تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

منذر بن سعيد أبو الحكم البلوطي الأندلسي

كان نحويا فاضلا وخطيبا مصقعا وشاعرا بليغا، ولد سنة خمس وستين ومائتين، ورحل فلقي جماعة من العلماء والأدباء، وجلب في رحلته «كتاب الأشراف في اختلاف العلماء» رواية عن مؤلفه ابن المنذر النيسابوري و «كتاب العين» للخليل رواية أبي العباس ابن ولاد. واتصل بعبد الرحمن الناصر فحظي عنده، ثم عند ابنه الحكم من بعده، وكان سبب اتصاله بالناصر ما ظهر من بلاغته يوم الاحتفال بدخول رسول قسطنطين بن ليون صاحب قسطنطينية على الناصر موفدا إليه مع وفود سائر ملوك الافرنجة، وذلك أن الناصر جلس للقاء الوفود بقصر قرطبة، فلما تكامل المجلس ودخل عليه الوفود ورحّب بهم أحبّ أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه للتنويه بفخامة الحفلة وذكر ما تهيأ من توطيد الخلافة في أيامه، وتقدم الى وليّ عهده الحكم باعداد من يقوم بذلك من الخطباء، فقدّم الحكم أبا علي القالي البغدادي، وكان إذ ذاك ضيف الناصر، فقام أبو علي وحمد

الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ، فأرتج عليه وانقطع وبهت، فلما رأى ذلك منذر بن سعيد، وكان حاضرا، قام من ذاته، ووصل افتتاح أبي علي بكلام بهر العقول، فخرج الناس يتحدثون ببلاغته وحسن بيانه وثبات جنانه، وكان الناصر أشدّهم تعجبا وإعجابا به، فسأل عنه ابنه الحكم، ولم يكن يعرفه، فقال له: هذا منذر بن سعيد البلوطي، فقال: والله لقد أحسن ما شاء، ثم قرّبه وولاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء، ثم ولاه قضاء الجماعة بقرطبة. ولما توفي الناصر وولي ابنه الحكم أقرّه على القضاء، واستعفى غير مرة فما أعفاه. وكان وقورا صليبا في الحكم مقدما على إقامة العدل والحق وإزهاق الجور والباطل آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، له كتب في السنة والورع والردّ على أهل الأهواء والبدع. ومن مصنفاته المتداولة: أحكام القرآن. وكتاب الناسخ والمنسوخ. وله رسائل وخطب مجموعة وأشعار متفرقة مطبوعة. ومن خطبه الخطبة التي ألقاها بحضرة الناصر في الاحتفال الذي تقدم ذكره ونصّها:

أما بعد حمد الله والثناء عليه والتعداد لآلائه والشكر لنعمائه، والصلاة والسلام على محمد صفيه وخاتم أنبيائه، فإن لكل حادثة مقاما، ولكل مقام مقال، وليس بعد الحقّ الا الضلال؛ وإني قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم، فاصغوا إليّ معشر الملأ بأسماعكم، وافقهوا عني بأفئدتكم. إن من الحقّ أن يقال للمحقّ صدقت، وللمبطل كذبت، وإن الجليل تعالى في سمائه، وتقدس بصفاته وأسمائه، أمر كليمه موسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع أنبيائه، أن يذكّر قومه بأيام الله جلّ وعز عندهم، وفيه وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وإني أذكركم بأيام الله عندكم، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمت شعثكم، وأمّنت سربكم، ورفعت قوتكم؛ كنتم قليلا فكثّركم، ومستضعفين فقوّاكم، ومستذلين فنصركم، ولّاه الله رعايتكم؛ وأسند إليه إمامتكم، أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم شعل النفاق، حتى صرتم في مثل حدقة البعير من ضيق الحال ونكد العيش، فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية

بعد استيطان البلاء، أنشدكم الله معاشر الملأ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها؟

والسبل مخوفة فأمنها؟ والأموال منتهبة فأحرزها وحصنها، ألم تكن البلاد خرابا فعمرها؟ وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهب الله عنكم غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يدا على عدوكم، بعد أن كان بأسكم بينكم، فأنشدكم الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها؟ ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها؟ ولم يكل ذلك إلى القوّاد والأجناد، حتى باشره بالقوة والمهجة والأولاد، واعتزل النسوان، وهجر الأوطان، ورفض الدعة وهي محبوبة، وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة، بطوية صحيحة، وعزيمة صريحة، وبصيرة نافذة ثاقبة، وريح هابّة غالبة، ونصرة من الله واقعة واجبة، وسلطان قاهر، وجدّ ظاهر، وسيف منصور، تحت عدل مشهور، متحملا للنّصب، مستقلا لما ناله في جانب الله من التعب، حتى لانت الأحوال بعد شدتها، وانكسرت شوكة الفتنة بعد حدّتها، فلم يبق لها غارب إلا جبّه، ولا ظهر لأهلها قرن إلا جذّه، فأصبحتم بنعمة الله إخوانا، وبلمّ أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا، حتى تواترت لديكم الفتوحات، وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات، وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم، وآمال الأقصين والأدنين مستحرمة إليه وإليكم، يأتون من كلّ فجّ عميق، وبلد سحيق، للأخذ بحبل بينكم وبينه جملة وتفصيلا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولن يخلف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده. وتلك أسباب ظاهرة بادية، تدلّ على أمور باطنة خافية، دليلها قائم، وجفنها غير نائم وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

(النور/) وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب، ولكلّ نبأ مستقر ولكلّ أجل كتاب. فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه، واسألوا المزيد من نعمائه، فقد أصبحتم بين خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالسداد، وألهمه التوفيق إلى سبيل الرشاد، أحسن الناس حالا، وأنعمهم بالا، وأعزّهم قرارا، وأمنعهم دارا، وأكثفهم جمعا، وأجملهم صنعا، لا

تهاجون، ولا تذادون، وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون، فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لامامكم، والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيكم ﷺ، فإن من نزع يدا من الطاعة، وسعى في تفريق الجماعة، ومرق من الدين، فقد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها، والتمسك بعروتها، حفظ الأموال وحقن الدماء، وصلاح الخاصة والدهماء، وأنّ بقيام الطاعة تقام الحدود، وتوفّى العهود، وبها وصلت الأرحام، ووضحت الأحكام، وبها سدّ الله الخلل، وأمّن السبل، ووطّأ الأكناف، ورفع الاختلاف، وبها طاب لكم القرار، واطمأنت بكم الدار، فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به فإنه ﵎ يقول: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

(النساء/) وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين، وصنوف الملحدين، الساعين في شقّ عصاكم، وتفريق ملأكم، الآخذين في مخاذلة دينكم، وهتك حريمكم، وتوهين دعوة نبيكم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين. أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله ربّ العالمين، مستغفرا الله الغفور الرحيم فهو خير الغافرين.

وكان منذر بن سعيد شديدا في دينه لا يأخذه في الله لوم لائم، وكانت له مقامات بين يدي الخليفة الناصر يتناوله فيها بالعظات والزواجر غير هيّاب ولا محتشم؛ من ذلك أن الناصر كان كلفا بعمارة الأرض وتخليد الآثار الدالّة على قوّة الملك وعزّة السلطان وعلوّ الهمة، فأفضى به الافراط في ذلك إلى أن ابتنى الزهراء البناء الشائع ذكره، واستفرغ جهده في إتقان قصورها وزخرفة دورها، حتى ترك شهود الجمعة بالمسجد الجامع ثلاث جمع متواليات، فأراد القاضي منذر تنبيهه بما يتناوله به من الموعظة، وتذكيره بالانابة والرجوع، فابتدأ خطبته في الجمعة الرابعة بقوله تعالى أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ

(الشعراء:) ثم وصله بقوله تعالى قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى

(النساء:) وهي دار القرار ومكان الجزاء، ومضى في ذم تشييد البناء وزخرفته، والإسراف في الانفاق عليه، بكلّ كلام جزل،

ثم أتى بما يناسب المقام من التخويف بالموت والدعاء إلى الزهد في الدنيا، والإقصار عن اللذات والشهوات واتباع الهوى، وأورد أحاديث وآثارا تشاكل ذلك، حتى خشي الناس وبكوا وأعلنوا بالتوبة والاستغفار، وأخذ الناصر من ذلك بأوفر حظ، وقد علم أنه المقصود بالموعظة فبكى وندم على ما أفرط وفرّط، إلا أنه وجد على منذر لما قرّعه به، فشكا ذلك لولده الحكم بعد انصراف منذر فقال: والله لقد تعمدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري، فأسرف وأفرط في تقريعي، ثم أقسم أن لا يصلّي خلفه صلاة الجمعة خاصة، فكان يصلي بقرطبة وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة، وترك الصلاة بالزهراء، فقال له الحكم: ما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك والاستبدال به إذ كرهته، فزجره وانتهره وقال له: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه لا أمّ لك يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد؟! هذا ما لا يكون، وإني لأستحيي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه، ولكنه أحرجني فأقسمت، ولوددت أني أجد سبيلا إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلّي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى، فما أظننا نعتاض منه أبدا.

وكان منذر على متانته وصلابته حسن الخلق كثير الدعابة، فربما ساء ظنّ من لا يعرفه به لدعابته، فإذا رأى ما يخلّ بالدين قدر شعرة ثار ثورة الأسد الضاري وتبدلت بشاشته عبوسا.

ومرّ في رحلته بمصر فحضر يوما مجلس أبي جعفر النحاس وهو يملي أخبار الشعراء، فأملى شعرا لقيس مجنون بني عامر، وهو قوله:

خليليّ هل بالشام عين حزينةتبكّي على نجد لعلّي أعينها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «خليلي هل بالشام عين حزينة»
قد اسلمها الباكون إلا حمامةمطوقة باتت وبات قرينها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «خليلي هل بالشام عين حزينة»
تجاوبها أخرى على خيزرانةيكاد يدنّيها من الأرض لينها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «خليلي هل بالشام عين حزينة»

فقال له منذر، يا أبا جعفر ماذا باتا يصنعان، فقال له: وكيف تقول أنت يا اندلسي؟ فقلت له: بانت وبان قرينها، فسكت، قال منذر: وما زال يستثقلني بعد

ذلك حتى منعني «كتاب العين» وكنت ذهبت للاستنساخ من نسخته فلما يئست منه قيل لي أين أنت من أبي العباس ابن ولاد؟ فقصدته فلقيت رجلا كامل العلم حسن المروءة، فسألته الكتاب فأخرجه إليّ. ثم ندم أبو جعفر حين بلغه إباحة أبي العباس الكتاب لي، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه.

ومن شعر منذر بن سعيد ما كتب به إلى أبي علي القالي يستعير كتابا من الغريب:

بحق ريم مهفهفوصدغه المتعطّف
ابعث إليّ بجزءمن «الغريب المصنف»

فأرسل إليه الكتاب وأجابه بقوله:

وحقّ درّ مؤلفبفيك أيّ تألف
لأبعثنّ بما قدحوى الغريب المصنف
ولو بعثت بنفسيإليك ما كنت أسرف

وقال أيضا:

مقالي كحدّ السيف وسط المحافلأميز به ما بين حقّ وباطل
بقلب ذكيّ قد توقّد نورهكبرق مضيء عند تسكاب وابل
فما زلقت رجلي ولا زلّ مقوليولا طاش عقلي عند تلك الزلازل
وقد حدّقت حولي عيون إخالهاكمثل سهام أثبتت في المقاتل
أخير إمام كان أو هو كائنبمقتبل أو في العصور الأوائل
وفود ملوك الروم حول فنائهمخافة بأس أو رجاء لنائل
فعش سالما أقصى حياة مؤمّلافأنت رجاء الكلّ حاف وناعل
ستملكها ما بين شرق ومغربإلى أرض قسطنطين أو أرض بابل

توفي منذر بن سعيد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.