من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
مكي بن ريان بن شبة بن صالح أبو الحرم الماكسيني الضرير
النحوي
اللغوي الأديب: كان عالما فاضلا متفننا، والغالب عليه النحو والقراءات، قدم بغداد وقرأ على أبي محمد ابن الخشاب النحوي وعلى أبي الحسن ابن العطار وأبي البركات عبد الرحمن بن الأنباري، وقرأ بالموصل على أبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي وغيره، وقرأ عليه أهل الموصل وتخرج به أعيان أهلها، ورحل إلى الشام ثم عاد إلى الموصل. رأيته وكان شيخا طوالا على وجهه أثر الجدري، إلا أنني ما قرأت عليه شيئا. وكان حرا كريما صالحا صبورا على المشتغلين يجلس لهم من السحر إلى أن يصلي العشاء الآخرة. وكان من أحفظ الناس للقرآن ناقلا للسبع، نصب نفسه للاقراء فلم يتفرغ للتأليف، وكان يقرأ عليه الجماعة القرآن معا كلّ واحد منهم بحرف، وهو يسمع عليهم كلهم ويردّ على كلّ واحد منهم، وكان قد أخذ من كل علم طرفا، وسمع الحديث فأكثر. ومن شعره:
إذا احتاج النوال الى شفيعفلا تقبله تضح قرير عين
إذا عيف النوال لفرد منّفأولى أن يعاف لمنتين
وقال أيضا:
على الباب عبد يطلب الإذن قاصدابه أدبا لا أن نعماك تحجب
فإن كان إذن فهو كالخير داخلعليك وإلا فهو كالشرّ يذهب
وقال أيضا:
حيائي حافظ لي ماء وجهيورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت ببذل وجهيلكان إلى الغنى سهلا طريقي
وكان يتعصب لأبي العلاء المعري ويطرب إذا قرىء عليه شعره للجامع بينهما: الأدب والعمى لأنه أضرّ بالجدري صغيرا، وكان يعرف في ماكسين بمكيك تصغير مكي، فلما ارتحل عن ماكسين واشتغل وتميز اشتاق إلى وطنه فعاد إليها وتسامع به الناس ممن كان يعرفه من قبل، فزاروه وفرحوا بفضله، فبات تلك الليلة. فلما كان من الغد خرج إلى الحمام سحرا فسمع امرأة تقول من غرفتها لأخرى: أتدرين من جاء؟ قالت: لا، قالت: جاء مكيك ابن فلانة، فقال: والله لا أقمت في بلد أدعى فيه بمكيك، وسافر من يومه إلى الموصل بعد ما كان نوى الاقامة في وطنه، وتوفي بها يوم السبت سادس شوال سنة ثلاث وستمائة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع