من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن السري بن سهل،
أبو بكر ابن السراج البغدادي النحوي، قال
المرزباني: كان أحدث أصحاب أبي العباس المبرد، مع ذكاء وفطنة، قرأ عليه كتاب سيبويه، ثم اشتغل بالموسيقى، فسئل عن مسألة بحضرة الزجاج فأخطأ في جوابها فوبخه الزجاج وقال: مثلك يخطىء في مثل هذه المسألة؟ والله لو كنت في منزلي لضربتك ولكنّ المجلس لا يحتمل ذلك، فقال: قد ضربتني يا أبا إسحاق، وكان علم الموسيقى قد شغلني عن هذا الشأن. ثم رجع إلى كتاب سيبويه ونظر في دقائقه وعوّل على مسائل الأخفش والكوفيين وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة، ويقال: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله. وكان أحد العلماء المذكورين وأئمة النحو المشهورين، واليه انتهت الرئاسة في النحو بعد المبرد. وأخذ عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي وأبو سعيد السيرافي وأبو علي الفارسي وعلي بن عيسى الرماني.
ويحكى انه اجتمع هو وأبو بكر ابن مجاهد وإسماعيل القاضي في بستان، وكان فيه دولاب، فعنّ لهم أن يعبثوا بادارتها فلم يقدروا على ذلك، فالتفت أحدهم وقال:
اما تستحيون، مقرىء البلد ونحويه وقاضيه لا يجيء منهم ثور.
وحكي أن أبا بكر ابن السراج كان يهوى جارية فجفته، فاتفق وصول الامام المكتفي في تلك الأيام من الرقّة، فاجتمع الناس لرؤيته، فلما شاهد أبو بكر جمال المكتفي تذكّر جمال معشوقته وجفاءها له، فأنشد بحضرة أصحابه:
ميزت بين جمالها وفعالهافإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودنافكأنما حلفت لنا أن لا تفي
والله لا كلّمتها ولو انهاكالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
ثم إن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن زنجي الكاتب أنشدها لأبي العباس ابن
الفرات وقال: هي لابن المعتز، وأنشدها أبو العباس للقاسم بن عبيد الله الوزير، فاجتمع الوزير بالمكتفي وأنشده أياها وقال للمكتفي: هي لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأمر له بألف دينار فوصلت إليه، فقال ابن زنجي ما أعجب هذه القصة: يعمل أبو بكر ابن السراج أبياتا تكون سببا لوصول الرزق إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر.
قال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي: توفي أبو بكر ابن السراج يوم الأحد لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة في خلافة المقتدر.
وله من المصنفات: كتاب الأصول، وهو أحسنها وأكبرها وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، جمع فيه أصول علم العربية وأخذ مسائل سيبويه ورتبها أحسن ترتيب. وكتاب جمل الأصول، وهو الأصول الصغير. وشرح كتاب سيبويه.
والموجز. كتاب الاشتقاق لم يتم. كتاب الرياح والهواء والنار. كتاب الشعر والشعراء. كتاب الجمل. كتاب احتجاج القراء. كتاب الخط. كتاب المواصلات والمذكرات. كتاب الهجاء، وغير ذلك.
وحكى الرماني: ذكر كتاب الأصول بحضرته فقال قائل: هو أحسن من «المقتضب» فقال أبو بكر: لا تقل هكذا، وأنشد:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابةبسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكابكاها فقلت الفضل للمتقدم
وقال أبو علي الفارسي: جئت لأسمع منه كتاب سيبويه وحملت إليه ما حملت، فلما انتصف الكتاب عسر عليّ إتمامه، فانقطعت عنه لتمكني من مسائله، فقلت في نفسي بعد مدة: إذا عدت إلى فارس وسئلت عن إتمامه فان قلت: نعم كذبت، وان قلت لا بطلت الرواية، فدعتني الضرورة ان حملت إليه رزمة وأقبلت إليه، فلما أبصرني من بعيد أنشد.
كم قد تجرعت من غيظ ومن حنقلكن تجدد وجدي هوّن الماضي
وكم غضبت ولم يلووا على غضبيفعدت طوعا بقلب ساخط راضي
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع