من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
السيد يحيى المفتي (٢)
قيل في هذا انه عصام بن شهير حاجب النعمان بن المنذر الذي قال له النابغة الذبياني حين حجبه عن عيادة النعمان من قصيدة له. منها:
فإني لا ألومك في دخولولكن ما وراءك يا عصام
وفي المثل كن عصامياً ولا تكن عظاميا. وقيل:
نفس عصام سودت عصاماوعلمته الكر والإقداما
وصيرته ملكاً هماما
يقال انه وصف عند الحجاج رجل بالجهل وكانت له إليه حاجة فقال في نفسه لاختبرنه. ثم قال له حين دخل عليه أعصامي أم عظامي، يريد أشرفت بنفسك أم تفتخر بآبائك الذين صاروا عظاماً. فقال الرجل: أنا عصامي عظامي. فقال الحجاج هذا افضل الناس وقضى حاجته، وزاده ومكث عنده مدة ثم ناقشه فوجده أجهل الناس. فقال: أتصدقني أو لأقتلنك.
قال: قل ما بدا لك أصدقك. قال: كيف أجبتني لما أجبت لما سألتك عما سألت؟ قال له: لم أعلم أعصامي خير أم عظامي، فخشيت أني أقول أحدهما فأخطئ، فقلت أقول كلاهما فان ضرني أحدهما نفعني الآخر. وكان الحجاج ظن أنه أراد افتخر بنفسي لفضلي وبآبائي لشرفهم. فقال الحجاج عند ذاك: المقادير تصير العي خطيباً. فذهبت مثلا ومن تتمة الأرجوزة المترجمة:
رعياً له إذ جد في دفع الأذىوقد سما على العدا مستحوذا
«فهو لعمري حائز تفضيلامستوجب ثنائي الجميلا»
فزكه تزكية واجملاإجمال من تجملا تجملا
منا له الدعا بنفس صاغره«والله يقضي بهبات وافره»
وهكذا سليله مرادمن مثله لمثل ذا يراد
شمر عن ساعد جد وسطايحمي الحمى بسيفه مخترطا
«بأبه اقتدى عدي بالكرمومن يشابه أبه فما ظلم»
كذا الوزير صاحب الشهباءذو الحزم والآراء والدهاء
فانه لم يلف ذا تقصيرأصاب في الرأي وفي التدبير
جوزي بالخير عن الأنامببذله المجهود في الإسلام
بشرى بذا الفتح المبين البيّنوالنصر إذ جاء من المهيمن
بشراكم يا أيها الدهاةأيتها الحماة والكماة
بشراكم يا أهل ذياك الحمىعلى احتياز الفوز من رب السما
فمن له بشكره والحمدإذ فضله جاوز حد العد
يا ليتني كنت مع الأصحابظفرت بالنصرة والثواب
وأن تسل عن هذه الأرجاءوما تعاني من عضال الداء
فإنها منذ شهور لم تزلمحصورة ضاقت بأهلها الحيل
حسبك من شر سماعه كماقد قيل في الغابر فيما قدما
وذاك أن الشاه شاه العجمأمّ ديار الروم في تقحم
فدلفت من جنده سوالفرواجف تتبعها روادف
جحافل تطاول الجبالاقنابل تكاثر الرمالا
تموج موج زاخر البحارغصّت بها القفار والبواري
دكت لها شواهق الاطوادوبس منها هضب الاعضاد
جاسوا خلال هذه الدياريبغون ضبطها على اقتدار
فعجل العربان والأكرادفي طاعة الأمر لهم وانقادوا
أهل القرى كذاك والضياعنعم وأهل سائر الرباع
لم يتريث أحد في الطاعةبادر في شق عصا الجماعة
في المثل يقال شق فلان عصا المسلمين أي فرق جمعهم.
قال أبو عبيدة معناه فرق جماعتهم قال والأصل في العصا الاجتماع والائتلاف وذلك إنها لا تدعى عصا حتى تكون جميعا، فإذا انشقت لم تدع عصا. ومن ذلك قولهم للرجل إذا أقام بالمكان واطمأن به واجتمع له فيه أمره قد ألقى عصاه. وقال معقل البارقي:
فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قر عيناً بالإياب المسافر
قالوا وأصل هذا ان الحاديين يكونان في رقعة فإذا فرقهم الطريق شقت العصا التي معهما فاخذ هذا نصفها وذا نصفها فضرب مثلا لكل فرقة.
قال صلة بن الاشيم لأبي السليل إياك أن تكون قاتلا أو مقتولا في شق عصا المسلمين. و خرج المنصور إلى قتال أبي يزيد الخارجي في جماعة من الأولياء ولما واجه الحصن سقط الرمح من يده فأخذه بعض الأولياء ومسحه وقال:
وألقت عصاه واستقر به النوىكما قر عينا بالإياب المسافر
قال فضحك المنصور وقال قلت وألقى عصاه، قال يا أمير المؤمنين: العبد تكلم بما عنده من إشارات المتأدبين وتكلم أمير المؤمنين بما أنزل على نبيه من كلام رب العالمين فكان الأمر على ما ذكر واخذ الحصن وحصل الظفر بابي يزيد فكانت الإشارة من المنصور بالآية، هي المقصد والغاية.
ومن الأرجوزة أيضا:
وذاك إنباء على العيالوالأهل والأولاد والأطفال
ولا يلامون لدى الانصافبما أتوا إلا على اعتساف
إذ لم يكن في طاقة الأغنامدفع أسود الغاب والآجام
فملكوا ما كان من ضياعما تركوا فتراً من الأصقاع
فلم يكن بداً من الحصارلقلة الأعوان والأنصار
فاقتصر الهم على التحصنوحفظ نفس الحصن في تمنن
وغرب الشاه يروم الروماوينتحي الأطلال والرسوما
فأولاً أقام في كركوكغادرها كالقتب المفكوك
أخذها كالقابس العجلانلم يتلوم أقرب الزمان
ومثل كركوك غدت اربيلووطؤه عليهما ثقيل
ثم غدا يسير نحو الموصلبذلك الجيش الثقيل الكلكل
وكان ما كان من أمر شجراما بينهم ثمة مما سطرا
والشاه إذ عن له أن يرجعاوذاك لا بد لأمر وقعا
علا من الموصل بالجيش اللجبيقصد بغداد ببحر مضطرب
جاء يقود الجحفل الجرارابالطم والرم يروم ثارا
بالقض والقضيض من أوشابهبجنده الجلاد من أنيابه
في اصل المثل الطم والرم بالضم يضرب لمن جاء بالمال الكثير أو العدد الكثير، فالطم البحر، وقال ابن الانباري الطم بالفتح الماء الكثير، والرم، الثرى. وقال الأزهري: الطم بالفتح البحر.
وإنما كسرت الطاء في مثل هذا المثل لمجاورة الرم. والقض والقضيض يقال لما تكسر من الحجارة. يقال (لما) صغر قضيض ولما كبر قض وأصله جاء بالقض والقضيض يعني جاء بالكبير والصغير. ويقال أيضا جاء القوم بالقض والقضيض وقضهم بقضيضهم أي كلهم. وقال سيبويه يجوز قضهم بالنصب على المصدر كما قال الشاعر:
وجاءت سليم قضها بقضيضهاوجمع عوالي ما أدق وأنعما
قال الأصمعي: لم أسمعهم ينشدون قضها إلا رفعاً. هكذا ذكره الميداني ومن الأرجوزة أيضا:
خيل وما خيل صلاد حمّمنقدة من الجبال الشمّ
أبناء موت يحرقون الأرماإذا رأوا يوم الهياج البهما
بنو كرابة فحول حربأسود رهج ورجال ضرب
حتوف قرن يقضمون الزمرامن الحديد قاضمين الخطرا
أي رجال ثكلتهم أمهمومثل ويل أمه بأمهم
فارتجت الجبال أي رجةومادت الأرض لثقل الوطأة
والناس حيث شاهدوا ذا الحالاتضعضعوا وزلزلوا زلزالا
توجسوا وزاغت الأبصاروارتاعت النفوس والأسحار
وارتعدت فرائص القلوبشق لها كمائم الجيوب
وهم على القنوط من حياةيغتبطون راحة الأموات
وحق للقلوب ان ترتاعاوللحشى لذاك أن تلتاعا
إلا الرضى حامي حمى الزوراءذو الفتكة البكر لدى اللقاء
الهزبري الصاحب المعظموالماجد القرم الوزير الأفخم
منتشر الصيتة في الآفاقمقدم الكل على الإطلاق
ذو الجد والجد المعم المخولذو الغمرات الواحد المقبل
السابق الأنام وهو قاعدمن همه الفخار والمحامد
رب العتاق والرقاق والقناالمفلق الهام إذا القرم دنا
ترب المصاع صارع الشجعانإذا تلاقت حلقتا البطان
ذو الهبوات السود والحروبمجتمع الرأي لدى الخطوب
كافي الكفاة حارس العراقالطيب الأخلاق والأعراق
غيظ العدى مقتحم الأهوالليث الشرى مجندل الأبطال
مضرس الخطوب والنوائبذو دربة محنك التجارب
لكل خير مبتدى معودوعوده مثل سماه أحمد
لم يتتعتع من موارد الردىولم يكن يرتاع من خيل العدا
وراعه تكاثر الأعداءولم يهل من صحة البلاء
فواطأ الرأي على القرارووطن النفس على الدمار
محارساً محافظاً مجاهدامصابراً مرابطاً مجالدا
يرمقه الموت بلمح شزروالحتف قد أناخ حول الأمر
لم يتضعضع من مضاض الهولوالموت أدنى من شراك النعل
تمثل الذمار والصغارافرجح الهلاك والدمارا
يزأر زأر الأسد الهصورلم يستكن للجلل المخطور
وكان ذا الشاه له مختبرامجربا أحواله مستبرا
جربه في خله وخمرهوذاقه في حلوه ومره
وكان قد حاصر مرتينوفيهما آب بأصدرين
فظن أن لا نافع ثم عملوشر ما رام امرؤ ما لم ينل
فما رأى إلا الجنوح للسلمودفع ضغن كان في البين ألم
واختار كون الصلح وهو يطمعوانكف وهو يشتهي ويجزع
أرسل من لديه يبغي سلماوسد ما قد كان قبل انثلما
يقول قصدي راحة الأناموالصلح خير، سيد الأحكام
«ورغبة في الخير خير وعملبر يزين وليقس ما لم يقل»
ومال حتى أنه تنزلاعن الذي كلف كان أولا
من الذي لم يك يستطاعكأبلق العقوق لا يطاع
وقبل قد كان على الرواسخيعطس من زهو بأنف شامخ
وحيث كان الصاحب المعظمالحازم الا سبهبذ المفخم
من طرف الدولة ذا اختيارخيّر في الإيراد والإصدار
مرخصاً في الصلح والقتالمفوضاً في جملة الأحوال
قيل له افعل ما ترى فيما صلحوما أبيح افعل ودع ما لم يبح
وفكر الأمر برأي صائبوكرر الفكر بفهم ثاقب
قدم رجلا تارة وأخرىأخر ينتحي الجدير الأحرى
مدبراً مقتضيات الحالملاحظاً للأمر في المآل
مفكراً مفهوم قول الشاعرمن أبلغ الشعر الشرود السائر
«البس لكل حالة لبوسهاإما نعيمها واما بوسها»
وبعد ما استشار واستخاراواجتهد الأصلح افتكارا
ألهمه الله صلاح الناسودفع عاجل البلا والباس
فاختار للشقاق أن يموصهإن دواء الشق ان تحوصه
وإذا رأى العلاج في المسالمةأرسل من لدنه للمكالمة
ثلاثة من الرجال الكملعليهم أقصى مدى المعول
الكتحذا يومئذ والسابقاوكاتب الديوان يتلو لا حقا
فابرموا الأمر بضرب لازبوشيدوا الصلح برأي ثاقب
وأسسوا مباني المهادنةومهدوا قواعد المخادنة
وجملة الشروط والأركانأن يرجع الشاه إلى الايران
يمكث ثم يرقب الأخبارامن طرف الدولة انتظارا
فأغمدت صوارم الصفاحفتحاً لباب الصلح والصلاح
وذاك بعد العزم والإيابمن الغري معهد الأحباب
مشهد مولانا الفتى عليأخي النبي الطاهر الزكي
ثم إلى زيارة السبط الأجلريحانة الرسول ذي القدر الأجل
وكلما كان من الاساورةتنكف من هذي البلاد سائرة
وترجع الرباع والأصقاعوتسلم البلاد والقلاع
والحمد لله عفى الغوائلواندفع الشرور والطوائل
وانقمع البأس وحل الفرجوانشعب الصدع وزال الحرج
له تعالى المنة الغراءعلى العباد مثل ما يشاء
وبعد ذاك للوزير الحازمذي الرأي والتدبير والمكارم
فانه شاد أساس الصلحبرأيه مجاهداً للسنح
فقد غدا ذا منة على الملالدفعه بالتي مثل ذا البلا
فيا له من ذي دهاء منتجبمن واضع الهناء موضع النقب
لله دره أصاب المفصلاوقطع المحز فيما فعلا
فأوله المديح أي كان لاتعدل به فهو يضاهي المثلا
والحمد لله على نوالهعلى خفي اللطف من افضاله
مواهب منه توالت زائدة«فالله بر والأيادي شاهدة»
ثم صلاة وسلام كملاعلى الذي علا السماوات العلى
محمد خير الورى الرءوفالسيد الطهر الرضى العطوف
وآله الغر مصابيح الهدىوصحبه ليوث حومة الردى
ما أغمدت قواضب الكفاحبين الورى في السلم والصلاح
من المحب المخلص المباهييحب أهل الفضل عبد الله
للود الراسخ، والخلوص الشامخ: كتبت إليه بعد نهوضي من بغداد، ومفارقة تلك الطلول والعهاد. والوصول إلى الديار والوطن.
وقد أورث البعد أنواع الشوق والشجن. وليس قصدي حصر نعوته وأوصافه، وبيان مطويات معارفه ومكنونات ألطافه. ولكن الشوق إلى جنابه هو الذي دعاني. وأوقعني فيما لا أطيق فأبلاني، ولئلا انسب إلى العقوق، وتضيع الحقوق، قولي:
يقبل أرضاً أشرقت شمس علمهاوليس سواها مقصد ومرام
محب يرى بذل الدعاء فريضةلمن هو حبر في العلوم همام
أديب حسيب فاضل متبحرله فوق فرق الفرقدين مقام
هو البحر لولا أن مر مذاقههو البدر لولا أن فيه دوام
مطاف لأهل العلم في كل جانبفمنهم جثوم حوله وقيام
بأبوابه للسائلين تكاثربأعتابه للوافدين زحام
يلوح لنا من برجه كوكب الهدىكبرق بليل قد علاه ظلام
له جل أيد يقصر المدح عندهاتباهي قباب السبع وهي عظام
فيا قبلة الآمال لا زلت قبلةلكل لبيب مقتدى وأمام
يهيم إلى ذاك المقام صبابةفتعلو عليه لوعة وضرام
لما فيه من شوق ملم وحرقةيرى يوم بعد في المساءة عام
دهور تقضت في حماكم كساعةتنبه قلبي أن ذاك منام
فيا لأويقات تقضت وليتهاتدوم ولكن ما لهن دوام
فهل تسمح الأقدار يوماً بعودةوليس عليها معتب وملام
فأطرب في تلك المعاهد منشداًلكل زمان غاية وتمام
أعيني ناما طال ما قد سهرتمافهذا زمان الوصل فهو حرام
على ربعكم يا آل فخر تحيةمباركة من ربنا وسلام
الحمد لله الذي قصرت عن إدراك صنعه العقول، وحارت في فهم قدرته الكمل من البلغاء والفحول. والصلاة والسلام على البدر التمام، وقنديل الظلام، والنبي الأمي، والرسول التهامي. صاحب المجد الأتم، محمد ﷺ. وعلى آله وأصحابه الكرام، ما لاحت علائم الاعلام، في وجوه الأماثل، وناحت حمائم الاقلام، في غصون الأنامل.
وبعد فنخص بالدعاء المستجاب، والثناء المستطاب. جناب
يتيمة الدهر، غرة فرق العصر، واقف مواقف الفضائل، حاوي التجريد عن الدناءات والرذائل. كشاف مشكلات آثار المحققين، ومفتاح كشف رمز أنموذج المدققين. النهر الفائق المدرار، والبحر الرائق الزخار. إشارات شفاء المرام، تلميح التلويح في توضيح الكلام. من علم علمه المشهور، على عاتق الخافقين منشور، ذو البيان العذب الطلق. والروض اليانع العبق. من تفجر منه ينبوع الحكمة معينا. فنادى لسان الفضل عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. فهو الذي له في كل لفظ برء ساعة، وفي قلب كل عبارة براعة. السيد الاعظم، والملاذ الأفخم. النجيب الجليل، والحسيب الأصيل. الناشئ في حجر الشرف الباهر، المستخرج من أكرم العناصر. مولانا فرع شجرة خير الأوائل والأواخر. أبقى الله بحر افضاله في مزيد، وجعل طالع كماله النير السعيد. إنه القوي القدير العزيز الحميد.
ثم المعروض إلى ذلك المقام، كعبة مطاف الخاص والعام.
هو انه مضى برهة من الزمان، وهو من ورود المرسوم العالي الذي هو كالعقود واللآلي. وذلك مع خادمكم إلياس، فكان لنا به الفخر التام والمباهاة بين الناس. ولم أكن أتجاسر على عرض الأحوال وتحرير الجواب، خشية عروض الملال لذلك الجناب. وحيث بحر الشوق تلاطمت أمواجه، وسحاب الغرام
علا قتامه وعجاجه، أهديت إلى الحظوة العلية، والسدة السنية، هذا الكتاب، وأنا في أكمل حجاب. وهو كما قيل:
فزودني ما لم يقل بقاؤهفزودته حمداً يدوم على الدهر
وكان ذلك كمن أرسل للجنان غض الزهر. والشمع للشمس والسمك للبحر.
أرسلت أسماكاً إلىمن مجده حل الفلك
أرأيت قبلي مهدياأهدى إلي البحر سمك
وأنا أسأل الله تعالى ان يطفئ من البعد ضرام صداه، بمشاهدة ذلك الوجه الذي ماء بشره ونداه. ويحكم في عاتق الفراق، سيوف التداني والتلاق. فان العبد ما دام في هذه الآلام في أسر البعد، فكره محبوس في سجن الغرام والوجد. كيف لا والقلب مملوء بنوالك، وثوب الحياة لحمته وسداه منسوج بيد نعمائك.
فانك نور حدق الزمان، ونور حديقة الجنان.
فراجعني بما هو كالجواهر في أعناق المهاة والجآذر، وما هو كالحمائل، مصندلة الغلائل. بكلام كالمدام، يحير العقول والأوهام. يسكر سرا وجهرا، ويطرب مما يسحر، وإن من البيان لسحرا. يردد محاسن معارف ويرويها، وينشر فضائل عوارف ويطويها. تزهى بماء الجوانح والضلوع، ويعبق من مطاويها الفضل ويضوع. قد جمعت لحسن رأي، وأتت بعد لأي. وطفت زفرة شوق لاعج، وضجره توق هايج. وهي:
أما بعد حمد الله سبحانه على سوابغ نعمه وفضله، وشكره على
ذوارف إحسانه وطوله، والصلاة والسلام الاتمين الاشملين على حجته على خليقته، وخيرته من بريته، وعلى الميامين الأطهار من عترته، والطيبين الأخيار من صحابته.
فنهدي من التحيات الزكية ما يبسم بالبشر ثغوره، ويسطع في أفق المجد نوره. ونتحف من البركات النامية ما يتحلى بحلي الفضائل نحوره، ويشرح بصدق الوداد صدوره. إلى سامي جناب اللوذعي الامجد، واليلمعي الأرشد. الممتطي من المجد صهوة كل صعب وذلول. والمختطي من الفضائل بأوفر الحظ في الحزون والسهول. العاطس من الأنفة بأنف شامخ، والقائم من الشرف على قدم راسخ. صاحب الخلال المرضية، والملكات الملكية، ذي النورين الحجا والأدب، والمجدين العلم والحسب.
سليل الأرومة العمرية، وغرة العصابة الفاروقية، أعز الإخوان، وأكرم الخلان. الغاني بصفته عن تسميته. لا زال لعين العلم قرة، ولجبهة المجد والكرم غرة.
ثم إنا نعرب تارة أخرى عن الشوق المناجي، والغرام اللزام المداجي. متمثلين بأبيات الأمير الصنهاجي:
ليت شعري بأي أرض أقاموافعليهم من المحب السلام
لو تقضيت بعض شوقي وتوقينفد الحظ دونه والكلام
غير أني كتمته وهو بادمثلما تكتم البروق الغمام
كلما صنته اكتتاماً بقلبيشف عن محض سره الاكتتام
فهو كالراح في الزجاج وهل يخفى على اللحظ في الزجاج المرام لك مني محبة الطبع والفطرة والطبع ليس فيه الضرام
ثم إنه أن تفضل الجناب السامي، بالفحص عن جلية حال المحب الظامي فنحمد إليك الباري عز شأنه، وعظم سلطانه.
على أن غصن الحياة غض وريق. وروض الوجود بماء النماء مباكر أنيق. مراعين لما تمهد من مؤكدات الوداد، موفين حق ما توطد من الحب والاتحاد. بحيث أنا لم نحل ولا نحول عن العهد وان حالت الدراري عن محارها، ولم نزل ولا نزول وان زالت الرواسي عن مقارها. وحسبي في ذلك علمك وضميرك شاهدين لا تجرح عدالتهما، ولا تخشى جهالتهما. وبينما نحن مشرئبون إلى حقيقة أحوالكم، نستنطق المعربة والعجماء في سؤالكم. إذ ورد الكتاب النامي، والمشرف السامي. فكان شأنه كما قال حبيب بن اوس الطائي في حبيبه المتنائي.
لقد جلّى كتابك كل بثرمى فأصاب شاكلة الرميّ
فضضت ختامه فتبلجت ليغرائبه عن الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندىعلى كبدي من الزهر الجني
وأحسن موقعاً مني وعنديمن البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره ما لم تضمنصدور الغانيات من الحلي
فكائن فيه من معنى لطيفوكائن فيه من لفظ بهي
فيا ثلج الفؤاد وكان رصفاويا شبعي برونقه ورييّ
فابتدرت إليه كما يتعاطى الكتاب المرقوم، وفضضته كما يفض الكتاب المختوم، فتضوع منه ارج المحبة والولاء، ما أحيا ميت الأحياء. فكان مشتملا من النظم على ما يشابه العذب الزلال، ومن النثر على ما يشاكه السحر الحلال. نظم كاللؤلؤ والطف، ونثر كالمنثور وأترف. نعم: وبلاغة تخرس الفصحاء. وفصاحة تبكم السن البلغاء. ولعمري أنه كان أحلى في المذاق من خطب ابن نباتة ومنشآته، وأغلى من برود حاكتها أقلام الحريري في مقاماته. وأهز لأعطاف الانس من مستملحات الأعشى في خمرياته. وأحلى من زواهر أبي الطيب في بدرياته. فاستفدت منه للناظر نورا، وللقلب بهجة وسرورا.
فكان الماء للغليل، والشفاء للعليل فأصبح لله دره انفس طالع، وأحن متطلع وأحسن واقع، وأجل متوقع. فلم أزل أكرره وأطويه وأنشره، أحاديث نجد لا تمل بتكرار. حتى استوفيت منه الحظ
الأوفى، ونلت القسط الأوفر الاسنى. ثم أنك أعربت عن صفاء ودادك، ونصوع اعتقادك. فما أخبرت إلا عما جزم به لبي، وشهد عليه خلبي وقلبي. وما أراك زادك الله إحسانا، إلا أنك حصلت حاصلا ونبهت يقظانا. وقد شكوت ألم الفراق، وبثثت كامن الأشواق فكأنما أعربت عن قلبي، وتلوت آية الحب من قرآن صدري. ولكن ما الحيلة يا ابن أبي، إذ شكوت إلى من هو أشكى منك، وتوجعت إلى من هو اشد توجعا منك. فلله أنت لعمر أبيك من شائق مشوق، ووامق موموق. ومع ذلك فلست بأشوق مني إليك، ولا بأوجد وأحنى مني عليك. وما أراني إلا كما يقول أبو الطيب المتنبي:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلبوأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
نسأل الله سبحانه من عميم فضله، وشامل لطفه وطوله، أن يزيح غياهب الفراق، ويبرد بسلسال التلاق غلة الأشواق. ويسهل منه للوصال سبيلا ليس فيه مطمع. ويجعل للوصال ذريعة لا تتوقع.
إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.
ثم لا يخفى على الرأي الشريف. أن المحب منذ مدة اعترته بعض العوارض الجسمانية علاوة على ما تعهدون من تراكم العوائق، وتزاحم الموانع. فكان داعيا إلى تأخير جواب المشرفة الكريمة،
حتى حصل بعض الابلال والانتعاش ببركة توجهاتكم المتيمنة، وأمكنت النهزة، وحصلت الفرصة. لا لتنميق هذه الحروف.
فلا زلتم في فضل من الرحمن واف. ومن سوابغ آلائه في طول ضاف. فإنه المأمول لكل فضل وخير. والمعد لكل واقعة وضير.
فلما اطلعت على مضمون الكتاب ووقفت على غرابة الجواب، وتفكرت في رقيق معانيه المطوية، ووصلت إلى أنيق مبانيه البهية، وقد أصبح في الأدب عاقد كتائب، وقائد جنائب، راجعته وأنا معترف بفضله الغزير، وإن اللسان في مدحه لقصير، بقولي:
أغرة وجه الدهر يا أوحد العصروأكمل أهل الفضل والنظم والنثر
ومن فاق سحباناً وقساً فصاحةومن هو أبهى في الرياض من الزهر
نثرت عقوداً كاللآلي وإنماهي الدر فاقت في سناها على البدر
وضمنت أعجاز الصدور بمعجزووشحت صدر العجز في مثمن الدر
وأوقعت في تلك الرياض محاسناًرقيقة معنى في التخيل كالسحر
أدرت سلافاً في البلاغة سامياوكللت هامات الفصاحة بالقطر
ملكت عنان النظم والنثر جملةفأنت مليك الفضل يا طيب النشر
قدحت زناداً للفضائل مورياًوأظهرت فضلا قد يجل عن الحصر
فمعذرة مني إليك فإننيمن العجز والتقصير أنسب للفخر
فلا زلت في أوج الكمال مبجلامحجاً لأهل العلم مستودع السر
ولا برحت آيات أبياتك التيتسامت وأبيات الأعادي على الكسر
فدمت وحيداً في الفضائل مفرداًوأهلا لمن وافى ركابك بالشعر
أهدي من التحيات ما يعطر الصبا بطيب نفحه العاطر، وينعش العليل سلسبيل نمائه المتقاطر. إلى كعبة الفضائل ومقام الأرب، التي التزمت الرواة مديحها فحبذا ذاك الالتزام لمديح ذلك النسب.
مشكاة العلم والكمال، ومصباح المعارف والافضال. بدر المجد الذي اتخذ من الكمال هالة، فأنار بأنواع الأدب على كل حالة.
وهو كف الندى ووكف الكرم. وسحاب سماء الفصاحة وغيث الحكم. فريد فضل ومعارف، ووحيد ذات ولطائف. تشعبت مكارمه أنهارا، وسقت رياض الأدب فأثمرت أنجما وأقمارا.
فهو السيد الذي جبلت طينته بماء السيادة، وغرست نبعته في
ساحة الشرف والسعادة. المنتمي لأشرف القبائل من الأمم، وهل يخفى البدر المنير في حالك الظلم، أو هل يخفى النار على علم.
حرس الله تلك الذات، وحباها بأنواع المسرات، وجعل بدرها بأنواع المكارم مشرقا، وغصن حياته بأصناف الكمال مورقا.
ما لفظت الأقلام، بديع النظام، مدى الشهور والأعوام.
ثم المعروض إليك، أسبغ الله نعمه عليك. أن المخلص بينما هو متطلع لإشراق بدر ذلك المطلع المنير، ومتشوق إلى هطل سحاب ذلك الجناب المطير. إذ بزغت شمس ذلك السماء فأنارت وأضاءت المعالم بأنوارها حيث دارت، وهب عرف ذلك الكتاب وطاب، وأتى بأنواع المسرات من لذيذ الخطاب. فيا له من در منظوم ورحيق مختوم. اذا نظرت الى رياضه الرائقة، وأساليبه الفائقة، علمت أنه بحر عجاج، متلاطم الأمواج. قد قذف الدر على الساحل، وأتى المتأخر بما لم تستطعه الأوائل. فإذا تفكرت في نسجه ونظامه، خلت أن الدر يزهو في أكمامه. فلله در طبعه الشريف. إذ هو لأنواع الفضائل رديف. فلعمري هو المقدم وغيره التالي، وجنابه أوج البلاغة وسماء المعالي لواردت لها القياس خشيت أن يكون مع الفارق، فكيف لا وهو نتيجة المغارب والمشارق.
فلا يخطر ببال مليك الادب، وحجة لسان العجم والعرب، ان المخلص ممن تصدى للجواب، وانسلك بسمط أهل هذا
الباب. بل كنتم قد ذيلتم الكتاب المنيف، بطلب حاشية الفرائض الواقعة على السيد الشريف. لتكميل ما نقص منها عند بعض أصدقائكم، ولتعيدوها تارة أخرى. فرأينا المناسب أن ننسخها ونرسلها إلى حضرتكم عسى أن تكون بالقبول أليق وأحرى.
فكان كما رمنا. فأرسلناها مع هذه العريضة. وليعلم المولى أنه مذكور في كل فريضة.
ثم لما اشتكيت من البعد طولا، ولم أحصل من المشوق الملم سولا، وأبصرت للجوى امتدادا، ولم أر للقاء ميعادا. ولدي شوق يطير إليه مطارا، ولا يرى دون فنائه استقرارا. ولم أجد من برحائه إلا غليلا، ولم أر للقائه طريقة وسبيلا.
كتبت إليه كتابا ينبئ عن الجوى، ويخبر عن النوى. وهو:
ركائب أسما بالحطيم وزمزمتكلم قلب المستهام المتيم
وحي لها حيى الحياء كأنهصحائف نور تحت وشي وعندم
سقاني سلاف الوجد ربع تهامةونجد وسلع والعقيق وجرثم
بها هام قلبي لا بدعد وزينبوفيها غرامي لا بهند ومريم
أيا ربة الإحسان والحسن والبهاسلوت وطرفي مازج الدمع بالدم
أما ترحمين الصب قد صب أدمعاعلى صحن خد مسجما بعد مسجم
أبى الحب أن أهوى سواكم وكلماتذكرتكم حنت ضلوعي وأعظمي
جلبت إلى طرفي السقام وطالماجلبت الهوى لكن على غير مجرم
أبيت لكي أحيا بطرف خيالهاوأرقد ولهاناً لعهد التنعم
ولست قحوماً حيث لم أدرك العلاولا أنا ممن سالم الناس للفم
أطارحها خير الكلام لتنثنيتطارحني ارم الزحام بأعجمي
فإني باهمام لفرط صبابتيتلجلج نطقي للحديث المنمنم
أميل لكتمان الهيام كواتنويفضحني وجدي كسجم ولوم
فاذكر أوقاتا مضت بربوعهاوأندب ما قد مر منها بسمسم
فلم أنثن عنها لبعدي وطالماأحاول وصلا كان كالعظم والدم
فو الله ما أسلو هواها ولم أملإلى منجد غير الأديب المعظم
كريم له جل المكارم ثابت
سريع لنيل المجد أكرم هيظمله جل أخلاق تعاظم قدرها
فما حاتم في الجود من قبل فاعلمهمام وحبر ماجد ذو مآثر
تبسم عن فضل ومجد مسلمغمام يسح الجود في كل وجهة
ووبل سقى روض الكمال المنعمأديب جليل فاضل متفضل
إلى فضله كل الفضائل تنتميتراه كبحر إن تيممت نحوه
حوى كرم التكريم دون التكرمبأبهج ملقى عند بذل وجوده
وأحسن وجه مزهر بالتبسمفيا فاضلا أضحت مفاخر فضله
يفاخر فيها بين عبس وجرهمأسأت بتقصيري وما كنت جاهلا
ولا أنا ممن باع وداً بدرهمفأي أياد تختفي ووسامها
على جبهة الدنيا كغرة أدهمولكنما التقصير خوف إطالة
وما أنا إن أطنبت فيك بمجرم
ولولا أياديك التي سلفت لنالكان عسيراً في سواك تكلمي
فلا زلت في أمن ومجد ورفعةلا كسب فخراً من قريضي المنظم
مولاي: أما القرطاس فكالأشواق تأجج ضرامها، وتبلج غرامها، وكاد أن يكون عذابها اليم. لما فاح إلي شذاكم، وما بعد العشية من شميم، فانتشق مجمر الطبع عنبرا وندا. ونثر قضيب اليراع على غدير الطروس أقاحا ووردا. وعرض الأشواق بما هو يقتضي البعاد، والحر لا يستعبد بغير الوداد. وإلا فشوقي إليك كثير وهيامي فيك لا يقبل النظير. ومع هذا فلا ينكر من الطبائع جمودها، ومن نيران الذكاء خمودها. ولسان التقصير كما قيل قصير. وكيف لا والفصاحة لا تقدم غير ناديك، والفضائل لا تدفق إلا من أياديك.
ومن تكلف فوق ما هو عليه، افتضح بما اكتسبته يديه. فالله يبقيك، ومن كل سوء يقيك.
ولما كان له علي حق مشهور، وكرم مدى الدهور مذكور، وامتدت أيام البعاد، وكاد أن ينقطع حبل الاتحاد، جددت عقود الصحبة، بكتاب يخبر عن الكمد، والشوق الذي هو كائن في الخلد. وهو:
الجيرة أخذت فؤادي بالمسيربالند فاح نسيمها أم بالعبير
أم تلك أسما قد سمت فضياؤهاللشمس يخجل في السناء وللبدور
أم لحظها كمهند وجبينهاكالصبح ضاء بلعلع أم في الثغور
فتقاعست تلك الديار وأهلهابالرقمتين منازل في روض نور
فغدوت اكشف عن أثافي ربعهمقفر المراقب لم أجد غير النسور
رحلت وقد وعدت بنيل وصالهافأنا على تلك العهود إلى الظهور
فإلى متى أنا في الكآبة والعناوالى متى ذا البعد من ريم الخدور
هجرت وأودت بالبعاد وأوقدتوسط الفؤاد تلهبا وقد الهجير
ومنها في التخلص:
أو أن أوادد من سواها في الورىإلا الذي قد ساد في كل الأمور
الواحد السامي الذي من قد غدابالفرد يعرف بالورى لا بالنظير
عين الفضائل والفواضل والندىبحر المعارف منبع العلم الغزير
وبل سقى روض الكمال وأندى أغصان النوال وديمة الجود المطير
خال يسح ولا يشح بجودهفمذاقه في الورد كالعذب النمير
ومنها:
غيث تساقط فضله بمكارمفرياضه تزهو بساجعة الهدير
كم من غدير فضائل في كفهبالكف تسمع صوت خاشعة الخرير
ومنها:
فهو الذي قد فاق من في عصرهحتى الأوائل وهو في الزمن الأخير
واها لأيام مضت في قربهفي القلب يوقد نارها أم في الضمير
لا زال بالنعماء يسمو والعلاينمو على مر الأهلة والدهور
ما رنحت ريح الصبا بنسيمهاوتعطرت دمن الفلاة إلى النشور
سيدي: شوقي إليك لا يحكيه كتاب، ولا يستوفيه خطاب، ولا يمليه قلم، ولا تستمليه حكم. إن قلت أنا في الهيام عذري أو عامري، فما للرقاد لم يألف عيني ولم يأتلف بناظري.
إن قيل من واحد في الشوق ذو ولهلاستعجلت عبرتي حتى أقول أنا
فكيف لا أتواجد عليك، وعين الكمال جارية لديك، وكيف لا أحن إليك ومنابع الفضائل تدفق بين يديك. بل كيف لا أهيم فيك، والدراري تتناثر من فيك. أنت أوحد الزمان بالحسب والكمال، ومفرد الأوان بالرقب والنوال. أما أياديك فلم تزل رائقة راقية، وأما معاليك فهي من أجدادك معجزة باقية.
وأرى الفصاحة جلها وقليلهافي راحتيك وفي يديك وفيك
إن قلت أنت بديع زمانه فما للبيان يتدفق من أياديك، وألوية البلاغة والبراعة قد انعقدت في أعلام ناديك. أو قلت أنت البدر المنير الزاهر فما لشمس الفصاحة بازغة من مطلع ذلك الجناب الفاخر.
إذا ورد الشتاء فأنت شمسوإن ورد المصيف فأنت ظل
صرف الله الصروف عن أنديتك وحماها، وآمن حريمها من الاغيار وحماها. وكيف لا ألتزم الدعاء على الدوام، وأنت كعبة لمطاف الخاص والعام.
وما علمت لساني كلَّ عن صفةولا علمتك إلا فوق ما أصف
وكيف لا وطبعك قد جبل بماء الأدب والكمال، ولسانك هو
الآية الكبرى في نظم العقود واللآل.
وكيف لا وأبو الافضال أنت ومنفاق الانام بسامي البذل والكرم
في الله ما أعلاك، وفي المذاق ما أحلاك، فما السيد السند إلا مثلك شريف، والعلامة الثاني بالنسبة إليك ظريف. وأبو الطيب والبديع أشعة مطلع ذلك الأفق المريع، فعليك يا ابن بنت رسول الله تعقد الخناصر. وأنت سراج محافل الأوائل والاواخر، فلا زلت تسحب ذيل المعارف والإجلال، ما تعاقبت الأيام والليال، ولا برحت كعبة علم ونوال، ما طفقت بحور النظم بنقس اللآل.
ثم لما طال البعد وامتد، وطريق الوصول إلى ناديه منسد. وقد كثر الصدود، على خله الودود. وبلغت البعاد مداها، ووصلت الأشواق إلى منتهاها، وظهرت إمارات الانقطاع على غير مقتضاها فتيامنت ناديه، لاستقطار ماء الحياة من مزنة أياديه. فأرسلت إليه هذه الأرجوزة، والمنظومة السابغة الوجيزة. وهي:
نهدي سلاماً طيب الأنفاسيحكي ضياء البدر والنبراس
معنبراً ممسكاً مطيبامكللا مهذباً مذهبا
محفوفة أطراقة بالزهرمنقطاً مطوقاً بالدر
قد صافحته بلة الغمامما بين روض مسفر اللثام
فهو الكمال والمعالي والمنىوالأمن واليمن وأيام الهنا
لكعبة الفضل بلا اشتباهالفاضل المجيد عبد الله
سلالة الرسول طه المصطفى«وآله المستكملين الشرفا»
منابع العلوم والمعاليمعادن السماح والنوال
فهو إمام الفضل والكياسةوصاحب الكمال والرياسة
ونخبة النخبة في فن الأدبوزبدة الزبدة حبر منتخب
إن قام يعلو منبر الفصاحةخطيبها المعروف بالسماحة
أو أن رقت أنمله أقلامهفالواحد الفرد العلا العلامه
حبر الورى بالفضل قد تتوجاممجدا مطوقا مدمجا
فهو مناه ومنى مناهوالفضل فيه لا إلى سواه
ضياؤه المشرق بدر التموحقه بالبدر أن تسمي
وفضله ينمو على فضل السحبومجده أورق أغصان القضب
فواضل له إلينا عايده«فالله بر والأيادي شاهده»
وكم له من نعم مفصلهكأنه بالرزق قد تكفلا
وكم له من الأيادي والكرم«ومن يشابه أبه فما ظلم»
يا حبذا من ضيغم ومن أسدوحبذا من والد ومن ولد
فهو الذي رقى المعالي والكرميعطي إلى السيف مناه والقلم
سام العلا وجاءها صبيابفضله من مهده مهديا
فانزل حماه واطلب العطاياواستمطر الجود إلى الركايا
ومنها:
وإن أقل ما فيه من جميلمن جمل تغني عن التفصيل
اطلب فيها البحر للمدادوالجود يعلوها مع الأيادي
هذا وما يحتاج للإطالةوالبدر قد يعرف لا محالة
وكيف لا وأنت في ذا الجيلملكت للافضال والتفضيل
فدم بعز ثابت الأصولوكن بسعد لازم الحصول
وبعد يا ذا الفضل والأياديمن عرض شوق ملأ البوادي
أتى الكتاب يا إمام العصريا واحد الفخر وكل الفخر
لثمته في طلب الإجلالفانتثرت بفضه اللآلي
فارتدت الأعين منه مبصرهلكونه من الكرام البرره
ومنها لكون كتابه كان مصحوبا مع هدية.
أكرم بها من صلة وعايدهلكونها على الأيادي زائدة
نعم الكتاب بالمعاني الباهرهوما حواه من فصول زاهره
قد نظمته رقة المعانييغني عن الطنبور والمغاني
كواكب قد جمعت كما وقعكأنما البدر عليها قد طلع
فكم وكم قد نظمت لحسنابن النباتي عليها يثني
حكمت سيف الفضل في الرقابوحزت كل الفضل كالسحاب
وشيتها كصنعة الحريروفقت فيها ابن اوس والحريري
وكيف لا وأنت ابن الفخروالسر في الأبناء سر يسري
ومنها:
وأن تجد بالعام في رسالةتغني عن البدور والغزالة
وإنما الكتاب بعد الياسيقابل الروح مع الأنفاس
فدم بعز وبسعد تاليتحاول الكمال والمعالي
ما رنحت بوشيها الأقلاممحبر الأوراق والسلام
ولما كان هذا السيد كما ذكرنا كاتب الإنشاء بمدينة بغداد، وقد ملأ بسوانح معارفه هذه الأقطار والبلاد. وساد بكتابته أهل الفضائل. حتى طوى ذكر العماد، وأنسى بمنشآته القاضي الفاضل فلنذكر نبذة من منشآته التي تروق، وعلى أمثالها من المراسلات تزهو وتفوق.
منها ما كتبه من طرف والي بغداد دار السلام ذلك الوزير الضرغام حامي العباد، قامع آثار الفساد، الوزير الخطير، والوكيل المطلق المشير، نتيجة الوكلاء، فريدة الوزراء، صاحب البأس القامع، والمجد الجامع، والعطاء الواسع والبذل والنوال، والجود والكمال، الجليل الشأن، زبدة وزراء آل عثمان، حضرة الأكرم الأفخم الأعظم سليمان باشا، يسر الله له ما يشا،
إلى شريف مكة وحامي البيت، الذي لم يدخله عسى وليت.
نتيجة السلف الأكارم، وخلاصة الخلف الأعاظم سيف السعد المسلول، الذي لم يعتره فلول. الفريد الواحد، حضرة الشريف مساعد تهنئة له في الشرافة، وتبريكا له على هذه الانافة. وتعزية له بالشريف المفقود والظريف المحمود، المرحوم المغفور الشريف مسعود. وقد جمع بين التعزية والهناء، وأتى بما يبهر ألسن الفصحاء، فأغرب، وبكل الوجوه أعجب وهي:
غب تحيات مترادفة السعود، تغادي ريح الصبا وتراوحه، وغرر دعوات متواصفة العقود، تصابح زهر الربى وتصافحه.
وبدائع تسليمات تبدو لوامع المودة من سنا أنوارها، وتنساب جداول الإخلاص في رياض أزهارها. يخص بها سامي فرع الشجرة المباركة الزكية، غرة الناصية الحسنية قطب الدائرة العلية العلوية. خلاصة السلسلة البهية النبوية، سلالة العصابة الكريمة المصطفوية، نقاوة السادة الميامين الهاشمية جمال الأشراف الاماجد الفاطمية، ذي الحسب الظاهر، والنسب الطاهر حائز القدح المعلى في حلبة المفاخر والمحامد، أعني به الشريف مساعد، أجد الله تعالى ميامن شرفه وسعده، وأعاد على الإسلام والمسلمين بركات أبيه وجده.
وبعد فالذي ينهى إلى سامي، جنابه الكريم النامي، هو أنه بمقتضى ما ثبت من طريف الإخلاص وتليده، ورسخ من موروث الوداد وجديده، لم نبرح مترقبين الأخبار السارة الشريفة الشريفية. ونستنشق فوائح الفتوحات المكية، إذ ورد صحبة الحاج أحمد بن علي البغدادي كتاب كريم، أبهى من عقد الدر النظيم وأزهى من قطاف الروض الوسيم. فاجتنينا من أفنانه رطبا جنيا، واقتطفنا من روضه زهراً جنياً. وكان مما لوح في مطاويه، حسب ما كان قرع المسامع من روائع فحاويه، انه سبحانه قضى في النفس المسعودة الزكية، بما هو حكمه في كافة البرية فلبت داعي الله راضية مرضية، دارجة إلى دار الكرامة العلية.
وجبر الله جل ثناؤه تلك الرزية، بأن سد مكانه بالذات الكريمة السنية، على نحو قول القائل.
نجوم سماء كلما غاب كوكببدا كوكب تأوي إليه كواكبه
فنحن في ذلك في كيفية ممتزجة في أحزان ونشاط، متوسطة بين انقباض وانبساط كما قال من قال:
فالعين باكية والسن ضاحكةفنحن في مأتم منها وفي عرس
ولعمر أبيك، لولا أن الله، عم نواله، سد ثلمة المصاب، وخلة الاكتئاب، بالجناب الأمجد النقاب، والبحر الغطمطم
العباب، أطال الله بقاه، وحفظ على الدين والدنيا شرفه وسناه، لعظم الخطب في النعي، وفقد ذلك الشاب المضي. غير أن النعمة بحمد الله تعالى فيما بقي ضافية اللباس، نامية الغراس. فروح الله روح الماضي، وجعل هذا الخلف الباقي، وصيّر التعزية بعده له لا به، والخلف عليه لا منه، والعوض فيه لا عنه، وألهمه فيما عراه راحة الصبر. وبارك له فيما أولاه، وعرفه فاتحة السعد والنصر. وأيد معاقد العز والشرف بوجوده، وشيد أركان السعود ببره وجوده.
هذا وكان من جملة ما احتوت عليه صحيفة التواد، التوصية على الرجل المذكور من أهل بغداد. فحيث أن الأمجد الأرفع هو الشفيع وابن الشفيع المشفع، المحكم في المال، المساعف في مساعدة الآمال، ساعدنا الرجل المذكور تكرمة للخاطر العاطر وانلناه ما كان يتمناه. ولأجل تهنية المقام الأسنى، وتيريك الرتبة السنية الحسنى، نظمنا كتاب المحبة والتواد، في سلك الإخلاص والاتحاد، فحين الوصول بعون الله سبحانه والاطلاع، على ما تحويه الحشى والاضلاع، من خالص المودة وصادق الصداقة والمحبة، فالمرجو المؤمل، ذكر المحب في تضاعيف الدعوات المستجابة في تلك المعاهد المباركة، والتشمير عن ساعد الهمة في أخبار عافيتكم السارة والأنباء الشريفة المبهجة الدارة. ولا زال بيت عزكم حرما آمنا لكل مستجير عائذ. وحرم شرفكم مسعى يطوف به كل مستظل وعائذ.
وقد جمع هذا السيد المعروف بالبسالة فيما ذكره ووشاه في هذه الرسالة، بين التهنية والتعزية، وتفنن في أحسن أنواع الافتنان.
إلا أن أهل البديع، قرروا في نوع الافتنان أن الجمع بين التهنية والتعزية في النظم اصعب مسلكا لشدة التناقض بينهما. واستشهدوا عليه بقول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية، لما دفن أباه وجلس للتعزية قوله:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةواشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الإسلام نعلمهكما رزئت ولا عقبى كعقباكا
وقال زكي الدين عبد العظيم بن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير: أحسن شعر افتن فيه صاحبه بالجمع بين التهنية والتعزية قول أبي نواس لأبي العباس الفضل بن الربيع يعزيه بالرشيد
ويهنيه بالأمين:
تعز أبا العباس عن خير هالكبأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفهافهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرىفلا أنت مغبون ولا أنت غابن
ولقد أتى ابن نباتة بالبدائع التي ما سبقه أحد إليها، في تعزية الملك المؤيد، صاحب حماه، وتهنية ولده الأفضل بالسلطنة بعد أبيه وهي:
هناء محا ذاك العزاء المقدمافما عبس المحزون حتى تبسما
ثغور ابتسام في ثغور مدامعشبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما
فردّ مجاري الدمع والبشر واضحكوابل غيث في ضحى الشمس قد سما
سقى الغيث منا تربة الملك الذيعهدنا سجاياه أبر واكرما
ودامت يد النعما على الملك الذيتدانت به الدنيا وعزّ به الحمى
مليكان هذا قد هوى لضريحهبرغمي وهذا للأسرّة قدما
ودوحة أصل شادوي تكافأتفغصن ذوى منها وآخر قد نما
فقدنا لأنماق البرية مالكاوشمنا لأنواع الجميل متمما
كأن ديار الملك غاب إذا انقضىله ضيغم أنشأ له الدهر ضيغما
كأن عماد الدين غير مقوضوقد قمت يا أزكى الأنام وأحزما
فإن يك من أيوب نجم قد انقضىفقد اطلعت أوصافك الغر أنجما
وإن تك أيام المؤيد قد خلتفقد جددت علياك وقتاً وموسما
هو الغيث ولى بالهناء مشبعاوابقاك بحراً بالمواهب منعما
وكانت وفاة الملك المؤيد في شهر محرم الحرام فقال ولم نخرج عما فيه:
بل انبسطت فيها التهاني وأنشأتربيع الهنا حتى نسينا المحرما
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع