من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
مدرك بن علي الشيباني
أعرابيّ من بادية البصرة، دخل بغداد صغيرا ونشأ بها، فتفقه وحصّل العربية والأدب، وكان شاعرا أديبا فاضلا، وكان كثيرا ما يلمّ بدير الروم في الجانب الشرقيّ ببغداد، وكان بدير الروم غلام من أولاد النصارى يقال له عمرو بن يوحنا، وكان من أحسن الناس صورة وأكملهم خلقا، وكان مدرك بن علي يهواه. وكان لمدرك مجلس تجتمع فيه الأحداث، فان حضر شيخ أو صاحب حرمة قال له مدرك: قبيح بك أن تختلط بالأحداث والصبيان، فقم في حفظ الله، فيقوم، وكان عمرو يحضر مجلسه، فعشقه مدرك وهام به، فجاء عمرو يوما إلى المجلس فكتب مدرك رقعة وطرحها في حجره فإذا فيها:
بمجالس العلم التيبك تمّ حسن جموعها
إلّا رثيت لمقلةغرقت بفيض دموعها
بيني وبينك حرمةالله في تضييعها
فقرأ الأبيات ووقف عليها من كان في المجلس، فاستحيا عمرو وانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مدرك فترك مجلسه ولزم دير الروم وجعل يتبع عمرا حيث
سار، وقال فيه شعرا كثيرا.
قال الجريري: وقد رأيت عمرا أبيض الرأس واللحية.
ومن شعر مدرك فيه المزدوجة المشهورة وهي:
من عاشق ناء هواه دانيناطق دمع صامت اللسان
معذب بالصدّ والهجرانموثق قلب مطلق اللسان
من غير ذنب كسبت يداهغير هوى نمّت به عيناه
شوقا إلى رؤية ما أشقاهكأنما عافاه من أضناه
يا ويحه من عاشق ما يلقىمن أدمع منهلّة ما ترقا
ناطقة وما أجادت نطقاتخبر عن حبّ له استرقا
لم يبق منه غير طرف يبكيبأدمع مثل نظام السلك
تطفئها نار الهوى وتذكيكأنها قطر السماء تحكي
إلى غزال من بني النصارىعذار خديه سبى العذارى
وغادر الأسد به حيارىفي ربقة الحبّ له أسارى
رئم بدار الروم رام قتليبمقلة كحلاء لا من كحل
وطرّة بها استطار عقليوحسن وجه وقبيح فعل
رئم به أيّ هزبر لم يصديقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى يقل ها قالت الالحاظ قدكأنها ناسوته حين اتحد
ما أبصر الناس جميعا بدراولا رأوا شمسا وغصنا نضرا
أحسن من عمرو فديت عمراظبي بعينيه سقاني خمرا
ها أنا ذا بقدّه مقدودوالدمع في خدي له أخدود
ما ضرّ من فقري به موجودلو لم يقبّح فعله الصدود
إن كان ذنبي عنده الاسلامفقد سعت في نقصه الآثام
واختلّت الصلاة والصياموجاز في الدين له الحرام
يا ليتني كنت له صليباأكون منه أبدا قريبا
أبصر حسنا وأشمّ طيبالا واشيا أخشى ولا رقيبا
يا ليتني كنت له قرباناألثم منه الثغر والبنانا
أو جاثليقا كنت أو مطراناكيما يرى الطاعة لي إيمانا
يا ليتني كنت لعمرو مصحفايقرأ مني كلّ يوم أحرفا
أو قلما يكتب بي ما ألّفامن أدب مستحسن قد صنفا
يا ليتني كنت لعمرو عودهأو حلة يلبسها مقدوده
أو بركة باسمه معدودهأو بيعة بداره مشهوده
يا ليتني كنت له زنّارايديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهاراصرت له حينئذ إزارا
قد والذي يبقيه لي أفنانيوابتزّ عقلي والضنا كساني
ظبي على البعاد والتدانيحلّ محلّ الروح من جثماني
وا كبدي من خدّه المضرجوا كبدي من ثغره المفلّج
لا شيء مثل الطرف منه الأدعجأذهب للنسك وللتحرج
إليك أشكو يا غزال الإنسما بي من الوحشة بعد الأنس
يا من هلالي وجهه وشمسيلا تقتل النفس بغير النفس
جد لي كما جدت بحسن الودّوارع كما أرعى قديم العهد
واصدد كصدّي عن طويل الصدّفليس وجد بك مثل وجدي
ها أنا في بحر الهوى غريقسكران من حبك لا أفيق
محترق ما مسّني حريقيرثي لي العدوّ والصديق
فليت شعري فيك هل ترثي ليمن سقم ومن ضنى طويل
أم هل إلى وصلك من سبيللعاشق ذي جسد نحيل
في كلّ عضو منه سقم وألمومقلة تبكي بدمع وبدم
شوقا إلى شمس وبدر وصنممنه إليه المشتكى إذا ظلم
أقول إذ قام بقلبي وقعديا عمرو يا عامر قلبي بالكمد
أقسم بالله يمين المجتهدان امرءا أسعدته لقد سعد
يا عمرو ناشدتك بالمسيحإلا سمعت القول من فصيح
يخبر عن قلب له جريحباح بما يلقى من التبريح
يا عمرو بالحقّ من اللاهوتوالروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنحوتعوّض بالنطق عن السكوت
بحقّ ناسوت ببطن مريمحلّ محلّ الريق منها في الفم
ثم استحال في قنوم الأقدمفكلّم الناس ولمّا يفطم
بحقّ من بعد الممات قمّصاثوبا على مقداره ما قصّصا
وكان لله تقيا مخلصايشفي ويبري أكمها وأبرصا
بحقّ محيي صورة الطيوروباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأموريعلم ما في البرّ والبحور
بحقّ من في شامخ الصوامعمن ساجد لربّه وراكع
يبكي إذا ما نام كلّ هاجعخوفا من الله بدمع هامع
بحقّ قوم حلقوا الرؤوساوعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسامشمعلين يعبدون عيسى
بحقّ ماري مريم وبولسوحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحقّ يونسبحق حزقيل وبيت المقدس
ونينوى إذ قام يدعو ربهمطهّرا من كلّ سوء قلبه
ومستقيلا فأقيل ذنبهونال عند الله ما أحبه
بحقّ ما في قلّة الميرونمن نافع للداء والجنون
بحقّ ما يؤثر عن شمعونمن بركات الخوص والزيتون
بحقّ أعياد الصليب الزّهروعيد أشموني وعيد الفطر
وبالشعانين العظيم القدروعيد مرماري الرفيع الذكر
وعيد شعياء وبالهياكلوالدّخن الآتي بكفّ الحامل
يشفي بها من خبل كلّ خابلومن دخيل السّقم في المفاصل
بحقّ سبعين من العبّادقاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشادحتى اهتدى من لم يكن بهاد
بحقّ ثنتي عشرة من الأممساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صبح الدجى جلا الظلمساروا إلى الله ففازوا بالنعم
بحقّ ما في محكم الإنجيلمن محكم التحريم والتحليل
وخبر ذي نبأ جليليرويه جيل قد مضى عن جيل
بحق ما رعيد الشفيق الناصحبحقّ لوقا ذي الفعال الصالح
بحق تمليخا الحكيم الراجحوالشهداء بالفلا الصحاصح
بحقّ معمودية الأرواحوالمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابسي الأمساحوعابد باك ومن نواح
بحقّ تقريبك في الأعيادوشربك القهوة كالفرصاد
وطول تفتيتك للأكبادبما بعينيك من السواد
بحقّ ما قدّس شعيا فيهبالحمد لله وبالتنزيه
بحقّ نسطور وما يرويهعن كلّ ناموس له فقيه
شيخان كانا من شيوخ العلموبعض أركان التقى والحلم
لم ينطقا قطّ بغير فهمموتهما كان حياة الخصم
بحرمة الأسقف والمطرانوالجاثليق العالم الرباني
والقسّ والشماس والديرانيوالبطرك الأكبر والرهبان
بحرمة المحبوس في أعلى الجبلومار نقولا حين صلّى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأولوبالسليح المرتضى وما فعل
بحرمة الاسقوفيا والبيرموما حوى مفرق رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظموحقّ كلّ كاهن مقدّم
بحق يوم الذبح ذي الإشراقوليلة الميلاد والتلاقي
والذهب الإبريز في الأوراقبالفصح يا مهذّب الأخلاق
بكلّ قدّاس على قدّاسقدّسه القسّ مع الشماس
وقربوا يوم الخميس الناسيوقدّموا الكاس لكلّ حاسي
إلا رغبت في رضا أديبباعده الحبّ عن الحبيب
فذاب من شوق إلى المذيبأعلى مناه أيسر التقريب
فانظر أميري في صلاح أمريمحتسبا فيّ عظيم الأجر
مكتسبا فيّ جميل الشكرفي نثر ألفاظ ونظم شعر
ثم إن مدركا وسوس وسلّ جسمه وذهب عقله وانقطع عن إخوانه ولزم الفراش.
حكى حسان بن محمد بن عيسى قال: حضرته عائدا مع جماعة من أصحابه فقال:
ألست صاحبكم القديم العشرة لكم؟ أما منكم أحد يسعدني بنظرة إلى وجه عمرو؟
قال: فمضينا بأجمعنا إلى عمرو وقلنا له: إن كان قتل هذا الرجل دينا فان إحياءه مروءة، قال: وما فعل؟ قلنا: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه، قال: فلبس ثيابه ثم نهض معنا، فلما دخلنا عليه سلّم عليه عمرو وأخذ بيده فقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه ثم أغمي عليه ثم أفاق وهو يقول:
أنا في عافية إلا من الشوق اليكا
أيها العائد ما بيمنك لا يخفى عليكا
لا تعد جسما وعد قلبا رهينا في يديكا
كيف لا يهلك مرشوق بسهمي مقلتيكا
ثم إنه شهق شهقة فارق فيها الدنيا فما برحنا حتى دفناه.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع