما أجنّه في ضميره، ولا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذماما، ويزيدهم الاستدراج على الجرائم جرأة واقداما، حتى استشعر وجلا، فاتخذ الليل جملا، والتحف بناشئة الظلماء، والفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء، ولم يزل يستبطىء فيهم المقادير، والأيام ترمز بما يعقب التبديل والتغيير، فحاق بهم مكرهم، وانقضت شرتهم وشرهم:
عذرت الذرى لو خاطرتني قرومهافما بال أكارين فدع القوائم
وعاود الخادم المثابرة على الممادح الإمامية مطنبا ومطيلا، إذ وجد إلى مطالعة مقارّ العزّ والعظمة ومواقف الإمامة المكرمة بها سبيلا، وهذه فاتحة ما نظم، وانتهز فرصة الامكان فيه واغتنم:
لك من غليل صبابتي ما أضمروأسرّ من ألم الغرام وأظهر
وتذكّري زمن العذيب يشفّنيوالوجد ممنوّ به المتذكّر
إذ لمّتي سحماء مدّ على التقىأظلالها ورق الشباب الأخضر
ولداتك النشء الصغار وليس ماألقاه فيك من الملاوم يصغر
هو ملعب شرقت بنا أرجاؤهإذ نحن في حلل الشبيبة نخطر
فبحرّ أنفاسي وصوب مدامعيأضحت معالمه تراح وتمطر
وأجيل في تلك المعاهد ناظريفالقلب يعرفها وطرفي ينكر
وأردّ عبرتي الجموح لأنهابمقيل سرّك في الجوانح تخبر
فأبيت محتضر الجوى قلق الحشاوأظلّ أعذل في هواك وأعذر
غضبت قريش إذ ملكت مقادتيغضبا يكاد السمّ منه يقطر
وتعاورت عذلي فما أرعيتهاسمعا يقلّ به الملام ويكثر
ولقد يهون على العشيرة أننيأشكو الغرام فيرقدون وأسهر
وبمهجتي هيفاء يرفع جيدهارشأ ويخفض ناظريها جؤذر
طرقت وأجفان الوشاة على الكرىتطوى وأردية الغياهب تنشر
والشهب في غسق الدجى كأسنّةزرق يصافحها العجاج الأكدر
فنجاد سيفي مسّ ثني وشاحهابمضاجع كرمت وعفّ المئزر
ثم افترقنا والرقيب يروع بيأسدا يودّعه غزال أحور
والدرّ ينظم حين تضحك عقدهوإذا بكيت فمن جفوني ينثر
فوطئت خدّ الليل فوق مطهّمتسمو لغايته الرياح فتحسر
طرب العنان كأنه في حضرهنار بمعترك الجياد تسعّر
والعزّ يلحفني وشائع بردهحلق الدلاص وصارمي والأشقر
وعلام أدّرع الهوان وموئليخير الخلائق أحمد المستظهر
هو غرّة الزمن الكثير شياتهزهي السرير به وتاه المنبر
وله كما اطّردت أنابيب القناشرف وعرق بالنبوة يزخر
وعلا ترفّ على التقى وسماحةعلق الرجاء بها وبأس يحذر
لا تنفع الصلوات من هو ساحبذيل الضلال وعن هواه أزور
ولو استميلت عنه هامة مارقلدعا صوارمه إليها المغفر
والله يحرس بابن عمّ رسولهدين الهدى وبه يعان وينصر
فعفاته حيث الغنى يسع المنىوعداته حيث القنا يتكسر
وبسيبه وبسيفه أعمارهمفي كلّ معضلة تطول وتقصر
وكأنه المنصور في عزماتهومحمد في المكرمات وجعفر
وإذا معدّ حصّلت أنسابهافهم الذرى والجوهر المتخيّر
ولهم وقائع في العدى مذكورةتروي الذئاب حديثها والأنسر
والسمر في اللبات راعفة دماوالبيض يخضبها النجيع الأحمر
والقرن يركب ردعه سهل الخطاوالأعوجيّة بالجماجم تعثر
ودجا النهار من العجاج وأشرقتفيه الصوارم فهو ليل مقمر
يا ابن الشفيع إلى الحيا ما لامرىءطامنت نخوته المحلّ الأكبر
أنا عبد نعمتك التي لا تجتدىمعها السحائب فهي منها أغزر
والنّجح يضمنه لمن يرتادهامنا الطلاقة والجبين الأزهر
ولقد عداني عن جنابك حادثأنحى عليّ به الزمان الأغبر
وإن اقتربت أو اغتربت فإننيلهج بشكر عوارف لا تكفر
وعلاك لي في ظلّها ما أبتغيمنها ومن كلمي لها ما يذخر
يسدي مديحك هاجسي وينيرهفكري وحظّي في امتداحك أوفر
بغداد أيتها المطيّ فواصليعنقا تئنّ له القلاص الضمّر
إني وحقّ المستجنّ بطيبةكلف بها وإلى ذراها أصور
وكأنني مما تسوّله المنىوالدار نازحة إليها أنظر
أرض تجرّ بها الخلافة ذيلهاوبها الجباه من الملوك تعفّر
فكأنها جلبت علينا جنةوكأن دجلة فاض فيها الكوثر
وهواؤها أرج النسيم وتربهامسك تهاداه الغدائر أذفر
يقوى الضعيف بها ويأمن خائفقلقت وسادته ويثري المقتر
فتركتها إذ صدّ عني معشريوبغى عليّ من الأراذل معشر
من كلّ ملتحف بما يصم الفتىيؤذي ويظلم أو يجور ويغدر
فنفضت منه يدي مخافة كيدهإنّ الكريم على الأذى لا يصبر
والأبيض المأثور يخطم بالردىمن لا ينهنهه القطيع الأسمر
فارفضّ شملهم وكم من موردللظالمين وليس عنه مصدر
وأبى لشعري أن أدنّسه بهمحسبي وحسب ذوي الخنا أن يحقروا
قابلت سيّء ما أتوا بجميل ماآتي فاني بالمكارم أجدر
وإلى أمير المؤمنين تطلعتمدح كما ابتسم الرياض تحبّر
ويقيم مائدهنّ ليل مظلمويضمّ شاردهنّ صبح مسفر
فبمثل طاعته الهداية تبتغىوبفضل نائله الخصاصة تجبر
وله:
ألا ليت شعري هل تخبّ مطيتيبحيث الكثيب الفرد والأجرع السهل
ألذّ به مسّ الثرى ويروقنيحواشي ربى يغذو أزاهيرها الوبل
ولولا دواعي حبّ رملة لم أقلإذا زرت مغناها به سقي الرمل
فيا حبذا أثل العقيق ومن بهوان رحلت عنه فلا حبّذا الأثل
ضعيفة رجع القول من ترف الصبالها نظرة تنسيك ما يفعل النصل
وقد بعثت سرّا إليّ رسولهالأهجرها والهجر شيمة من يسلو
تخاف عليّ الحيّ إذ نذروا دميسأرخصه فيها على أنه يغلو
أيمنعني خوف الردى أن أزورهاوأروح من صبري على هجرها القتل
إذا رضيت عني فلا بات ليلةعلى غضب إلا العشيرة والأهل
وله:
خطوب للقلوب بها وجيبتكاد لها مفارقنا تشيب
نرى الأقدار جارية بأمريريب ذوي العقول بما يريب
فتنجح في مطالبها كلابوأسد الغاب ضارية تخيب
وتقسم هذه الأرزاق فينافما ندري أتخطىء أم تصيب
ونخضع راغمين لها اضطراراوكيف يلاطم الإشفا لبيب
وله:
وغادة لو رأتها الشمس ما طلعتوالرئم أغضى وغصن البان لم يمس
عانقتها برداء الليل مشتملاحتى انتبهت ببرد الحلي في الغلس
فظلت أحميه خوفا أن ينبههاوأتقي أن أذيب العقد بالنفس
وله:
ومتّشح باللؤم جاذبني العلافقدّمه يسر وأخّرني عسر
وطوقت أعناق المقادير ما أتىبه الدهر حتى ذلّ للعجز الصدر
ولو نيلت الأرزاق بالفضل والحجىلما كان يرجو أن يثوب له وفر
فيا نفس صبرا إنّ للهمّ فرجةفما لك الا العزّ عندي أو القبر
ولي حسب يستوعب الأرض ذكرهعلى العدم والأحساب يدفنها الفقر
وله أيضا وهو من جيد شعره:
وعليلة الألحاظ ترقد عنصبّ يصافح جفنه الأرق
وفؤاده كسوارها حرجووساده كوشاحها قلق
عانقتها والشهب ناعسةوالأفق بالظلماء منتطق
ولثمتها والليل من قصرقد كاد يلثم فجره الشفق
بمعانق ألف العفاف بهكرم بأذيال التقى علق
ثم افترقنا حين فاجأناصبح تقاسم ضوءه الحدق
وبنحرها من أدمعي بللوبراحتي من نشرها عبق
وله:
بيضاء إن نطقت في الحيّ أو نظرتتقاسم السحر أسماع وأبصار
والركب يسرون والظلماء عاكفةكأنهم في ضمير القلب أسرار
وله:
وقصائد مثل الرياض أضعتهافي باخل ضاعت به الأحساب
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا الممدوح قالوا ساحر كذاب
وله:
ما للجبان ألان الله ساحتهظنّ الشجاعة مرقاة إلى الأجل
وكم حياة جنتها النفس من تلفوربّ أمن حواه القلب من وجل
فقت الثناء فلم أبلغ مداك بهحتى توهمت أن العجز من قبلي
والعيّ أن يصف الورقاء مادحهابالطّوق أو يمدح الأدماء بالكحل
وله:
وقد سئمت مقامي بين شرذمةإذا نظرت اليهم قطّبت هممي
أراذل ملكوا الدنيا وأوجههملم يكشف الفقر عنها بهجة النعم
وله:
ألام على نجد وأبكي صبابةرويدك يا دمعي ويا عاذلي رفقا
فلي بالحمى من لا أطيق فراقهبه يسعد الواشي ولكّنني أشقى
وأكرم من جيرانه كلّ طارىءيودّ ودادا أنه من دمي يسقى
اذا لم يدع مني نواه وحبّهسوى رمق يا أهل نجد فكم يبقى
ولولا الهوى ما لان للدهر جانبيولا رضيت مني قريش بما ألقى
قرأت بخط محمد بن عبيد الله الشاعر المعروف بابن التعاويذي قال، حدثني الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب قال، حدثني الشيخ أبو منصور ابن الجواليقي قال: كنت أقرأ على أبي زكريا شعر أبي دهبل الجمحي حتى وصلت إلى هذا البيت:
يجول وشاحاها ويغرب حجلهاويشبع منها وقف عاج ودملج
قال فقلت له: وصفها بقوله يجول وشاحاها بأنها هضيمة الحشا، وبقوله ويشبع منها وقف عاج ودملج أنها عبلة الزند والعضد، فما معنى قوله ويغرب حجلها؛ فقال:
لا أدري، وكان الأبيوردي حاضرا، فلما قمت من عنده قال لي الأبيوردي: أتحبّ أن تعرف معنى هذا البيت؟ قلت: نعم، فقال: اتبعني، فمضيت معه إلى بيته فأجلسني وأخرج سلّة فيها جزاز فجعل يطوفها إلى أن أخرج ورقة فنظر فيها وقال لي:
إنه مدح امرأة من آل أبي سفيان وهم يوصفون بأنهم سته حمش، والحمش دقّة الساقين.
ومن افتخاراته قوله:
يا من يساجلني وليس بمدركشأوي وأين له جلالة منصبي
لا تتعبنّ فدون ما أمّلتهخرط القتادة وامتطاء الكوكب
المجد يعلم أيّنا خير أبافاسأله تعلم أيّ ذي حسب أبي
جدّي معاوية الأغرّ سمت بهجرثومة من طينها خلق النبي
وورثته شرفا رفعت منارهفبنو أمية يفخرون به وبي
قال عبد الله بن علي التيمي: ولقد حصل للأبيوردي بعد ما تراه من شكوى
الزمان في أشعاره مما انتجعه بالشعر من ملوك خراسان ووزرائها وخلفاء العراق وأمرائها ما لم يحصل للمتنبي في عصره ولا ابن هانىء في مصره، فمن ذلك ما حدثنيه القاضي أبو سعد محمد بن عبد الملك بن الحسن النديم أن أفضل الدولة الأبيوردي لما قدم الحلة على سيف الدولة صدقة ممتدحا له، ولم يكن قبلها اجتمع به قط، خرج سيف الدولة لتلقيه. قال: وكنت فيمن خرج، فشاهدت الأبيوردي راكبا في جماعة كثيرة من أتباعه منهم من المماليك الترك ثلاثون غلاما، ووراءه سيف مرفوع، وبين يديه ثمان جنائب بالمراكب والسرفسارات الذهب، وعددنا ثقله فكان على أحد وعشرين بغلا، وكان مهيبا محترما جليلا معظما لا يخاطب إلا بمولانا، فرحب به سيف الدولة، وأظهر له من البر والاكرام ما لم يعهد مثله في تلقّي أحد ممن كان يتلقاه، وأمر بانزاله وإكرامه والتوفر على القيام بمهامّه، وحمل إليه خمسمائة دينار وثلاثة حصن وثلاثة أعبد. وكان الأبيوردي قد عزم على إنشاد سيف الدولة قصيدته التي يقول فيها:
وفي أي عطفيك التفتّ تعطّفتعليك به الشمس المنيرة والبدر
في يوم عيّنه، ولم يكن سيف الدولة أعدّ له بحسب ما كان في نفسه أن يلقاه به ويجيزه على شعره، واعتذر إليه ووعده يوما غير ذلك اليوم ليعدّ ما يليق بمثله اجازته مما يحسن به بين الناس ذكره، ويبقى على ممرّ الأيام أثره، فاعتقد أفضل الدولة أنّ سيف الدولة قد دافعه عن سماعه منه استكبارا لما يريد أن يصله به ثانيا، فأمر الأبيوردي أصحابه أن يعبروا ثقله الفرات متفرقا في دفعات، وخرج من غير أن يعلم به أحد سوى ولد أبي طالب ابن حبش فانه سمعه ينشد على شاطىء الفرات حين عبوره:
أبابل لا واديك بالخير مفعملراج ولا ناديك بالرفد آهل
لئن ضقت عني فالبلاد فسيحةوحسبك عارا أنني عنك راحل
فان كنت بالسحر الحرام مدلّةفعندي من السحر الحلال دلائل
قواف تعير الأعين النجل سحرهاوكلّ مكان خيّمت فيه بابل
فبادر ولد أبي طالب إلى سيف الدولة فقال له: رأيت على شاطىء الفرات فارسا
يريد العبور إلى الشرق وهو ينشد هذه الأبيات، فقال سيف الدولة: وأبيك ما هو إلا الأبيوردي، فركب لوقته في قلّ من عسكره، فلحقه فاعتذر وسأله الرجوع وعرّفه عذره في امتناعه من سماع شعره وأمر بانزاله في داره معه، وحمل إليه ألف دينار ومن الخيل والثياب ما يزيد على ذلك قيمة.
قال عبيد الله التيمي أنشدني أبو إسحاق يحيى بن إسماعيل المنشىء الطغرائي قال: سمعت والدي ينشد لنفسه مرثية للأبيوردي:
إن ساغ بعدك لي ماء على ظمأفلا تجرعت غير الصاب والصّبر
أو إن نظرت من الدنيا إلى حسنمذ غبت عنّي فلا متّعت بالنظر
صحبتني والشباب الغضّ ثم مضىكما مضيت فما في العيش من وطر
هبني بلغت من الأعمار أطولهاأو انتهيت إلى آمالي الكبر
فكيف لي بشباب لا ارتجاع لهأم أين أنت فما لي منك من خبر
سبقتماني ولو خيّرت بعدكمالكنت أول لحّاق على الأثر
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع