من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
فصل (٣)
وله من قصيدة، أولها:
من لقلبٍ ما بينَ سمرٍ وبيضِمن قوامٍ لدنٍ وطرفٍ مريضِ
ما لمن صادمَ الهوى من نصيرٍفإليه إذا سطَا تفويضي
زارني في الدُّجى فكان كبدرِ التِّمِّ قد لاحَ في الليالي البيضِ
شادنٌ لو يقابل الشَّمسَ والبدرَ لكانا في رتبةِ المستفيضِ
سلبَ العقلَ والفؤادَ وخلاَّني لهجرانهِ الطويلِ العريضِ
فنهاري نهارُ منتظرٍ فيهِ وليلي لا ذقتَ ليل المريضِ
ومن أخرى، أولها:
جادَ من بعدِ بعدهِ بالتَّلاقيودنا شائقٌ إلى مشتاقِ
رشأٌ طالَ ما أذابَ فؤاديبسعيرِ النَّوى وحرِّ الفراقِ
لم نزل نحسب الغرامَ مِزاحاًفرأينا مصارِعَ العشَّاقِ
كنت أشكو الجفا وأخشى صدوداًفرأيت البِعادَ مرَّ المذاقِ
كلُّ مرٍّ لدى المذاقِ مطاقٌوأرى الصَّبرَ عنك غير مطاقِ
من لقلبٍ لم يُلفَى إلا جريحاًبسهامِ الجفونِ والأحداقِ
يا لهذا الفؤادِ لم ينجُ يوماًمن وثاقٍ إلا غدا في وثاقِ
هكذا من له الصَّبابةُ داءٌليس يرجو النجاةَ مما يلاقي
وله:
على مَ تفتِكُ في العشَّاقِ بالمقلِأما تخاف على الهنديِّ من فللِ
لقد أبحتَ دمي يا من كلِفتُ بهِفأصبَحتْ كلماتي فيه كالمثلِ
يا من إذا ما لسهمِ اللَّحظِ أغرَضَأيقنتُ وِجدانَ قومٍ من بني ثُعَلِ
بنو ثعل: قبيلة فيهم رماة، يضرب المثل بجودة رميهم.
قال امرؤُ القيس:
ربَّ رامٍ من بني ثعَلٍمخرجٍ كفَّيهِ من سترِهْ
فهو لا يخطي رميَّتهما لم لا عدَّ من نفرِهْ
يقال في الدعاء على الإنسان: لا عدَّ من نفره، ويراد به التعجب.
شمائلٌ لكَ عاطتني الشَّمولَ فمَابرِحت بين سكرانٍ إلى ثملِ
آهاً على زمنٍ كان الرَّقيبُ بهِصِفرَ الأكفِّ من التَّعنيفِ والعذَلِ
هلاَّ تُعيدُ زماناً كنت طَوعَ يديفيه وصدريَ ملآنٌ من الأملِ
وله:
لحَى الله فِعلَ الغانياتِ إذا دهتْفؤاداً لأبناء الصَّبابةِ أو عقْلا
ولا سلِّطتْ يوماً على قلبِ عاشقٍعيونٌ ترى في ظلم عاشِقها عدلا
يُرينك عينَ الودِّ والوجدِ نظرةًويُخرجنَ جِدَّ الوجدِ للقلبِ والهزَلا
فحتى إذا شبهت بنارِ جوانحٍوأيقن بالمطروحِ من أرسلَ النَّبْلا
غدرنَ فلا يرعين للصَّبِّ ذمَّةًوأغضينَ عنه في الهوى الأعينَ النُّجْلا
نوافر منها لم تفزْ شِقوةً سوىبوعدٍ رأينا في جوانبه المَطْلا
وله من قصيدة، مستهلها:
تُرجَّى الأماني ل أماني المتيَّمِوترقا دموعٌ غيرُ أدمعِ مغرمِ
بذا بيننا يقضي الغرامُ كما بنالحكمِ الهوى في الحبِّ من متظلِّمِ
متى لم يصبْ لذَّاتِها طالبٌ أتىبقلبٍ سليمٍ أم بطرفٍ مُهوِّمِ
بحيثُ أبثُّ الوجدَ ليلةَ لم يكنْلديَّ سوى زهر النُّجوم بمحرَمِ
أُعدَّد فيها كوكباً بعد كوكبٍوأرقبُ فيها أنجماً إثر أنجمِ
فلم يك غير الطَّرفِ لي من مسامرٍولم أرَ غير الدَّمعِ لي من مترجِمِ
عدِمنا الهوى يُردي العميدَ ولم يصلْبعضبٍ سوى لحظِ الحسانِ وأسهمِ
حَوينا قلوباً من دعاها لراحةٍعصَته ولبَّت من دعاها لمؤلمِ
أضلَّت فلم تسكن بصدر مُتيَّمٍإذا لم يلوَّع من وُشاةٍ ولُوَّمِ
وريمٍ أبى إلا نِفاراً فمذ رأىعلى الصَّيْدِ صيَّاداً غدا غير مقدِمِ
يلاحظني والسِّحر ملءُ جفونِهيقود إليه القلبَ قودَ مسلِّمِ
يرنِّحهُ سكرُ الدَّلالِ فينثنيكما عطفتْ غصناً صباً في تنسُّمِ
فإن زار وهناً والأماني تَعِلَّةٌترى البدر وافى فوق غصنٍ منعَّمِ
بخدٍ سقاهُ وابل الخزِّ والحياسلافةَ خمرٍ أو عصارةَ عَنْدَمِ
ومن غزلياته وغرره قوله، من نبوية مطلعها:
نأى والأماني الكاذباتُ به تدنوبديعُ جمالٍ من محاسنه الحسنُ
هو البدرُ لا تنكر عليه بعادَهُتراه قريباً والبِعادُ له شأنُ
أطال عليَّ الهجرَ حتى لطولِهتعلَّم منه هجرَ صاحبه الجفنُ
وعرَّفني الأحزانَ حتى ألفتُهافمن أجله عندي السُّرورُ هو الحزنُ
رشاً طلعت شمسُ البَها من جبينِهوماسَ بها من قدِّه غصنٌ لدنُ
فديتك ما هذا التنائي فلستُ منيُطيق بأن تشتاقك العينُ والأذنُ
بَعُدتَ ولكن لا عن القلبِ والرَّجاإذا لم يَشُبْهُ الياسُ كان له المنُّ
أظنُّك تدنو والليالي ضنينةٌبقربِك لكن ربَّما صدق الظَّنُّ
فيا مسرفاً في هجره أنت يوسفٌإذا غاب فالدُّنيا ليعقوبِه سِجنُ
سقى الله عهدً للشَّبيبةِ ماضياًولا برحَتْ تنْهَلُّ في رَبعِها المُزْنُ
وحيِّي ربوعَ اللَّهوِ والوجدِ والصِّباسحابُ رضاً أنواؤها اللُّطفُ واليمنُ
معاهدُ وجدٍ باكرتْ روضَها الصَّبافصافحَ إذ مرتْ به الغصنَ الغصنُ
قطفتُ بها اللَّذَّاتِ مع كلِّ شادنٍسقامِي بعينيه إذا ما ايرْنوُ
له في البَها تُعْزى المحاسنُ كلُّهاكما لرسولِ اللهِ كلٌّ بها يعنُو
ومن مقاطيعه ونتفه، قوله:
وكنت أقولُ إنكَ في فؤاديلو أنَّ القلبَ بعدك كان عندي
سِوى عن ناظرِي ما غبتَ يوماًفذكرُكَ غالبَ الأوقاتِ وِردي
وقوله:
هل ترجعُ أيامي بنادِي الواديتالله فقد عدَدْتُها أعيادي
أيامَ يضمُّ شملنا مُنتزهٌبالغوطةِ لا فقدتُ ذاكَ النَّادِي
وقوله:
ما جاءَ الليلُ أو أضاءَ الفجرُإلا وذكرتُ عيشنا يا بدرُ
لهفي لزمانٍ عِيشةٌ راضيةٌقد منَّ بها على يديكَ الدَّهرُ
وقوله:
ومُعذرٍ صفحاتُ وجنتهِكالشمسِ في حلَكٍ من الدَّمسِ
حيَّى فخلتُ الشمسَ قد طلعتليلاً لِما شاهدتُ من أُنْسي
فعجبتُ من شمسٍ بدتْ لِدُجًىوبقيتُ فيه مُراجعاً نفسي
فغدا يقولُ أذاك من عجبٍأعجب لهذا الأمرِ بالعكسِ
فانظر لمعجزةِ العِذارِ بدافي وجنتي كاللَّيلِ في الشمسِ
ومما ينسب إليه قوله:
ومَهاةٍ قد راعتِ العودَ حتىعاد بعد الجِماحِ وهو ذليلُ
خاف من عَرْ أُذنِه إذ عصاهافلهذا كما تقولُ يقولُ
نحوه للحسن بن يونس:
غيداءُ تأمرُ عودَها فيطيعُهاأبدَّ ويتبعها اتِّباعَ ودودِ
فكأنما الصَّوتانِ حين تمازَجاماءُ الغمام وابنةُ العنقودِ
ولكشاجم:
جاءتْ بعودٍ تناغيهِ فيتبعُهافانظر بدائعَ ما تأْتي به الشَّجرُ
فما يزالُ عليه أو بهِ طربٌيَهيجُه الأعجمانِ الطَّيرُ والوترُ
وليوسف بن عمران الحلبي:
يستوقفُ الأطيارَ حسنُ غِنائهاإن ردَّدتْ ألحانَها ترديدا
وتظنُّ صوتَ العودِ صوتَ غنائهاوغِناءَها أبداً تظنُّ العودا
وقوله مضمِّناً:
يا من يدُ الرحمنِ قد خطَّت علىصفحات خدَّيهِ السَّنيَّةِ لامَا
قد تمَّ حسنُكَ بالعِذارِ فمن رأىبدراً يكون له الكسوفُ تماما
البيت لأبي فرج بم هندو، وقبله:
خلعَ العِذارُ على عِذارِك خِلعةًخلعت قلوبَ العاشقينَ غراما
قد تمَّ، وهو معنًى، كم حام على تضمُّنه مُعَنَّى.
وللباخرزي فيما يقاربه:
وجهٌ حكى الوصلَ طيباً زانهُ صُدُغٌكأنَّه الهجرُ فوقَ الوصلِ علَّقهُ
وقد رأيتُ أعاجيبَ الزَّمانِ ومارأيتُ وصلاً يكون الهجرُ رونقهُ
أخوه أكمل قرين أخيه ونده، فأحدهما السيف والآخر فرنده.
وكانا إذا اجتمعا تقابل البدر والثريا، وتطارح الشمول الرائق والرَّويَّةِ الرَّيَّا فتسابق بهما الكميت في ميدان الدِّنان، فمن رآهما قال ما شاء في طليقي عنان.
وإذا أخذا في معاطاةِ الأسمارْ، فما مشابهةُ الأماني في بلهنية الأعمار. ومحمد، إن كان أكبرُ سنًّا، فأكمل أرهف منه مسنًّا. إلا أنه اعتراه طرفٌ من الجنون، فصيَّره ثالث خالد والجنون. وله من جنونه أفانين، عدَّ بها من عقلاء المجانين.
وقد وقفتُ من شعره على كلمٍ يوسى به الكلم، ويعد من الظلم قياسها إلى الظلم.
فمن ذلك قوله في وصف حديقة زهر، يخترقها من اللجين الذائب نهر. إذا خمشته يد الصَّبا، تتوهمه زرداً مذهبا.
وفيه دولابٌ يشجي الصَّبَّ بنحيبه، كأنه محبٌّ وقد رمي بفقد حبيبه:
وحديقةٍ ينسابُ بين غصونهانهرٌ يُرى كالفضَّةِ البيضاءِ
قد ألبَستْه يدُ الجنائبِ والصَّبازرداً كنبتِ الرَّوضةِ الغنَّاءِ
دولابُه بحنينهِ كمذكِّرٍعهدَ الصِّبا ومعاهد السَّرَّاءِ
أبداً يدورُ على الأحبةِ باكياًبمدامعٍ تربو على الأنواءِ
ناحَ الحمامُ قِدماً فهو فيترجيعهِ موفٍ قديمَ إِخاءِ
ومن بدائع قوله:
بهَوًى سرتْ من سالفيْك إلى فؤادي في لهيبِ
فأتت بأطيبَ ما يسرُّذوِي الهوَى في طيِّ طِيبِ
إلا رحِمْتَ شبابَ ذيقلبٍ عليلٍ بالوجيبِ
فحنَوْتَ من كرمٍ عليهِ كميلةِ الغصنِ الرَّطيبِ
وقوله:
ولائمٍ قد لامَني في الطِّلاوترْكها والنَّهيِ عن شربها
فقلتُ تلحانِيَ جهلاً أمَاكفى طلوعُ الشمسِ مِن غربهَا
الغرب: دَنُّ الخمر، وبه تمت التورية.
وأصله قول أبي القاسم بن طلحة، في مغربي:
أيتها النفسُ إليهِ اذهبيفحبُّهُ المشهورُ من مذْهبي
مُفضَّضُ الثَّغرِ له شامةٌمن عنبرٍ في خدِّهِ المُذْهبِ
آيَسَنِي التَّوبةَ من عشقِهِطلوعُه شمساً من المغربِ
وللشهاب الخفاجي:
كمْ قهقَهَ الإبريقُ إذ قيلَ تابْوابتسمَ الكأسُ بثغرِ الحبابْ
والرَّاحُ شمسٌ قد تبدَّتْ لهُمن مغربِ الدَّنِّ فكيف المتابْ
للهِ أيَّامٌ مضتْ سرعَةًكهجعةٍ من ذي جوًى واكتئابْ
ليلاتُها قمرٌ وأيَّامهاكأنَّها أعيادُ عصرِ الشَّبابْ
واغتبق يوماً بمحلٍّ كان يتخذه مفترش ندوته، ومتوسد صبوته. ومضطجع اطمئنانه، ومدار كأسه ودنانه. وهو في ينع الشباب، ورواء الأحباب. عندما اقترن بالليل نهاره، وامتزج بالبنفسج بهاره. وقد أحضر من آلات أُنسهِ، وأظهر من نوع ذلك وجنسه. ما يروق النَّاظر، ويصقل الخاطر.
فكتب يستدعي له صديقاً، كان يتخذه في ذلك العهد رفيقاً:
بادِر أُخَيَّ إلى الغبوقِ براحةٍتنفي همومَ الصَّبِّ حين يصبُّها
حمراءَ رصَّعها الحبابُ كأنَّهاشفقُ السَّماءِ تجولُ فيه شُهْبُها
بادر أخي، أطال الله بقاك، وقهر من يعاديك ويشناك. إلى تعاطي راحةٍ حاكى مزاجك مزاجها لطفاً، وزاد عليها بهاءً وأدباً وظرفاً. إذا أخذها الساقي وصب، ذهب عمَّن كان بين الشرب والصب. لا سيما إذا كانت حمراء كاللجين، مرصعةً بجواهر الحبب أو ممزوجةً بين بيْن. فالمأمول من الأخ المبادرة، ليفوز منه أخوه بأحسن مسامرة ومحاورة.
وفي ذيل الاستدعاء:
يا من رِضاهُ جنَّةٌ كمُلتْوالسُّخطُ داءٌ منكرٌ ضَنْكُ
زُرْ روضَنا كالغيثِ أكسبَهعِطراً فزيْنٌ بالتُّقى النسكُ
ماسَ الشَّقيق لنا على قُضُبٍخضرٍ كسِمطٍ زانَه السِّلكُ
وكأنَّه والقضْبُ تحملهأقداحُ ياقوتٍ به مسكُ
ومن غزلياته قوله:
بهَوًى جَدَّ بقلبيطامعاً في لَفتاتِكْ
وفؤادٍ ضلَّ فيحصرِ قليلٍ من صفاتِكْ
وفؤادٍ لم يُمتَّعْحظوةً من خطواتِكْ
غافلاً عن ذنبِه إذهو من بعضِ هِباتكْ
يا غزالاً خاطرَ القلْبَ برؤْيا خطراتِكْ
آهِ ما أعجزنِي عنحملِ ماضي عزماتِكْ
بالحِمى ترتعُ والأُسْدُ ثَوَتْ في عَرَصاتِكْ
كيفَ يرجوكَ فؤادٌوالحِمى بعضُ حُماتِكْ
بأبي حبَّاتُ مسكٍنُقِّلتْ من وجناتِكْ
بل سويداءْ قلوبٍأُحرقتْ في جمراتِك
أتُرى يا دهرُ هل فيلحظةٍ من لَحَظاتِكْ
يغفلُ الواشونَ كي أحسبُها من حسَناتِكْ
ومن رباعياته قوله:
حَيَّى وسقى الحَيا الرُّبى والسَّفْحامن غاديةٍ تشبه دمعي سَفحا
والله وما ذكرتُ عيشي بِهِماإلا وضرَبتُ عن سواهُمْ صَفحا
وقوله:
لا أنْظُر للسَّماءِ فافْهَمْ عُذريقد ضاق برؤيا قمرٍ بها صدري
في صورةِ من أهوى وفي حاجِبِهما يُغني عن هلالها والبدرِ
أهل العربية فرَّقوا بين الرُّؤيا والرُّؤية، فكن مستيقظاً في نظائره؛ فإنها كثيرة في أشعار المتأخرين.
ومن بدائعه قوله في مُعَذَّرٍ عنِم الحسنُ روضَ خده النَّضر، وتلاقى في جانبيه موسى مع الخضر:
يا حسنَ حمرةِ خدٍّ زادَ بهجتَهُلونُ العِذار الذي حارتْ به الفِكَرُ
كأنَّ موسى كليمَ اللهِ أنسَهحيناً وجرَّ عليه ذيلهُ الخَضِرُ
نقله من قول ابن سعيد، صاحب المرقص والمطرب، في نارَنْجة نصفها أخضر والآخر أحمر:
وبنتُ أيكٍ دنا من لثمِها قُزَحٌفصار في خدِّها من لثمِهِ أثَرُ
يبدو بعينيك منها منظرٌ عجَبٌزبرجدٌ ونُضارٌ صاغَه المطرُ
كأنَّ موسى نبيَّ الله أقْبسَهاناراً وجرَّ عليها ذيله الخَضِرُ
وقد ألمع ابن سعيد بمأخذه من حيث لم يشعر؛ حيث قال في مكان آخر، من مرقصه: لما رحلت إلى دمشق وأبصرتها، فتنني منظرها، وأكثرت القول فيها، إلى أن وقع لي من قصيدةٍ:
في جِلِّقٍ نزلوا حيث النَّعيمُ غدامُطوَّلاً وهو في الآفاقِ مُختصَرُ
القُضْبُ راقصةٌ والطَّيرُ صادحةٌوالنَّشرُ مرتفعٌ والماءُ منحدرُ
وقد تجلَّتْ من اللَّذَّاتِ أوجهُهالكنَّها بظلالِ الدَّوحِ تستترُ
وكلُّ وادٍ به موسى يفجِّرهوكلُّ نهرٍ على حافاتِه الخَضِرُ
ولابن فضل الله:
للشامِ فضلٌ باهرٌبعيشِها الرَّغدِ النَّضِرْ
في كلِّ روضٍ يلتقيماءُ الحياة والخَضِرْ
ومن رباعياته قوله:
إمَّا يَمنٌ أهلُ الهوى أو قيسُليسوا مثْلي وإن تباهوا ليسوا
لو أنصَفني حاكمهُم في بُرَحِيما قيسَ بمن عنه تلاهَوا قيسُ
وكتب إليه أخوه ملغِزاً:
يا أكملاً يستكملُ الظَّرفايا فاضلاً والفضلُ لا يَخفى
ويا شقيقي من فَخاري بهومن غدا لي في الورى طَرفا
أكملُ منه إن أصِفه فليأرجَع من أوصافه الوَصفا
قل لي عن وصفٍ حُروفٌ لهأربعةٌ ما نقصتْ حرفَا
إذا وصفتَ الشَّحصَ يوماً بهفعينه في دبرِه تُلفَى
ولم يزلْ يصحبُ كُلاَّبةًبها يجيد القبضَ لا الصَّرفَا
ثانيهِ نصفْ العُشرِ من ثالثٍوكلُّه لم يبلغِ الألفا
ينقص عنها بل عن بعضِهاولم تكمِّل ناقصاً حلفا
موصوفُه نصفانِ فانظرْ لهنصفاً ولا تنظرْ له نِصفا
ثانيهِ مع ثالثهِ فعلُهمتى يُشاجِر عِرسَه عُنْفا
يُظهِر في أفعاله خفَّةًوهو لِثقلٍ لم يغبْ طرْفَا
كالبومِ شُؤمٌ وهو إلفٌ لنافهل رأيتُم بومةً إلفا
أجِبْ وعن ذا الوصفِ أوضحْ لنالا ذقتَ للدَّهرِ إذاً صَرْفا
فأجابه ملغزاً أيضاً:
جاءتْ فزادتْ روضنا عرْفابل قلَّدتْ آذانَنا شُنْفا
وأطفأتْ من كبدِي لوعةًولم تكنْ من غيرها تُطفا
وهيَّجتْ شوقي إلى ماجدٍلم أكُ أبغي غيره إلفا
أعِني شقيقي من أرى بُعدَهللدَّهرِ ذنباً لم يكدْ يُعفى
ذو كرمٍ لو شامه حاتمٌعضَّ على أنملهِ لَهفا
رَبُّ المعانِي والقوافِي التيكالُّرِّ إذ ترصِفه رصفَا
كانت كعذبِ الماءِ عند الصَّفَاأو كلَمًى أرشِفه رشفا
أو كوصالٍ من حبيبٍ وقدأكثَر في ميعادِه الخُلفا
مُضيِّعٍ أرعاهُ بين الورىوشيمةُ الأحبابِ لا تخفَى
أبيتُ أُملي من غرامِي لهكتُبْاً ومن إِعراضِه صُحْفا
يُدير من ألحاظِه أكؤساًحمَّلها أجفانَه الوَطفا
تسقِيه راحاً مُزِجتْ من دِماعيني وتسقيني الهوَى صِرفا
سائلةً عن ساعدٍ لم يزلْكعطفةِ الأصداغِ مُلتفَّا
أو كسِوارٍ ضاق عن عبلةٍأو كهلالٍ كاد أن يخْفَى
لكن إذا مدَّت إلى مرقدٍكقامةِ الحبِّ إذ تُلفَى
لا زلتَ تعطيها وأمثالَهامن راحةٍ كالدِّيمةِ الوَطفا
وبعدُ ما وصفٌ له أحرفٌأربعةٌ لم تستزد حَرفا
أوَّلُه سبعُ لعشرٍ حوىثانيهِ لا زلتَ له حِلفا
إن تُسقِط المفردَ يعدْجمعاً وهذا عنكَ لا يخفَى
وفعْل أمرٍ تمَّ فعلاً لمننارُ غرامِي فيه لا تُطفا
إن تقلبِ الثالثَ مع رابعٍيكنْ لموصوفٍ به وصفَا
ثانيهِ مع ثالِثه وصفُهإذ اعتراه النَّومُ أو أغفى
أَبِنهُ لي لا زلت في عِزَّةٍلم تغضِ عما رمتَه طرفا
والدَّهرُ عبدٌ لك أو قائدٌيُجيبُ من عادَيته طِرفا
ومن شعره قوله:
أُسلِّي فؤادي بادِّكاركَ طامعاًبصبري وأين الصَّبرُ من قلبِ عاشقِ
وألوِي ضُلوعي كي أُسَكِّن روعةًومالي بقلبٍ ساكنِ الجسم خافقِ
أُؤمِّل عذباً من رُضابَك بارداًلإخمادِ جمرٍ بين جنبيَّ حارِقِ
فأذكرُ من عذبِ اللَّمى مع لمعِهِأحاديثَ جِيران العُذَيْبِ وبارِقِ
ففي الصبْح صبرٌ إن أكن غير ناظِرٍإليه دليلاً إن يكن غيرَ طارقِ
فويلِي من جسمٍ طريحٍ من الهوىوإِنسانِ عينٍ بالمدامعِ شارِقِ
محمد بن علي، المعروف بالحريري الحرفوشي هو في المعارف نسيج وحده، والآداب طلاع ثنايا نجده.
عاش حيناً في حانوت ينسج حللاً ويوشيها، ويطرز متون القراطيس بحبر أقلامه ويحشيها.
ولديه تنشد ضوالُّ اللغة والإعراب، وتقف الآراء حيرى في محاسنه بين الإعجاب والإغراب.
فشدت نحوه المطايا، وأشرقت فضائله كبيض العطايا.
وشفت ظروفه حروف مباينه، فنمَّت عن سلافة لطافة معاينه.
كما نمَّ الزُّجاج على الصَّهبا، والنسيم عن شذا الربى. ومع أنه شيخ الوقار، له كلماتٌ يعصر منها العقار. فمن جاراه في طرف الرقَّة، بعدت عليه الشُّقَّة.
وكانت لديه مقاصد، يلوح منها للمنى مراصد. أيام عيشه بالمرة مؤتلف، والحظُّ غادٍ إليه ومختلف. حتى أغري الدهر بشمله ففرقَّه، وأضري ببرد ائتلافه فمزَّقه.
بسبب غرضٍ نقم عليه، وكاد يسوق الحتف إليه. فخرج مع البازي إلى بلاد العجم، وثمَّت طلع كوكب إقباله ونجم.
ودعاه الشاه عباس للرئاسة فأجاب، واراه من كمال التقرب الأفق المنجاب.
فأقام والأهواء إليه منساقة، إلى أن دعاه داعي الحتف إلى اللَّحد فأجابه وساقه.
وقد أوردت له من شعره الذي يباهي الدِّيباج الخسرواني، ما يستعير اللُّطف منه الراح الأرجواني. فمن ذلك قوله معمياً باسم مراد:
إذا خيِّرتُ بين الثَّغرِ والصَّهباء من حبِّي
أقدِّم ثغر من أهوىعلى ما دار بالقلبِ
وقوله:
صبَّر الرحمن صبًّاذاق هجران حبيبهْ
وحماهُ برد وصلٍمنه مطفٍ للهيبهْ
فلعمري ليس يدري الهجرَ إلا من رمي بهْ
وقوله:
أنا والله لا أبالي وإن ذمَّوإن أكثر الجهول السِّبابا
أنا كالشمس في الأنام مقاميمعتلٍ لا ترى عليه حجابا
أدبي مفخري وفخري علوميلا أراه النِّجار والأسبابا
وقوله:
ترومُ وُلاة الجوْر نصراً على العدىوهيهات يلقى النَّصر غير مصيبِ
وكيف يروم النَّصر من كان خلفهسهام دعاءٍ عن قسيِّ قلوبِ
هذا معنًى تداولته الشعراء، والحسن منه قول ابن نباتة المصري:
ألا رُبِّ ذي ظلمٍ كمنْتُ لحربهفأوقعه المقدور أيَّ وقوعِ
وما كان لي إلا سهام تركُّعٍوداعيةٌ لا تُتَّقى بدروعِ
وهيهات أن ينجو الظَّلوم وخلفهسهام دعاءٍ من قسيِّ ركوعِ
مُريَّشةٌ بالهدب من جفن ساهرٍمُنَصَّلةٌ أطرافها بدموعِ
ومن المنشآت المبتدعة: المحارب إذا شيِّع بالدعاء له فقد أنجد بمدد بل أمداد، وحفظ ظهره بجندٍ بل أجناد. وإذا شيِّع بالدعاء عليه، فقد خرج خلفه كمينٌ لا يقوى له فيلقاه، ولا يراه فيتوقَّاه. ولن يغلب عسكرٌ واحدٌ عسكرين من الدعاء والأعداء، ولن يسلم من أعوز ظهره مجنُّ الضُّعفاء، ولن ينصر في الأرض من حورب من السماء.
ومن نتفه قوله في إفرنجي:
بروحيَ ظبيٌ فاترُ الطَّرف أحورٌرنا فرمى قلبي بسهم من الغنجِ
أبت مهجتي الإشراكَ فيه وقد غدايرى شرعة التَّثليثِ واضحة النَّهجِ
فيا قوم هل فيكم معينٌ على الأسىوهل من طريقٍ من قطيعته تنجي
فقد سامني في الحبِّ مالا أطيقهوأوقعني من زاخرِ الصَّدِّ في لجِّي
وبرَّح بي حتى لقد رقَّ عذَّليوما حال من أضحى بقبضةِ إفرنجي
وكتب إلى صديقٍ له تمرض بالحمَّى:
أنا مذ قيل لي بأنَّك تشكوضُرَّ حمَّاكَ زاد بي التَّبريحُ
أنت روحِي وكيف يُلفى سليماًجسدٌ لم تصحَّ فيه الرُّوحُ
وله:
إن أصبح الوغدُ يعلو فوق منزِلتيمن غير ما سببٍ يقضي بترجيحِ
فالنَّقع يعلو على بيضِ الكماة كماعلا الدُّخانُ علي النِّيران مع ريحِ
أخذه من قول الآخر:
إن يقعدُ فوقي لغيرِ نزاهةٍوعلوِّ مرتبةٍ وعزِّ مكانِ
فالنَّارُ يعلوها الدُّخانُ وربَّمايعلو الغبارُ عمائمَ الفرسانُ
وله:
أشكو إلى الله لا أشكو إلى أحدٍما نابنِي من صديقٍ يدَّعي الرَشَدا
صافيته من ضميري وُدَّ ذي مِقتٍفاعتضتُ عنه بمذقٍ باللِّساِن غدا
فعدتُ من بعدِه والدَّهرُ ذو عجبٍلا أصطفي في الورى لي صاحباً أبدا
وله في الشيخ محمد الجواد الكاظمي:
جرَى في حلبةِ العلياءِ شوطاًبسعيٍ ما عدا سننَ السوادِ
ففاتَ السابقينَ إلى المعاليوما هذا بِبدعٍ من جوادي
وله في إثبات التَّشوق، وحزن التفرق؛ وفيه التفريع، من أنواع البديع:
وما ظبيةٌ قد بانَ عنها وليدهافضاقتْ بها الغبراءْ ذرعاً وبيدُها
وهامتْ بما لاقته من حرِّ وجدِهاوراحتْ فلا تدري إلى أينَ عودُها
تجوب الفيافي في الهجيرِ فلا ترىأنيساً بها يبدو سِوى من يعيدُها
بأحزنَ منِّي حين سارَت مطيُّ منأحبُّ وروحي في يديهِ وجودُها
وله:
يقولون في الغليونِ أفرطْتَ رغبةًوليسَ بشيءٍ تقتنيهِ وتختارُ
فقلتُ لهم ما ذاكَ إلا لأنهمضاهيَّ لا تنفكُّ في قلبه النارُ
ومن غزلياته قوله:
روحي الفداءُ لشادنٍذي نفرةٍ من زيِّ آنسْ
سلبَ الجفونَ رقادهاوأثارَ في القلبِ الوساوسْ
وأعارَ من سقمِ اللِّحاظِلجسمي المضنى الوساوسْ
ويلايَ من جورِ القوامِ إذا بدا كالغصنِ مائسْ
وإذا رنا فالبيضُ تشبهُ فعلَ هاتيكَ النَّواعسْ
يا لائماً يرجو سلوَّفتًى له جلبتْ هواجسْ
خفِّض عليكَ فإننيمُغرًى لثوبِ السقمِ لابسْ
أنَّى سلوُّ متيَّمٍمن روحِه في الحبِّ آيسْ
يجد الملامَ ألذَّ منصدِّ الذي بالوصلِ شامسْ
لهفي على زمنٍ لنايُهدي المناسبَ والمُجانسْ
أيَّام كنت وغصن ودِّي أخضرٌ والصَّدُّ يابسْ
ومناهل اللَّذَّاتِ صافٍ وردها مع كلِّ كانسْ
والدَّهر طلقٌ والشَّبيبة غضَّةٌ والرَّبع آنسْ
والرَّاح دارَ فلا تسلْما حلَّ في تلك المجالسْ
وله بعد ما بعد عن أوطانه، متذكراً عهد منشئهِ وقطانه:
فؤادُ المعنَّى بالتَّباعد مودعُبحيِّ الذي يهوى فلوموه أو دعوا
ففي قلبهِ من لاعِجِ الوجدِ شاغلٌوليس له في العيشِ بالبعدِ مطمعُ
يودُّ بأن يقضي ولم يقضِ ساعةًله بالنَّوى لو كان ذلك ينفعُ
وما باختيارٍ منه أصبحَ نازِحاًوماذا الذي فيما قضى البينُ يصنعُ
سأشكو من البينِ المفرق بينناإلى الله علَّ الله للشملِ يجمعُ
فجسمي نحيلٌ مذ نأى من أودُّهُوعيني لطولِ البعدِ لم تكُ تهجعُ
فلو عادَني العوَّادُ لم يهدهم إلىمكاني سوى ما من أنيني يسمعُ
ولو عادَ من أهوى لعادتْ به القُوىلجسمٍ بأثوابِ الضنى يتلفَّعُ
فيا ليتَ شعري هل أراهُ ولو كرًىوهل ذلك الماضي من العيشِ يرجِعُ
وهل علم الأحبابُ أنِّي مفارقٌحشاشةَ نفسٍ ودَّعت يومَ ودَّعوا
وهل هم على العهدِ القديمِ الذي أناعليه مقيمٌ أم لذلك ضيعوا
وله:
لا بِدعَ أن أضحى الجهولُ يدَّعيمكانتي ويدَّعي الترفُّعا
فالشمسُ أعلى مفخراً وقد غدامن فوقِها كيوانُ أعلى مطلعَا
ومن قول ابن رشيق:
بحيثُ يهونُ المرءُ يكرمُ ضدُّهُوحيث هبوطُ الشمس يشرقُ كيوانُ
وله:
رعى الله أوقاتاً بها كنتُ أجهلُ الفراقَ وأياماً بها أُنكِر الجفَا
تقضَّتْ كلمحِ العينِ أو زور طارقٍأتى مسرِعاً أو بارِقٍ في الدُّجى خفا
وأبدِلتُ منها فرقةً وتشتتاًوبعداً وهجراً دائماً وتأسُّفا
فيا ربِّي أنعِم باللقاءِ لمدنفٍوإلا فكنْ بالحتفِ يا ربِّ مسعِفا
وله:
حباني الوجدَ والحُرقاوأودعَ مقلتي الأرقَا
وروَّع بالجفا قلباًبغيرِ هواهُ ما علقَا
رنا بصوارمٍ خذمٍتسمَّت بيننا حدقا
حمى أوردَ وجنتِهبأسودِ خاله ووقى
ولاحَ بواضحٍ أضحىلهُ شمس الضُّحى شفقَا
له خصرٌ بألحاظِ الورى ما زال منتطِقا
تعارض المتنبي في هذا المعنى مع السري الرفَّاء. فبيت المتنبي قوله:
وخصرٍ تثبتُ الأحداقُ فيهِكأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطاقَا
وبيت السري قوله:
أحاطتْ عيونُ العاشقينَ بخصرِهفهنَّ له دون النِّطاقِ نِطاقَا
وكثيرٌ يظنون أن المتنبي هو المخترع لهذا المعنى، ولا يدرون أنه لعلي بن يحيى، من أبيات تغنَّى بها:
وجهٌ كأنَّ البدرَ ليلةَ تِمِّهِمنه استعارَ النورَ والإشراقا
وأرى عليه حديقةً أضحى لهاحدقي وأحداقُ الأنامِ نِطاقَا
ونقل الشهاب الخفاجي إلى العذار، مضمِّناً مصراع أبي الطيب، وأجاد:
عِذارٌ خَطَّ في الوجناتِ خطًّاحوى كلَّ الأنامِ به وفاقَا
ترى الأبصارَ شاخصةً إليهوماءَ الحسنِ في خدَّيهِ راقَا
تصوَّرتْ العيونُ به فأمسىكأنَّ عليه من حدقٍ نِطاقا
تتمة القصيدة:
فياللهِ من بدرٍغدا قلبي لهُ أُفقا
ألا يا حبَّذا زمنٌحظيتُ به ونِلتُ لِقا
زمانٌ لم أجِد فيهلشملِ الوصلِ مفتَرَقا
أهيمُ بسالفٍ حَلَكٍوأهوى واضِحا يققَا
تولَّى مسرعا عنقاًومرَّ كطارِقٍ طرقَا
وطبعُ الدَّهرِ لا يبقىعلى حالٍ وإن رفقَا
فكن خلواً به فرداًوسرْ في الأرضِ منطلِقا
وكن جلداً إذا ما الدَّهرُ أبدى مشرباً رنْقا
وله من قصيدة، أولها:
يا ليتَها إذ لم تجُد بوِصالِسمحتْ بوعدٍ أو بطيفِ خيالِ
جنحتْ لما رقشَ الوُشاةُ ونمَّقوامن أنَّني سالٍ ولستُ بسالِ
ومدامِعي لولا زفيري ولم يكدْينجو الورى من سحِّها المتوالي
ونحولُ جسمٍ واحتمالُ مكارهٍوسهادُ جفني وادِّكارُ ليالي
فإلى مَ أظمأُ في الورى ومواردِيفيه سربٌ أو لموعُ الآلِ
ولِم اختياري عن فؤادِي كلَّ منألقى وقلبي عند ذاتِ الخالِ
أخذه، ولم يحسن الأخذ من قول الباخرزي:
قالت وقد فتَّشتُ عنها كلَّ منلاقيتهُ من حاضرٍ أو بادي
أنا في فؤادِك فارمِ طرفَكَ نحوهُترَني فقلتُ لها وأين فؤادِي
هيفاءُ رنَّحها الدَّلالُ فأخجلتْهِيفَ الغصونِ بقدِّها الميَّالِ
في خدِّها الوردُ الجنِيُّ وثغرُهايحوِي لذيذَ الشُّهدِ والجِريالِ
حجبتْ محيَّاها الجميلَ ببُرْقُعٍكرقيقِ غَيمٍ فوقَ بدرِ كمالِ
ونضتْ من الأجفانِ بيضَ صوارمٍفغزَتْ بهنَّ ولم تنادِ نزالِ
وتنزَّه يوماً في روضٍ افترَّت بواسمه، وتعطَّرتْ نواسمه. وتفتَّحت أزهاره، ونطق بلبله وهزاره.
فقال يصفه:
ومكانِ أُنسٍ قد حوى من لُطفِهمِن كلِّ وصفٍ رائقٍ مُستحسنِ
فالرِّيحُ تعبثُ في الغصونِ تمايساًوالطَّير تشدو باختلاف الألسنِ
فكأنَّه الفردوسُ أحرَز صفوَهأملُ النُّفوسِ ومُستلذُّ الأعينِ
وله في الغزل:
مَن لي بهيفاءَ أذكتْ من تباعدهافي القلبِ ناراً ولم تسمحْ لمُضناهَا
واهاً لها من فتاةٍ إن رنتْ فعلتْما ليس يفعله الهِنديُّ عيناها
ومن جيِّده قوله في الخال:
قال لي من غدا إمامَ أولِي الفضْلِ ورَبَّ المباحثِ الفلسفيهْ
إنَّ عندي بُرهانَ حقٍّ على نفْيِ الهيولى والصُّرةِ الجِسميهْ
قلت ما هو فقالَ شامةُ حبِّيقد غدتْ وهي نقطةٌ جوهريهْ
قلت: هذا جارٍ على رأي المتكلمين في الرد على الحكماء، من أن إثبات النقطة يستلزم نفي الهيولى والصورة، وقد حاول محاولةً عجيبة.
ومثل هذا الاستعمال - أعني استعمال ألفاظ أهل الكلام والهندسة والنحو - مما قال فيه ابن سنان الخفاجي: ينبغي أن لا يستعمل في الكلام المنظوم والمنثور.
قال: لأن الإنسان إذا خاض في علمٍ، وتكلم في صناعةٍ، وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة. ثم مثَّل ذلك بقول أبي تمَّام:
مَودَّةٌ ذهبٌ أثمارُها شَبَهٌوهِمَّةٌ جوهرٌ معروفها عرَضُ
قال ابن الأثير، في المثل السائر: وهذا الذي أنكره هو عين المعروف في هذه الصناعة:
إنَّ الذي تكرهون منههو الذي يشتهيه قلبي
فقوله: إن الإنسان إلى آخره، مسلَّمٌ إليه، ولكنه شذَّ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدةً من كل علمٍ وطلِّ صناعةٍ؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر يحصره.
وقال ابن المعتز، في كتاب البديع: مما يعاب على الشعراء استعمال ألفاظ الحكماء، كالكيمياء، والسَّيمياء، والهَيولَى.
ولعله كان معيباً في الصدر الأول، لأنه لو يُؤلف استعماله، وعلى أمثالنا لا يعاب؛ لشيوعه، بعد نقل كتب اليونان إلينا؛ فإن اللفظ قد يعدُّ فصيحاً عند قومٍ دون آخرين.
ألا ترى أن أبا هلال قال في كتابه الصناعتين: الوحشيُّ يعاب على القروِي دون البدوي، الذي هو لغته؛ لأنه معروفٌ عندهم. وهذا مما أطلقه أرباب المعاني فاحفظه.
يوسف البديعي
أديب للبديع من القول منسوب، وواحدٌ بألفٍ من البديع محسوب. أطلع الكتاب باسقاً، ووافى به درًّا متناسقاً. وكان خرج من دمشق وعوده طري، وشرابه سائغ مري. لم تتقشَّع غمامته، ولم تذبل كمامته. وعلى قدر جماله، رزق حظًّا من كماله.
فدخل الشهباء وناسها أولئك الناس، يومئذٍ توددٌ وإيناس. فتبسمت له خلائقهم عن شفاه الصباح، وكأنما هي الرياض باح بسرها نفس الصباح.
وحسن في أعينهم حسن الحور، ووقع من قلوبهم وقع الوطر. وما برح أمره يروق ويحسن، حتى خطبته القلوب وهتفت به الألسن.
فصدح بشعره مترنِّماً في ناديهم، ونال بهم مغانم من أياديهم. وجلب لهم درَّ الكلام، فحلب منهم دَرَّ الكرام.
ولما وافاهم ابن الحسام متوشِّحاً بالقضاء، وخليفةً للسيف في المَضاء. وله البسالة التي تقتنص شوارد المعالي وتفترس، في الأريحية التي يحتمي بها الأمل من الخطوب ويحترس.
ووزنه بميزان الاختبار، فألفاه حريٍّا بالاعتبار. فنوَّه به، واعتنى بأدبه.
وولِيَ الشام فصحبه ملتحفاً بالخطوة، وواقفاً من تقربه بتلك الربوة. ودخل بعدها الروم لخدمته، وتقلب دهراً في خصائص نعمته.
وباسمه ألَّف من كتبه ما ألَّف، وجارى في حومة السبق من تقدَّمه فما تخلَّف. وهو في الأدب ممن ملك البيان عناناً. وهصر من فنونه المتنوعة أفناناً. إن نثر فالدُّرُّ المنثور انفصم نظامه، أو نظم فما اللؤلؤ المشهور نسَّقه نظَّامُه. وله في الفوائد الفرائد، ما تنتقيه لأوساط القلائد الخرائد.
وقد رأيت جملة من بدائعه فتنزَّهت في حدائق ذات بهجةٍ، ورويت ظمآن سمعي من فوائده، وموارده العذبة اللَّهجة.
وها أنا أورد له ما يغازل الجفون الوسن، وتأبى محاسنه إلا أن تذكِّر بيوسف الحسن. فمن ذلك قوله:
رويداً هو الوجدُ الذي جلَّ فادحُهوقد بعدتْ ممَّن أُحبُّ مطاوحُهْ
هوًى تاهتِ الأفكارُ في كنهِ ذاتِهومتنُ غرامٍ عنه يعجزُ شارحُهْ
أقيكَ الرَّدى هل أنت بالقربِ منجِدٌأخا دَنَفٍ لاحت عليه لوائحُهْ
مُعنًّى رثتْ أعداؤُه لنحولِهِورقَّ له ممَّا يقاسيه كاشحُهْ
وليس له خِدنٌ يعينُ على الأسىيطارِحُه شجوَ الهوى ويطارحُهْ
يحاوِل كتمانَ الهوى وجفونُه القريحةُ تُبدِي ما أكنَّتْ جوانحُهْ
خُطوبٌ أصابتْه لو أنَّ ببعضهاجَنيناً دَرَى في المهدِ شابتْ مسائحُهْ
رمتْهُ يدُ الأيَّامِ عمداً بنأيِهموضاقتْ عليه بالتَّجَنِّي فسائحُهْ
خليليَّ حُثَّا أينُقَ الرَّكبِ بي ولاتقولا من الإدلاجِ كلَّتْ طلائحُهْ
وعُوجا على الرَّكبِ الذي قد جهِلتُمامعالِمهُ تَهديكُماهُ روائحُهْ
مَحلٌّ إِليه كلُّ قلوبٍ مشوَّقٌوتستوقِفُ الأحداقَ حسناً أباطحُهْ
يظن به من جازَه حلَّ معبداًإذا صدحتْ فوق الغصونِ صوادحُهْ
سقاهُ وحيَّاهُ الغمامُ بوابلٍتباكِره أوداقهُ وتراوحُهْ
به تَرَيَا من لو بدا البدر في الدُّجىوأسفرَ في ديجوره فهو فاضحُهْ
جميلاً يعيرُ الشمسَ من نورِ وجهِهِوتُسبى به من كلِّ حيٍّ ملائحُهْ
جبيناً تهابُ الأُسْدُ سورةَ وجههِويخشاهُ من في الدِّرعِ تُخشى صفائحُهْ
يصدُّ معنَّاهُ نهاراً وربَّمايوافيهِ ليلاً طيفُه فيصالحُهْ
له مقلَتا ريمٍ وما شامَ غيرهُجَوارحها إلا وذابتْ جوارحُهْ
إذا أوعدَ الهجرانَ وفَّى وعيدَهُوإن وعد المشتاقَ فهو يمازحُهْ
وإن لامَني فيه عَذولي جهالةٍوقد طلَّ من دمعي على الخدِّ سافحُهْ
فلي عنه شغلٌ بامتِداحي مهذَّباًتُزيِّنُ أبكارَ المعاني مدائحُهْ
وقوله من قصيدة، مطلعها:
هل للمتيَّمِ من نصيرِومضامِ وجدٍ من مجيرِ
أو مسعفٍ لطليقِ دمعٍ وهو ذو لبٍّ أسيرِ
دَنِفٌ يبيتُ وبين أحشاهُ له نارُ السَّعيرِ
لم يلقَ إلا الشَّوقَ والوجدَ المُبرِّحِ من سميرِ
ويرومُ إخفاءَ الهوىوالحبِّ من بعدِ الظَّهورِ
أنَّى وأدمعه جرتْفي وجنتَيْه كالنُّهورِ
يرعى نجومَ الليلِ شوقاً منه للظَّبيِ الغريرِ
رَشَأٌ كخطوطٍ في كثيبٍ تحتَ بدرٍ مستنيرِ
يرنو فتفعل بالعقولِ لِحاظُه فعلَ الخمورِ
فتنتْ ملاحةُ وجههِ الوضَّاحِ ربَّات الخدورِ
يستوقفُ الأحداقَ إذيبدو بمنظرِه النَّضيرِ
مهما نسيتُ فلست أنْسى ما مضى لي بالغويرِ
إذ زارَ بعد إطالةِ الهِجرانِ في ليلٍ قصيرِ
ووفى بلا وعدٍ وكموعدٌ يشابُ له بزورِ
أحْيَى بزورته وقدتلِفتْ به روحُ المزورِ
وأدار أكؤسه على الَّسكرانِ من لحظِ المديرِ
راحٌ يذكِّرنا بهاعهد الخوَرْنَقِ والسَّديرِ
شمسٌ لها إشارقُهاوقتَ الهجيرِ بلا هجيرِ
ضمنتْ وأوفتْ أنَّهاتنفي الهُمومَ من الصُّدورِ
وتعيدُ أوقاتَ السُّرورِ بغير أوقاتِ السُّرورِ
فوحقِّ ساحرِ مقلتيهِ في العشايا والبُكورِ
إلا بمدحِ المصطفى المنعوتِ بالحسبِ الخطيرِ
مولًى خزائنُ علمِهفي صدرِه لا في الصُّدورِ
فاقَ الأوائل بالعلاوالفضلِ في الزمن الأخيرِ
إن نمَّقتْ كفَّاه طرساً خيلَ كالرَّوضِ المطيرِ
تعساً لمن جاراه فهوَبغيرِ شكٍّ في غرورِ
لم يدرِ أنَّ صفاتِهفي النَّاسِ عزَّتْ عن نظيرِ
لو كان ذا عقلٍ لَمَاقاسَ الجداولَ بالبحورِ
وكان بينه وبين السيد موسى الرَّام حمداني مراجعات، فكتب بعض الظرفاء عن لسانه إلى السيد قصيدةً شهيرة، كالشمس وقت الظهيرة، واقتضى الأمر عدم إخباره بذلك، فراجعه عنها بقوله:
يا دَير سمعان ذكَّرتنيرسومكَ الدُّرَّسُ الدَّريسا
أودتْ بسكَّانكَ اللَّياليولم تدعْ منهم أنيسا
فلا أغَبَّتْك غادياتٌولا عدتْ ربعكَ الدَّريسا
والناسُ مثل الرُّسومِ إلاإذا جنوا فاخراً نفِيسا
فكتب إليه البديعي هذه القصيدة:
ليس إلا بالقرب ما بك يوسىمن جوًى دونه يُذيبُ النُّفوسا
قد سقتْك الأيامُ خمرةَ وجدٍوأدارت من البِعادِ كؤوسا
بعَّدت عنك من تحبُّ وهذا الدَّهرُ يولي الفتى نعيماً وبوسا
أين أوقاتُك التي كنت فيهالم تبِتْ من رِضا حبيبٍ يَؤوسا
حيث يسقيكَ خَنْدريساً حبيبٌريقُه العذب يزدري الخَندرِيسا
ذو قوامٍ ما ماس في الرَّوضِ إلاعلَّم الغصنَ قَدُّه أن يميسا
طالما زار في الدُّجى وثُريَّاه تحاكي في المغرب الإنكيسا
غلساً خوفَ لائمٍ والذي يكْتمُ وصلاً يحاول التغليسا
فسقى عهدَه بجِلِّقَ عهد الدَّمعِ من مقلتي وربعاً أنيسا
بلدةٌ ما ذكرتها قطُّ إلاحرَّك الشوقُ من غرامي رسيسا
واستهلَّت مدامعي كالغوادِيوغدا القلب من جَواه وطيسا
منذ فارقتُ أهلها لم يطبْ ليصفوُ عيشٍ يحبو نديماً سَؤوسا
منها:
من أناسٍ ذكوا أصولاً وكانوامن أناسٍ نموا وطابوا غُروسا
نصروا دين ربِّهم بمواضٍكم أذلَّتْ جحافِلاً وخميسا
تقف النَّاسُ هيبةً ووَقاراًبحِماهم إذا رأوهمْ جلوسا
أذْهب الله عنهم الرِّجسَ والفحشاءَ دون الأنامِ والتَّدليسا
وبعد أن رأى هذه القصيدة المنحولة، أخذه ما أقامه وأقعده، وملكه ما أزعجه وأكمده.
ولم يبقى أحدٌ إلا زاره واشتكى، وزأر وبكى. فكتب إليه معتذراً:
ما لموسى الشَّريف أصبحَ يبديبعد ذاك الإقبالِ هجري وصدِّي
ما كفى أنه أراد لي الكيْدَ مراراً ولم ينل غير وجدِ
زار دار النَّقيب ذي الفضلِ من أوصافَه الغرُّ ليس تُحصى بعدِّ
ذي المعالي والمكرمات حجازيمن غدا في الأنامِ من غيرِ نِدِّ
سيدٌّ جوده لو اقتسمته النَّاسُ طرًّا لم تلق طالبَ رِفدِ
الجليل الشَّهيرُ بابن قضيب البان لا زال للورى بدر َسعدِ
واشتكى عنده وذمَّ ولكنذَمُّ مثلي من مثله ليس يجدي
شاتماً ملء فيهِ في معرض الهزلِ ووالله لم يرم غير جدِّ
مُسبلاً دمعهُ كأنَّ حبيباًبعد قربٍ رماهُ منه ببعدِ
مبدياً من حرارة القهرِ ما لوحلَّت الكونَ لم يكن كُنهَ بردِ
وبدا مغرماً كأن بشَتميآدميٌّ غدا بصورةِ قردِ
والذي أوجبَ التَّخاصم أنيكنت قدْماً منحته صفوَ وُدِّي
ثمَّ كلَّت قريحتي عن مديحٍفاستعارت له حديقة حمدِ
ورآها من بعد حولٍ وشهرين بدرجٍ قد كان من قبلُ عندي
فبدا منه ما بدا وسقانيوتحسَّى من أكؤسِ الذمِّ وِردي
وعلى كلِّ حالةٍ سيِّدُ الأحكامِ أرجو وما سواه تَعدِّ
ولما دار هذا القول، وهدر القوم هدر الشول.
كتب السيد أحمد بن النقيب يداعب البديعي بهذه الأبيات، المخصوصة هنا بالإثبات. وهي قوله:
مولايَ يوسفُ إن يقولوا سارِقٌللشِّعر فاحذر أن تضيق وتضجَرا
هذا نبيُّ الله يوسفُ قيل قدسرق الصُّواعَ وكان قولاً مُفترَى
لك من فرائدِكَ الشَّواردِ شاهدٌعدلٌ يردُّ الخصمَ عنك محيَّرا
فإذا تناشدها العداةُ وأبصَروامن حسنِها ما لم يكنْ متستِّرا
ذَهلوا عن الأيدِي ولكن قطَّعواأكبادَهُنَّ تلَهُّفاً وتحسُّرا
وللبديعي يودع ابن الحسام، حين فارق الشام، بعد انفصاله عن قضائها، وتوجه إلى مركز عِزَّه، ويعتذر إليه عن تخلُّفه عنه:
أُحاشيهِ عن ذِكرى حديث وداعِهوأُكبِرُه عن بثِّه وسماعهِ
وما كان صبري عند وَشْك النَّوى على الجوى غير صبرِ الموتِ عند نزاعِهِ
ونحنُ بأُفقِ الشَّامِ في خدمةِ الذييضيقُ الفضا عن صدرهِ واتِّساعهِ
أجَلُّ حماة الدِّنِ وابنُ حسامهِوحامي حِمى أركانِهِ وقطاعِهِ
عشِيَّة توديع المآثرِ والعُلىوكلُّ فخارٍ للورَى في رِباعِهِ
وما سرتُ عن وادي دِمشقَ ولم يسرْوسُؤدُدُه في مُدْنِهِ وضياعِهِ
سوى أنَّني لا أرتضِي أن أرى بهِسواهُ على أعيانهِ ورِعاعهِ
فأيُّ فؤادٍ بعد يومَ رحيلهِغدا سالماً من وجدِه وانصداعِهِ
قيا أيُّها السَّارِي عن الشَّامِ بعدَماثوى عدلُهُ في قاعهِ وبقاعهِ
ويا قادماً بل راحلاً عن بلادِناوفي كلِّ أرضٍ نيِّرٌ من شعاعِهِ
فلا تنسَ عبداً نازِحاً شاع ذِكرُهإلى بابِكَ السَّامي علا بانْقطاعِهِ
ومن كانَ للأُسْدِ الضَّواري انتماؤُهله غُنْيةُ في دهرِه عن ضياعِهِ
وأنت الذي نوَّهتُ من قبلُ باسمِهوأبقيْتُ ذِكراً خالداً باصطِناعِهِ
وله من قصيدة، يمدح بها النَّجم الحلفاوي، مطلعها:
أتى زائراً وهْناً ولم يخشَ عاذِلاًونورُ ذُكاءِ الأُفقِ سار مراحِلا
وجادَ بما لو رُمْته من خالهِلكانَ لما أوْلى من الوصلِ باخِلا
حبيبٌ لو أنَّ البدرَ أصبحَ حائزاًضِياءَ مُحيَّاهُ لما زال كامِلا
رشيقٌ كخطوط الخيزرانِ ما انثنَىوما مالَ إلا وانثنَى القلبُ مائِلا
يحرِّك بالأعطافِ أجنحةَ الهوىإذا حَرَّكَتْ من فوقهِنَّ الغلائِلا
فبِتُّ أعاطيهِ سلافَ مُدامةٍترُدُّ الدَّياجي من سناهُ أصائِلا
إذا بزَغتْ من راحتيهِ بدا من السَّرورِ لنا ما كان مِن قبلُ آفِلا
إلى أن نضَا ثوبَ الشَّبابِ الدُّجى وقدغدتْ زُهرُه إلا قليلاً أوافِلا
وذو الرَّعثاتِ الحمرِ هبَّ كأنَّماعليه ضِياءٌ شامَ مَناضِلا
الرَّعثات: جمع رعثة، ورعثة الدِّيك عثْنونُه.
قال الشاعر:
من صوتِ ذي رَعَثاتٍ ساكِن الدارِ
فكبَّر مولاهُ وهلَّلَ إذ رأىهزيعَ الدُّجى الزِّنجيِّ أدْبر راحِلا
وقام بجيشٍ من ذويه كأنَّهوإياهم كِسرى يحثُّ القبائِلا
على قضُبِ العقيانِ يمشي مجلبباًجلابيبَ مثل الروضِ ما زالَ حافِلا
فسرْنا إلى نادٍ رحيبٍ سماؤهُتريكَ بدوراً مشرقاتٍ كوامِلا
إلى منزلٍ للأُنسِ فيهِ منازلٌبهنَّ غدا حسناً يفوقُ المنازِلا
حكى دنِفاً أحشاؤُه قد تضرَّمتْبنارِ الأسى لو كان يشكو البلابِلا
به يبذُل الحسنَ المصونَ لمن بهِوفي غيرهِ لو كان ما كانَ باذِلا
ترى جدرَه كالعاشقينَ من الجوىغداةَ النَّوى تُبدي دموعاً هواطِلا
لقد شادَه نجمُ الهِدايةِ واحدُ الأفاضِلُ في الشَّهباءِ طولاً ونائِلا
منها في المديح:
وكم نمَّقتْ أفكارُه غلسَ الدُّجىرياضاً سقاها الفضلُ طلاًّ ووابِلا
حدائقُ لم يكسُ الهجيرُ نظيرهاذبولاً وقد تلقى الرِياضَ ذوابِلا
عرائِسُ تلقاها بضافِي ثيابِهافإن لاحَ ما فيهنَّ قلتَ ثواكِلا
تُجيبكَ عمَّا رمْتَ وهي صوامتٌومن ذا رأى خرسا تُجيب المُسائِلا
بدائِع فكرٍ للأواخِر وطَّدتْمحاسِن ذِكرٍ تستقلُّ الأوائِلا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع