تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

المفضل بن محمد بن يعلى

أبو عبد الرحمن الضبي الراوية الأديب النحوي اللغوي: كان من أكابر علماء الكوفة، عالما بالأخبار والشعر والعربية، أخذ عنه أبو عبد الله ابن الأعرابي وأبو زيد الأنصاري وخلف الأحمر وغيرهم، وكان ثقة ثبتا.

قال ابن الأعرابي: سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا، فقيل له وكيف ذلك، أيخطىء في روايته أو يلحن؟ قال: ليته كان كذلك فان أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار

القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟

وعن إبراهيم بن المهدي قال: حدثني السعيدي الراوية وأبو إياد المؤدب قالا:

كنا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيساباذ وقد اجتمع فيها عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها واشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا المفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث مليا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرا جيدا محدثا فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال المفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال: دع ذا وعد القول في هرم، ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلا أني توهمته كان يفكر في قوله أو يروّي في أن يقول شعرا فعدل عنه إلى مدح هرم وقال: دع ذا، أو كان مفكرا في شيء من شأنه فتركه وقال:

دع ذا، فأمسك المهدي عنه، ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشد:

لمن الديار بقنّة الحجرأقوين مذ حجج ومذ دهر
قفر بمندفع النجائب منضفوى أولات الضال والسدر
دع ذا وعدّ القول في هرمخير البداة وسيد الحضر
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن الديار بقنة الحجر»

قال: فأطرق المهدي ساعة ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بدّ من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة وكلّ يمين محرجة ليصدقنّه عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثق منه، فقال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقرّ له حينئذ أنه قائلها، فأمر له وللمفضل بما أمر به من صلة وشهرة أمرهما وكشفه.

وللمفضل من التصانيف: كتاب الاختيارات. كتاب معاني الشعر. كتاب الأمثال. كتاب الألفاظ. كتاب العروض. المفضليات وهي أشعار مختارة جمعها للمهدي، وفي بعض نسخها زيادة ونقص، وأصحها التي رواها عنه أبو عبد الله ابن الأعرابي.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.