من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن الحسين أبو الفتح ابن القرقوبي الكاتب الصقلي
شاعر صانع، وأديب بارع، من فضلاء العصر، وحسنات الدهر، وشعره كثير غير أنه خرج عن صقلية إلى الأندلس فاستوطنها، وصحب ملوكها ووزر لهم، وسار ذكره، وعظم قدره هناك فلم يوجد له بصقلية إلا ما قاله في صباه وهو: بسيط:
حسبُ العواذل ما قدَّمْنَ منْ عذَليشُغِلنَ بي، وأنا عنهُن في شغل
أهْدين لي ضَلَّة منهن غير هُدىورُمنَ تقويم مُعوجٍّ أخي مَيل
يَسُمْنني النُّسك لا يسأمن معتبتيولا وحقِّ الصِّبا ما النُسك من عملي
يأبى التغزُّل بالغزلان من نُسُكيوالعيش أجمع كلُّ العيش في الغزل
هيهات خامرني خمر العُيُون كماتُخامر الخمر عقل الشَّارب الثَّمِل
هل الظِّباء التي يحبسن في سمرمثل الظباء التي يكنِسن في الكِلَل؟
إنَّ العيون نَفَثْن السّحر في عُقَدِيسحراً يُوَهِّنُ كيدَ الفاتك البطل
في البيض والسود لي يا عاذلي شُغُلبيض الوجوه وسود الأعيُن النُّجُل
ولائم لامني فيها فقلت له:أقصِر من اللَّوم يا هذا ولا تُطِل!
هبكَ الرَّشيد وهبني قد غويت إذاًفاسلُك سبيلك إنّي سالك سبُلي
وقوله أيضاً: طويل:
بِلاَ مِرْيَةٍ إن العَذُول لمُسرفٌغداة اغتدى في مجهل اللوم يعسفُ
أطال صحيحاً من ملامة مدنفوشتان في أمرٍ صحيحٌ ومُدنف
أيُنكر كوني عاشقاً ذا صبابةوعيشي فينان وإلفِيَ مُسعف؟
ولي في قلوب الغانيات مودَّةتحِلُّ محَلَّ السِّرِّ أو هي ألطف
أأصبر عن غزلان صَبْرَة إنَّنيلأَوهى قُوىً مما يسوم وأضعف
مدى الدهر لا أشكو، وفي الأرض منزلبه قهوة بكْر وساقٍ مهفهف
فيا طيبها من كفِّه إذ يُديرُهاويُدني ثناياه إليَّ فأرشف
رُضَاب أبِنْ لي ما بردت ببردهغليليَ، أم ماء زلالٌ وقَرقف؟
ووجهُك أم صُبح؟ وفرعُك أم دُجى؟ ولحظك أم عضب الغِرارين مرهف؟ فيا زهرة الدُّنيا التي ليس تجتنىمن الصَّون إلا بالعيون وتُقطف
تقاسمك الضِّدان شطرٌ مُثقَّليُحَمَّل أعباء، وشطرٌ مخفَّف
سقى ورعى الله الليالي التي خلتفكم ضمَّني فيها وضمك مِطْرَف
ولهفي عليها أو أموت بحسرةوإن كان لا يجدي عليَّ التلهُّف
أقلبي الذي راع العَذول اضطرابهفأقصر عني أم جناحٌ يُرفرف؟
وماذا عليهم أن أجود بتالديوأُفني طريفي قبل يومي وأُتلِف؟
لهم ما اقتنوا فليحرصوا في ادِّخارهمولي كنز شعر لا يبيد ويوسف
هو الجبل الراسي الذي ليس ينتهيوبحرالندى الطامي الذي ليس ينزف محمد بن الحسين الفُرْني أبو عبد الله الصقليّ الكاتب
كاتب زمانه، وعالم عصره وأوانه، وإليه انتهت الرئاسة في علم النجوم بالجزيرة والهيئة والحساب والخراج وجميع آلات الكتابة. وله شعر جيد، فمن ذلك ما قاله يرثي به أخاه: وافر:
أبا حفص فقدت الصبر لمّارأيتك تحت أطباق الصِّفاح
وكنت يدي وسيفي عند بطشِيورُمحي عند مشتجر الرِّماح
ولستُ وإن لحاني في بكائيعليك بسامع ما قال لاحي
ولا أرجو صفاءاً من زمانيُغِصُّ المرءَ بالماء القِرَاح
وكيف وقد فقدت لذيد عيشيلفقد أخي وهِيض له جناحي؟!
وقوله يصف العرق وهو من جيده: منسرح:
يَنضحُ جسمي على الفراش لمابالقلب من لوعةٍ ومن حُرَقِ
بعارضٍ يستهلُّ واكفُهُعلى فراشي بالوابل الغدِق
كأنني فوقَهُ على رَمَثٍأَسْبَحُ في لجةٍ من العرَق
أو كغريقٍ نجا بمهجتهيكابد الموجَ خَشيةَ الغرَق
النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع