تجاوز إلى المحتوى

من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

محمد بن أحمد بن الحسين بن محمود بن أبي عبد الله بن علي

ابن محمود الفروخيّ، الأوَانيّ المكنّى بأبي نَصْر، من أهل أَوَانا الرئيس الشاعر الكاتب الناثر، شيخ أَوَنا، الفصيح لساناً وبياناً، قد سهل له من الكلام حُزُونُه، ولانت لديه متونه، وطاوعته عيونه، ودانت منه أبكاره وعُونه. فلذلك نظمه

أشرقُ من لؤلؤ العقود، ونثره أنور من ورد الخدود، بألفاظ وضيّة، وعبارة رضيّة، ومعانٍ أرقّ من نسيم السَّحَر على صفحات الزَّهَر، فمن شعره من كلمة مدح بها جمال الدين محمد بن علي الأصبهاني، وزير الموصل:

ما لعينٍ جَنَتْ على القلب ذنبُإنَّما يُرسِل اللّحاظَ القلبُ
للشاعر الفروخي أبو نصر الأواني، من قصيدة «مَا لعين جنت على الْقلب ذَنْب»
والهوى قائدُ النفوس فإن سُلِّطَ جيش الغرامِ فالقلب نهبُ
أحياةٌ هذا التفرّق يا قلبُ فأين الهوى وأين الحبُّ؟!
كان دعوى ذاك التأوّهِ للبينِ ولم ينصدع لشمل شعب
للشاعر الفروخي أبو نصر الأواني، من قصيدة «مَا لعين جنت على الْقلب ذَنْب»
إنَّ موت العشاق من ألم الفرقةِ في الحب منة تستحبُّ
للشاعر الفروخي أبو نصر الأواني، من قصيدة «مَا لعين جنت على الْقلب ذَنْب»
وعلاجُ الوى عذابُ المحبينَ ولكنه عذاب عذب
زَوِّدِ الطرْفَ نظرة، أو فمُت وجداً فهذا الوادي وهذا الشعبُ
واسألِ الرَّكْبَ وقفةً فعسي يُنْجِدُكَ اللحظُ إن أجاب الركبُ
واستعنْ بالدموعِ فالدمعُ عونٌلك إن ساعد المدامع سكْبُ
وتبصَّرْ نحو العراق جُذيَّاتٍ على بُعدها تَهبُّ وتخبُو
فبذاك الجوُّ الممَنَّعُ أوطاري والقلبُ والهوى والصُّحْبُ
إن عَدَتني عنه الليالي فبالمَوْصِل لي دونه مُناخٌ رَحْبُ
لو أُعيد الطائيُ حيّاً لديهوابن سُعدى أو الإيادي كعبُ
لتولُّوا عنه حَيارَى ونادَوهُ: رويداً هذا مُقامٌ صَعْبُ
هكذا المجدُ لا مرَاجل تَغليفي مُناخ القرى ونارٌ تُشَبُّ
فُتّ شأوَ الأمجاد سبقاً وما الناظر في العين واحدٌ والهُدْبُ
فهُمُ أنجمٌ تغور وتبدوفي سما العلى وأنتَ القطْبُ
حار فيك المديح عُجباً فما يَدري لماذا طغا عليه العجبُ
إن يمناك حين تَغمر بالبرِّكما تمطر الرياض السُّحبُ

وله فيه:

هذا هو المجد لا ما تخبرالسِّيرُقد أبدت العين ما لم يُبده الأثرُ
فلم أُكلف تأميل السُّها بصَريوقد تبلَّج لي في الرؤية القمرُ
وأحسن القول ما قام الدليل بهلن يصدق السمع حتى يصدق البصر
رقاً تملّكهم قوم وما افتخرواإلا بما أوقدوا للضيف أو نحروا
ولائمٍ في اعتساف البيد قلتُ له:شيئان موتلفان: الرزق والسفرُ
لو لم تكن فرقة الأوطان مُكسِبةًعزّاً لما فارقَت أصدافها الدرَرُ
وإن عذلتَ بأرزاق مقدَّرةٍلن يُسعدَ الكَدُّ حتى يُسعد القدر

ومنها:

الباذل العرف لا مَنٌّ ولا مَللٌوالباسط الأمْن لا خوف ولا ذعرُ
يقضي فيحكمُ والأنذار ممكنةٌوالحُكم ما لم يكن عن قدرةٍ خوَرٌ

ومنها:

في كلَّ نظرة عين منك منفعةٌتبدو فيعجزعن تكييفها النظر
ضِدَّان عندك مجموعان في خُلقٍفالمال مبتذَلٌ، والحمد مدَّخَرُ
فضَّلتَ ما كسَتِ الأنواء قاصرةعنه وأَغنيت ما لم يُغنه المطرُ

وأصبح الناس في أمنٍ وفي دعةٍحتى لقد عُدِمَت في عصرك الغيرُ فاستأنف الدهرُ أياماً مهذَّبةًلأهله وصَفا ماءٌ به كدَرٌ

وله أبيات إلى بعض أخلائه:

فكم عوقبتُ بالهجْرِ وما أصلُحُ للهجرِ

وما أقصرتُ في مدحٍولا أقلعتُ عن شُكرِ
ألا يا أيها المُختالُ بين المجد والفخرِ
ترفَّق بي فقد عِيلَبما تفعلُ بي صبري
ولا يعدِل بك الكاشحُعن نصر أبى نصرِ
ودعْ عنك الأقاويلفما الإخبار كالخُبرِ
فقد يخدعُكَ الخائنُبالنَّصح ولا تدري
كما قد يستوي في الكأسِ لَوْنُ الخَلِّ والخمرِ

وله في معنى قصده متقارب

إذا المرءُ ضاق به ذرعُهُوعزّت عليه وجوهُ الطَّلبْ
وعزّ المُساعدُ في دهرِهِفلا ذو إخاءٍ ولا ذو نسبْ
وأصبحْ من فرج مولياًولم يبقَ غير حلول العَطبْ
أتاه القضاءُ بلطف الإلهِففرَّجَ من حيث لا يحتسبْ

وله:

يا ربِّ عفوكَ إنني في معشرٍلا أبتغي منهم سواك مَلاذا
للشاعر الفروخي أبو نصر الأواني، من قصيدة «يَا رب عفوك أنني فِي معشر»
هذا ينافق ذا، وذا يغتاب ذاويسبُّ هذا ذا، ويشم ذاذا
للشاعر الفروخي أبو نصر الأواني، من قصيدة «يَا رب عفوك أنني فِي معشر»

وله:

جسَّ الطبيب يدي وحرّك رأسهوبكى عليَّ وقال: مُتَّ فلانا!
فأجبتهُ: واللهِ ما بي علَّةٌلكنَّني قد صِرتُ شيخَ أوانا

مات في سنة سبع وخمسين وخمسمائة بأوَانا ودفن بمقبرة بُرنداس فيها وكان يتولى للوزير ابن هُبَيرة ... بمعاملة دُجَيْل فمرض

فحمل إليّ أوانا فكتب إليه بهذه الأبيات:

من ساءهُ مرضٌ أَتيحَ لهفلقد أفادَ مَسرَّةً مَرَضي
جرَّبتُ أبناءَ الزَّمانِ بهفعرفتُ جَوْهَرَهُم من العرضِ
وعلِمْتُ أنَّ مَحَبَّتي لهُمُذهبتْ بلا ودٍّ ولا عِوَضِ
لا تَجزعي يا نفسُ واصطبريلجفاهُم، فَبِذا عليك قُضي

النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الألف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.