من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم
بن عيسى بن مزاحم، المعروف بابن القوطية، الاشبيلي الأصل القرطبي، أبو بكر اللغوي النحوي الأديب الشاعر:
كان أعلم أهل زمانه باللغة والعربية، إماما مقدما فيهما، وأروى أهل عصره للأشعار والأخبار، لا يشقّ في ذلك غباره ولا يلحق شأوه، وكان مع ذلك فقيها متمكنا حافظا للحديث والآثار، غير أنه لم يكن له في ذلك أصول يرجع إليها فلم يكن ضابطا للرواية، وكان ما يسمع منه من ذلك إنما يحمل على المعنى دون اللفظ، وكان كثيرا ما يقرأ عليه ما لا رواية له فيه على سبيل الضبط والتصحيح. وكان مضطلعا بأخبار الأندلس راوية لسير ملوكها وأمرائها وعلمائها وشعرائها حافظا لأخبارهم يملي ذلك عن ظهر قلبه، وكان أكثر ما يؤخذ عنه ويقرأ عليه كتب اللغة. ولما دخل أبو علي القالي الأندلس اجتمع به، وكان يبالغ في تقديمه وتعظيمه، حتى قال له الخليفة المستنصر الحكم بن عبد الرحمن: من أنبل من رأيته ببلدنا في اللغة؟ فقال: أبو بكر ابن القوطية. ومما كان يزين علمه وفضله اتصافه بالزهد والتقوى والنسك، وكان في أول أمره ينظم الشعر بالغا فيه حدّ الاجادة مع الاحسان في المطالع والمقاطع وتخير الألفاظ الرشيقة والمعاني الشريفة، ثم ترك ذلك وأقبل على النسك والانفراد.
قال الثعالبي: أخبرني أبو سعيد ابن دوست قال أخبرني الوليد بن بكر الفقيه ان أبا بكر يحيى بن هذيل الشاعر زار يوما ابن القوطية في ضيعة له بسفح جبل قرطبة كان منفردا فيها عن الناس، فألفاه خارجا منها، فلما رآه ابن القوطية استبشر به، فبادره يحيى بن هذيل ببيت حضره على البديهة فقال:
من أين أقبلت يا من لا شبيه لهومن هو الشمس والدنيا له فلك
فتبسم وأجابه مسرعا بقوله:
من منزل يعجب النساك خلوتهوفيه ستر على الفتّاك إن فتكوا
قال ابن هذيل: فما تمالكت أن قبلت يده إذ كان شيخي وأستاذي. وكان الشعر أقلّ صنائعه لكثرة علومه وغرائبه.
سمع أبو بكر ابن القوطية من قاسم بن أصبغ وابن الأغبس وأبي الوليد الأعرج ومحمد بن عبد الوهاب بن مغيث، وسمع بقرطبة من طاهر بن عبد العزيز، وسمع باشبيلية من محمد بن عبد الله بن الفرق وسعيد بن جابر وحسن بن عبد الله الزبيدي وغيرهم، ولقي أكثر مشايخ عصره بالأندلس فأخذ عنهم وأكثر النقل من فوائدهم، وروى عنه الشيوخ والكهول، وطال عمره فسمع الناس منه طبقة بعد طبقة، ومن تصانيفه كتاب تصاريف الأفعال، وهو أول مصنف في ذلك. ثم تبعه ابن القطّاع السعدي فوضع كتابه على منواله. كتاب المقصور والممدود، جمع فيه فأوعى فأعجز من بعده عن أن يأتوا بمثله وفاق به من تقدمه. وله شرح أدب الكتاب. وتاريخ الأندلس، وغير ذلك.
مات ابن القوطية يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وستين وثلاثمائة بمدينة قرطبة، ودفن يوم الأربعاء وقت صلاة العصر بمقبرة قريش.
والقوطية نسبة إلى القوط، وهم ينسبون إلى قوط بن حام بن نوح كانوا بالأندلس من أيام إبراهيم ﵇.
ومن شعر أبي بكر ابن القوطية:
ضحى أناخوا بوادي الطلح عيسهمفأوردوها عشاء أيّ إيراد
أكرم به واديا حلّ الحبيب بهما بين رند وخابور وفرصاد
يا واديا سار عنه الركب مرتحلابالله قل أين سار الركب يا وادي
أبالغضا نزلوا أم للوى عدلواأم عنك قد رحلوا خلفا لميعادي
بانوا وقد أورثوا جسمي الضنا وكأنكان النوى لهم أو لي بمرصاد
وقال:
ضحك الثرى وبدا لك استبشارهواخضرّ شاربه وطرّ عذاره
ورنت حدائقه وآزر نبتهوتبسمت أنواره وثماره
واهتز قدّ الغصن لما ان كسيورقا كديباج يروق إزاره
وتعممت صلع الربى بنباتهاوترنمت في لحنها أطياره
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع