من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن أحمد الكاتب البصري، أبو عبد الله
المنبوز بالمُفَجَّعِ ولُقّب بذلك ببيت قاله وهو شاعر مكثر، عالم، أديب، صاحب كتاب " الترجمان " و " المنقذ " وغيرهما.
وتوفي قبل الثلاثين والثلاثمائة، وهو القائل في أبي الحسن محمد بن عبد الوهّاب الزَّينَبي الهاشمي يمدحه كامل:
للزَّينَبيِّ على جلالة قدرهخُلُقٌ كقَطْرِ الماء غيرُ مُزنّدِ
وشهامةٌ تُقْصِي اللُّيُوثَ إذ سَطاونَدىً يُغَرِّقُ كلَّ بحرٍ مُزْبِدِ
يحتلُّ بيتاً في ذُؤابةِ هاشمٍطالتْ دعائِمُهُ محلَّ الفَرْقَدِ
حُرٌّ يَروحُ المستميحُ ويغْتديبمواهِبٍ منه تروح وتغتدي
وإذا تحيَّفَ مالَهُ إعْطاؤهُفي يومه نهك البقِيَّةَ في غَدِ
بضِياءِ سُنَّتِهِ المكارِمُ تهْتدِيوبجودِ راحتِهِ السَّحائِبُ تقتدي
مِقدارُ ما بيني وما بينَ الغِنىمِقدارُ ما بيني وبين المِرْبَدِ
وكان صاحب ابن دُريْد القائم مقامه بالبصرة قي التأليف والإملاء، وفيه قيل:
إنَّ المُفَجَّعَ وَيْلهُشَرُّ الأوائِلِ والأواخِرْ
ومن النَّوادرِ أنَّهُيُمْلِي على الناس النَّوادرْ
وشعره قليل جداً، وديوانه كثير الحلاوة، ويكاد يقطر منه ماء الظّرْفِ، حكى أبو بكر الخوارزمي قال: قال لي اللحام: أنشدني المفجّع لنفه:
لِيَ أَيْرٌ أَراحَني الله منهصارَ هَمّي به عَريضاً طَويلا
نام لمَّا رأى الحبيب عَياناًولعهدى به ينيك الرَّسولا
حُسِبَتْ زَوْرةٌ عليَّ لِحَيْنيوافترقنا وما شَفَيْتُ غليلا
وللمفجَّع في غلام له اسمه أبو سَعْد:
زفراتٌ تَعْتادُني عند ذِكْرَاك وذكراك ما تريمُ فؤادي
وسروري قد غاب عني مذ غِبْتَ فهل كنتما على ميعادِ؟
حاربتني الأيامُ فيكَ أبا سَعْدٍ بسيف الهَوى وَسهْمِ البِعادِ
ليس لي مَفزَعٌ سوى عَبراتٍمن جفونٍ مكحولةٍ بالسُّهادِ
في سهادي لِطول أُنسي بذكراكَ اعتياضٌ من الكَرى والرُّقادِ
وبحسْبي من المصائب أنيفي بلادٍ وأنتمُ في بلاد!
وله:
أَلا يا جامع البَصْرة لا خرَّبَك الله
وأسقى صحنَك الغَيْثُمن المُزْنِ فَروَّاهُ
فكم من عاشقٍ فيكيرى ما يتمناه
وكم ظبيٍ من الإنسمَليحٍ فيك مرْعاهُ
نصبنا الفخَّ بالعِلمله فيك فَصِدْناه
بقرآنٍ قرأناهُوتفسير رويْنَاهُ
وكم من طالبٍ للشِّعرِ بالشعر طلَبْناه
فما زالتْ يَدُ الأيَّام حتى لان مَتناهُ
وحتى ثُبِّت السَّرْجُعليه فركِبْناهُ
أَلا يا طالِب الأمْرد كَذِّبْ ما ذكرناهُ
فلا يُغْرُرْكَ ما قلنافما بالجِدِّ قلناهُ
ولو كان من البُغْضيزنِّي حين تلْقاهُ
فزُجَّ الدِّرهم الضَّرْبإليه يتلاقاه
فبالدِّرهم يُستنزلُ ما في الجوّ مأواه
وبالدرهم يُستخرجُ ما في القفر مَثواهُ
وله في غلام مُغَنِّ جُدِّرَ فازداد حُسناً:
يا قَمَراً جُدِّر حين استوىفزادَهُ حُسناً وزادت همُومْ
كأنّما غنّىَ لِشمسِ الضُّحىفَنَقَّطَتْهُ طَرَباً بالنُّجُومِ
ومن هجوه:
فَسَا على قَوْمٍ فقالوا لهُ:إن لم تَقُمْ من بَيْننِا قُمنا
وقال: لا عُدْتُ! فقالوا له:من نَتْنِ فيهِ: ذاك ما كُنّا
وله:
أداروها ولِلَّيْل اعْتِكارُفخِلْتُ اللّيلَ فاجأهُ النّهارُ
فقلتُ لصاحبي والليلُ داجٍ:ألاحَ الصُّبح أم بدت العُقَارُ؟
فقال: هي العُقَار تدَاولوهَامُشَعْشَةً يطير لها شرارُ
فلولا أنّني أمتاحُ منهاحلَفْتُ بأنها في الكأس نارُ
وذكره أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم عبد المجيد بنُ بُشْران بن إبراهيم بن العباس بن محمد بن العباس بن محمد بن جعفر الأهوازي في تاريخه فقال: ففيها - يعني سنة سبع وعشرين وثلاثمائة - توفي أبو عبد الله كل محمد أبن أحمد بن عبد الله المفجّع الكاتب الشاعر، وكان شاعر البصرة وأديبها، وكان يجلس في الجامع بالبصرة، فيُكتَب عنه ويُقرَأ عليه الشعر واللغة والمصنفات، وامتنع من الجلوس مدة لسبب لحِقَهُ من بعض من حضره، فخُوطب في ذلك فقال: " لو استطعت أن أُنسيهم أسماءهم لفعلت " وشعره
مشهور، فمنه وقد دامت الأمطار وقطعت عن الحركة، قوله: مجزوء بسيط:
يا خالق الخلق أَجمعيناوواهب المال والبنينا
ورافعَ السَّبْعِ فوق سَبْعلم تستعن فيهما مُعينا
ومن إذا قال: كُنْ لشيءٍلم تقع النون أو يكونا
لا تسقِنا العام صوب غيثٍأكثر من ذا فقد رَوينا
وله في يخاطب أبا عبد الله البريديَّ، وقد أعاد عليه ذكر سبب مجزوء الخفيف.
قُل لِمن كان قد عفاعن ذنوب المُفَجَّعِ
لا تُعِدْ ذِكْر ما مضَىمَن عَفا لم في يُقَرِّعِ
وله وقد سأال بعض أصدقائه إيصال رُقعةٍ وشعر له بتهنئة في مهرجان إلى بعضهم، فقصَّر حتى مضى المهرجان: كامل.
إن الكتاب وإِن تضمَّنَ طيُّهكنْهَ الفصَاحة كالفصيح الأخرس
وإذا أعانته عناية حاملٍفجوابه يأتي بنجح منفس
وإذا الرسول ونى وقصَّر عامداًكان الكتاب صحيفة المتلمِّس
قد مات يوم المِهرجان فذكرهفي الشعر أبرد من سخاء المفلِس
فسئل عن سخاء المفلس فقال: يعِد في إِفلاسه بما لا يفي به عند إمكانه، قال وأنشدني أبو عبد الله الاذوائي قال: دخل يوماً إلى القاضي
أبي القاسم علي بن محمد التَّنُوخي، فوجده يقرأ " معاني الشعر " على العُبَيسي فقال: رجز.
قد قُدِّم العُجْب على الرُّويْسوشارف الوهْدُ أبا قُبَيْس
وطاول البَقْل فروع الميسوهَبَّت العنز لقرع التيس
وادَّعت الرُّوم أباً في قيسواختلط الناس اختلاط الحيس
إذْ قرأ القاضي حَليف الكيْس" معاني الشعر " على العُبيسي
وألقى ذلك إلى التنوخيِّ وانصرف، قال: وكان أبو عبد الله الاكفاني راويته، وكتب لي من مليح شعره شيئاً كثيراً، قال: ومدح أبا القاسم التنوخي فرأى منه جفاءً فكتب إليه:
لو أعْرض الناس كلُّهم وأبوْالم ينقُصوا رزقي الذي قُسما
كان ودادٌ فزالَ وانصرماوكان عهد فبان وانهدما
وقد صحِبنا في عصرنا أُمماًوقد فقدنا من قبلهم أمما
فما هلكنا هزلا ولا ساخت الأَرض ولم تقطر السماء دما
في الله من كل هالكٍ خلفٌلا يرهب الدهر من به اعتصما
حرٌّ ظنَّنا به الجميل فماحقَّق ظنَّاً ولا رعى الذمما
فكان ماذا؟ ما كلُّ معتمدعليه يرْعى الوفاء والكرما
غلطت، والناس يغلطون وهلتعرف خلقاً من غلطة سلما؟
من ذا يخطي السَّداد فيه فلميعرف بذنب ولم يزل قَدَما!
شلَّت يدي لِمْ جلست عن تفهٍأكتُب شجوي وأمتطي القَلَما؟
يا ليتني قَبْلَها خرست فلَمْأُعمِل لساناً ولا فتحت فَما
يا زلَّةً ما أُقِلْت عَثْرتَهَاأَبْقَتْ على القلْب والحَشا أَلَمَا
يا ربّ يا رب لا أَعودُ لَهَاإن عدت فاشعر مسامعي صَمَمَا
مَنْ راعَهُ بالهَوان صاحبُهُفعاد فيه فَنَفَسه ظلَما
وله مجزوء البسيط
أَظْهرْتُ للرِّئم بعض وجديوإنما الكوت ما سَترْتُهْ
وقلتُ: حُبِّيك قد برانيفقال: دعه بذا أَمرْتُهْ
وله قصيدته " ذات الأشباه " وسميت بذات الأشباه لقصده فما ذكره فيها من الخبر الذي رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (وهو في محفل من أصحابه: " إن أحببتم أن تنظروا إلى آدم في عِلْمِه، ونوح في فهمه، وإبراهيم في خُلُقه، وموسى في مناجاته، وعيسى في سِنِّه، ومحمد في هَدْ يه وحِلْمه، فانظروا إلى هذا المُقبِل "، فتطاول الناس، فإذا هو علي بن أبي طالب ﵇، فأورد المفجع ذلك في قصيدته، وفيها مناقب كثيرة، وأوّلها:
أيها اللائمي لحُبي علِياًقُم ذميماً إلى الجحيم خزياَّ
أبخير الأنام عرَّضْت لا زلْت مذوداً عن الهُدى مَزْويَّا
أشبه الأنبياء كهْلاً وزوْلاًوفطيماً وراضِعاً وغذيَّا
كان في عِلمِه كآدم إذ عُلِّم شرْح الأسماء والمكْنِيَّا
وكنوحٍ نجّى من الهُلْك مَنْ سَيّرَ في الفُلْك إذ عَلا الجوديَّا
وجفا في رضا الإله أباهُواجتواه وعدَّه أجنبيَّا
كاعْتزال الخليل آزر في الله وهجرانه أباه مَلِيَّا
ودعا قومَه فآمن لوطٌأقربُ الناس منه رحْماً وريَّا
وعَليّ لمَّا دعاهُ أخُوهسَبق الحاضرين والبدويَّا
وله من أبيه ذي الأيد إسماعيل شِبْهٌ ما كان عنّي خفيَّا
إنه عاون الخليل على الكعبة إذْ شاد ركنها المبنيَّا
ولقد عاون الوصيُّ حبيب الله إذ يغسلان منها الصفيَّا
رام حمل النبي كي يقلع الأصنام من سطحها المثول الحُبيَّا
فحناه ثقل النبوة حتىكاد ينآد تحته مثنيَّا
فارتقى منكِب النبي عليٌّصِنْوُه ما أجلَّ ذا المرتقيَّا
فأماط الأوثان عن ظاهر الكعبة ينفي الأرجاس عنها نفيَّا
ولو أن الوصيَّ حاول مسَّ النجْم بالكفِّ لم يجدْه قصيَّا
أفهل تعرفون غير عليٍّابنه استرحل النبي مطِيَّا؟
ومن مُلِح المفجع المشهورة قوله لإنسان أهدى إليه طبقاً فيه قصب السكر والأترنج والنارنج، قال الثعالبي: وأراه أبا سعدٍ غلامه:
إنَّ شيطانك في الظَّرْفِ لشيطانٌ مريد
فلِهاذا أنت فيهتبتدي ثم تعيد
قد أتتنا تحفة مِنك على الحسن تزيد
طبقٌ فيه قدودٌوخُدودٌ ونُهود
وقوله:
سيّدي أنت إن عبدك أمسىخافقاً قلبه خفوق الجناح
فاغتنم غفل الرّقيب وزُرْهفي رداء من الدُّجى ووشاح
وشعر أبي عبد الله المفجع حسن، وكان يوماً بالأهواز جالساً مع جماعة، فاجتاز به غلام لموسى بن الطيب نديم أبي عبد الله البريدي يقال له طريف وهو أمردٌ مليح، فسأل المفجع عنه، فقيل له: هذا غلام نديم البريدي، فقال:
اجتاز بي اليوم في الطريق فتىيختال في مورق من البان
فقلت: من ذا؟ فقال لي خبِرٌبالأمر: هذا غلام صفعان
ولأبي عبد الله في جماعة من أهل الأهواز مدائح كثيرة، وأهاج وله قصيدة في أبي عبد الله بن درستويه يرثيه وهو حي ويلقبه بدهن الآجر، قال: وكان أبو عبد الله المفجع يكثر عند والدي ﵀ ويطيل المقام عنده، وكنت أراه عنده وأنا صبي بالأهواز، وله إليه مراسلات، وله فيه مدائح كثيرة كنت جمعتها فضاعت أيام دخول
شبرج ابن أبي ليلى الأهواز، ونُهبت دور الناس بها، وكان فيها قصيدة بخطه عندي يقول فيها:
لو قيل للمجْد من مولاك؟ قال: نعمعبد المجيد المغيري بن بشران
وأذكر له من قصيدة أخرى:
يا من أَطال يدي إذ هاضني زمنيوصِرْت في المصر مجفُوّاً ومُطَّرحا
أنقذتني من أُناسٍ عند دينهمقتْل الأَديب إذا ما علمه اتَّضحا
قال: وكانت وفاته قبل وفاة والدي رحمه الله تعالى بأيام يسيرة.
النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع