تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن عمر بن الحسين فخر الدين

أبو عبد الله الرازي الفقيه الحكيم الأديب المتكلم المفسر العلّامة فريد دهره ونسيج وحده فخر الدين أبو عبد الله القرشي التيمي البكري الطبرستاني الأصل الرازي المولد ابن خطيب الريّ الشافعي الأشعري:

علّامة العلماء والبحر الذيلا ينتهي ولكلّ بحر ساحل
ما دار في الحنك اللسان وقلّبتقلما بأحسن من ثناه انامل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة واشتغل على والده الإمام ضياء الدين وكان من تلامذة محيي السنة أبي محمد البغوي، وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم، وكان خوارزم شاه يأتي إليه. وكان شديد الحرص جدّا في

العلوم الشرعية والحكمية، اجتمع له خمسة أشياء ما جمعها الله لغيره فيما علمته من امثاله وهي سعة العبارة في القدرة على الكلام وصحّة الذهن والاطلاع الذي ما عليه مزيد والحافظة المستوعبة والذاكرة التي تعينه على ما يريده في تقرير الأدلّة والبراهين، وكان فيه قوّة جدلية ونظر دقيق، وكان عارفا بالأدب له شعر بالعربي ليس في الطبقة العليا ولا السفلى وشعر بالفارسي لعلّه يكون فيه مجيدا. وكان عبل البدن ربع القامة كبير اللحية في صورته فخامة. كانوا يقصدونه من اطراف البلاد على اختلاف مقاصدهم في العلوم وتفنّنهم فكان كلّ منهم يجد عنده النهاية فيما يرومه منه. قرأ الحكمة على المجد الجيلي، والجيلي من كبار الحكماء وقرأ بعد والده على الكمال السمناني وقيل على الطبسي صاحب «الحائز في علم الروحاني» والله أعلم.

وله تصانيف ورزق الإمام فخر الدين السعادة العظمي في تصانيفه وانتشرت في الآفاق وأقبل الناس على الاشتغال بها ورفضوا كتب الأقدمين. وكان في الوعظ باللسانين مرتبة عليا وكان يلحقه الوجد حال وعظه ويحضر مجلسه ارباب المقالات والمذاهب ويسألونه. ورجع بسببه خلق كثير من الكرامية وغيرهم إلى مذهب السنّة وكان يلقّب بهراة شيخ الإسلام. يقال انه حفظ «الشامل في أصول الدين» لإمام الحرمين.

قصد خوارزم وقد تمهّر فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى العقيدة فأخرج من البلد، وقصد ما وراء النهر فجرى له أيضا ما جرى بخوارزم، فعاد إلى الريّ وكان بها طبيب حاذق له ثروة وله بنتان فزوّجهما بابني فخر الدين ومات الطبيب فاستولى على جميع نعمته ومن ثم كانت له النعمة. ولما وصل السلطان شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بالغ في إكرامه وحصلت له اموال عظيمة منه. وعاد إلى خراسان واتصل بالسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش وحظي عنده وأظنّه توجّه رسولا منه إلى الهند.

وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يسبق إليه لأنه يذكر المسألة ويفتح باب تقسيمها وقسمة فروع ذلك التقسيم ويستدلّ بأدلّة السبر والتقسيم فلا يشذّ منه عن تلك المسألة فرع لها به علاقة فانضبطت له القواعد وانحصرت معه المسائل، وكان ينال من الكرامية وينالون منه.

ويقال إن الإمام فخر الدين الرازي ﵀ كان يعظ الناس على عادة مشايخ العجم وأن الحنابلة كانوا يكتبون له قصا تتضمّن شتمه ولعنه وغير ذلك من

القبيح، فاتفق انهم رفعوا إليه يوما قصّة يقولون فيها ان ابنه يفسق ويزني وان امرأته كذلك، فلما قرأها قال: هذه القصّة تتضمّن أن ابني يفسق ويزني وذلك مظنّة الشباب فإنه شعبة من الجنون ونرجو من الله تعالى اصلاحه والتوبة، وأمّا امرأتي فهذا شأن النساء الا من عصمه الله وأنا شيخ ما فيّ للنساء مستمتع، هذا كلّه يمكن وقوعه، وأمّا انا فو الله لا قلت ان البارىء ﷾ جسم ولا شبّهته بخلقه ولا حيّزته، انتهى.

ولما توفي الإمام فخر الدين بهراة في دار السلطنة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة كان قد أملى رسالة على تلميذه ومصاحبه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصبهاني تدلّ على حسن عقيدته وظنّه بكرم الله تعالى ومقصده بتصانيفه، والرسالة مشهورة ولولا خوف الإطالة لذكرتها ولكن منها: وأقول ديني متابعة سيّد المرسلين، وقائد الأولين والآخرين إلى حظائر قدس ربّ العالمين، وكتابي هو القرآن العظيم وتعويلي في طلب الدين عليهما، اللهمّ يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات، ويا راحم العبرات، ويا قيام المحدثات والممكنات، انا كنت حسن الظنّ بك، عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت: انا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا، وأنت قلت: أمّن يجيب المضطر اذا دعاه، وأنت قلت: وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب، فهب أنّي ما جئت بشيء فأنت الغنيّ الكريم، وأنا المحتاج اللئيم، وأعلم انه ليس لي أحد سواك، ولا أحد كريم سواك، ولا أحد محسن سواك، وأنا معترف بالزلّة والقصور، والعيب والفتور، فلا تخيّب رجائي، ولا تردّ دعائي، واجعلني آمنا من عذابك قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت، وسهّل عليّ سكرات الموت، وخفّض عنّي نزول الموت، ولا تضيّق عليّ سبب الآلام والأسقام فإنك أرحم الراحمين. ثم قال في آخرها: واحملوني إلى الجبل المصاقب لقرية مزداخان وادفنوني هناك، وإذا وضعتموني في اللحد فاقرأوا عليّ ما تقدرون من آيات القرآن العظيم ثم ردّوا عليّ التراب بالمساحي، وبعد إتمام ذلك قولوا مبتهلين إلى الله مستقبلين القبلة، على هيئة المساكين المحتاجين: يا كريم، يا كريم، يا عالما بحال هذا الفقير المحتاج، أحسن إليه، واعطف عليه، فأنت أكرم الأكرمين، وأنت أرحم الراحمين، وأنت الفعّال به وبغيره ما تشاء، فافعل به ما أنت أهله، فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة انتهى. قلت: ومن وقف على هذه الألفاظ علم ما كان عليه

هذا الإمام من صحّة الاعتقاد ويقين الدين واتّباع الشريعة المطهّرة:

صلاة وتسليم وروح وراحةعليه وممدود من الظلّ سجسج

وأكثر شناع عليه لخصومه انه أكثر من إيراد الشبه والأدلّة للخصوم ولم يجب عنها بطائل.

ولما مات الإمام فخر الدين خلف ثمانين ألف دينار سوى الدوابّ والعقار وغير ذلك، وخلف ولدين، الأكبر منهما تجنّد في حياة أبيه وخدم خوارزم شاه، والآخر اشتغل ولم نعلم له ترجمة وأظنّه الذي صنّف له «الأربعين في أصول الدين» لكنه قال: لأكبر أولادي محمد، والله أعلم. وكان له في أيامه صورة كبيرة وجلالة وافرة وعظمة زائدة. قال أبو المحاسن محمد بن نصر الله بن عنين: كنت بخراسان في مجلس الفخر الرازي إذ اقبلت حمامة يتبعها جارح فسقطت في حجر الرازي وعاذت به وهو على منبره فقمت وأنشدت بديها:

يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوافي كلّ مسغبة وثلج خاشف
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا»
والعاصمين إذا النفوس تطايرتبين الصوارم والوشيج الراعف
من نبّأ الورقاء انّ محلّكمحرم وأنك ملجأ للخائف
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا»
وافت اليك وقد تدانى حتفهافحبوتها ببقائها المستانف
ولو انها تحبى بمال لانثنتمن راحتيك بنائل متضاعف
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا»
جاءت سليمان الزمان حمامةوالموت يلمع من جناحي خاطف

فخلع عليه جبّة كانت عليه، قال: فكان هذا سببا لإقبال السعود عليّ وتسنّي الآمال لديّ، انتهى. واقترح الإمام عليه قصيدة في كلّ كلمة منها سين فنظمها ابن عنين وأولها:

مرسى السيادة سنّة سيفيّةمحروسة مسعودة التأسيس

واقترح عليه قصيدة أخرى في كلّ كلمة منها حاء فنظمها أيضا وأولها:

حيّا محلّ الحاجبيّة بالحمىوالسفح سيح مدلّح سحّاح
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «حيا محل الحاجبية بالحمى»

والقصيدتان مثبتتان في ديوانه.

ومن تصانيف الإمام فخر الدين: «التفسير» الذي له، وهو في ستة وعشرين مجلّدا ذكر تفسير الفاتحة منه في مجلّدة وهو على تجزئة الفاتحة في أكثر من ثلاثين مجلّدا، وأكمل التفسير على المنبر املاء. «تفسير سورة البقرة، على الوجه العقلي لا النقلي. أسرار التنزيل وأخبار التأويل. نهاية العقول في أصول الدين، يكون في أربع مجلّدات. المطالب العالية في الأصول أيضا في أربعة كبار. كتاب الأربعين في مجلّدة كبيرة. المحصّل مجلّدة. كتاب الخمسين صغير. المعالم في أصول الدين والفقه. الخلق والبعث، مجلّدة. تأسيس التقديس، مجلّدة. البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان. المحصول في أصول الفقه في مجلّدين. المنتخب في أصول الفقه، مجلّدة. النهاية البهائية في المباحث القياسية. أجوبة المسائل النجارية. الطريقة العلائية في الخلاف، أربع مجلّدات. شرح أسماء الله الحسنى. إبطال القياس. الملل والنحل. المباحث العمادية في المطالب المعادية. تحصيل الحقّ. عيون المسائل.

إرشاد النظّار إلى لطائف الأسرار. فضائل الصحابة. القضاء والقدر. ذمّ الدنيا. نفثة المصدور. إحكام الأحكام. الرياض المؤنقة. عصمة الأنبياء. تعجيز الفلاسفة بالفارسي. الأخلاق. اللطائف الغياثية. الرسالة الكمالية في الحقائق الإلهية بالفارسي عرّبها تاج الدين الأرموي. رسالة الجوهر الفرد. الآيات البيّنات في المنطق. ترجيح مذهب الشافعي وأخباره. شرح أبيات الشافعي الأربعة التي أولها: وما شئت كان وإن لم أشأ، أظنّه كتاب القضاء والقدر. الزبدة. نهاية الإيجاز. اختصار دلائل الإعجاز. المحرّر في النحو. قطعة من شرح الوجيز. شرح المفصّل لم يتمّه. شرح ديوان المتنبّي. شرح سقط الزند. لباب الإشارات. شرح الإشارات. الإشارات. له أيضا شرح نهج البلاغة ولم يتمّ. الحكمة المشرقية، تكو في ثلاثة. المختصّ يكون في مجلّدين. شرح كليات القانون. الطبّ الكبير ولم يتمّ. عيون الحكمة. مصادرات أقليدس. التشريح ولم يتمّ. النبض. الاختيارات السماوية. السرّ المكتوم في علم الطلاسم والنجوم.

منتخب درج تنكلوشا، وقيل أنه شرحها. رسالة في النبوّات. رسالة في النفس. مباحث الوجود. مباحث الحدود. رسالة في التنبيه على الأسرار المودعة في بعض سور القرآن.

قال أبو علي الحسين الواسطي: سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر

عقيب كلام عاتب أهل البلد فيه:

المرء ما دام حيّا يستهان بهويعظم الرزء فيه حين يفتقد

ومن شعر الإمام فخر الدين:

فلو قنعت نفسي بميسور بلغةلما سبقت في المكرمات رجالها
ولو كانت الدنيا مناسبة لهالما استحقرت نقصانها وكمالها
ولا ارمق الدنيا بعين كرامةولا اتوقّى سوءها واختلالها
وذاك لأني عارف بفنائهاومستيقن ترحالها وانحلالها
أروم أمورا يصغر الدهر عندهاوتستعظم الأفلاك طرّا وصالها

ومنه:

أرواحنا ليس ندري أين مذهبهاوفي التراب توارى هذه الجثث
كون يرى وفساد جاء يتبعهوالله يعلم ما في خلقه عبث

ومنه:

نهاية إقدام العقول عقالوأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومناوحاصل دنيانا ردى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول دهرناسوى ان جمعنا فيه قلت وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولةفبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتهاوعال فزالت والجبال جبال

وله قصيدة نونية طويلة سمّاها «الهادية للتقليد المؤدّية إلى التوحيد» أولها:

يا طالب التوحيد والإيمانأبشر بكلّ كرامة وأمان
واعلم بأنّ أجلّ أبواب الهدىتقرير دين الله بالبرهان

ورجمه الكرّامية يوما على المنبر وزرّقوا عليه من سقاه السمّ والله أعلم فمات من ذلك.

(قال ياقوت): وجدت على ظهر كتاب من تصانيف فخر الدين الرازي ما صورته:

قال الأديب الأخسيكتي:

إنّ بالمشرق فيناجبل العلم ابن سينا
فدع المغرب يذكرذرّة من طور سينا

فقال السراج:

اعلما علما يقيناأنّ ربّ العالمينا
لو قضى في عالميهمخدمة للعالمينا
خدم الرازيّ فخراخدمة العبد ابن سينا

وقيل أيضا:

قد تركنا قد نسيناحكمة الشيخ ابن سينا
حين شاهدنا عياناحكمة الرازيّ فينا
نحن قد بعنا حصاةواشترينا طور سينا

وقيل أيضا:

نحن بالجهل ابتلينانحن بالحمق رمينا
نحن قضّينا زمانافي تصانيف ابن سينا
ثم صرنا آمنيناعن مقال الطاعنينا
حين طالعنا كلامايشبه الدرّ الثمينا
صاغه الرازيّ فيناكاملا فخما مبينا
ربّ فاجعله بحاليشبه الروح الأمينا

(وقال ياقوت في «معجم الأدباء»): سألت ولده ضياء الله علي فقلت له:

على من قرأ والدك العلوم؟ فقال: ليس له شيخ مشهور إلا أنه رحل إلى أذربيجان وكان بها رجل يقال له مجد الدين الجيلي فقرأ عليه، ثم فتح الله عليه فتحا كبيرا وأخذ

من الكتب، ورحل إلى خوارزم ثم إلى ما وراء النهر ورجع إلى خراسان ومنها إلى باميان، وحصل له الجاه والمال بمجاورة ابن سام، فلما انتزع منه بلاده خوارزم شاه علاء الدين تكش فوض إليه صدارة هراة واستوطنها.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.