تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

فصل (٢) (٢)

وكتبت إليه وقد توجَّه إلى الطائف، وتخلفت أنا بمكة:

ليس عندِي ما أرْتَجِي من زَمانِيغيرَ لُقياك يا أجلَّ الأمانِي
فعلى كل حالةٍ أنت قصدِيومُنايَ وأنت نورُ عَيانِي
ى أرى العمرَ بعد بُعدِك إلاحَسَراتٍ قد أرْدفتْ أحزانِي
غيرَ أنِّي أعلِّل القلبَ والفكْرَ بذكْرِي ثَناك في كلِّ آنِ
لا لأنِّي أنْساك أُكثِر ذكْراكَ ولكن بذاك يجرِي لِسانِي

ثم دعاني الشوق إلى ذلك الوادي البهيج، والمتنزَّه الذي يأخذ على البصر بمنظره الرَّهيج.

فشمَّرت لقصده عن ساق الهمَّة، وجعلت رؤيته عندي من الأمور المهمَّة.

فخرجت من مكة وطرفي من الدمع بالقذى ملآن، إلا أني أذكر مياه ذلك الوادي فلا أبيتُ إلا بغُلَّة ظمآن.

وكان عرض لي في الطريق نفرةٌ من لصٍّ طائف، فكدت أن أصير أتْيَهَ من فقيد ثقيف بالطائف.

ثم سلَّم الله فحللت بطنَ وَجّ، ونزلت بوادٍ تزوره السَّرَّاء من كل فَجّ.

وكان مُناخي بالسَّلامة أجمل مواضعه وأبهاها، وأحبِّها إلى النفوس وأشهاها.

لإحلاله محلَّ النور من الإنسان، وإشرافه على فضاء يبعد فيه النَّظر إذا وقف للاستحسان.

ما بين غصون مُلتفَّة، ومياهٍ بجدرانه مُحتفَّة.

ونادٍ يفوح أرجُه، ووادٍ يلوح منعرجُه.

أتيتُه من بعد ما كاد الرَّدىيوردني مواردَ النَّدامهْ
فالحمدُ لله على رؤيتهِوالحمدُ لله على السلامهْ

ولقيت به المترجم وقد وطَّأ فيه للرفاهية مضجعاً، ومهَّد للعيش النَّضر مهجعاً.

وثمَّة جماعة من الأودَّاء أكسبهم الله محبة كل فؤاد، وزرع لهم المودة في ملأٍ به ألف واد.

فانحزت في غمارهم، وتمتعت حيناً بتحف أسمارهم.

وأذكر يوماً مرَّ لي معهم في روض اخضرَّت أشجاره، وتنفَّست عن المسك أسماره.

مهزَّة نبته ريَّانة، وصبوات سحبه حنَّانة.

ماؤه يبوح صفاؤه بأسراره، وتلوح حصباه في قراره.

ونحن ننفض أعطافنا أريحيَّةٍ، ونتهادى رياحينه تحيَّة.

وبيننا حديث مستعذب، يهزُّ العطف اهتزاز العذب.

فقلت أصفه:

لله يومُ الطائفِ البهجِ الذينِلنا به أسنى منًى وأماني
مع فتيةٍ غُرِّ الوجوه حديثُهممسترقصٌ لمعاطف الأغصانِ
رأتِ انتظامَ كلامهم أزهارُهفتناثرتْ في ساحة البستانِ
وكذا الدَّراري لم يرُقها نظمهافرمتْ بأنفسها إلى الغُدرانِ

ولما فارقتهم وجئت إلى مكة على طريق كرى، وهو الذي يقول فيه شاعرهم:

عُجْ عن كرى فهو مزيجُ الكرىوالنفسُ منه نفساً تخرجُ
وفي الهَدى ضد الهُدى مساكنٌيوشك من يسلُكه يخرجُ

كتبت إلى المترجم: حالي بعد فراق أخي حالُ من فقد الروح، وأضحى منازع الجسم المطروح.

وشوقي شوق الظمآن، لماء الغُدران.

والساري في الظلام، لتبلُّج البدر التَّمام.

وأما حديث سفرتي التي أنكت، وأذكت حرَّ هجيرها فأبكت.

فمن حين ودَّعت، أودعت القلب ما أودعت.

لم تغلط بي راحةٌ إلا إلى الهَدى، ومنها بان عني الرشد وأخوه الهُدى.

فعلوت ذروةً أرتني نجوم السماء مظهرة، وهبطت نجوةً كشفت لي تخوم الأرض مظهرة.

فترجَّلت هيبة وذعرا، وسلكت مسلك ما رأيت مثله وعرا.

والرُّفقة كلٌّ منهم في واد، وبرؤيتهم قرناء احتاجوا إلى قوَّاد.

لكنَّ منهم من تاه وضلَّ، وأدركه الإعياء فسئم الحياة وملَّ.

ومنهم من أخذته الحيرة، واستولت عليه من أحلامه في كراه الظَّهيرة.

ومنهم، وهم الكثير، مؤتمون موجوعون، زمرتهم: " إن لله وإنا إليه راجعون ".

وأما أنا، فلو رأيتني وعصايَ لقوس قدِّي وتر، وقد جئت من كل نهزة للتَّهلكة على قدر.

وأيست من السَّلامة، وعدت على نفسي بالملامة.

رأيت شيخاً وقف على ثنيَّة الوداع، وسلَّم نفسه للحتف إمَّا بالطمأنينة أو بالخداع.

ولم يبق منِّي إلا نفسٌ خافت، وجسم من النصب هافت.

فما تخطَّت في التَّخطِّي لي قدم، إلا وأخطأت خطأ كلُّه ندم، وعثرت عثرةً غصَّانةً بدم.

حتى لطف الله تعالى بلطفه، وأولاني فريد رأفته وعطفه.

فرأيت المحطَّة وأحسبني بها حالما، وما تحقَّقت البقاء، علم الله، حتى وصلتها سالما.

فقعدت أنفض غبار الموت، وأتفقد قواي فأرى قد فات فيها الفوت.

سوى بقيةٍ لم أعدم بها فضل الأقوات، وأحسب لأجلها من أحياء الأموات.

فلم يستقر قرارنا حتى شدُّوا من ذلك المكان، فانْحلَّ من عقد عزمي ما كان في حيِّز الإمكان.

ثم رحَّلنا العِيس، على ذلك الرأي التَّعيس.

وسرنا إلى أن وصلنا إلى شداد، ونحن نطلب من الله تعالى أن يمدَّنا منه بأمداد.

فما نزلْنا حتَّى ركِبناوالحالُ باقٍ وفيه شدَّهْ

فوقفت ممتثلاً، وأنشدت قولي متمثِّلا:

شدُّوا فحلُّوا فؤادِيوكثرةُ الشَّدِّ تُرخِي

فنزلنا بعد ربع الليل عرفة، ورأى كلٌّ منا صاحبه وعرفه.

فوقفنا، وما توقَّفنا.

إلى أن هيَّأوا لنا مراحا، وما تقيَّدوا به إلا وهم يبغون سراحا.

فجلسنا بعضنا شاكٍ فقد أحبابه، والبعض الآخر شاكٍ من الحجارة وما أصابه.

وأنا بينهم ساكتٌ ألفا، وناطقٌ خلفا.

كيف وقد خلَّفت ما يورث الهذيان، وتأبى مواقعه أن يحوم حوله النِّسيان.

ثمَّ انْكفأنا انْكفاء الحَيا، ولسان الحال يقول: لا سقياً ليومنا ولا رعيا.

فما راعنا إلا المُكاري وحزبه ينادون: هيَّا فاركبوا، طلع الفجر.

فأبعدوا المدَى، وأزعجوا الصَّدى.

فنهضت من مرقدي نهضةً جفلة، وما أحسبني تنبَّهت من غفلة.

وركبت الليل البهيم، والشَّوق إلى الرقاد شوق الهيم.

وما برحنا في برحٍ وعنا، حتَّى وصلنا مع الشروق إلى مِنى.

فقلت لرفيقٍ لي انتخبته، ولمثل هذا الأمر انتجبته: هلمَّ فلنسترح ونرح، ونقيل في هذا المكان المنشرح.

فقلت وقال، وأقلت عثرة الدهر وأقال.

واطمأنَّ بنا الجلوس حصَّة، وأرحنا بها مضَّة وأزحنا غُصَّة.

وأخذنا جانباً من النوم، إلى أن نصَّفنا ذلك اليوم.

ثم ركبنا الطريق، وفي القلب إلى الخريق أشدُّ الحريق.

فلم تكن إلا هنيئة وصلنا فيها الحرم الآمن، وبثثنا ما في الضَّمائر من الشوق الكامن.

وفارقت رفيقي وأنا على عهده الأمين، وذهب ذات الشِّمال وذهبت ذات اليمين.

وآليت لا تحرَّيت كرى ثانيا، ولا ألويت عنان عزمي لثنيته ثانيا.

ولو جعلت الجبال دكًّا، وأعطيت أرض الحجاز ملكاً.

وأنشدت:

إن كرى خصمُ حياتِي فلارأيتهُ أخرَى ولو في كرَى
فراحتِي من يومِهِ أصبحتْكواصِلٍ لِما رأتْني كرَى
وإن من أقطعِ روعاتِهِلجُّ المكارِي في كِراما كرَى

وكتبت إليه من دمشق: أهدي من طيِّب التَّحايا، عدد فضائل سيِّدي السَّامية، ومن التَّحيَّات المقرونة بنشر المزايا، قدر أيادِيه الفائضة النَّامية.

وأما تشوُّقي للقائه، وتشوُّفي لتلقِّي الأخبار من تلقائه. فكما قلت:

شوقي لتلك اللُّقياشوقُ الرُّبى للسُّقيَا
وحقِّ من ميَّزهبين الورَى للعليَا
مااعْتضتُ عنه بديلاًبكلِّ من في الدُّنيَا

وقلب سيدي شاهدٌ بودٍّ منِّي مرسل متَّصل، وحديث دعاءٌ مرفوع إلى القبول غير مقطوع ولا منفصل.

وغاية المسْئول، ونهاية المأمول، أن ييسِّر الله تعالى حالةً يعود بها الأنس إلى أحسن نضرته، ويعيد لنا تلك الأوقات السعيدة المسعودة بحضرته.

إبراهيم بن محمد السَّفرجلانِي أحسن المحاسن العصريَّة، وآدابه أذكى الرياحين الطَّريَّة.

نبغ نبغة الغصن النَّضير، فجاء بحمدِ الله عديم النَّظير.

فطلاقته لو خلِعت على الدهر ما ريعَ به فؤاد، وغُرَّتُه لو سالت بليل السَّليم ما بقيَ بها سواد.

صقل نوره قبل انشقاق الكمائم، وتطوَّق العلياء قبل أن يتطوَّق التَّمائم.

ومع ذلك فلا تُلفَى الدَّنِيَّة لديه، ولا تألف الفحشاءُ بُرْدَيه.

وهو يهتزُّ لكلِّ لُبانة، كأنه عِطف بانَهَ.

ويترنَّح غصناً رطيبا، ويهُبُّ عرفاً عطِراً وطِيبا.

وهو حليفي الذي ارتبطت معه على وُدٍّ مُؤثَّل، وأليفي الذي شخصه نأى أو دنا في عيني ممثَّل.

ما زلت في حبِّه متَّصل العلائق، وكلانا على المودَّة مُصفَّى الخلائق.

وأنا أوصَف لبدائعه، من الزُّجاج لودائعه.

وأكْلف ببنات فكرِه، من سَمَر الكرام بذكْرِه.

ولي في بقائه أملٌ أرجو من الله أن لا يفيته، وهذا دعاءٌ بظهر الغيب لو سكَتُّ كُفيتُه.

وقد تناولت من أشعاره ما يطيب استعذابه، وأثبتُّ منه ما يستدعي القلبَ إليه نِزاعه وانْجذابُه.

فمن ذلك قوله:

جُؤذُرٌ عن من ظِبا تيْماءِذو جفونٍ تصيدُ بالإيماءِ
ليِّنُ العِطْف كالقضيب ولكنقلبه مثل صخرةٍ صمَّاءِ
عرَبِيُّ النِّجار إن نسبوهنسبوه إلى ابنِ ماءِ السَّماءِ
مولعٌ بالجيادِ يختار منهاما يُجارِي سِربَ القطا للماءِ
عَمُّموه بشملةٍ فاجْتلينامنه بدراً يضيء في الظَّلماءِ
سَلَّ صمْصامَ لحظِه وتصدَّىفي طريق الهوى لسفكِ الدماءِ

وقوله مضمِّناً:

لما غدتْ وجناتُه مرقومةًبعِذارِه وازْداد وَجْدُ مُحبِّهِ
نادى الشَّقيقُ بها زَبرْجَدَ صُدغِهِيا صاحبي هذا العقيقُ فقِفْ بهِ

وكتب إلي، ويخرج منه اسم محمد بطريق التعمية:

مولاي هل تحظَى بقربِك مهجةٌأطَلْتَ بنيرانِ البِعاد عذابَها
وهل لأُوامِ القلب يوجَد مخْمِدٌفحبَّتَه حَرُّ الفؤاد أذابهَا

فأنشدته قولي، ويخرج منه اسم إبراهيم:

إذا أعوَز الرِّيُّ المُجِدُّ بهمَّةٍونازلَه كربٌ مُلِحٌّ وتبْريحُ
فذكرُك ماءٌ للسبيلِ ارْتوَى بهصَداهُ وفيه الرَّاحُ للقلبِ والروحُ

وعمله كله فارسيّ، وإليه الإشارة بالرَّيّ البلدة المشهورة في العجم، والماء: آب، والسبيل: راه، وره، كما يقولون للقمر: ماه، ومه. وفيه صنعة باعتبار أن إبراهيم يُكتب بألف وبدونها، فلك الخيار فيه. والراح: مي، وقلبها: يم.

وسمع قولي، من أبيات:

إذا فوَّقت سهمَ المنون جفونُهلقلبٍ سوى قلبي تمنَّيتُه قلبي

فجاءني يوماً وقد نظم هذا المعنى، وتصرف فيه تصرُّفات شتَّى.

فمنها ما أنشدنيه، وهو قوله:

وراشقٍ لم يطِشْ سهمٌ لمُقلتهولم أكنْ عن هواه قطُّ منصرفا
فكلما فوَّقت نَبلاً عرضتُ لهكيلا يكونَ سوى قلبي له هدفا

ومنها قوله:

ريمٌ تصدَّى للرمايةِ لحظُهيُصمي القلوبَ ولا جُناحَ عليهِ
فإذا رمتْ سهما إليّ جفونُهجاراه قلبي في المسيرِ إليهِ

ومنها ما قاله مضمناً:

ومُثبِّتٍ سهمَ نجلاوَيهْ في كبديكأنه الرِّيمُ يعطو نحو مرتِعهِ
يقول قلبي لسهمٍ قد رماه بهأهلاً لما لم أكن أهلاً لموقعهِ

وأنشدني من لفظه لنفسه:

يا لؤلؤاً أصدافهُ الياقوتُقلبي عليك صبابةً مفتوتُ
لقد ابتسمتَ فلاح منك لناظريسِمطٌ بكل ملاحةٍ منعوتُ
أحببْ به سمطاً تناسق درُّهفأتى بديعَ النظمِ وهو شتيتُ
يستوقفُ الأبصارَ باهرُ حسنهِفالطَّرفُ في لألائه مبهوتُ
عجباً له درًّا على ما فيه منصِغرٍ له بين الجواهرِ صيتُ
عزَّ الوصولُ إليه يا قلبي فمُتْكمداً فحارسُ كنزِه هاروتُ

قلت: هذا شعرٌ هاروتُ تلميذ إفادته، وشاعره فتحُ خزائن الجواهر في كفِّ إرادته. وأنشدني قوله:

خلِّ الذنوبَ ولا تهمَّ بفعلِهافأخو الذنوبِ طويلةٌ حسراتُهُ
واجْنح إلى التقوى فطُوبى لامرئٍغلبتْ على آحادِهِ عشراتُهُ

وقوله:

حاذِر إذا وافيتَ جرعاءَ الحِمىريماً هناك من الصِّبا في شرخِهِ
لا يخدعنَّك تحت عطفةِ صُدغِهخالٌ فذاك الخالُ حبَّةُ فخِّهِ

تصيَّده من قول بعضهم:

لا غرْوَ أن صادَ الفُؤاد بنظرةٍريمُ المهَا فله بذاكَ أشايِرُ
في خدِّهِ فخٌّ لعطْفةِ صُدغهِالخالُ حبَّتُه وقلبي الطائِرُ
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «في خده فخ لعطفة صدغه»

وأنشدني من لفظه لنفسه، ما هو منه في صيَّاد:

أفْديهِ صياَّداً تعوَّد في الهوَىأخذ القلوب بمكرِه وبكيدِه
كم صادَ قلباً طارَ نحو جمالِهوالخالُ تحت الصدغِ آلةُ صيدِهِ

وأنشدني قوله:

أرسلَ فوق الجبينِ طرَّتهُوفوَّق اللَّحظ سهمُه النَّافِذْ
فيا جريح الفؤادِ زِدْ سهراًفليلُه من نهارِه آخِذْ

وأنشدني قوله، معمِّياً في اسم حيدر:

رأى زيدٌ وعمرٌو وجه من قدْأقام عِذاره في الحبِّ عذرِي
فنكَّس رأسهُ زيدٌ حياءاًوولَّى وهو يسحب ذيل عمرِو

أراد بتنكيس رأس زيد عدده الهندي، وذيل عمرو، هو الراء هنا؛ لأن القافية هنا دالَّة على الفرق بينه وبين عمر، وهم ذكروا أن الواو لا تثبت إلا للفرق.

وأنشدني قوله أيضاً:

ذكرتُ له يوماً بمجلِس أُنسِهأبا الدُّر ياقوتاً وأطنبتُ في الذِّكْرِ
فقالَ فذا وصفٌ يقومُ بمبسمِيفمبسميَ الياقوتُ وهو أبو الدُّرِّ

وقوله منه أيضاً:

يقولُ لي جِيدُه الفضِّيُّ حين زهَابمسكِ خالٍ على ذاك البياضِ نقَطْ
كَنَوا أبا المسكِ كافوراً لقد غلِطُواأنا أبو المسكِ كافورٌ بغير غلَطْ

وأنشدني قوله، وهو معنى أبرزه ولم يسبق إليه، فاستحقَّ به التبريز، وجاء به أنفس من الإبريز:

كفُّوا الملام ولا تعيبُوا زهرةًفي وجْنتيهِ تلوحُ كالتَّطْريزِ
فالحسنُ لمَّا خطَّ سطر عِذارِهألقَى عليهِ قُراضةَ الإبريزِ

وأنشدني هذه السِّينية السَّنية التي هي أشهى من الأمنيَّة، تفلَّتت من المنيَّة:

خلِّ طيَّ الفَلا لحادِي العيسِوانْفِ همِّي بالقهوة الخندريسِ
طُفْ بها كي ترَى النواظِرُ فيهاعسجداً ذاب في لُجيْنِ الكؤوسِ
ولِتُرنِّحْ عِطفي برقَّة لفظٌمنه عوِّدتُ لقطَ درٍّ نفيسِ
في رياضٍ كأنَّما لبستْ منحوْكِ صنعاء أفخرَ الملبوسِ
قد تحلَّتْ من طلِّها بعقودٍوتجلَّتْ في حلَّة الطَّاووسِ
وزكَا عرفُ طيبِها فحسِبْنانفحةً قد سرتْ من الفردوسِ
وتغنَّى مُبهْرمُ الكفِّ فيهابغِناءٍ يشوق شجْوَ النفوسِ
قد أتيْنا مسلِّمين فردَّتْهِيفُ باناتِها بِخفضِ الرُّؤوسِ
قمْ نجدِّد عهودنَا يا ابنَ أُنسِفي رُباها فأنت خيرُ أنيسِ
فأنا في هواك محزون قلبٍبين شوق مقلَّبٍ ورَسيسِ
وامْنح العينَ أن ترَى منك يوماًحسْن وجهٍ يُخفي ضياء الشموسِ
سطوراً كالمِسكِ فوق طروسٍمن شقيقٍ أحببْ بها من طروسِ
وأمِطْ لي عن سِين تلك الثَّنايافعساهَا تكون للتَّنفيسِ

وأنشدني قوله:

حتَّى مَ يا ظبيَ الكِناسِأحنو عليك وأنت قاسِ
أغريتَ بي سُقم الجفونِ فملَّ منِّي كلُّ آسِ
ونسيتَ عهداً لم أكنْأبداً له وأبيك ناسِ
مولايَ لا تمتدَّ فيهجرِي فقد عزَّ المُواسِي
مرْني فأمرك بالَّذيتهوَى على عيني وراسِي
هذي الرِّياض قد انْجلتْفي حلَّتي وردٍ وآسِ
فاجْلُ المُدام أبا الحسينِ وحيِّني منها بكاسِ
واسْتنطق الوترَ الرَّخيمَ عن الفُؤادِ وما يُقاسِي

وأنشدني قوله:

يا صاحِبي عجْ بالمطيِّ على الحِمىفعسَى تلوح لناظِريَّ شموسُهُ
فهناك يسْتملِي ابن مقلةَ قصَّةًمنِّي فيكتُب والخدودُ طُروسُهُ
وأريك شوقاً لا يقاسُ بغيرِهبتوقُّد الجمراتِ كنت تقيسُهُ
بان الخليطُ فلا تسلْ عن حالتِيما حال من قد بان عنه أنيسُهُ
ودَّعتُه ورجعتُ عنه كأنَّنيذو نشوةٍ كارتْ عليه كؤوسُهُ
لم أنسَ إذْ غنَّى له الحادِي ضحًىوتراقصتْ تحت الهوادِجِ عِيسُهُ
ورمَى ابن عمِّ الظَبي لي بإشارةٍأخذ الفؤاد بها فهاجَ رسيسُهُ
لا غرْوَ أن جذب الفؤاد بنظرةٍفرنُوُّ نجلاويهِ مِغناطيسُهُ

وأنشدني لنفسه قوله:

رشق الفؤاد بأسهمٍ لم تُخطِهريمٌ يشوق الريمَ مهوَى قرطِهِ
من ذا عذيرِي في هوَى متلاعبٍقد راحَ يمزُج لي رِضاهُ بسخطِهِ
أعطيتُه قلبي وقلتُ يصونهُفأضاعهُ يا ليتني لم أعطِهِ
وثناهُ عن محْضِ المودَّة رهطُهفعناءُ قلبي في الهوَى من رهطِهِ
وقد اشْترطْنا أن ندوم على الوفاما كنتُ أحسبُه يخلُّ بشرطِهِ
كيف الخلاصُ ركبتُ بحراً من هوًىشوقاً إليه فشطَّ بي عن شطِّهِ
علِّقْتُه ريَّان من ماء الصِّباكالروضِ أخضلهُ الغمامُ بنقطِهِ
غضَّ الشَّبابِ وهذه وجَناتُهُقد كاد يقطُر ماؤها من فرطِهِ
يجلُو عليك صحائِفاً وردِيَّةًرقَم الجمالُ بها بدائِع خطِّهِ
وتُريك هاتيك المعاطِف بانةًتهتزُّ ليناً في مُنمنَمِ مرطِهِ
وتُخامِر الألباب منه فكاهةًتُلهِي حليفَ الكأسِ عن إسفنْطِهِ
لو بتَّ تسْتملِي لطائِفه التيضاهتْ بروْنقِها جواهِر سمطِهِ
لدَهِشتُ إعجاباً بلؤلؤ لفظِهومددتُ كفَّك طامِعاً في لقطِهِ

قلت: هذا الشعر من الأشعار الباسقة، ما مدَّت الأيدي لالتقاط مثل درره المتناسقة. وأنشدني قوله:

يا زوْرَةً سمحَ الخيالُ بها وبات مُعانِقِي
خاضَ الدُّجنَّةَ طارِقاًأكرِم به من طارِقِ
وأْتَمَّ ساحة عاشِقٍفي جُنحِ ليلٍ غاسِقِ
وأتَى يجدِّد بالصَّبابةِ عهد صبٍّ وامِقِ
فجرتْ لطائِفُ بين معشوقٍ هناك وعاشِقِ
وخِلالها قبلٌ تلذُّورشفُ ريقٍ رائِقِ
وسألتُ ذاك الرِّيمَ عنسببِ الصُّدود السَّابقِ
فانْهلَّ منه ما يُريكَ الطَّلَّ فوق شقائِقِ
وافْترَّ لي ياقوتُهُعن لؤلؤٍ متناسِقِ
وصفَا هنالك موردٌبين العُذيْبِ وبارِقِ

وأنشدني قوله:

أقول لقلبي وهو عند اضْطِرابِهِوقاتِلهُ لم يمضِ لم تحسِن العِشقَا
فقال اضْطِرابي خشيةً من فراقِهِوفيَّ حياةٌ ليس يحسُن أن تبقَى

وقوله معمِّياً باسم دلاور:

قد أبرزَها من باطِن الإبريقِصهبَا تُحاكِي وجنةَ المعشوقِ
ما ضرَّ شُويْدِناً جَلا أكؤسَهالو دار بها ممزوجةً بالرِّيقِ

وقوله:

إن غَضَّ عن تلك العوارِض عاذِليطرْفاً فقد أصبحتُ من عُشَّاقِهَا
وتجنُّب الأفعى الزُّمرُّدَ إنَّماهو غَيْرةٌ منه على أحداقِهَا

من خاصِّيَّة الزمرد أن الحيات إذا نظرتْ إليه سالت أعينها.

ومثله ما ذكروه في خواصِّ العقيق، أن التختُّم به يُبطِل السِّحر.

وللصَّفِيِّ الحلِّيّ:

قِيل أن العقيقَ قد يُبطل السِّحْرِ بتختِيمِه لِسرٍّ حقيقِي
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قيل إن العقيق قد يبطل السحر»
وأرى مُقلتيك تنفُثُ سِحْراً وعلى فِيكَ خاتَمٌ من عقيقِ
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «يا غزالا رمى فلم يخطئ السحر»

ومن الخواص المذكورة للرِّيق، أنه يقتل العقرب.

قال أبو الصَّلت الإشبيليّ:

دبَّ العِذارُ بخدِّه ثم انْثنَىعن لثْمِ مبسِمه البرُودِ الأشنَبِ
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
لا غَرْوَ أن خَشِيَ الرَّدَى في لثمِهِفالرِّيقُ سَمٌّ قاتلٌ للعقربِ
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه قطعتين، ما أظنهما إلا من رياض الجِنان مقتَطَعتيْن. فالأولى هذه:

قد نضَى طرفُه الكحيلُ حُسامُهفاسْألِ الله يا فؤادِي السلامَهْ
فاتِكٌ قد سطَا بألحاظِ ريمٍبلَّغتْهُ من القلوبِ مَرامَهْ
ناقصٌ للعهودِ ليس يُراعِيذِمَّةً للَّذي يُراعِي ذِمامَهْ
قد تعشَّقتُه ربيعَ جمالٍيملأ العينَ بهجةً ووَسامَهْ
شَطَّ عنِّي فليس لي مُذ تناءَىمُسعِدٌ في هواه إلا حَمامَهْ
ذكَّرتْنِي عصراً رقيقَ الحواشِيبالحِمى ظَلْتُ ناهباً أيَّامَهْ
ما تذكَّرتُ عيشَةُ الغَضَّ إلاهطلَتْ أدمعِي عليه نَدامَهْ
يا نسيماً من عنبَرِ الشِّحرِ أهْدَىطِيبَ أنفاسِه لنا شمَّامَهْ
إن تيَمَّمتَ ساحةَ الحيِّ وَشَّىساحةَ الحيِّ دُرَّ دَرِّ الغمامَهْ
حيِّي عنِّي أقاحِ تلك الرَّوابِيثم قبِّل ثُغورَه البسَّامَهْ
والْوِ عِطفَ القضيبِ نحو أخيهِليُطِيل اعْتناقَه والْتزامَهْ
واقتطِفْ من حدائق الحسنِ ورداًنقَّطتْ فوقه من المسكِ شَامَهْ
وارْتشِفْ من خِلال تلك الرَّوابيقاطِر الشُّهدِ خالطْتهُ مُدَامَهْ
واعْتنِق في مُنَمْنَمِ البُردِ خُوطاًرنَّحتْ خمرةُ الشَّبابِ قَوامَهْ
ولْتُلاعِب له ذُؤابةَ شَعْرٍقد تدلَّتْ فقبَّلتْ أقْدامَهْ

وهذه الثانية:

يا وردةً من فوق بانَهسِحرُ المحبَّةِ من أبانَهْ
أخفيتُه عهدِي وقدْغلْغلْتُ في قلبِي مكانَهْ
وكتمتُ أمرَ صَبابتِيوسدَلْتُ أسْتارَ الصِّيانَهْ
ما كنتُ أحسبُ أن يكون الدمعُ يوماً تُرْجُمانَهْ
لولا وضوحُ الأمرِ ماأغْرَى بنا الواشِي لسانَهْ
ولَوَى عِنانكَ عن شَجٍشوقاً إليك لَوَى عِنانَهْ
يا ظَبيةَ البانِ التيعند القلوبِ لها مكانَهْ
كُفِّي الصُّدودَ فلَيْتنيمن طولِ صَدِّي أُرْوَنانَهْ

يوم أروَنان، وليلة أروَنانة: من الحَرِّ والغَمّ. وقال القيسي: الأروَنان، الصوت.

قد أسْكرتني مُقلتَاكِ كن في الأجفانِ حَانَهْ
وكرَعْتِ في ماءِ الصِّباففَضحْتِ لينَ الخَيزرانَهْ
أجريْتُ ذكرَك بالحِمىوقد اجْتلَى طَرفِي جِنانَهْ
فلَوَى القضيبُ مَعاطِفاًنظَم النَّدَى فيها جُمانَهْ
واحْمرَّ خدُّ شَقيقِهاوافْترَّ ثَغْرُ الأُقحوانَهْ

وأنشدني قوله:

أفدِي مليحاً يفوق البدرَ مُستتِرَاتحت القناعِ اسْتِتارَ العينِ بالغيْنِ

العين: الشمس. والغين: لغة في الغيم.

أنْشاه مُبدِعُه كالبدرِ مكتمِلاًحُسناً ووَقَّاه شَرَّ العينِ والغينِ

العين: النَّظرة، والغين: حجابٌ على القلب.

منِعتُ من ثغْره عينِ الحياةِ وكمقد رُدَّ قاصدُ هذي العينِ بالغينِ

العين: عين الحياة، والغين: العطش.

وراعَ قلبِي فمُذ حاولتُ منه وفاًأتى بتصْحيف تلك العينِ بالغينِ

الحرفان المعلولان.

وأنشدني قوله:

قال صِفْ فرْعِي الذي قد تدلَّىفوق خَدِّي أن كنتَ من واصِفيهِ
قلت ماذا أقول في وصفِ رَوْضٍقد تدلَّتْ عَريشَةُ الحُسنِ فيهِ

وذكر لي في بعض محاضراته أنه رأى قول بعض الأندلسيِّين:

واللهِ لولا أن يُقال تغَيَّراوصِّبا وإن كان التَّصابي أجْدرَا
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ما بان عذري فيه حتى عذرا»
لأعدت تُفَّاحَ الخدودِ بنفسَجاًلَثْماً وكافورَ التَّرائِبِ عنبَرا
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ما بان عذري فيه حتى عذرا»

وقول أبي جعفر محمد المختار من شعراء الدُّمية:

قلتُ هَبِي منكِ لنا قُبْلةًيا مُنيةَ النفسِ وياقوتَهَا
فأغْمضْت من عينهِا مُؤْخِراًورصَّعت بالدُّرِّ ياقوتَهَا

وقول الأمير منجك:

لقد زارني من بعد حَوْلٍ مُودِّعاًوطوقُ الدجى قد صار في قبضةِ الفجرِ
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «لقد زارني من بعد حول مودعا»
فأخْجلتُه بالعتبِ حتى رأيتُهيُزيح الثُّريَّا بالهلالِ عن البدرِ
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «أبادت بقايا الصبر طارقة الدهر»

فنظم هذين البيتين يلمِّح إلى هذه المقاطع:

نظرَ البنفسجُ في الشَّقيقِ مؤثِّراًفارْتاعَ حتى انْهَلَّ ماءُ جمالِهِ
فغدا يرصِّعُ دُرُّه ياقوتَهويُزيح أنجُمَ بدرِه بهلالِهِ

وأنشدني من لفظه لنفسه:

لا تكن وَيْكَ طامعاً في سلُوِّيفالهوى قد نَمَا أشَدَّ نُمُوِّ
شَفَّني ذلك الشُّويدِنُ حُبًّاورمانِي بسهم ذاك الرُّنُوِّ
قمرٌ في ابْتِدائِه تمَّ حُسناًوسمَا في الكمال أيَّ سُمُوِّ
وقضيبٌ غضُّ النَّباتِ رطيبٌعُلَّ من خمرةِ الشَّبابِ ورُوِّي
حُبُّه خطَّ في فؤادِي سطراًأمَدَ الدهرِ ليس بالمَمْحُوِّ
يمزُج الصَّدَّ بالوِصالِ دَلالاًفتَرى منه قسوةً في صُفُوِّ
وهواهُ ما زالَ يُورِي لهيباًبين جنبَيّ ماله من خُبُوِّ
يا سقى اللهُ عهدَنَا بليالٍقد جنيْنا بها ثِمارُ الدُّنُوِّ
جمعتْ شملَنَا بِكأسِ سُلافٍهي أصْفَى من دمعةِ المجفُوِّ
كلَّما قلتُ يا ابن وُدِّي خُذْهاقال لي هاتِ يا عدُوَّ عدُوِّي

السيد عبد الباقي بن مُغَيْزِل من الزُّمرة الأولى من أخلاَّئي، ومن به أشرق في إبَّان رونقه وجه اجتلائي.

فاستهلَّيت أنا وإياه العيش بدريًّا، وهززت أغصن اللَّذات غصناً طريًّا.

في زمانٍ عيون سعوده روانٍ، والآمال فيه دوانٍ، ما بين بكرٍ وعوان.

لم تبعد فيه أرضي عن أرضه، ولم نأل فيه من القيام بنفل الودِّ وفرضه.

ولم يتنسم أحدنا أخا، إلا هبَّ الآخر معه رَخا.

وهو ممن خلصت ذاته خلوص الذهب عن اللهب، وتميَّزت بما أحرزت من نسبٍ شريف وحسب، ونشب تليدٍ ومكتسب.

شمَّر في الطلب عن ساق، وأبدى بدائع ذا حسنٍ واتِّساق.

وله براعةٌ تعرب عن لسانٍ ذليق، وذهنٌ متوقِّدٌ يزيِّنه وجهٌ طليق.

وفضلٌ يستغني عن المدح، وشعرٌ يعلِّم الحمامة الصَّدح.

قد استخرجت له ما هو كالروض المعطار، تضحك ثغور نواره عن بكاء الأمطار. فمنه قوله، وأنشدنيه من لفظه:

أوَّاه من ذلك الخِشف الذي سنحَامن أكسَبْ المستهام المُبتلى بُرَحا
لم أنسَ إذ مرَّ مُختالاً بقُرطَقِهِمن دونه ذلك القدِّ الذي رجحَا
يزور لحظاً بطرفٍ زانَه حَوَرٌفكم طريحٍ على فرشِ الضَّنى طرحَا
وكم دواعِي الهوَى من كلِّ جارحةٍتستخبِر القلبَ عنَّا أيَّةً جَنَحَا

وبعث إلي بهذه الأبيات، وكان وافاني يوماً لم يجدني في بيتي:

يا ماجِداً حازَ السِّيادة يافِعاوغدا بأثوابِ البراعة يرتدِي
من مُذكري عهدَ الشَّبيبة والصِّباوالعيشَ مع وصل الحسانِ الخرَّدِ
كم مرةٍ قد جئتُ نحوَ حِماكُمُكي أن أفوز برؤية الوجهِ النَّدِي
فلِسوءِ حظِّي لم تجدكُم مقلتِيفرجعتُ من ذاك الحمى صِفرَ اليَدِ

فكتبت إليه:

مولاي من دون الأنامِ وسيِّديبلَّغتنِي بالسَّعيِ أسنَى سُؤدُدِ
قد جئتنِي والبيتُ مني مُقفِرِمن سوءِ حظِّي في الزَّمان الأنكَدِ
هي عادةُ الأيَّام أرجو صاحِباًفيصدُّه قدرٌ عليَّ بمرصَدِ
وإذا أبيْتُ فتًى وعِفتُ دُنُوُّهألفيْته نفَسِي يروح ويغْتدِي

وأنشدني من لفظه لنفسه:

كلما رُمتُ خلاصاً من هوَىظَبْيِ إنسٍ حَبَّةَ القلبِ ملَكْ
قال لي حُسنُ هَواه كم لهمن شَجٍ مثلك مُلقًى في الفلَكْ

وأنشدني قوله:

قلتُ إذا جاءَ صاحبِييشْتكي حُرقةَ النَّوَى
كيف شَكواك إنناكلُّنا في الهوَى سَوَا

وهذا المصراع قد أكثر الناس من تضمينه، وأشهر تضامينه قول بعضهم:

قُل لمن جاءَ يشْتكِيباهتمامٍ من الهوَى
لا تَفُهْ بالذي جرَىكلُّنا في الهوَى سَوَا

وأنشدني قوله في أرمد:

لا تحسَبوا حُمرةً في مُقلتِي رمَداًقد مسَّها بل لأمرٍ زاد في سقَمِي
فإنها نظرتْ شَزْراً لوجنةِ مَنهواه حلَّ فؤادِي فاكْتستْ بدَمِ

منه قول يوسف العمراني:

لا تنكروا رمَدِي وقد أبصرتُ مَنأهْوى ومن هو شمسُ حسنٍ باهرِ
فالشمسُ مهما إن أطْلت لنحوِهانظراً تؤثِّر ضعفَ طرفِ الناظِرِ
ولقد أطلتُ إلى احمِرارِ خدودِهنظرِي فعكسُ خيالِها في ناظِرِي

وقوله:

رمدتْ جفوني عندما فارقتُ مَنقد كان كُحلاً في نواظِر عبدِهِ
وسرقتُ حمرةَ ناظرِي وسَقامَهعند النَّوَى في مُقلتيْهِ وخدِّه

وأنشدني قوله:

أقول لفتَّاكِ اللَّواحظِ أهْيفٍيصيد لِحبَّات القلوب من الهُدْبِ
وصُحْبتُه شخصٌ بَذِيٌّ مُذَمَّمٌيسوء بمَرآه العيون مع القلبِ
حبيبيَ ما هذا القرِينُ فقال ليولا بدَّ للصَّيادِ من صُحبةِ الكلبِ

وكأنه وقف على ما ذكره المقريزي من أنه ثار بمصر في بعض الأحايين ريحٌ شديدة، سقط منها حجرٌ من بعض عضائِد جامع الحاكم، فقلب الحجر، فوُجد عليه هذه الأبيات، وهو لغزٌ عجيب، رقيق لفظه:

إن الذي أسررتُ مكنونَ اسمِهِوكتمتُه كيْما أفوزَ بوصلِهِ
مالٌ له جذرٌ تساوَى في الهِجَاطرفاه يُضرب بعضه في مثلِهِ
فيصير ذاك المالَ إلاَّ أنهفي النصف منه تُصاب أحرُفُ كُلِّهِ
وإذا نطقتَ بربعه من كلِّ مامن بعد أوَّله نطقتَ بكلُّهِ
لا نَقْطَ فيه إذا تكامل عَدُّهفيصير منقوطاً بجُملةِ شكْلِهِ

فحلَّه بقوله:

قد كان هذا اللُّغزُ يُصدِي فكرتِيلكن بحمدِ الله فزتُ بحلِّهِ
تالله نظمُ الذِّكرِ يخرُج منه ماعنه أشار مُبيِّناً لمحَلِّهِ
مالٌ أتَى من ضربِ سِتٍّ بعضُهفي سِتَّةٍ وهي المُراد بمثلِهِ
فيصير منه النصفُ لكن مذ غدامُتساوِي الطرْفين عاد ككُلِّهِ
والنطقُ منه برُبعِهِ أي ثالثٍمن بعد أوَّله وثانٍ يُجْلِهِ
لا نقْطَ في لفظِ الحروف وإنَّماعينُ المسَمَّى أنبأتْ عن شكلِهِ
في عِقدِ حالِيَةِ العذارَى إن ترُمْإيضاحَ معنًى شاهدٍ عن أصلِهِ

وأنشدته يوماً قولي معمِّياً باسم موفَّق:

من وُلاةِ الجمالِ سلطانُ حسنٍحكَّمته القلوبُ فازْداد عُجْبُهْ
حدَّ للقلبِ مذ سمَا حدَّ سِرٍّنازِلٍ في حَشاهُ ما راق حِبُّهْ

فحلَّه وحلاَّه، فقلت أخاطبه:

مولاي يا حلاَّلَ كلِّ مُشكِلٍبفهمِه ورأيهِ السَّدِيدِ
أفْديك مذْ حلَّيت ما عمَّيتُهُحلَّيت قلبِي وفمِي وجِيدِي

فقال هذا يشبه قول العفيف التِّلمساني:

قد قلتُ لمَّا أراد شَدًّابخصْرِهِ يا مهفهَفَ القَدّ
حلَّيتَ قلبي وعِقد صبرِيوعاطلَ الخَصرِ منك بالشَّدّ

وطال ما جال في خلَدي، من أيِّ نوعٍ هذا من أنواع البديع، فقلت له: قد ذكر البدر الدَّماميني، في حاشيته، على شرح لاميَّة العجم: أنه من نوع الاستخدام.

وأنشد منه قول ابن نباتة:

رشفْتُها في مكان خلوتِهاوجيِّد الحسنِ ثَمَّ قد جُمعَا
حلَّتْ مذاقاً ومشرباً وفَماًوالجِيدَ والشعرَ والصفاتِ معَا

وفيه استعمال كلمةٍ واحدة على ستِّ معان.

وقدَّم أن مثل هذا لم ينصُّوا عليه في الاستخدام. انتهى.

وكتبت إليه أستدعيه إلى منتزه بالشَّرف الأعلى، في يوم شرف الشمس: سيدي، النفس خضراء والربيع أخضر، وأنا شريف وأنت شريف، فما علينا أن نهجر المألف والمربع، ونجمع بين هذه الفصول الأربع.

في زمنٍ تعتدل فيه الطِّباع، وتقف عليه الخواطر والأسماع.

فانهض لنكون إلفين، ولك الأعلى من الشرفين.

في يومٍ حلَّ به شرفُ الشمس، واعتدلت الحواسُّ الخمس.

فهناك أنشدك باللسان، مع موافقة الجوارح والجنان:

لِم لا أتيهُ في العُلىعلى جميعِ السَّلفِ
والسيدُ الشريفُ قدشرَّفني في الشَّرفِ

أحمد بن عبد الله العطار، المعروف بابن جدي سمحٌ سهل، لكل ثناءٍ أهل، كأنما بينه وبين القلوب نسب، أو بينه وبين الحياة سبب.

بمحاضرة أشهى من ريق المحبوب، ومحاولة أصفى من ريِّق الشُّؤبوب.

وعلى الجملة فما هو إلا تحفة قادم، وأطروفة منادم.

وعودة صحةٍ لمريض، واصطباح عيش في روضة أريض.

وبيني وبينه أخوة أواخيها مشدودة، وأبواب التمويهات عنها مسدودة.

ما زلنا في خلسةً للودِّ ونُهزة، وأريحيةٍ للحظِّ وهزَّة.

من حين رضعنا للتَّآلف ذلك الدر، وجرينا فيه على حكم عالم الذَّر.

والله يصوننا في بقية العمر عن الغير، كما صاننا عن الشَّوائبِ فيما مضى وغبر.

فمن أريج عاطره، الذي نفح به روض خاطِره. قوله مضمِّناً:

وبَليتِي ساجِي اللِّحاظِ قوامهغُصْنٌ على دِعصٍ تُثنِّيه الصَّبا
يهتزُّ لِيناً حين يخطُر مائساًجذلانِ من مرحِ الشَّبيبة والصِّبا
بدرٌ تقمَّص بالملاحةِ والبَهافغدا إلى كلِّ القلوبِ مُحبَّبا
سلَّتْ لواحِظُه علينا مرْهفاًما كان إلا في القلوبِ مُجرَّبا
يخشى على وردِ الخدودِ لِلافحٍفغدا بريْحان العِذارِ مُنقَّبا
ساوَمتُه وَصْلا فحدَّق لحظَهُمُتبرِّماً نَحْوي وألوَى مُغضَبا
فكأنَّ صفحة خدِّه وعِذارَهتُفَّاحةٌ رُمِيتْ لتقتُلَ عقربا

وأنشدني من لفظه لنفسه:

ولمَّا رأيتُ الفضلَ في النَّاسِ ضائعاًوأكثَرُ منه ضيْعةً فيهمُ الحرُّ
بخِلتُ بِشعري حيث لم أرَ في الورىفتًى إن رأى شِعراً يحرِّكه الشِّعرُ
ورحتُ بنفسٍ لم يُرِق ماءَ وجهِهاسؤالٌ حَداه العسرُ واقْتادَه اليُسْرُ

وأنشدني أيضاً من لفظه لنفسه، قوله من قصيدة طويلة، مطلعها:

عتَبِي على الدَّهرِ عَتْبٌ ليس يسمعُهإذْ بالهوى والنَّوى قلبي يروِّعهُ
بانُوا فأصبحتُ أشكو بعد ما رحَلوالِلبيْن ما بي يدُ التَّفريق تجْمعُهُ
شكْوى يكاد لها صُمُّ الصَّفا جَزَعاًكما تصدَّع قلبي منه يَصدعُهُ

منها:

بي من رسِيسِ الهوَى داءٌ يُصانِعُنيطولَ الزَّمان إلى ما الحب يصنعُهُ
وأنثَنِي من لَظى الأشواقِ في حُرَقٍإذا وميضُ الدُّجى يبدو تلَمُّعهُ
لم ألقَ يومَ النَّوى إلا حَشاً قَلِقاًومدمعاً بِأتيِّ الدمعِ يشفعُهُ
يا صاحِ أين ليالينا التي سلفتْمرَّتْ سِراعاً وطيبُ العيش أسرعُهُ
فاعجبْ لنارِ ضُلوعي كلما خمدَتْأشَبَّها من غُروبِ الجفْنِ أدمعُهُ
وباتَ يُذكِي ضِرامي صادحٌ غَرِدٌفي النَّيربَيْنِ بتَرْنامٍ يُرجِّعُهُ
يا وُرقُ مهلاً أذَا التَّرجاُع من فرحٍبارَّوض أم فَقْدِ إلفٍ عزَّ مرجعُهُ

وأنشدني من لفظه لنفسه، قوله:

أفي كلِّ يومٍ بالنَّوى تتروَّعُومن حادثاتِ الدَّهرِ يُشجِيك موقِعُ
وتشْقى برسمٍ قد ترَسَّمه البِلَىوتَسقِي ثَراه كلُّ نَكباءَ زَعْزَعُ
وتندبُ أطلالاً تعفَّتْ رسومُهاوتشكو لرَبْعٍ أعجَمٍ ليس يسمعُ
وتُسبِل تَهْتانَ المدامعِ هاطلاًعلى قفرةٍ من دِيمةٍ ليس تُقْلِعُ
وتُصبح هيما بين قفرٍ تجوسُهوتُمسي وَلهاناً وأنت مروَّعُ
وترمِي بطَرفيْكَ الهِضابَ عشِيَّةًأفي كلِّ هضْبٍ للأَحبَّة مَطْلَعُ
وقائلةٍ فيما الوقوفُ وقد خلامن القومِ مُصطافٌ يرُوق ومربَعُ
فقلتُ لها أذرِي للدموعَ وهكذاأخو الشوقِ من فرطِ الصَّبابةِ يصنعُ
وما كنتُ أدري قبل وَشْك رحيلِهمْبأنِّي إذا بانُوا عن الجِزْع أجزَعُ
ولا أنَّ أنفاسي يُصعِّدها الجوَىإذا لاح برقٌ في الدُّجُنَّةِ يلمَعُ
فرُحْتُ ودمعُ العينِ تجري غُروبُهعلى الخَدِّ منِّي والحمائمُ تسجعُ
تنوح بِشطِّ الوادِيين ولِي حَشاإذا ما انبرَى تَرنامُها يتصدَّعُ
فلا كبدِي تهْدا ولا الشوقُ مُقصِرٌولا لوعتي تخبو ولا العينُ تهجعُ
وقد رحَلوا عن أيمُنِ الجِزْع غُدوةًفلم يبق في قُربِ التَّزوارُ مطمَعُ

وأنشدني أيضاً من لفظه لنفسه قوله:

ومُعطَّفِ الأصداغِ يخْتلِس النُّهىأبدَى التَّشاغُلَ عن مُحِبٍّ والِهِ
يُبدِي تلفُّتَ شادنٍ ويُديرُ لَحْظَىْ جُؤذُرٍ والبدرُ جزءُ جمالِهِ
تِمثالُ شكلِ الحسنِ لا بل إنَّماالحسنُ مطبوعٌ على تِمثالِهِ

وكنت أنشدته قولي:

ولمَّا أدار الشمسَ بدرٌ لأنجُمٍبأُفقِ الهنا بين الهلاليْن في الغَسَقْ
عجبْتُ له يُبدِي لنا البدرَ طالعاًوما غاب عنَّا بعدُ جِيدِه الشَّفَقْ

فنظم هذا المعنى، وأنشدنيه من لفظه:

وساقٍ مَيودِ القَدِّ أحْورَ أوْطفٍإذا لم يُمِتْ بالصدِّ يقتلُ بالحَدَقْ
يُرينا بأُفقِ الكأسِ شمساً توسَّطتْهلالين يمْحو نورُها أيةَ الغسَقْ
ومذ همَّ يَحسوها ترفَّع جِيدُهفبَان لنا صبحٌ وما غَرب الشَّفَقْ

وكتبت إليه أستدعيه إلى روض: طلع علينا هذا اليوم في نضارته، يكاد صحوه يمطر من غضارته.

فلقينا زهره، ونظمنا نثره.

في روضٍ وُشِّيَ بخسْرَوانيّ الدِّيباج، وغُشِّيَ بما يربو على أصناف الجواهر في الابتهاج.

فمن نورٍ مُدَرْهمُه بَهِج، وزهرٍ مُدنره رَهِج.

يُضاحِك دُرَّه مُرجانه، ويعبق بصائِك المسك أردانهُ.

وللنَّسيم فيه اعتلالُ إشفاق، إذا ما رقد المخمور فيه أفاق.

والرَّوضُ رطبُ الثَّرى طيِّب المَقِيل، وليس فيه غير رِدفِ الساقي ثقيل.

ولم نعدم نَدامَى بألفاظٍ عِذاب، كأنها قَنْد مُذاب.

معرفتهم بأغصان القُدود، وتُفَّاح الخدود.

لا بالنِّصول الحِداد، والقِسِيِّ الشِّداد.

ولديهم من الفُكاهة، ولُطف البداهة.

ما إذا جُلِيَ فما الرَّاح والتُّفاح، وما ريحان الأصداغ إذا فاح.

وإن شاءوا ألحقوها بحِكَمٍ مَتْلُوَّة، وأخبارٍ في صحف الإحسان مَجْلُوَّة.

وعندنا لحنٌ يُثير الشَّجَن، ويبعث من الشوقِ ما أجَنّ.

وحبيبٌ قرب من عهد الصِّقال خدُّه، فلم يجفَّ ريحانه ولم يذوِ وردُه.

يزلُّ عن خدِّه الذَّرُّ فلا يعلق، ويمشي عليه النملُ فيزلق.

وقد تمنَّينا فلم نجدْ غيرَك أُمنِية، ولا مثل آدابِك غَضَّة جنيَّة.

وعلمنا أنه ليس للأُنس مع غيبك بهجة، ولا للعيش دون لقاك مُهجة.

فبالله إلا ما أنجَحْتَ الأوطار، وفتحتَ بمذاكرتك عن جَونة العطَّار.

ولك الثَّناء الذي يتجمَّل به الدهر، ويتفتَّق ريَّاه عن الروضِ فاح فيه أريجُ الزَّهْر.

السيد سليمان، المعروف بالحموي الكاتب حرفته الدواة والقلم، ولديه البراعة تُلْقَى أعِنَّةُ السَّلم.

وله طبع سبكتْ تِبرهُ الأيام، وصقلتْ حديد ذهنِه من صَدإِ الأوهام.

بوجهٍ فيه الفلاح يتوسَّم، كأنه دُرٌّ يوقِده ثغرٌ تبسَّم.

وقد أوقفني من شعره على مُلح غضَّةِ الشُّفوف، فجرَّدتْ منها كلَّ بيتٍ كأنَّ الحسنَ عليه موقوف.

فمن ذلك قوله في الغزل:

قم يا نديمي نُباكِر القَدحاأما ترى الصبح زَنْدَه قدَحا
والجوُّ صافي الأدِيم من كدَرٍصَفْوَ امرِئ في وِدادِه نصَحا
وقام من فوق أيكةٍ غَرِدٌيُذْكرنا بالصَّبُوح إذ صدحَا
وقد أهاجتْ لنا الصَّبا شَجَناًبنشرِها العنبرِيِّ إذ نفَحَا
فحركتْ ساكنَ الفؤاد وماأسْأرَه الوجدُ فيه والبُرَحا
والدهْر أبْدى الرِّضا وجادَ لنابفرصة والرقيبُ قد نَزَحا
فانهَض لنقضِي من الصِّبا وطَراًفي غَفلةِ اللائمينَ والنُّصَحا
وعاطِني قرْقفاً معتَّقةًصهباءَ تنفِي الهمومَ والتَّرحَا
من كفِّ ظبْيٍ كأنما غفِلتْأعين رِضوانَ عنه مذ سَرَحا
أحورُ أحْوَى أغَنُّ ذو هيفٍفداؤُه كلُّ من عليه لَحَى
قد أبدعَ اللهُ خلقَه فأتىمُتَّزِراً بالجمال مُتَّشِحا
رقَّتْ حواشِي طباعِه فحكتْرِقَّةَ ألفاظ من حَوى المُلحَا

ومنه ما بعث به اليَّ في غرض له:

أنعِم صباحاً سيِّدييا ذا العُلى والسُّؤدُدِ
يا ابنَ الموالي الأكرمينَ فداك كلُّ مُسوَّدِ
يا ماجداً وطئَ السُّهاواحتلَّ فَرْق الفَرقَدِ
بفضائلٍ ومآثرٍومفاخرٍ لم تُجحَدِ
وشواردٍ كعقُود دُرٍّفُصِلتْ بزَبرجَدِ
فاقت برَونقها نِظامَ البحتريِّ وأحمدِ
وبديعِ نثرٍ قد حكَىديباجةَ الروضِ النَّدِي
تابتْ لهُ حَبُّ القُلوبِ عن المدادِ الأسودِ
يا أيُّها المولَى الأمينُ ونجلُ أكرمِ أمجدِ
أنتَ الذي يُرجَى لدفعِ خُطوبِ دهرٍ مُعتدِ
العبدُ قدْ عبثتْ بهِأيدِي الزمانِ الأنكدِ
وحوادثٍ ضيَّقْنَ فيعينيهِ رَحْبَ الفَدْفَدِ
والصبرُ ليسَ بممكِنٍوالحظُّ ليس بمُسعِدِ
مولايَ هل من عطفةٍممزوجةٍ بتَودُّدِ
أو نظرةٍ تُدْنِي الفقيرَ من الجَنابِ الأسعدِ
تاللهِ لم أقصِد سِواكَ وهل سواكَ بمقصدِ
فبِحرمَةِ الآدابِ كُنْمن جَوْرِ دهري مُسعِدي
لا زلتَ مقصوداً علىرَغْمِ الحسودِ الأنْكَدِ

وأنشدني من لفظه لنفسه، قوله:

يا أيُّها الملِكُ الباهي بطلعتهِومَن لعهدِ وِدادِي في الهوى نبَذا
أفسدتَ قلبيَ لمَّا أن نزلْتَ بهفقال لي هكذا المُلوكَ إذا

وهذا فيه الاقتباس مع الاكتفاء.

ولبعض المتقدمين عن عصرنا:

مليكةَ الحُسنِ جُودِي باللِّقا كرمَالمُغرَمٍ قلبه ذاب فيكِ إِذا
أفسدت قلبي فقالتْ تلك عادتُناقد قال سبحانَه إنَّ الملوكَ إِذا

وأنشدني من لفظه لنفسه، قوله من قصيدة، مطلعها:

قد نبَّهتْنا صَوادِحُ القمْرِيلمَّا تراءتْ طلائعُ الفجرِ
وفاح من نَسْمة الصَّبا عَبِقٌيفُوق رَيَّاهُ عنْبَر الشِّحرِ
والروضُ يخْتال في مُصبَّغَةٍتجُرُّ أذْيالَها على النَّهرِ
وسرورُه كالقيانِ إذ خطرتْلِرقصِها في مآزِرٍ خُضرِ

هذا مسبوق إليه في قول ابن طاهر الخبَّاز:

والسَّروُ فيها كعَذارَى غدتْترقُص في أردِيةٍ خُضْرِ
والطَّلُّ في أعينِ الزُّهورِ حكىأدمُعَ صَبٍّ أحسَّ بالشرِّ
والجوُّ قد راقَ والمُدامةُ قدرقَّتْ كطبعِ النديمِ أو شِعرِي
ودارَ من فوقِ وجهِها حَبَبٌيُخجِل مَرآه ناصِعَ الدُّرِّ
فانْهضْ فَدَتْك النفوسُ مُبتكِراًوهاتِها قبل ضيعة العُمرِ
صهباءَ تنفي همومَ ذي تَرَحٍإن برزَتْ كالعروسِ من خِدْرِ
طيِّبةَ النَّشرِ في الكؤوسِ وهلبعد عَروسٍ يكون من عِطْرِ
يُديرها أهيفَ القَوامِ رَشاًمُخْتَصَر الخَصرِ بدائعَ السِّحرِ
يسْقي قليلَ المُدامِ عن ثقةٍمنه بما في الجفونِ من خمرِ

وأنشدته يوماً قولي:

بُروحِيَ من وجهُه آيةٌتدلُّ على خلقهِ المُنْقَنِ
أُحاول في صُدغِه لحظةًفتمنعني زحمةُ الأعيُنِ

فأنشدني في معارضة بديهاً:

كلَّما رمتُ نَظرةً والْتماحاًلعِذارٍ على الخدودِ أدارَهْ
لم يجِدْ ناظِري إليه طريقاًلازدِحام اللواحِظ النَّظَّارَهْ

وأنشدني من لفظه لنفسه:

لا تحسبُوا أن رَيْحانَ العِذارِ بدَابوجنةٍ صاغَها الرحمنُ وابتَدَعا
وإنما طوقُه السَّمُّورُ قابلَهافشكلُه في حواشِيها قد انْطَبعَا

مثله للشهاب الخفاجي:

وظبيٍ من السَّمُّورِ أُلبِس فروةًومال كما هزَّت صباً سُحرةً سَروَا
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
وإلا عيونُ الناسِ من دَهشةٍ بهتُخايلُ أهْداباً فتحسَبُه فَرْوَا
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

وأنشدني من لفظه لنفسه:

نبِّه الصَّحبَ لارتِشافِ سُلافِوأدِرها بين النُّدامى الظِّرافِ
وامسحِ الطَّرفَ من فتورِ نُعاسٍبذُيول الصَّبا الرِّقاقِ اللِّطافِ
يا فَدَتْكَ النفوسُ دَاوِ بصرفِ الرِّاحِ روحاً تعرَّضتْ للتلافِ
واسقِنيها من كفِّ ظبيٍ غريرٍلَيِّنِ المُلتوى قليلِ الخلافِ
مُخطَفِ الخصرِ يختفي البندُ منهبين طيِّ الأعكانِ والأردافِ
في رياضٍ حُفَّتْ بِسروٍ نضيرٍكجوارٍ ميَّالةِ الأعطافِ
باكَرَتْها غُرُّ السحابِ بصوبٍدائِم السَّحِّ هاطلٍ مِذرافِ
خدمتْ زُهرُها النجومَ فأبدَتْشكْلها في غديرِها الشَّفَّافِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.