من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
المعافي بن زكريا بن يحيى بن حماد بن داود النهرواني
الجريري- بفتح الجيم نسبة إلى ابن جرير الطبري- المعروف بابن طرارة: كان من أعلم الناس بفقه مذهب ابن جرير والنحو واللغة وفنون الأدب والأخبار والأشعار، وكان ثقة ثبتا، أخذ الأدب عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه وغيره، وروى عن أبي القاسم البغوي وأبي حامد محمد بن هارون الحضرمي وأبي بكر ابن داود وأبي سعيد العدوي ويحيى بن صاعد وغيرهم. وروى عنه جماعة منهم القاضي أبو الطيب الطبري وأبو القاسم الأزهري وأحمد بن علي التوّزي وأحمد بن عمر بن روح. وولي القضاء بباب الطاق نيابة عن القاضي ابن صير.
وصنف كتاب الجليس والأنيس في الأدب. والتفسير الكبير. ونصر مذهب ابن جرير الطبري ونوّه به وحامى عنه.
قال أبو حيان التوحيدي: رأيته في جامع الرصافة وقد نام مستدبر الشمس في يوم شات وبه من أثر الفقر والبؤس والضرّ أمر عظيم، مع غزارة علمه واتساع أدبه وفضله المشهور ومعرفته بصنوف العلم، سيما علم الأثر والأخبار وسير العرب وأيامها، فقلت له: مهلا أيها الشيخ وصبرا، فإنك بعين الله ومرأى منه ومسمع، وما جمع الله لأحد شرف العلم وعزّ المال، فقال: ما لا بدّ منه من الدنيا فليس منه بد ثم قال:
يا محنة الدهر كفّيإن لم تكفي فخفي
قد آن أن ترحمينامن طول هذا التشفي
طلبت جدا لنفسيفقيل لي قد توفي
فلا علومي تجديولا صناعة كفي
ثور ينال الثرياوعالم متخفي
وقال أحمد بن عمر بن روح: إن المعافي بن زكريا حضر في دار بعض الرؤساء، وكان هناك جماعة من أهل العلم فقالوا له: في أي نوع من العلم نتذاكر؟
فقال المعافى للرئيس صاحب الدار: إنّ خزانتك جمعت أنواع العلوم وأصناف الأدب، فإن رأيت أن تبعث الغلام إليها يضرب بيده إلى أيّ كتاب منها فيحمله اليك، ثم نفتحه فننظر في أيّ علم هو، فنتذاكر ونتجارى فيه، قال ابن روح: وهذا يدل على أن المعافى كان له أنسة بسائر العلوم. وكان أبو محمد الباقي يقول: إذا حضر المعافى فقد حضرت العلوم كلها، وكان يقول أيضا: لو أن رجلا أوصى بثلث ماله لأعلم الناس لوجب أن يدفع الى المعافى.
وكانت ولادته يوم الخميس لسبع خلون من رجب سنة خمس وثلاثمائة وقيل سنة ثلاث، وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة تسعين وثلاثمائة.
ومن شعره:
خالق العالمين ضامن رزقيفلماذا أملّك الخلق رقّي
قد قضى لي بما عليّ وما ليخالقي جلّ ذكره قبل خلقي
أصحب البذل والندى في يساريورفيقي في عسرتي حسن رفقي
فكما لا يردّ عجزي رزقيفكذا لا يجرّ رزقي حذقي
وذكر أنه عمل هذه الأبيات في معنى قول علي بن الجهم:
لعمرك ما كلّ التعطل ضائرولا كلّ شغل فيه للمرء منفعه
إذا كانت الأرزاق في القرب والنوىعليك سواء فاغتنم راحة الدعه
وقال أيضا:
ألا قل لمن كان لي حاسداأتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعلهلأنك لم ترض لي ما وهب
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع