من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن عبيد الله أبو الفتح ابن التعاويذي
، ويعرف أيضا بسبط ابن التعاويذي، وكلاهما نسبة لجدّه لأمه أبي محمد المبارك بن المبارك بن علي السراج الجوهري المعروف بابن التعاويذي الزاهد: كان شاعر العراق في وقته، وكان كاتبا
بديوان الاقطاع ببغداد، واجتمع به العماد الكاتب الأصفهاني لما كان بالعراق وصحبه مدة، فلما انتقل العماد إلى الشام واتصل بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كان ابن التعاويذي يراسله، فكان بينهما مراسلات ذكر بعضها العماد في «الخريدة».
وعمي أبو الفتح في آخر عمره سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وله في ذلك أشعار كثيرة يندب بها بصره وزمان شبابه. ومدح السلطان صلاح الدين بثلاث قصائد أنفذها إليه من بغداد، إحداها عارض بها قصيدة أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصرّدرّ التي أولها:
أكذا يجازى ودّ كلّ قرين
فقال ابن التعاويذي وأحسن ما شاء:
إن كان دينك في الصبابة دينيفقف المطيّ برملتي يبرين
والثم ثرى لو شارفت بي هضبهأيدي المطيّ لثمته بجفوني
وانشد فؤادي في الظباء معرّضافبغير غزلان الصريم جنوني
ونشيدتي بين الخيام وإنماغالطت عنها بالظباء العين
لولا العدى لم أكن عن ألحاظهاوقدودها بجآذر وغصون
لله ما اشتملت عليه قبابهميوم النوى من لؤلؤ مكنون
من كل تائهة على أترابهافي الحسن غانية عن التحسين
خود ترى قمر السماء إذا بدتما بين سالفة لها وجبين
غادين ما لمعت بروق ثغورهمإلا استهلّت بالدموع شؤوني
إن تنكروا نفس الصّبا فلأنهامرّت بزفرة قلبي المحزون
وإذا الركائب في المسير تلفّتتفحنينها لتلفّتي وحنيني
يا سلم إن ضاعت عهودي عندكمفأنا الذي استودعت غير أمين
أو عدت مغبونا فما أنا في الهوىلكم بأول عاشق مغبون
رفقا فقد عسف الفراق بمطلق العبرات في أسر الغرام رهين
ما لي ووصل الغانيات أرومهولقد بخلن عليّ بالماعون
وعلام أشكو والعهود نقضنهابلحاظهنّ إذا لوين ديوني
هيهات ما للغيد في حبّ امرىءأرب وقد أربى على الخمسين
ومن البلية أن تكون مطالبيجدوى بخيل أو وفاء خؤون
ليت الضنين على المحبّ بوصلهألف السماحة عن صلاح الدين
ملك إذا علقت يد بذمامهعلقت بحبل في الوفاء متين
قاد الجياد معاقلا وان اكتفىبمعاقل من رأيه وحصون
سهرت جفون عداه خيفة فاتحخلقت صوارمه بغير جفون
لو أنّ لليث الهزبر سطاه لميلجا إلى غاب له وعرين
أضحت دمشق وقد حللت بجوهامأوى الضعيف وموئل المسكين
لك عفة في قدرة وتواضعفي عزة وصرامة في لين
وأريتنا بجميل صنعك ما روى الراوون عن أمم خلت وقرون
وضمنت أن تحيي لنا أيامهمبالمكرمات فكنت خير ضمين
كاد الأعادي أن يصيبك كيدهالو لم تكدك برأيها المأفون
تخفي عداوتها وراء بشاشةفتشفّ عن نظر لها مشفون
دفنت حبائل مكرها فرددتهاتبلى بغيظ صدورها المدفون
وعلمت ما أخفوا كأنّ قلوبهمأفضت إليك بسرها المخزون
فهوت نجوم سعودهم وقضى لهمبالنحس طائر جدّك الميمون
وأما قصيدته الثانية فهي:
حتّام أرضى في هواك وتغضبوإلى متى تجني عليّ وتعتب
ما كان لي لولا ملالك زلةلما مللت زعمت أني مذنب
خذ في أفانين الصدود فإن ليقلبا على العلّات لا يتقلب
أتظنني أضمرت يوما سلوةهيهات عطفك من سلوّي أقرب
لي فيك نار جوانح ما تنطفيشوقا وماء مدامع لا ينضب
أنسيت أياما لنا وليالياللهو فيها والخلاعة ملعب
أيام لا الواشي يشي بتولّهيبك للرقيب ولا العذول يؤنب
قد كنت تنصفني المودة راكبافي الحبّ من أخطاره ما أركب
واليوم أقنع أن يمرّ بمضجعيفي النوم طيف خيالك المتأوب
قالت وريعت من بياض مفارقيونحول جسمي بان عنك الأطيب
إن تنقمي سقمي فخصرك ناحلأو تنكري شيبي فثغرك أشنب
يا طالبا بعد المشيب غضارةمن عيشه ذهب الزمان المذهب
أتروم بعد الأربعين تعدّهاوصل الدمى هيهات عزّ المطلب
لولا الهوى العذريّ يا دار الهوىما هاج لي ذكراك برق خلّب
كلا ولا استسقيت للطلل الحياوندى صلاح الدين هام صيّب
ثم مضى في المدح فأجاد وأحسن.
وأما الثالثة فنكتفي بإيراد أبيات من مديحها قال:
فلا يضجرنك ازدحام الوفودعليك وكثرة ما تبذل
فإنك في زمن ليس فيهجواد سواك ولا مفضل
وقد قلّ في أهله المنعمونوقد كثر البائس المرمل
وما فيه غيرك من يستماحوما فيه إلّاك من يسأل
وقال من قصيدة يندب بصره:
لقد رمتني رميت بالأذىبنكبة قاصمة الظهر
وأوترت في مقلة قلماعلمتها باتت على وتر
جوهرة كنت ضنينا بهانفيسة القيمة والقدر
إن أنا لم أبك عليها دمافضلا عن الدمع فما عذري
ما لي لا أبكي على فقدهابكاء خنساء على صخر
وقال أيضا في ذلك من أبيات:
حالان مستني الحوادث منهما بفجيعتين
إظلام عين في ضياء من مشيب سرمدين
صبح وإمساء معالا خلفة فاعجب لذين
قد رحت في الدنيا من السراء صفر الراحتين
أسوان لا حيّ ولاميت كهمزة بين بين
وقال أيضا في ذلك من أبيات:
فها أنا كالمقبور في كسر منزليسواء صباحي عنده ومسائي
يرقّ ويبكي حاسدي لي رحمةوبعدا لها من رقة وبكاء
وقال في الشيخوخة:
من شبه العمر بالكاس يرسوقذاه ويرسب في أسفله
فإني رأيت القذا طافياعلى صفحة الكاس من أوله
وقال في الهرم أيضا:
وعلوّ السنّ قد كسّر بالشيب نشاطي
كيف سمّوه علّواوهو أخذ في انحطاط
وقال في ذلك أيضا:
أسفت وقد نفت عنّي اللياليجديدا من شباب مستعار
وكان يقيم عذري في زمان الصبا لون الشبيبة في عذاري
ولم أكره بياض الشيب الالأن العيب يظهر في النهار
وقال أيضا:
سقاك سار من الوسميّ هتّانولا رقت للغوادي فيك أجفان
يا دار لهوي وأطرابي ومعهد أترابي وللهو أوطار وأوطان
أعائد لي ماض من جديد هوىأبليته وشباب فيك فينان
إذ الرقيب لنا عين مساعدةوالكاشحون لنا في الحبّ أعوان
وإذ جميلة توليني الجميل وعند الغانيات وراء الحسن إحسان
ولي إلى البان من رمل الحمى طربفاليوم لا الرمل يصبيني ولا البان
وما عسى يدرك المشتاق من وطرإذا بكى الربع والأحباب قد بانوا
إن المغاني معان والمنازل أموات إذا لم يكن فيهنّ سكان
لله كم قمرت لبي بجوك أقمار وكم غازلتني فيك غزلان
وليلة بات يجلو الراح من يدهفيها أغنّ خفيف الروح جذلان
خال من الهمّ في خلخاله حرجفقلبه فارغ والقلب ملآن
يذكي الجوى بارد من ريقه شبمويوقد الظرف طرف منه وسنان
ان يمس ريان من ماء الشباب فليقلب إلى ريقه المعسول ظمآن
بين السيوف وعينيه مشاركةمن أجلها قيل للأغماد أجفان
فكيف أصحو غراما أو أفيق جوىوقدّه ثمل بالتيه نشوان
أفديه من غادر بالعهد غادرنيصدوده ودموعي فيه غدران
في خدّه وثناياه ومقلتهوفي عذاريه للعشّاق بستان
شقائق وأقاح نبته خضلونرجس أنا منه الدهر سكران
وكان له راتب في الديوان فلما عمي طلب أن يجعل باسم أولاده، ثم كتب هذه القصيدة ورفعها إلى الخليفة الناصر التمس بها تجديد راتب مدة حياته:
خليفة الله أنت بالدين والدنيا وأمر الاسلام مضطلع
أنت لما سنّه الأئمة أعلام الهدى مقتف ومتبع
قد عدم العدم في زمانك والجور معا والخلاف والبدع
فالناس في الشرع والسياسة والإحسان والعدل كلهم شرع
يا ملكا يردع الحوادث والأيام عن ظلمها فترتدع
ومن له أنعم مكرّرةلنا مصيف منها ومرتبع
أرضي قد أجدبت وليس لمنأجدب يوما سواك منتجع
ولي عيال لا درّ درّهمقد أكلوا دهرهم وما شبعوا
إذا رأوني ذا ثروة جلسواحولي ومالوا إليّ واجتمعوا
وطالما قطّعوا حبالي اعراضا إذا لم تكن معي قطع
يمشون حولي شتّى كأنهمعقارب كلما سعوا لسعوا
فمنهم الطفل والمراهق والرضيع يحبو والكهل واليفع
لا قارح منهم أؤمل أنينالني خيره ولا جذع
لهم حلوق تفضي إلى معدتحمل في الأكل فوق ما تسع
من كل رحب المعاء أجوف ناريّ الحشا لا يمسّه الشبع
لا يحسن المضغ فهو يترك فيفيه بلا كلفة ويبتلع
ولي حديث يلهي ويعجب منيوسع لي خلقه ويستمع
نقلت رسمي جهلا إلى ولدلست بهم ما حييت أنتفع
نظرت في نفعهم وما أنا في اجتلاب نفع الأولاد مبتدع
وقلت هذا بعدي يكون لكمفما أطاعوا أمري ولا سمعوا
واختلسوه مني فما تركواعيني عليه ولا يدي تقع
فبئس والله ما صنعت فأضررت بنفسي وبئس ما صنعوا
فإن أردتم أمرا يزول به الخصام من بيننا ويرتفع
فاستأنفوا لي رسما أعود علىضنك معاشي به فيتسع
وان زعمتم أني أتيت بهاخديعة فالكريم ينخدع
حاشا لرسم الكريم ينسخ مننسخ دواوينكم فينقطع
فوقّعوا لي بما سألت فقدأطمعت نفسي واستحكم الطمع
ولا تطيلوا معي فلست ولودفعتموني بالراح أندفع
وحلفوني أن لا تعود يديترفع في نقله ولا تضع
وكل شعر أبي الفتح غرر، وديوانه كبير يدخل في مجلدين جمعه بنفسه قبل أن يضر، وافتتحه بخطبة لطيفة، ورتبه على أربعة أبواب، وما حدث من شعره بعد العمى سماه الزيادات، وهي ملحقة ببعض نسخ ديوانه المتداولة، وبعض النسخ خلو منها، وله كتاب سماه «الحجبة والحجاب» في مجلد كبير، ونسخه قليلة.
ولد أبو الفتح ابن التعاويذي في اليوم العاشر من رجب سنة تسع عشرة وخمسمائة وتوفي في ثاني شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ببغداد ودفن في مقبرة باب أبرز.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع