من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن أحمد الغساني الدمشقي الملقب بالوأواء
من حسنات الشام، وصاغة الكلام. كان في أول أمره منادياً في دار البطيخ بدمشق ينادي على الفاكهة، وما زال يشعر حتى جاد شعره، وسار كلامه، وله ديوان شعر ليس بالكبير، فمن شعره: طويل:
سقى اللهُ ليلاً طابَ إذْ زارطيفُهفأفنيتُه حتى الصباحَ عناقا
بطيبِ نسيمٍ منهُ يستجلبُ الكرىولو رقدَ المخمور فيه أفاقا
تملَّكني لما تملك مهجتيوفارقني لما أَمِنتُ فراقا
وله:
أتاني زائراً من كان يبديليَ الهجرَ الطويلَ، ولا يزورُ
فقال الناسُ لما أبصروه:ليهنكَ! زاركَ البدرُ المنيرُ
فقلتُ لهم ودمع العين يجريعلى خدّي له درٌّ نثيرُ:
متى أَرعى رياض الحسن منهوعيني قد تضمَّنَها غدير؟
ولو نُصِبت رَحىً بإِزاءِ دمعيلكانتْ من تحدُّرِهِ تدورُ
ومن ملح قوله في وصف الدمع:
كلُّ دمعٍ فبالتكلُّفِ يجريغير دمع المحبِّ والمهجورِ
ورَّدَ البَيْنُ دمعَ عيني فأضحىكَعَقيقٍ أُذيب في بَلُّورِ
ومن ملحه في الخمر:
عذّبتُها بالمِزاجِ فابتسمتْعن بَردٍ نابتٍ على لهَب
كأن أيدي المِزاج قد سكَبتفي كأسِها فِضَّةً على ذهبِ
وله من قصيدة:
فامزُجْ بمائِكَ نارَ كأسك واسقنيفلقد مَزجت مدامعي بدماءِ
واشرَب على زهْر الرياض مُدامةًتُفني الهمومَ بعاجل السرَّاءِ
لطفَتْ فصارتْ من لطيف مِزاجِهاتجري كمجرى الرّوحِ في الأعضاءِ وكأنَّ مِخْنقةً عليها جَوهَرٌما بين نارٍ ركبتْ وهواءِ
وكأنها وكأنَّ حاملَ كأسِهاإذ قام يجلوها على الندماءِ
شمسُ الضُّحى رقصَت فنقَّطَ وجههابدرُ الدُّجى بكواكبِ الجوزاءِ
وذكره ابن عبد الرحيم في " طبقات الشعراء " وقال: كان في أول أمره أحد العامة ردَّاداً في فندق، كان جابياً فيه وكان يتولى بيع الفاكهة بين يدي البنادرة ويجبي أثمانها. ولم يكن من أهل الأدب ولا ممن يُعرف بقول الشعر، وكان أول شيء عمله قصيدته في أبي القاسم العقيقي العلوي الميمية التي أوّلها:
تظلَّمَ الوردُ من خدَّيه إذ ظُلما
فاستحسنها، فأعطاه عشرين ديناراً، وتسامع الناس بها فانتشر بينهم ذكرُهُ، فاستطابوا طريقته في شعره، فتوفر على ذلك وفارق ما كان فيه.
النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع