تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

دَوْر (٢)

بما بِعطْفيْكَ من تيهٍ ومن صَلَفِتلافَ مُضناكَ قد أشفى على التَّلَفِ
فالموتُ إن عضَّتِ الأجفانُ أو فُتِحتْيا أكحلَ الطَّرفِ أو يا أزرق الطَّرفِ
لِسائلِ الدَّمعِ صِرتُ ناهِرْوسِرْتَ والقدُّ منكَ خاطِر
تدري الطَّعينَ وصدرُ الرُّمحِ لم يَصِلِما خاب من سأل الحاجاتِ بالأسَلِ

الأولان، والرابع لابن الوردي.

والثالث لابن نباتة.

والاثنان من موشح.

والآخران للشريف.

ومن مشهور شعر العصفوري قوله، في غلام يلعب بتفاحة:

بتفاحةٍ في الخدِّ وكَّل لحظَهُليحفظَها من ناظِري أن يؤُودَهَا
سها فهوتْ من خدِّه فهو دائِماًيُردِّدُها في كفِّه ليُعيدها

وقد سبقه إلى هذا أبو تمَّام غالب الحجَّام، في قوله:

عاينتُه وبخدِّه تفاحةٌقدْ ألبِسَتْ من وجنتيهِ بُرْدَهَا
يرمِي بِها في وجهِهِ ويظنُّهامن خدِّه سقطتْ فيبغِي ردَّهَا

وقوله في وصف جدول ماء:

لنا جدولٌ صَقَلَتْه الشَّمالُكما صقلَ القَيْنُ صافي الأثَرْ
جرى ذهباً في أوانِ الأصِيلكما قدْ جَرى فِضَّةً في السَّحَرْ

وقوله في فوَّارة ماء:

وفوَّارةٍ للماء تحسَبْ أنَّهاقضيبُ لُجَين فوقه عِقدُ جوهرِ
تُقابِلُها شمسُ الأصيلِ فتغْتدِيأناظيم شَذْرٍ خيطُه سِلكُ مرمَرِ
وتعطفُها ريحُ الشَّمالِ كأنَّهاقوام رَدَاحٍ في قِباءٍ مُعصفَرِ

ومن موشَّحاته قوله:

أيها المُمتنع الأوْصافِ عن إدراكِ مُدْرِكْ
أفلا يُمكنُ أن تجْعلني هِميانَ خَصرِكْ

يومَ أحظَى بِتلاقيكْ

وبكاساتِي أُساقِيكْ

وبأشواقِي أُلاقيكْ

مَرتِعي بين تراقِيْكَ ورُمَّاناتِ صدرِكْ
أجتَني سوسَنَ صُدغَيْكَ ونوَّارةَ ثغرِكْ

فحياتِي يوْمَ ألقاكْ

يومَ أستنشِق رَيَّاكْ

وتعاطِيني حُمَيَّاكْ

وأرى شمسَ محيَّاكَ بدَتْ في ليلِ شَعرِكْ
فهنا أنظِمُ دُرَّ اللَّثْمِ في لبَّاتِ نَحْرِكْ

أهصرُ العِطفَ وأضْمُمْ

وأُفدِّيكَ وألثِمْ

آخِذاً بالجيبِ والْكُمْ

وأجيلُ الخمسَ من يُمنايَ في جَونةِ عِطرِكْ
وأهُزُّ الغُصُنَ المُثْمِرْ من أعطافِ هصرِكْ

وله في القهوة:

سوداءُ مثلُ المسكِ لا كالنِّقْسِوجامُها الأصفرُ مثلُ الوَرْسِ
جالبةٌ للأنسِ بعد الأنسِحلَّتْ حُلول زُحلٍ في الشَّمسِ

وله في شريف تعذَّر:

طلعَ العذارُ بِخدِّ أهيفَ سيِّدٍأحسِنْ بخضرةِ نبتِهِ ورِياشِهِ
فمن الحياءِ تخالُه متلثِّماًأبداً بأول طيَّةٍ من شاشِهِ

وله في حامل شمعة:

وافَى وفي راحتهِ شمعهلها على وجنتِه لمعَهْ
فخلتُه البدرَ وفي كفِّهبهرامُ والمنزِلَةُ الهنعَهْ

وله:

له لسانٌ مُفرِط كذِبُهْكأنَّه مِقوَلُ صوَّاغْ
ووجهُه أقبحُ ما في الورَىكأنَّه راحةُ صبَّاغْ

راحة صبَّاغ: يضرب مثلاً لما يستقبح، ويشبه به ما لا يستنظف.

وله:

له كلَّ حينٍ على معتفيهِإذا أمَّهُ نعمةٌ سابِغهْ
كأنَّ يداً ملَّكتْهُ الرِّقابايدُ الباهليِّ على النَّابِغهْ

وله من قصيدة، مستهلها:

أُغاِلُ منه الجَفنَ أكحلَ أوْطفَاوأهصِر منه القَدَّ أسمرَ أهيفا
وأقطِف منه وردةَ الخدِّ غضَّةًوأرشِف منه خمرةَ الثغرِ قرقَفَا
ويعجِبني أنِّي أُقبِّل لحظَهُولم أرَ قبلي من يقبِّل مُرهفَا
أُفدِّيه معسولاً قوتَ قلبي تطفُّلاًوألتاذُ بالأقدامِ منه تلطُّفَا
بِسورِ عقيقٍ صان لؤلؤَ ثغرِهومدَّ عليهِ بالزَّبرجَدِ رفرفَا
أقام عليه حَيَّةَ الشَّعر حارساًوزرفْنَهُ بالصُّدغِ كنزاً مكلَّفَا
أُعدِّد أشجاني إليه إذا صحاوأُسهِر أجفاني عليه إذا غفَا
وأُوقظه أن لا يسوءَ مِزاجُهفأحسَب أني قد هززتُ مُثقَّفا
نظرتٌ إليه نظرةً فتلهَّفتْعليه حشاً لا تستطيعُ تلَهُّفَا
فصعَّد ما لو قابل الدمعَ ما طفَاوقطَّر ما لو سامتَ الوجدَ لانْطفَا
فقِستُ بدُرِّ الدَّمعِ لُؤلؤَ تغرِهفلم أدرِ أيًّا كان أصفَى وأصلفَا
ولم أرَ بدراً قبلَه ظلَّ كاملاًولا شمسَ حُسنٍ قبله لن تُّكسَّفا

وله وهو مما يُستعذَب:

سألته في ثغرِه قبلةًفقال ما أبردَ هذا السُّؤالْ
ما مرَّ غلا وحلا وصلُهُلو كانَ من يسمحُ لي بالوِصالْ
عطَّلني من وصلِه بالجفَاوالحمدُ لله على كلِّ حالْ

ابن نباتة المصري:

حَلُّوا بعقدِ الحسنِ أجيادهمْوحاوَلوا صبرِيَ حتَّى استحالْ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حلوا بعقد الحسن أجيادهم»
فآهِ من عاطلِ صبرٍ مضَىوالحمدُ لله على كلِّ حالْ
للشاعر ابن نباته المصري، اقرأ القصيدة

وله في ساقي قهوة:

ساقٍ يفوقُ السُّقاةَ كلَّهمُبالأدبِ السَّابريِّ والحِكمهْ
يبيتُ يسقيكَ من لطافتهِفي جامدِ النُّورِ ذائبَ الظُّلمةْ

وله من قصيدة مدح بها ابن الحسام المفتي، وكلها غرر؛ فلذا أثبتُّها برمتها:

نِظامُ سلوك القطْر في إبَرِ المُزْنِتخيطُ قميصَ النَّهرِ من ورقِ الغصنِ
وقدحُ زنادِ الرَّعدِ في راحةِ الصَّبايؤجِّجُ نارَ البرقِ في فحمةِ الدَّجنِ
ورشفُ رُضابِ الطَّلِّ من أكؤسِ الرُّبَىيُرنِّحُ عِطفَ الغصنِ لا قرقفُ الدَّنِّ
وتزريرُ حبيبِ الشَّمسِ يؤذنُ بالحيالما قامَ غصنُ البانِ منحسِرَ الرُّدنِ
وخطُّ عِذارِ النَّهرِ أشكلَ رسمُهُفأعربتِ الورقاءُ عنهُ بلا لَحنِ
وتنكيسُ رأس الغصنِ في الرَّوضِ مشعرٌبإصغائهِ مستملياً كلما تعني
وتقطيبُ ثغرِ الزَّهرِ يضحكُ بالندىكما ضحكتْ تلكَ الطيورُ بلا سنِّي
وقد نُصبتْ للنَّوءِ في الجوِّ خيمةٌتكنَّفتِ الأقطارَ من ناصعِ القطنِ
وهبْ صباً أحيتْ مواتاُ من الربىكأن هبَّ إسرافيلُ ينفخُ في القرنِ
إذا سلَّ سيفُ البرقِ من جفنِ مزنةٍأسالَ دموعَ القطرِ من ذلك الجفنِ
ودونَ عُقاب الجوِّ إن عنَّ ضوءُهُأطار غرابَ اللَّيلِ عن سحبٍ دكنِ
تخالُ عنانَ اللَّوحِ بحراً ملجَّجاًعلى متنه تلكَ السَّحائبُ كالسُّفنِ
وللنَّوءِ قوسٌ أوترِ الجوَّ متنهُنبالَ سناً ريشتْ بأجنحةِ المزنِ
موشَّى الحنايا دبَّجتهُ شياتهُكما دبَّجَ الطَّاووس قادمهُ المحني
كان قد أتى فصلُ الرَّبيع تخالهُأصالةَ معنًى رامهُ رائقُ الذِّهنِ
كأن قد تهادى الغصنُ في عذباتهِكما اهتزَّ تحتَ الخزِّ قامةُ ذي حسنِ
وإلا كما اهتزَّتْ يراعةُ سيِّديبما أثمرتْ بالمنِّ والأمنِ واليمنِ
عمادُ ذوي الفُتيا وعصمةُ أهلهاوحصنهمُ أكرمْ بذلك من حصنِ
له السُّمعةُ الحسناءُ في المدنِ والقرىومعدلةُ القسطاسِ في الإنسِ والجنِّ
إذا ظنَّ منه الرفدَ يوماً مؤمِّلٌأبا كرماً أن يبدل الظَّنِّ بالظَّنِّ
جزاني جزاهُ الله خيرَ جزائهِوبوَّأهُ قصوى مكارمهِ عنِّي
وعلمني نظمَ الأناشيدِ فضلهُوقد كانَ شعري قبلُ أبردَ من صِنِّ
وإنِّي مهما غبتُ عنه لمجهدٌبإمداحِ ما تحوي مناقبهُ ذهني
أواصِل ذِكراهُ مساءً وغدوةًوشكرُ الَّذي أسدى إليَّ من المنِّ
مثابتهُ أمني ومثواهُ كعبتِيوفي بابِه حجِّي وعقونُهُ رُكنِي
ومن أنا يستدعِيهِ بالكُتبِ مثلُهُأجلْ هذه واللهِ فاتِحةُ اليُمنِ
أطعْتُ ولكنِّي اشتغلْتُ وأينَ ليويقبُحُ من مثلِي أطعْتُ ولكنِّي
وهل أنا إلا عبدُهُ القِنُّ أقتضِيجميع الَّذي يقتضِيهِ في عبدِه القِنِّ
وقد جِئتُه من بعدِ لأيٍ مهنِّياًبه رمضانَ العامِ تهنَئةَ المُثنِي
أزُفُّ إلى عليائِه كلَّ غادةٍتجوسُ حِمى الآذانِ منه بلا إذنِ
تقيهِ من البأساءِ في الدِّينِ والعُلاوفي النَّفسِ والأهلينَ والمالِ والإبنِ
دُعاءٌ إذا ظُنَّ القبولُ فإنَّنيأحقِّقُ أنَّ اللهَ يقبلُهُ منِّي

ومن إنشائه ما كتبه لبعض الأدباء بدمشق، جواباً عن كتاب: المحبة وما أدراكْ، والعلاقة وياما هناكْ.

إلطافٌ كله ألطاف، وإتحافٌ فضله غير خافْ، وقطافٌ جناها لطافٌ، ونطاف تمرِع المرابع والمصطاف.

تطلق من لسان الألكن، وتغلق مقول المصقعْ الألسنْ.

وتلين العريكة، وتهين ذي الأريكة الوريكة.

وتذهب بذي الطِّباع السَّليمة، إلى طمأنينةٍ خليقة وسلالةٍ شكيمة.

والحُبُّ أوَّلُ ما يكونُ لجاجَةًفإذا تمكَّنَ صارَ شغلاً شاغِلا

شمسٌ لها مطلعان، وسهمٌ له موقعان، وجهةٌ لها قبلتان، وقضيَّةٌ لها نتيجتان، عقدُها لازمٌ من الطَّرفين.

والمجد روضه مريع، ودهره ربيع.

ورده صاف، أشتى أو صافْ.

ليله كلُّه سحرْ، وغسقه جميعه قمرْ.

عيشه عيش السلاطينْ، وطيشه طيش الشياطينْ.

وأنينه أنين الشَّاكين الباكين، وحنينه حنين المتباكين المساكينْ.

ليس لمسكينِ الهوَى راحِمٌولا لمقتولِ الهوَى من يدِي

وهو والملك سوا، لولا النَّوى.

وهو والعروش سيَّان، لولا اللَّيانْ.

ينقضي دهره في أين وأنَّى، وكيف وعسى، وحتى ومتى، ولو ولولا، وأيَّان وبينا.

وبينا تفِي بالوعدِ أهلكُ إنَّ ليفؤاداً عَجولاً والوِصالُ على مهلِ

وقته هنَا، بتساويف المُنى.

ويومه عيدٌ، بأمانِيِّ المواعيد.

إن برقتْ بارقة، ظنَّها وارِقة.

أو خفقتْ خافقة، خالِها صادِقة.

وإن صبَّ صبا، مالَ وصبَا.

وإن ساجعٌ عنَّ حنَّ، وإن عنَّى مغنٍ اهتزَّ وارجحَنْ.

كمَا انتفضَ العُصفورُ بلَّلهُ القطرُ

ويلمِّه، ما أهمِّهْ.

ويا عولةَ أبيهِ، ما أكثر تغابيهِ.

يرقبُ سهيلا في اللَّيل، ويعثر للويل بالذَّيل.

يأخذ الوصال بالمثاقيل، ويعطي درَّ دمعه بالمكيل.

وهو إذا جاد باكي العيون، مجنونٌ كالجواد المعيون.

مشغوفٌ، كالبعير المأنوف.

إن تهدَّد هاد، وإن ردَّ أراد، ومتى قيد انقاد، وأيَّا ما ارتدَّ راد وارتاد.

فلا معين فيه إلا به، ولا مفرَّ منه إلا إليه.

وكيما تكون تطبُّعاً أو طِباعاً، تكون نظراً أو سماعاً.

فالنَّظرية، دارتُها قمريَّة.

والسَّماعيَّة، دائِرتها طَماعيَّة.

ومن لي بأن ينقلب السَّمعُ نظراً، كما تحوَّل الخُبرُ خبراً.

وقد ورد أعزَّك الله كتابك البعيد الوصف، البديع الرصف.

ففضضتُ صدفةً وثيقةً عن درٍّ مكنون، وحظيتُ منه أبكارَ عرائس منتقبةً كالجوهر المصون.

وشفيت الغليل من ميماتِ ثغوره، وصاداتِ عيونه.

وسرَّحتُ طِرفَ طَرفي في رياضه، وأوردتُ عقيلة عقلي في زلال حياضه.

وجست خلاله، وتفيأتُ ظلاله، وأكثرت إكرامه وإجلاله.

حتى لاحت لي غرَّة الدُّرة، وشمت مخِيلة الخميلة، ولمعت بارقة الشَّارقة.

فيا لك من درٍّ يكال ويتَّزن، ومن حسن ألفاظٍ يزان ولا يزن.

فحفظ الله من نظَّم سلكه وأحسن تألفه، وأبقى ملكته التي وطَّدت في الآداب ملكه، ورحم من خلفه.

وقد تطَّفل المحب بهذه العجالة على جنابه، فليغضِ عليه طرف حلمه، وليجرِ في التَّرسُّل على سننه ورسمه.

السيد أحمد بن علي الصَّفُّوري حسيبٌ طرَّز كمَّ الأحساب، ونسيبٌ باهت بنسبته الأنساب.

محلُّه سرُّ المطلوب، وقرارة محبَّته حبَّة القلوب.

من سراةٍ أنوفهم شم، ووجوههم غر، وعزَّتهم قعساء، ونسبهم حر.

لهم القدر الأغلى، وشرفهم الشَّرف الأعلى.

وهو ممن تأثَّل مجده في بحبوحة ذلك الشَّرف، وتبوَّأ من السِّيادة أسنى الغرف.

مرتويةً أفياؤه بماء النبوَّة، متأرِّجةً أرجاؤه بعبير الفتوَّة.

مع مهارةٍ في العلوم، ومحاضرةٍ مستفزةٍ للحلوم.

وأخلاقٍ صقلها الكرم الوضَّاح، وطبيعةٍ شغف بها الكمال الفضَّاح.

وله أدبٌ تردَّى بالبراعة وتوشَّح، وشعرٌ استعدَّ للقبول التامِّ وترشَّح.

فمنه قوله:

أيا ربِّ قد مكَّنتَ في القلوبِ حبَّهُوحكَّمتهُ في الصبِّ بالقولِ والفعلِ
وألهمتهُ الإعراضَ عنِّي ولم تدعْلقلبيَ صبراً عنه في الهجرِ والوصلِ
فألهمهُ إحساناً إليَّ فليس ليسوى لُطفكَ المعهودِ إن لم تكنْ تُسلي
وإلا فسوِّ الحبَّ بيني وبينهُفإنَّك يا مولايَ توصفُ بالعدلِ

وهذا أسلوب لطيف، وهو نقل أسلوب من الكلام إلى آخر تظرُّفاً، كاستعماله في الغزل ما عهد وروده في الدعاء والمناجاة.

كقول صدر الدين بن الوكيل:

يا ربِّ جَفني قد جفاهُ هجوعهُوالوجدُ يعصي مهجتي ويطيعهُ
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «يا رب جفني قد جفاه هجوعه»
يا ربِّ قلبي قد تصدَّعَ بالهوىفإلى متى هذا البعادُ يروعهُ
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «يا رب جفني قد جفاه هجوعه»
يا ربِّ بدرُ الحيِّ غابَ عن الحمىفمتى أراهُ وفي القبابِ طلوعهُ
يا ربِّ في الأظعانِ سارَ فؤادهُيا ليته لو كان سار جميعهُ
يا ربِّ لا أدعُ البكا في حبِّهمْمن بعدهمْ جهدُ المقلِّ دموعهُ
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «يا رب جفني قد جفاه هجوعه»
يا ربِّ عذِّبْ في الهوى من ساءنيبمقالهِ أحلى الهوى ممنوعهُ
يا ربِّ هذا بينه وبعادهُفمتى يكونُ إيابهُ ورجوعهُ
للشاعر صدر الدين بن الوكيل، من قصيدة «يا رب جفني قد جفاه هجوعه»

ومثله استعمال الغزل على طراز الأوامر السُّلطانيَّة، كقول الشاب الظريف:

أعزَّ الله أنصارَ العيونِوخلَّدَ مُلكَ هاتيكَ الجفونِ
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أعز الله أنصار العيون»
وأسبغَ ظلَّ ذاكَ الشَّعرِ يوماًعلى قدٍّ به هيفُ الغصونِ

وللسيد أحمد، كما رأيته بخطه:

إذا أنتَ لم تقربْ يناجيكَ خاطريوإن تدنُ منِّي فالجوارحُ أعينُ
لأنَّكَ مطلوبي على كلِّ حالةٍوإن أكُ مختاراً فرؤياكَ أحسنُ

ورأى حكمةً تؤثر عن الإمام محمد بن الحنفية، وهي: ليس بحكيمٍ من لم يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بداً، حتى يجعل الله له فرجاً، ومن الضيق مخرجاً.

فنظمها في قوله:

إذا أنت لم تقدرْ على تركِ عشرةٍلذي شوكةٍ فانصحْ وعاملهُ بالرِّفقِ
ولا تضجرنْ من ضيقِ ما قد لقيتهُعسى فرجٌ يأتيكَ من خالقِ الخلْقِ

وكتب إلى صديقٍ له يعتذر عن وعدٍ لم يوفِّه:

أيا من فضلهُ والجودُ سارامسيرَ النَّيِّرينِ بلا معارضْ
وعدتكَ سيِّدي والوعدُ دينٌولكن ما سلمتُ من العوارضْ

السيد محمد بن علي، المعروف بالقدسي فرعٌ من شجرةٍ طيِّبة المنابت، ثبت أصلها وزاحمت أغصانها الثَّوابت، تسامت بنسبة النُّبوَّة معاليها، واخضرَّت بماء الرسالة أعاليها.

فكأنما كُسيت من سندس الجنَّات، فشفَّت عنها مرآة الزَّمان بأحسن الحسنات.

وهذا السيد وإن قاربت رحلته من السنين المائة، فذكره مخلَّدٌ في ألسنة الجيل بعد الجيل والفئة بعد الفئة.

تتحاسد على رقة طبعه الطِّباع، كما تتحاسد على رباعه المقدَّسة الرِّباع.

فروض فضله ممرِع خصيب، وله في الأدب الغضِّ أوفى حظٍّ ونصيب.

إلا أنه في آخره غلبت عليه سوداؤه، فبلغ من نفسه ما كان يتوقَّع أن يبلغه أعداؤه.

فمن شعره، قوله في هجاء الشمس بن المنقار، لما تعصَّب على الداودي، ومنعه التحديث:

منعْتَ ابن داوُدَ الحديثَ بجلِّقٍوما مثلهُ في الشَّامِ والله من قارِ
وتزعُمُ حصرَ العلمِ فيكَ بجلِّقٍفتنقرُ أهلَ العلمِ فيها بمنقارِ
سيأتيكَ من ربِّي بلاءٌ وفي غدٍستلقى بوجهٍ يا ابن منقارَ من قارِ

وحكى البوريني أنه صحبه إلى منين، في يوم أديمه مطرزٌ، ونديمه في مجلس أنسه معزز.

فحلوا في روضٍ نسام، يضحك عن زهرٍ بسام.

أصائله متوافقة مع أسحاره، وشمسه لا ترى إلا من فرج أشجاره.

بين ماءٍ يتدفق، وهواءٍ عن المسك يتقتَّق.

وبينهم حديثٌ أحلى من الشهد في الفم، وألذُّ من قبل الغيد عند الضَّم.

فلما دنا وقت الظِّهيرة، ولفح حرُّ الهجيرة.

انفرد السيد في مكان، ليأخذ من القيلولة حظًّا بقدر الإمكان.

فخاطبه البوريني:

بحقِّكَ خلِّي لا تُضعْ فرصةَ المنىوبادرْ إلى هذا الغديرِ المسلسلِ
وإن لم تجد زهرَ الرِّياضِ فإنَّنانريكَ زهوراً من كلامٍ مرتَّلِ

فنشط من ذلك المقيل، نشاط مالك إلى أخيه عقيل.

ثم كتب في وصف المجلس بيتين:

على غديرٍ جلسنا في مفاوضةٍودوحهُ قامَ من سوقٍ على ساقِ
فخلتُ أغصانَ ذاك الدَّوحِ باكيةًتريدُ تكتُب ما نُملي بأوراقِ

فخاطبه البوريني:

جلسنا بروضٍ فيه زهرانِ أُسقيابماءِ افتكارٍ والمياهِ الدَّوافقِ
فمن زهرٍ يُبديه روضُ كلامناومن زهرٍ يبديه روضُ الحدائقِ

ولما رجعوا من منين، مروا على التل، فأقاموا بها يومهم يروون الأبصار من روضة المبتل، ثم فارقوها، فكتب السيد إلى البوريني يداعبه:

أيا روضةَ الآدابِ والفضلِ والحجاومن فاقَ في جمعِ الكمالِ على الكلِّ
تُرى هل يعودُ الدَّهرُ يوماً بجمعنافنرقى كما شاءَ الفؤادُ على التَّلِّ

فراجعه بقوله:

أيا سيِّدَ الساداتِ يا من بنانهُتضيفُ الورى بالجودِ في زمن المحلِ
إذا ساعدَ الحظُّ السَّعيدُ فإنَّنانطلُّ على الوادي ونرقى على التَّلِّ

وكان بدمشق خطيبٌ يعرف بابن يونس، أعرج أعوج، كما قال الفاضل: قامت العصا بيده مكان رجله، وقلَّت أعواد الأغصان من أجله.

وكان متَّهماً في الاعتقاد، لا يزال يرميه سهم الانتقاد.

وكان من جهله يتعرَّض للفتيا، ويعدُّ نفسه أثقب القوم رأيا.

فكتب يوماً على حكمٍ لقاضٍ: إنه باطل، ومن حلْي الحقيقة عاطل.

فأحضره القاضي في مجلسٍ غاص، جمع بين عالمٍ وخاص.

ثم أفسد ما قاله، وما أهمله من التِّعزيز ولا أقاله.

فكتب بعض القوم فيه رسالة أوسع فيها المقال، وقرَّظ عليها علماء ذلك العصر، ومنهم السيد فقال: وقفت على هذه الرسالة، التي سارت بسيرتها الرُّكبان، وتناقلها أكابر الفضلاء في هذا الزمان.

فوجدتها غريبة المثال، معربةً عن قائلها بأن لسان الحال أفصح من لسان المقال.

قد تضمَّنت ما انطوى عليه هذا الغمر من القبائح، وما انتشر منه في هذا العمر القصير من الفضائح.

فإنه قد مشى على غير الاستقامة، حسًّا ومعنًى، وأنشد قول القائل في ذلك المعنى:

من يستقمْ يُحرمْ مناهُ ومن يزغْيختصُّ بالإسعافِ والتَّمكينِ
انظرْ إلى الألفِ استقامَ ففاتهُعجمٌ وفازَ به اعوجاج النُّونِ

تصدَّر للفتيا مع أنه أجهل من توما الحكيم، وأنصفه حمار ابن حجيج فركبه في الليل البهيم.

قد فتح فاه بجهله، وصدَّر فتياه بقوله: الحمد لله سبحانه، والشكر له تعالى شانه.

ولم يميز في السَّجعتين بين الفاعل والمفعول، فكأنه اشتغل بباب البدل مع حبه فحصل له هذا الذُّهول.

لأنه رأى في كتب النُّحاة المهذَّبة، أن الفاعل على ما أسند إليه فعله، فظنَّه بهذه المرتبة.

ولو سئل لأبرز من ضميره هذا الخاطر، وحلف بأبي حمزة أن هذا هو الظَّاهر.

لا يستوي معربٌ فينا وذو لحنٍهل تستوي البغلةُ العرجاءُ والفرسُ

وطالما عرج على درج المنبر، وجعل أمرده أمامه، ولولا النَّقيَّة لجعله إمامه.

وما تلفَّت على المنبر يميناً وشمالاً، إلا ليقتنص ظبياً أو يصيد غزالا.

وإذا ترنَّم وأظهر الخشوع، واهتزَّ لغير طربٍ وأجرى الدُّموع.

فلأجل مليح رآه عند المحراب، ولم يستطع أن يشافهه بالخطاب.

أو ليخدع بعض الحضَّار، من الأتقياء الأخيار.

فأنشدتُه ارتجالاً، وأنفاسي تتصعَّد، ومهجتي بنار الكمد تتوقد:

أفاضلَ جلَّقٍ أين العلومُوأين الدِّين مات فلا يقومُ
يُجاهركمْ خطيبكمُ بفسقٍويُفتي فيكمُ توما الحكيمُ

وما أراه ارتقى هذه المكانة، إلا بالرشوة والتزوير والخيانة.

وما كفاه أخذه التَّدريس بالتدليس، وخوضه في الفتن التي فاق فيها على إبليس.

حتى دخل على العلماء من غير باب، وردَّ أقوالهم بغير صواب.

تراهُ مُعدًّا للخلافِ كأنَّهُبردٍّ على أهلِ الصَّوابِ موكَّلُ
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «غذوتك مولودا وعلتك يافعا»

فيا أيها المجتري، والغمر المفتري.

أراك قد سوَّل لك زعمك الفاسد، وصوَّر لك فكرك الكاسد.

أن الله قبض العلماء ولم يبق منهم أحد، واتخذ الناس رؤساء جهَّالاً في كل بلد.

فتضلَّ الناس كما ضللت وتعدَّيت، وتنفق بضاعتك الكاسدة بقولك أفتيت.

قولوا لأعرجَ جاهلٍ مُتكبِّرٍقد جاءَ يطلبُ رفعةً وتقدُّما
دعْ ما ترومُ فإنَّ حظَّكَ عندناتحت الحضيضِ ولو عرجتَ إلى السَّما

كلا، إن أمرك مما يدل على جهلك المركَّب، وعدم فهمك الذي هو من ذاك أعجب.

إنك ترى دمشق مشحونةً بالأفاضل، الذين ليس لهم في الدهر من مماثل.

وهم مشغولون بالعلوم وتحريرها، وتنقيح المسائل وتقريرها.

وأنت تغالط بنفسك، وتدخلها مع غير أبناء جنسك.

وتترفَّع على من لا يرتضيك لتقبيل رجله، ولا يراك أهلاً لخدمة نعله.

دع الفخر فلست من فرسان هذا الميدان، ولا أنت ممن أحرز قصب السبق يوم الرهان.

وما لك شيخٌ في العلوم والتدريس، سوى أبي مرة اللَّعين إبليس.

فما زلت تسلك في مسالكه، وتقع في مهاوي مهالكه.

حتى أنشد لسان حالك، في قبيح سيرتك وخبث أفعالك:

وكنتُ فتًى في جندِ إبليسَ فارتقىبي الحالُ حتى صارَ إبليسُ من جندي
فلو عشتُ يوماً كنتُ أحسنُ بَعدهُطرائقَ فسقٍ ليس يحسنها بعدي

ولما تبيَّن أمرك طردك حضرة المولى وأقصاك، وحجب سمعه عن تُرَّهاتك وما أدناك.

فتضاعف له الدُّعاء من سائر الورى، وترادف له الشُّكر من أهل المدائن والقرى.

فالله يمدُّ أطناب دولته السَّعيدة، ويديم صولته الشَّديدة.

بمحمدٍ وآله، ومن سلك على منواله.

حفيده السيد محمد بن علي هو الحفيد السيِّد، صاحب القريض الجيد.

له الطلاقة الهادرة، والبداهة الغريبة النَّادرة.

أدركته وقد شاخ، لكن جمر عزمه ما باخ.

ورماه وهن العظم، بكلال الخاطر عن النَّظم.

إلا أن له في مصادمة الشدائد قوَّةً نفسيَّة، هي أحرى بأن تُمدَّها قوَّةٌ قُدسيَّة.

فهو في حلِّه وترحاله، وخصبه من الآمال وإمحاله.

لا يقرُّ له قرار، ولا ينجلي له سرار.

كأنَّ له عزماً لا يرى بدًّا من إمضائه، ودَيناً في ذمَّة الأيام لا ينثني عن اقتضائه.

وربَّما نال في بعض الوثبات، ما يجدِّد العزائم والرَّغبات.

حتى جاء من العمر على أوفاه، واقتصَّ من مداه الطَّويل واستوفاه.

وقد أثبتُّ من شعره ما كسا أعطافه بروداً مُخضرَّة، وصيَّره في الإشراق للشمس ضرَّة.

فمن ذلك قوله في قصيدة، مطلعها:

يا نسمةً نَسمتْ حبيبيوتمسَّكتْ منهُ بطيبِ
وغدا يُحرِّكُ لُطفهاأعطافَ باناتِ الكثيبِ
تمشي وتسحبُ ذَيلهاقبل العيونِ على القلوبِ
إن جُزتِ وادي جِلَّقٍوحللْتِ بالرَّوضِ الرَّحيبِ
ونظرتِ أقمارَ الحمىومررتِ بالظَّبيِ الرَّبيبِ
ورأيتِ من لفتاتهِما منهُ أشجانُ الكثيبِ
وصدفتِ مُتلفَ مهجتييزورُّ باللحظِ الغضوبِ
يرمي سهامَ لحاظهِفترى النُدوبَ على النُّدوبِ
يرنو فلا يُخطي الحشاويلاهُ من سهمٍ مصيبِ
أو جزتِ أرضَ النَّيربينِ مع الصَّباحِ أو المغيبِ
ودخلتِ جامعها الشَّريفَ مُقامَ أرباب القلوبِ
ورأيتِ بالشَّرفينِ مايدعو المحبَّ إلى الحبيبِ
وسمعتِ بُلبلها ينادِينا بحيَّ على الطروبِ
ونظرتِ وَرقاها تجسُّالعودَ بالكف الخضيبِ
أو ضعتِ بالمرجِ النَّضيرِ قفي القليلَ وعرِّضي بي
واقري التَّحيَّة أهلهُعنِّي وبالتَّذكارِ نوبي
واستنطقي بالدُّفِّ ثمَّالجُنكِ أنواع الضُّروبِ
ثم الثمي الخلخالَ فيشوقِ الغصونِ مع الكعوبِ
فسقى دمشقَ وما حوتْمن أنهرٍ مثلُ الضَّريبِ
فلبانياس ورقمهِنقشٌ على كفِّ رطيبِ
وببَردهِ بردى يزيلُ لجينهُ صدأ القلوبِ
قنواتها برحيقها المختومِ فضيِّ الصَّبيبِ
ويخور ثوراها فيروي الحرثَ من تلك الشُّعوبِ
كم وجنةٍ من عقربافيها بدا أخفى دبيبِ
ويزيدُ دمعي إن ذكرتُ يزيدَ سحًّا بالنُّقوبِ
ما جئتِ داعيةَ الهوىإلا وداراني رقيبي
وإذا ذكرتِ مقاسمَ اللَّذَّاتِ لا تنسيْ نصيبي
يا نفسُ مالي إن ذكرتُ سوى دمشقٍ لا تُجيبي
أصفَتْك خالص ودِّهاوحمتكِ من مسِّ اللَّغوبِ

ومن مقاطيعه قوله:

جذبتُ بمغناطيسِ لحْظيّ خالهُفصارَ لجفني ناظراً وعلاجا
ومذْ خفتُ من عينِ المُراقبِ أنبتتْدموعُ زفيري للجفونِ سياجا

وله من قصيدة، أولها:

أما آنَ أن تُقضى لقلبي وعودهُويورقُ من غصنِ الأحبَّةِ عودهُ
فقد شفَّهُ داءٌ من الصَّدِّ مُتلفٌوليس له غيرُ الضَّنى من يعودهُ
وما حال مشتاقٍ تناءتْ ديارهُوأحبابهُ مُضنى الفؤادِ عميدهُ
يراقبُ من دورِ النَّسيمِ إرادةًفإن جاءهُ يذكي الجوى ويزيدهُ
حكى النَّجمَ بين السُّحبِ يبدو ويختفيإذا سال أجفاناً وثار وقودهُ
ولو كان يسعى للزَّمانِ ممكَّناًلسارَ ولكن أثقلتهُ قيودهُ

ومن أخرى:

سلوا الجُؤْذُرَ الفتَّاك بالمُقلةِ المرضىأبا للَّحظِ أم بالقدِّ أحرمني الغمضا
فإن كان غيري حبُّه شابه سوىفإنِّي امرؤٌ حبِّي له لم يزل محضا
أرى حبَّ غيري سنَّةً ومحبَّتييقيناً على هجرانهِ لم تزل فرضا
لقد طال بي ليلُ الصَّبابة والمنىفهل لي من وصلٍ به مهجتي ترضى
وبي ساخطٌ أمَّا هواهُ فمالكٌمن المهجةِ المقروحةِ الكُلَّ والبعضا

وله من أخرى، مستهلها:

سواكَ بقلبيَ لم يحلُلِوغيرُ مديحكَ لم يحلُ لي
وغيركَ عند انعقادِ الأمورِإذا اشتدَّتِ الحالُ لم يحللِ
قصدتكَ سعياً على ضامرٍحكاني نحولا ولم ينحُلِ
يكادُ يسابقُ برقَ السَّماولولا وجودُك لم يعجلِ
وجرَّدتُ من خاطري صاحباًلشكوى الزَّمانِ وما تمَّ لي
أعاطيهِ كأسَ الهوى مُترعاًشكاةً فألقاهُ لم يملَ لي
وصحبٍ بجلَّقَ خلَّفْتهمْسواهمْ بقلبيَ لم ينزلِ
وخضتُ بدمعيَ مذ فارقواوبالصدِّ منزلُ قلبي بلي
فقلتُ لجاري عُيوني قفالذكرى حبيبٍ مع المنزلِ
وفتَّانةٍ سمتُها وُصلةًفأصْمَتْ بناظرها مقلتي
بقدٍّ تُرنِّحهُ ذابلاًوخدٍّ به الوردُ لم يذبلِ
مهاةٌ من الحورِ في ثغرهارحيقٌ من الرَّائقِ السَّلسلِ
لخَتمِ الجمالِ به شامةٌتهيجُ البلابلَ كالبلبلِ
تحرَّشَ طرفي بألحاظهاوكان من العشقِ في معزلِ
فآبتْ بمُهجتهِ للحمىأسيرَ ظبا طرفها الأكحلِ
وقدَّت شراكَ دُجى شَعرهافصادتْ لطائرِ دمعي ولي

وله من أخرى، أولها:

من سامعٌ لشكايةِ المظلومِمن يومِ أصمتهُ ظباءُ الرُّومِ
هذا بلفتته وذا بعيونهيرنو وذاك بخَصره المهضومِ
من حين صرَمني بصارم لحظهِورعى فؤادي مثل ظبي صريمِ
أُنسيتُ أهوائي وعفتُ لذائذيوبه غرامي كان صاحِ غريمي

منها:

لولا حلاواتُ الوعودِ وصدقُهاما سرَّ موسى موعدُ التَّكليمِ
والشُّهبُ لا يأتي الكمالُ لبدرِهاإلا بُعيدَ النقصِ للتَّتميمِ
والسُّمرُ لا تُخطى إذا ما ثقِّفتْبيديْ خبيرٍ بالصِّعادِ عليمِ
والمرءُ لا عارٌ عليه إذا تحاربتْ الجدودُ وخُطَّةُ التَّعظيمِ

محمد الجوخي نبيه نبيل، ما إلى استيفاء صفاته سبيل.

له الحيا المنهل، والمحيَّا المستهلّ.

والبشرة النَّيِّرة، والأفعال الخيِّرة.

وهو مع انتعاشه، وسلامة أسباب معاشه.

بعيد الهمِّ في توفير الهمَّة، مستعملٌ للأهمِّ في الأمور المهمَّة.

مدُّه بلا جزر، وفضله غير نزر.

لم يؤت جمعه من قلَّة، إلا أن شعره دون قُلَّة.

فمنه قوله، وكتب به في صدر رسالة لبعض أحبابه:

وما شوقُ ظمآنِ الفؤادِ رمتْ بهصروفُ اللَّيالي في ملمَّعةٍ قفرِ
شكى من لظى نارين ضُمَّتْ عليهماأضالِعُه نارَ الهجيرِ مع الهجرِ
يُروِّي غليلَ الأرضِ من فيضِ دمعهوليس له جهدٌ إلى غللِ الصَّدرِ
إلى عارضٍ من مزنةٍ عطفتْ بهنسيمُ صبا الأحباب من حيثُ لا يدري
بأبرحَ من شوقي لرؤيتك التيأعدُّ لَعمري أنها لذَّةُ العُمرِ

ولده أبو اللُّطف ماجد تكوَّن عنصره من معدن اللُّطف، وغازلت عيون أشعاره الجفون الوطف.

رَبا مَقضِيَّ الأرب، معانق الحظوة والطرب.

تزهو به أربعٌ وأدواح، وتنثر على مراده أنفسٌ وأرواح.

إلا أنه احتضر وهو صغير السن فتِيُّه، واهتُصر وهو رطب الغصن طريُّه.

وله شعرٌ من ماء الشباب مرتوي، إلا أنه كبا كورةِ الثِّمار، منها فجٌّ، ومنها مستوي.

فمنه قوله:

بعيشكمُ أهلَ الصَّبابة والصِّباأقلْباً رأيتمْ مثل قلبي مُعذَّبا
فلم أرَ لي في محنةِ الحبِّ مُنجداًولم أستطعْ من فيضِ دمعي تحجُّبا
وقد صرتُ من حرِّ الفراقِ بحيثُ لويشاهدُ حالي كلُّ واشٍ تعجَّبا
فيا ليت من أهواهُ في الليلِ زائريفمثلي معنًّى صار في حبِّه هبا
سألتُ الذي قد قدَّر البُعدَ بينناسيجمعنا يوماً يكونُ له نبا

وقوله:

قلبٌ تقلَّبَ في قليبِ محبَّةٍحتى القرارِ ولم يقرَّ وجيبهُ
متردِّدٌ بين المنيَّةِ والمنىمتودد خلاَّ حلا تعذيبهُ
لم يبرَ من حُبٍّ برى أعضاءهُإذ عَمَّ غَمَّ هو الصَّبا وصبيبهُ
حاكى معينُ العينِ عيناً إذ جرىوعقيبَ ذا وادي العقيق يُجيبهُ
بل رامَ أن لو ريمُ رامةَ زارهُضيفاً يزورُ الطَّيفَ يطْفَ لهيبهُ
وأصابَ لمَّا أن صبا الأوصابِ صُبَّتْ فوقه ورمى أصابَ مصيبهُ
أنفاسهُ نبراسهُ في ليلهِأو هلَّ هجرٌ ما علاه مشيبهُ
قد شابَ فوْداهُ وشبَّ فؤادهُمذ طال حين شبا بهِ تشبيبهُ
من بعدِ بُعدٍ يصطلي في نارهِلم يسلُ أصلاً لو سلاهُ حبيبهُ

وكتب إليه محمد الحادي الصَّيداوي، يطلب منه شدًّا:

يا أبا اللُّطفِ إنَّ لُطفكمْليس يُحصى بكثرةِ العدِّ
شُدَّ وسطي بما ترى كرماًولا تُماطل فكثرةُ الشَّدِّ

فسيَّر له ما طلب، وكتب معه:

مقصدُ ذا العبد من تفضُّلكمْمن غيرِ مَنٍّ قبولُ ذا الشَّدِّ
قد سدتَ فضلاً وشدتَ كلَّ علاًوقد شدَدتَ القلوبَ بالودِّ

تاج الدين بن أحمد المحاسني هو لمفرق الرِّياسة تاج، ولراية السماحة عقيلة نتاج.

رحل مراراً إلى القاهرة مهاجراً، واعتمدها في طلب العلم تاجراً.

ليجتهد في جمعه وكسبه اجتهاد مغترب، ويملأ من بضائعه ونفائسه وعاءٍ غير سرب.

فما رجع حتى خوَّله الله كمال محاسنه ومحاسن كماله، وأمدَّ جمال رونقه ورونق جماله.

فأقام له الذِّكر المستطاب، والثَّناء الذي ملأ الوطاب.

وهو في الأدب وأنواعه، جامعٌ لإبداعه وإيداعه.

وله كلماتٌ تنشئ الزَّخارف، وتتعلَّم منها النَّقد الصَّيارف.

وقد أوردت من شعره، ما يغالي في سعره.

فمنه ما كتبه في صدر رسالةٍ من مصر إلى ابنه محمد:

أبداً إليكَ تشوُّقي يتزايدُولديكَ من صدقِ المحبَّةِ شاهدُ
وأليَّةً إنَّ البعادَ لمتلفيإن دامَ ما يُبدي النَّوى وأكابدُ
كم ذا أعلِّلُ حرَّ قلبي بالمنىفيعيدهُ من طولِ نَأيكَ عائدُ
جار الزَّمانُ عليَّ في أحكامهِولطالما شكتِ الزَّمانَ أساودُ

فيه نقد، إذ الأساود جمع أسود، وهو العظيم من الحيَّات، وليست من عظم القدر بمثابة أن يُلتفت إلى شكايتها من الزمان، وكأنه ظنَّ أن الأساود جمع أسد، وليس كذلك.

والدهرُ حاولَ أن يصدِّع شملنافامتدَّ منهُ للتَّفرُّقِ ساعدُ
يا ليت شعري هل يرقُّ وطالماألفيْته لأُلِي الكمال يعاندُ
أشكوكَ للمولى الذي ألطافهُتُزري الخطوبَ إذا أتتْ وتساعدُ

وله:

يا أحبَّايَ والمحبُّ ذكورٌهل لأيامِ وصلِنا من رجوعِ
وترى العينُ منكمُ جمعَ شملٍمثلما كان حالةَ التَّوديعِ

وأهدى إلى بعض العلماء سجادة، وكتب معها:

مولاي قد أهديتُ سجَّادةًهديةٌ من بعضِ إنعامكمْ
فلتقبلوها إذ مُرادي بأنتنوبَ في تقبيلِ أقدامكمْ

مثله للشهاب، وقد أهدى منديلاً:

بعثتُ إليك يا أقصى الأمانيبمنديلٍ فإن يُقبلْ لديكا
فليس بضاعةً تُهدى ولكنبعثتُ به يُقبِّلُ لي يديكا

ولابن نباتة، وقد أهدى سجادة:

إنَّ سَجَّادتي الحقيقة قدراًلم يفُتها في بابكَ التَّعظيمُ
شرُفَتْ إذ سعتْ إليكَ وأمستْوعليها الصَّلاةُ والتَّسليمُ

وقال بمصر، يتشوَّق إلى دمشق:

منذُ فارقتُ جِلِّقاً ورُباهالم يزُر مقلتي لذيذُ كراها
وبسكانها الأحبَّةِ عنديفرطُ شوقٍ يكادُ لا يتناهى
فسقى الله ربعها كُلَّ غيثٍوحمى الله أهلها وحماها

ولهذا الرئيس أبناء كأسنان المشط في التساوي، إذا عُدّت محاسن غيرهم فهي بالنِّسبة إليهم مساوي.

ذكرت منهم كوكبين لاحا في سمائه، وبلَّغهم الله شهرة الكمال، مُعوَّذين بأسمائه.

ولده عبد الرحيم هو من أولاده الكبير، الفائح ثناه بالعنبر والعبير.

نشأ في حجره، وشذا بين سحر القول وفجره.

فهو شابٌّ تدفَّق شؤبوبُ براعته، وتفتَّق عن زهر الربيع روض يراعته.

فأمطر وما استبرق، وأثمر وما استورق.

فللَّه، ما أتمَّ شمائله، وأنمَّ بأنوار المحاسن خمائله.

بحظٍّ من الكمال وافر، ووجهٍ من الجمال سافر.

إلى همَّةٍ أنارت مطلعه، وضمَّت على الشَّغف بالأدب أضلعه.

لكنه لم يلمحه الناظر، حتى قصف قصفة الغصن الناضر.

وقد رأيت له شعراً في صحف الإحسان وثبت، وبلغني أنه أطلعه ونبت، ووجهه قد همَّ أن ينبت أو نبت.

فأثبتُّ منه ما تستحسنه استحسان خطِّ العذار، وتستطيبه استطابة مناجاة محبَّين بعتب واعتذار.

فمنه قوله في الغزل:

ملَّتِ العذَّالُ عن عذلي وماملّ جفناكِ من الفتك بقلبي
لو رآكِ النَّاسُ بالعينِ التيأنا رائيك بها ما ازداد كربي
واستراح القلبُ من عذلهمُإنَّ طول العذلِ داءٌ للمحبِّ
بل ولو كان بهم مثلُ الذيبفؤادي لم يمتْ شخصٌ بنَحبِ

ويستحسن له قوله:

تطاولتِ الخمرُ اختباراً لِعقْلنافقالتْ لنا إنِّي كجفنيهِ أُسكرُ
فبادرها الإنكارُ منَّا لقولهاعلى أنَّنا والله بالحقِّ نُنكرُ
فرقَّتَ لَنعفو واستحتْ فلأجل ذانرى وجهها يبدو لنا وهو أحمرُ

على ذكر استحياء الخمر، تذكرت لطيفة، وهي: أن بعض الظرفاء كان يشرب الخمر سرًّا، وكان والده يمنعه، وما زال أبوه يترصده إلى أن لقيه يوماً، ومعه زجاجة خمر، فقال: ما هذا؟ قال: لبن.

قال: اللَّبن أبيض، وهذا أحمر! قال: صدقتَ، لما رآك خجِل واحمرّ، وقبَّح الله من لا يستحي. فخجل، وانصرف، وخلاَّه.

وقوله:

أسيرُ وقلبِي عندكُم لستُ عالِماًبما فيه هاتِيكَ اللَّواحِظُ تَصنعُ
وما زِلتُ مشتاقاً لِطيْفِ خيالِكموإِنِّي من الدُّنيا بذلكَ أقنعُ

وقوله:

قالَ العذولُ دَعِ الذي في حُبِّهِعيناكَ قدْ سمحتْ بدمعٍ هامِعِ
فأجبتُه إن كنتَ لستَ بناظِرٍهذا الغزالَ فلستُ منك بسامِعِ

وقوله:

لي فؤادٌ على المودَّةِ باقِلم يزِغْ عن تذكُّرِ الميثاقِ
غيرَ أنَّ البُعادَ جارَ عليهفبراهُ ولم يدَعْ منه باقي
وجفونٌ جفَتْ لذيذ كراهةواسْتفاضتْ بمدمعٍ غيداقِ
كلَّما طالَ عهدُها طالَ منهامدمعٌ يرتَقي وليسَ براقِ
إنَّ درًّا أودعتموهُ بأُذنيدرَّ مذْ بنتُمُ من الآماقِ

وهذا معنًى مشهور. وله:

يا من نأى متجبِّراً يا جانيصيَّرتني متحيِّراً في شانِي
هلاَّ وقدْ أبعدْتني وقلَيتَنيأرسلتَ طيفكَ في الكرَى يلقانِي
أمْطرتَ منِّي عَبرةً هي عِبرةٌفضحتَ هوًى متستِّراً بجنانِي

هذه الأبيات فيها التوشيح.

قال ابن الأثير في المثل السائر: وهو أن يبنيَ الشاعر أبياته على بحرين مختلفين، فإذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعراً مستقيماً، من بحرٍ آخر، على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح.

وكذلك يجري الأمرُ في الفقرتين من الكلام المنثور، فإن كل فقرة منها تصاغ من سجعتين، وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلاً، وليس من الحسن في شيء، واستعماله في الشعر أحسن منه في الكلام المنثور. انتهى.

وتسميته له بالتوشيح مخالف لما عليه أصحاب البديعيات؛ فإنهم يسمُّونه التَّشريع، إلا ابن أبي الإصبع؛ فإنه سنَّاه الالتزام، وأراد بذلك مطابقة التَّورية للمسمى. والاصطلاح لا مشاحَّة فيه.

ولده محمد الخطيب لوذعيٌّ فضائله لا تتناهى، وبمحاسنه تتجمل الأوقات وتتباهى.

إذا قام على منبر المسجد الجامع، تمنَّت الجوارح أن تكون كلُّها مسامع.

وهو لكلِّ عينٍ تراه حبيب، ولسان الدَّهر بمحاسنه خطيب.

تنشر في كل وادٍ مدائحه، كما تشكر في كلِّ نادٍ منائحه.

وتهتزُّ أعواد المنابر باسمهِفهلْ ذَكِّرتْ أيَّامها وهي أغصانُ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «لكم أينما كنتم مكان وإمكان»

فضائل الدنيا في ذاته محصورة، وأسباب العليا في جنابه مقصورة.

وله آثار أقلامٌ كأنَّها في محاريب رقِّه المنشور، قناديل ليلٍ قيِّدتْ بسلاسل السطور.

أدركتُه وسور محاسنه تتلى، وصور فضائله في مرايا المحامد تجلى.

ثم أدركه الأجل، فوضِع على الأعواد، ووُدِّع من القلب بالسُّويداء ومنه النَّاظرُ بالسَّواد.

فاستوحش الجامع لبعده، وتبدَّلت معالمه من بعده.

حتى اشتعلت مصابيحه بنار مصابه، وتقوَّس لفرقة ذاك الصَّدر ظهر محرابه.

وقد ذكرت من شعره ما ينفح عن زهر معانيه، وينبعث في حسن الأسلوب عن غرض معانيه.

فمن ذلك قوله من نبويَّةٍ، مطلعها:

تذكَّر من أسماءَ ربعاً ومعهدافعنَّ له وجدٌ أقامَ وأقعدا
وأطْلقَ من عينيهِ سُحبَ مدامِعٍحكتْ فوق خدَّيهِ الجُمانَ المنضَّدا
بعيدٌ عن الأحبابِ دانٍ بقلبهِيهيمُ إذا ما ساجعُ الدَّوحِ غرَّدا
متى وعدتْ آمالُه الوصْلَ مرةًألمَّ بِها داعِي المِطالِ ففنَّدَا
أمَا وهوًى بينَ الجوارحِ كامنٍبه الصَّبُّ مجدودٌ وإن كانَ ذا جدَا
لئِنْ زارني طيفُ الأحبَّةِ مرةًوأوطأْتُه خدًّا ووسدْتُه يدَا
غفرتُ ذُنوبَ الدَّهرِ من بعدِ ما سطَاوسالمْتُ صِلَّ الدَّهرِ من بعدِ ما عدَا
وعدتُ إلى رُشدِي بمدحِي محمَّداًنبيَّ الهُدى والعوْدُ ما زالَ أحمدا

وقوله:

وتنفُّسِي الصُّعداءَ ليسَ شِكايةًممَّا قضتْهُ سوابِقُ الأفكارِ
لكن بقلبِي جُملةٌ تفصيلُهاصعبٌ لدى العُقلاءِ والأحرارِ
فجعلتُ موضِع كلِّ ذلك أنَّةًضمِنتْ مُرادِي من عطاءِ البارِي

ومن ملحه موشَّحه الذي عارض به موشح بنت العرندس الشيعي، ومطلعه:

أهواهُ مُهفهفاً من الولدانِساجِي الحدقِ
قدْ فرَّ من الجِنانِ من رضوانِتحت الغسَقِ

من ريقته سكرتُ لا من راحِي

كمْ جدَّدَ لي رحيقُها أفراحِي

كمْ أسكرنِي بخمرِها يا صاحِ

كمْ أرَّقنِي بطرفِه الوسنانِحتَّى الفلقِ
لو عاملَه بعدلِه ذا الجانِأطفَا حُرقي

من باهرِ حسنهِ يغارُ القمرُ

في روْضِ جمالِهِ يحارُ النَّظرُ

قدْ عزَّ لديّ إن بدَا المصطبَرُ

ما اهتزَّ يميل ميلةَ الأغصانِللمعتَنِقِ
إلاَّ وأتاحَ للمحبِّ العانِيكلَّ القلقِ

يا ويحَ محِبِّه إذا ما خطرَا

كالبدرِ يلوحُ في الدَّياجِي سَحَرا

إن أقضِ ولمْ يقضِ لقلبي وطَرَا

فالويلُ إذاً لمغرمٍ ولهانِفي الحُبِّ شَقِي
قدْ حمِّل في العِشقِ من الهِجرانِما لمْ يطِقِ

القدُّ رشيقٌ مثلَ خوطِ البانِ

واللَّحظُ كسيفِ الهندِ في الأجفانِ

والخالُ شقيقُ المِسكِ في الألْوانِ

والخدُّ مورَّدٌ أسيلٌ قانِيشِبهُ الشَّفقِ
والعارِضُ قدْ سُلسِلَ كالرَّيحانِللوردِ يقِي

يا عاذلُ لو أبْصرتَ من أهواهُ

ناديتَ تباركَ الذي سوَّاهُ

قد أحسنَ خلقهُ وقدْ نمَّاهُ

إذْ كمَّله وخصَّ بالنُّقصانِبدرَ الأُفقِ
قدْ أفرَغهُ في قالبِ الإحسانِزاكِي الخُلُقِ

الصَّبرُ على لُقياهُ مثلُ الصَّبرِ

والقلبُ غدا من هجرِهِ في جمْرِ

ما ألْطفهُ في وصلِهِ والهجْرِ

لم ألقَ له في حسنِهِ من ثانِيحُلوِ المَلَقِ
ما واصلَ بعدَ بُعدِه أجفانِيغيرُ الأرقِ

ومطلع الموشح الذي عرضه، هو هذا:

ما رنَّحتِ الصَّبا غصونَ البانِبين الورَقِ
إلاَّ وشجَا الهوى فؤادي العانينارَ الحُرقِ

ما هبَّ صبالنحوك القلبُ صبالاقى وصبا

يا بدرَ سماسما على بدرِ سماللناسِ سَبا

صِلني فعسىتنالُ منِّي ذَهباعقلي ذهبا

والقلبُ منِّي موقدُ النِّيرانِنامي القلقِ
والناظرُ قد أسال من أجفانيماءَ الغَدقِ

وللمحاسني من قصيدة:

أيا مربعاً عهدي به وهو آهلُسقاكَ من الغيثِ المُلثِّ هواطلُ
لكَ الله من رَبعٍ تفيَّأتُ ظلَّهُوواصلني فيه الحسانُ العواطلُ
ألفتُ به نشوانَ من خمرةِ الصِّباتفوق الصَّبا في اللُّطفِ منه الشمائلُ
إذا ما تثنَّى فهو غصنٌ وإن بداله تسجدُ الأقمارُ وهي كواملُ
أغنُّ غضيضَ الطَّرفِ يرنو فأنثَنيوفي القلبِ من تلكَ اللِّحاظِ ذوابلُ
أقام بقلبي منه حبٌّ مبرِّحٌوما القلبُ إلا للغرامِ منازلُ
وخضتُ بحارَ العشقِ حيرانَ تائهاًوما لبحارِ العشقِ ويلاه ساحلُ
وما كنتُ أدري يا ابنةَ القومِ ما الهوىوهل يعرفُ الإنسانُ مالا ينازلُ
رضيتُ بأن أقضي قتيلَ يدِ الهوىإذا كان يُرضي الحبَّ ما أنا فاعلُ
رعى الله أياماً تقضَّتْ بحاجرٍإذ العيشُ غضٌّ والحبيبُ مواصلُ
زمانٌ به غصنُ الشَّبيبةِ يانعٌيرفُّ وطرفُ الدهرِ وسْنانُ غافلُ
وحيَّى على رغمِ الوُشاةِ ليالِياًأطعتُ الهوى لمَّا عَصَاني العواذِلُ
ليالِيَ لا ريحانةُ العِشقِ صوَّحَتْولا رنَّقتْ عن واردِيه المناهِلُ
أيا برقُ سلْ عن زَفرَتِي ساكِنَ الغضَاويا غيثُ سلْ عن مدمعِي وهو سائِلُ
ويا بانةَ الوادِي تشفَّعتُ بالصَّبالديكِ هل الرَّكبُ اليمانيُّ قافِلُ
ويا ظبياتِ القاعِ لولاكِ لمْ أبتْوفي القلبِ من هُجرِ الوُشاةِ شواغِلُ
ويا نسمةَ الأحبابِ هل فيكِ نفحةٌيحيَّى بها صبٌّ شجتْهُ بلابِلُ
تُرى يسمحُ الدَّهرُ الخَؤونُ بأوبةٍوأُمنِيَّتي منْهُ غرورٌ وباطِلُ
فمَا كانَ منهُ صادِقاً كان كاذِباًوما كانَ منهُ مخْصِباً فهوَ ماحِلُ
لحَى اللهُ دهْراً أثقَلَتْني صُروفُهيُذيبُ الرَّواسِي بعضُ ما أنا حامِلُ
فيا دهْرُ قدْ برَّحْتني وتركْتنيتراميْنَ بي منكَ الضُّحى والأصائِلُ
وأشْمتَّ بالأعداءَ حتَّى تيقَّنوابأنِّي لا عونٌ لديَّ يحاوِلُ
وهلْ أختَشِي دهْراً وبدرُ مآرِبيبدَا وهْو مذْ يمَّمتُ أحمدَ كامِلُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.