تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن إسحاق بن علي بن داود بن حامد

أبو جعفر القاضي الزوزني البحاثي: ذكره عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي وأنه مات بغزنة سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقال: هو أحد الفضلاء المعروفين والشعراء المفلقين، صاحب التصانيف العجيبة المفيدة جدا وهزلا، والفائق أهل عصره ظرفا وفضلا، المتعصب لأهل السنة، المخصوص بخدمة البيت الموفقي، المحترم بين الأئمة والكبار لفضله مرة، وللتوقي من حمات لسانه وعقارب هجائه ثانية، ولقد رزق من الهجاء في النظم والنثر طريقة لم يسبق إليها، وما ترك أحدا من الكبراء والأئمة والفقهاء وسائر الأصناف من الناس إلا هجاه ووقع فيه، فكان الكل يتترسون باحترامه وإيوائه، عن سهام هجائه.

قال عبد الغافر: وكان صديق والدي من البائتين عنده في الأحايين، والمقترحين عليه ما يشتهيه من الطبائخ والمطعومات. سمعته ﵀ يحكي عن أحواله وتهتكه واشتغاله في جميع الأحوال بما لا يليق بالعلماء والأفاضل، ولكنه كان يحتمل عنه اتقاء لسانه. ومما حكاه لي ﵀ قال: ما وقع بصري قطّ على شخص إلا تصوّر في قلبي هجاؤه قبل أن أكلّمه وأجربه أو أخبر أحواله. وحكى لي بعض من أثق به أنه قال: لم يفلت أحد من هجائي إلا القاضي الامام صاعد بن محمد ﵀، فإني كنت زورت في نفسي أن أهجوه، فحيث تأملت في حسن عبادته وكمال فضله ومرضيّ سيرته استحييت من الله تعالى وتركت ما أجلته في فكري، على أني سمعت فيما قرع سمعي تشبيبا منه بشيء من ذلك عفا الله عنه، ولقد خصّ طائفة من الأكابر والعلماء بوضع التصنيف فيهم ورميهم بما برأهم الله ﷿ عنه. وبالغ في الافحاش، وأغرق في قوس الايحاش، وأظهر النّسخ بين الناس، وأغرب في فنون الهجاء، وأتى بالعبارات الرشيقة والمعاني الصحيحة من حيث الصنعة، وإن كانت عن آخرها أوزارا وآثاما وكذبا وبهتانا. واتفق الأفاضل على أنه أهجى عصره من الفضلاء، وأفتقهم شتما قبيحا تعريضا وتصريحا، وكان يسكن مدرسة السيوري بباب عزرة ويخصّ جماعة سكانها من الأئمة في عصره بالهجاء، وله معهم ثارات وأحوال يطول ذكرها، ثم مع تبحره وانفراده بفنّ الهجاء كان له شعر في الطبقة العليا في المدح والثناء وسائر المعاني، قصائده الغرّ في السادة والأئمة مشهورة، ومقطعاته في الغزل مأثورة، وكان ينسخ كتب الأدب بخطّ مقروء صحيح أحسن النّسخ، ولقد رأيت نسخة من «كتاب يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي في خمس مجلدات بخطه المليح بيعت بثلاثين دينارا نيسابورية وكانت تساوي أكثر من ذلك، ولقد كتب نسخة من «غريب الحديث» لأبي سليمان الخطابي وقرأها على جدي الشيخ عبد الغافر بن محمد الفارسي قراءة سماع، وعلى الحاكم الامام أبي سعد ابن دوست قراءة تصحيح وإتقان، أقطع على الله تعالى أن لم يبق من ذلك الكتاب نسخة أبين ولا أملح منها، وهي الآن برسم خزانة الكتب الموضوعة في الجامع القديم موقوفة على المسلمين من

أراد صدقي في ادعائي فليطالعه منها. ولم أظفر من مسموعاته في الأحاديث بشيء يمكنني أن أودعه هذا الكتاب مع أني لا أشك في سماعه، ولقد ذكر الحافظ أنه روى عنه عن خاله أبي الحسن هارون الزوزني عن أبي حاتم ابن حبان ولم يقع إلي بعد.

ومن شعره في بعض الأكابر:

يرتاح للمجد مهتزّا كمطردمثقّف من رماح الخطّ عسّال
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
فمرة باسم عن ثغر برق حياوتارة كاشف عن ناب رئبال
فما أسامة مطرورا براثنهضخم الجزارة يحمي خيس أشبال
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
يوما بأشجع منه حشو ملحمةوالحرب تصدع أبطالا بأبطال
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
ولا خضارة صخابا غواربهتسمو أواذيّه حالا على حال
أندى وأسمح منه إذ يبشّرهمبشّروه بروّاد ونزّال
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة

إلى غير ذلك من أمثاله إلى تمام القصيدة. وله:

وذي شنب لو أنّ حمرة ظلمهأشبهها بالجمر خفت به ظلما
قبضت عليه خاليا واعتنقتهفأوسعني شتما وأوسعته لثما
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة

ومن شعره يصف البرد:

متناثر فوق الثرى حبّاتهكثغور معسول الثنايا أشنب
برد تحدّر من ذرى صخّابةكالدرّ إلا أنه لم يثقب

قال عبد العافر: واقتصرت على هذا الأنموذج من كلامه مخافة الاملال ومن أراد يزيد عليه فديوان شعره هزلا وجدا موجود، والله يغفر له ويعفو عنه.

قال المؤلف: ولم أر من تصانيف البحاثي هذا شيئا إلا «شرح ديوان البحتري» ولعمري إن هذا شيء ابتكره، فإني ما رأيت هذا الديوان مشروحا ولا تعرّض له أحد من أهل العلم، ولا سمعت أحدا قال اني رأيت ديوان أبي عبادة البحتري مشروحا، وتأملته فرأيته قد ملىء علما وحشي فهما، وذاك أن شروح الدواوين المعروفة كأبي تمام والمتنبي وغيرهما تساعدت القرائح عليه وترافدت الهمم إليه، وما أرى له فيما اعتمده من شرح هذا الكتاب عمدة إلا أن يكون «كتاب عبث الوليد» للمعري

و «كتاب الموازنة» للآمدي لا غير.

وقد ذكر البحاثيّ هذا أبو منصور الثعالبي في «تتمة يتيمة الدهر» بما أنا ذاكره إن شاء الله، قال أبو منصور: أبو جعفر محمد بن إسحاق البحاثي زينة زوزن، وطرف الطرف، وريحان الروح، يقول في هجاء لحيته الطويلة:

يا لحية قد علّقت من عارضيلا أستطيع لقبحها تشبيها
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
طالت فلم تفلح ولم تك لحيةلتطول إلا والحماقة فيها
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
إني لأظهر للبرية حبّهاوالله يعلم أنني أقليها
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة

ويقول في ذم خال على وجه بعض من يهجوه:

أبو طاهر في الشؤم واللؤم غايةبعيد عن الاسلام والعقل والدين
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
على وجهه خال قريب من انفهكمثل ذباب واقع فوق سرقين
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة

وله:

ينيكون غزلان الحسان ولا أرىغزالا من الغزلان فردا بساحتي
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
فمن يك قد لاقى من النيك راحةففي راحتي أنسي ورفقي وراحتي

وله:

ولما رأيت الفقر ضربة لازبولم يك لي في الكفّ عقد على نقد
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
ولا لي غلام قد يناك ولم يكنسبيل إلى التّرك المكحلة المرد
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
شريت قبيحا من بني الهند أسوداونيك الهنود السود خير من الجلد
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة

وله أيضا يهجو:

فسوي وضرطي والخرا مائعاعلى الذي مقلوبه فسوي
من خلقه أقبح من خلقهوجحره أوسع من دلوي

وله:

تعوّد هتك الستر نسوان سكبروجئن لباس الفسق من أحسن الكسا
وطرن سرورا حين لقبن سكبرافسكبر إذ قلّبته صار رب كسا

وللبحاثي في صفة دعوة:

سألونا عن قراهفاختصرنا في الجواب
للشاعر أبو جعفر البحاثي، من قصيدة «سألونا عَن قراه»
كان فيه كلّ شيءبارد غير الشراب
للشاعر أبو جعفر البحاثي، من قصيدة «سألونا عَن قراه»

ومن خبيث شعره:

الحمد لله وشكرا علىإنعامه الشامل في كلّ شي
إن الذي لاعبني في الصبامات ومن قد نكته بعد حي

نقلت من خط أبي سعد السمعاني عن رجل عن أسعد بن محمد العتبي قال:

حكى أبو جعفر البحاثي أن أبا بكر الصبغي كان يختلف معنا إلى الحاكم أبي سعد ابن دوست، وكان من أنجب تلامذته نظما ونثرا، فاختطف في ريعان شبابه ونضارة عمره، فرأيته في المنام ليلة، قلت: ما وجدت من أشعارك شيئا يكون لي تذكرة، فقال: ليس لي شعر، فقلت ألست القائل:

باكر أبا بكر بكاسما بين إبريق وطاس

فقال وأنا أقول:

حلّ الخطوب بساحتيلا كنت أيتها الخطوب
غادرتنا فغدرت إنّ الدهر خدّاع خلوبدنيا تقضّت لم يكن

لي في أطايبها نصيب

قال: فانتبهت وأشعلت السراج وكتبت عنه هذه الأبيات.

حكى يعقوب بن أحمد النيسابوري أن القاضي البحاثي دخل على أبي سعد ابن دوست فأنشده:

ليت شعري إذا خرجت من الدنيا فأصبحت ساكن الأجداث
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
هل يقولنّ إخوتي بعد موتيرحم الله ذلك البحاثي
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة

فلما مات البحاثي قال فيه أبو سعد ابن دوست:

يا أبا جعفر بن إسحاق إنيخانني فيك نازل الأحداث
للشاعر يعقوب بن أحمد النيسابوري، اقرأ القصيدة
من هوى من مصاعد العزّ قسرايك تحت الرجام في الأجداث
فلك اليوم من قواف حسانسرن في المدح سيرها في المراثي
للشاعر يعقوب بن أحمد النيسابوري، اقرأ القصيدة
مع كتب جمعن في كلّ فنّحين يروين ألف باك وراثي
للشاعر يعقوب بن أحمد النيسابوري، اقرأ القصيدة
قائل كلها بغير لسانرحم الله ذلك البحاثي
للشاعر يعقوب بن أحمد النيسابوري، اقرأ القصيدة

وذكر محمد بن محمود النيسابوري في «كتاب سر السرور» أن شعر البحاثي نيف على عشرين ألف بيت، وأنه وقف عليه في تسع مجلدات، فانتخبت من ذلك المنتخب في هذه الورقة:

بأبي من عند لثميزاد في عشقي بشتمه
ومضى يبكي ويمحوأثر اللثم بكمّه

وله مثله:

بليت بطفل قلّ طائل نفعهسوى قبل يزري بها طول منعه
للشاعر أبو جعفر البحاثي، من قصيدة «بليت بطفل قل طايل نَفعه»
ويمسحها من عارضيه بكمّهويغسلها عن وجنتيه بدمعه
للشاعر أبو جعفر البحاثي، من قصيدة «بليت بطفل قل طايل نَفعه»
يكاشفني إن لاح شخصي بعينهويغتابني إن مرّ ذكري بسمعه

ولم أجد له في غير الهجاء السخيف شيئا استحسنته، قال يهجو:

ألا إن هذا البيهقيّ محدّثمسيلمة الكذاب في جنبه ملك
ففي وجهه قبح وفي قلبه عمىوفي نطقه كذب وفي دينه حلك
لو ابن معين كان حيّا لجاءهوبالسلح سلح الكلب لحيته دلك
فلا تعجبا إن مدّ في عمر مثلهويهلك أهل الفضل إذ خرف الفلك

وله:

مأتم الشيخ مأنس للكرامجئته قاضيا لحقّ الحمام
مع حزن يحكي حزين الأغانيوبكاء يحكي بكاء الحمام
كجهام الغمام جفنا ووجهامكدي الدمع واري الإبتسام

وكان البارع الزوزني عرضة لأهاجيه، وغرضا لطعان قوافيه، وكان يلقبه بالباعر، ويدّعي أنه افترسه ظبيا غريرا، وافترشه بدرا منيرا، فلما التحى أنكر صحبته، ونبذ وراء ظهره مودته، فمن ذلك:

كان البويعر بدرا في حداثتهما كان أحسنه وجها وأبهاه
والطيب أجمع فيما تحت مئزرهوالسحر ما بثه في الناس عيناه
ربيته وهو في حجري ألاعبهنهاره وفراشي كان مأواه
أفيده في جنايا العلم أحسنهاوأستفيد لذيذا من جنى فاه
حتى إذا ما عسا جلد أسته وغدامشعّرا ودجا واسودّ قطراه
وصار كلبا وخنزيرا وزوبعةوغول قفر يميت الإنس لقياه
أنشا يمزّق عرضي منكرا أدبيوليس يحسن إلا ما أفدناه
إن كان ينكر ما قدمت من أدبيفليس ينكر أيري شمّ مفساه
لو لم تغير صروف الدهر صورتهلكان مغفورة عندي خطاياه

وله في السخف أبيات [....]

وله:

إني لمرزوق من الناس إذأصبحت من أحذق حذّاقهم
ما ذاك من فضل ولكننيأخالق الناس بأخلاقهم

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.