من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
ذكر آل الإمام شمس الدين بن شرف الدين بن شمس الدين
أصحاب كوكبان هؤلاء القوم شرفهم لا يدانيه شرف، ولا يتصور في المغالاة بوصفه سرف.
كواكب مجدٍ مأمونةٌ من الطمس، فهم شمس الشرف وشرف الشمس.
وبيتهم في الرياسة نطقت بفضله السور، وأرخت أيامه الكتب والسير.
تألفت أجزاؤه من أوتاد البسالة وأسبابهان وتخلفت لعلوه السبع السيارة فما ظنك بالسبع المعلقات وأربابها.
لا يدخله الزحاف إلا إلى الأعداء في معارك الحرب، ولا يعترضه التقطيع إلا في عروض المناوين له بالطعن والضرب.
ما خرج منه إلا سيدٌ جمٌّ الشيم، فضائله يقل عندها قطرات الديم.
أعيذهم من صروف دهرهم، فإنه في الكرام متهم.
وقد أوسعت لذكر أشعارهم مجالا، فخير الشعر أشرفه رجالا.
فمنهم: السيد عبد الله بن الإمام شرف الدين بن الإمام شمس الدين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى من سادات هذه الأسرة، المعقودة فضائله أكاليل على الأسرة.
عرف الكرم في خلقته، حين لفته قابلته في خرقته.
فهو باحة نوالٍ، مباحة للسؤال، وراحة جود في كدها راحة المنجود.
مع فضلٍ ارتدى بضافي برده، وأدبٍ ارتوى بصافي ورده.
وقد وافيتك من شعره بما ينشرح به الصدر، ويعرفك أنه كصاحبه عالي القدر.
فمنه قوله:
ناصيةُ الخيرِ في يد الأدبِوسِرُّه في قرائح العربِ
فاعكُفْ على النحوِ والبلاغةِ والآدابِ تظْفَرْ بأرْفعِ الرُّتبِ
وتعرفِ القَصْدَ في الكتابِ وفي السُّةِ من وَحْيِ خيْرِ كلِّ نَبِي
بقَدْرِ عقْلِ الفتى تأدُّبُهوصورةُ العقلِ صورةُ الأدبِ
وقوله:
صَحا القلبُ عن سَلْمَى وما كاد أن يصحُووبَان له في عَذْلِ عاذِله النُّصْحُ
ولا غَرْوَ في أن يَسْتبين رشادَهوقد بَان في دَيْجورِ عارِضه الصُّبْحُ
شموسُ نهارٍ قد تجلَّتْ لناظرِيوأضْحَتْ لليلِ الغَيِّ في خَلَدِي تمْحُو
إذا كان رأسُ المالِ من عمرِيَ انْقضَىضَياعاً فأَنَّى بعده يحصُل الرِّبْحُ
شبابٌ تقضَّى في شبابٍ وغِرَّةٍوشيْخوخةٌ جاءتْ على إثْرِه تنْحُو
ومن مقاطيعه قوله:
سقتْني رُضابَ الَّغْرِ من دُرِّ مَبْسَمٍبرِقَّتِه واللهِ قد ملكَتْ رِقِّي
ونحنُ بروضٍ قد جرى الماء تحتَهفساقيةٌ تجْرِي وجاريةٌ تَسْقِي
ولده عز الإسلام محمد بن عبد الله بن شرف الدين هو في كرم العنصر، واحد الأزمنة والأعصر.
إذا رام مسعاةً أدركها قبل ارتداد طرف، وإن سام منقبةً ملكها بغير إنضاء ضامر وحرف.
فماء الفصاحة لا يجري في غير ناديه، وينابيعه لا تتدفق إلا من أياديه.
كم حبر الطروس ففضحت أزهار الرياض، وجلت على الأبصار فلم تر أحسن من ذلك السواد والبياض.
دُرَرٌ تناثَرُ من بديعِ كلامِهمُسْتغرِقٌ جُمَلَ المديحِ بوَصْفِهِ
لا تعجبُوا من نَثْرِ أقلامٍ لهدُرَراً وقد غاصتْ بلُجَّةِ كَفِّهِ
وقد أثبت من ىثاره ما امتزج بالبراعة امتزاجا، وصار كلٌّ منهما لصاحبه غذاءً ومزاجا.
فمن ذلك ما كتبه إلى والده: مطالعة المملوك طليعة باله، ولسان حاله، وترجمان بلباله.
وحديث سره، وبيان خبيئة صدره.
ومظهر غليل برحائه، ومصدر دخيل دائه.
عبرة أجرتها عين جنانه، في عبارة لسانه، وزفرة صعدتها لوعة أشجانه، في إشارة بنانه.
مهجةٌ أهدتها في أثناء سلامه، لهبة أوامه، وحشاشةٌ أسالتها نار غرامه، في لسان أقلامه،
هي نفسٌ أودَعْتها نفَس الشَّوْقِ وقلبِي تجْرِي به الأقْلامُ
وهْي دمعٌ يفيضُ من لوعةِ البَيْنِ ومن أدْمُعِ المَشُوقِ كلامُ
بل هي رجع صدىً أو وسواس الشوق والنزوع، ومجرى الزفرات المرددة من وهج الضلوع.
برهان ما أكن من الداء الدفين، وعنوان ما أجن من كلف الفؤاد الحزين،
وهْي مرآةُ صفاتِي إنَّماأتَراءَى لك في مِرْآتِهَا
وإذا ما شاهدتْها مُقْلةٌشاهدتْ نَفساً على عِلاَّتِهَا
مرآة نفسٍ رقت وجداً وكآبة، ولم تدع منها صبابة الفراق غير صبابة.
فلو أنها عرض لكان جوىً في فؤاد مهجور، أو لوعةً في ترائب مصدور.
ولو كان قلباً لثوى في جوانح عاشق، أو دمعاً لما جرى إلا من محاجر وامق.
ولو أنه جرم لكان ياقوتة راح، أو جوهر لما كان إلا من جواهر الأرواح،
رقَّ قلبِي ومَدْمِعيمن جَوَى البَيْن والنَّوَى
واسْتوَى قلبيَ المشوقُ وشِلْوِي من الجَوى
أنا صَبٌّ على الصَّبابةِ قلبي قد انْطَوى
ساهرُ العيْن مُقْلتِيتُوهِن الصَّبْرَ والقُوَى
لم يُشْقِني لِوَا الْعَقِيقِ ولا جِيرةُ اللِّوَى
لا ولا غَرَّني الصَّبابالحديثِ الذي رَوَى
ما شجانِي هوَى الغزالِ ولا البدرُ لي هوَى
ليس بي ذابِلُ القَوامِ إذا مال واسْتوَى
لستُ أنْوِي هوَى المِلاحِ وللمرءِ ما نوَى
إنما دائِيَ الذيقد تمادَى فلا دَوَا
وغليلِي الذي إذابَلَّه الماءُ ما ارْتَوى
من فِراقي لكعْبةِ الْعِلْمِ والحِلْم لا سِوَى
أرْوَعٌ يبْهر الورَىحسَن السَّمْتِ والرُّوا
ألمَعِيٌّ به يقومُ من الأمرِ ما الْتوَى
سيدٌ راح والفَخارُ على رأسِه لِوَا
بدرُ علمٍ يلُوح فيأُفْقِ حِلْم فلا هَوَى
قلبُه طَوْدُ حكمةٍلا كمن قلبُه هَوَى
ذاك شمس الفضل المستوي على عرش الكمال، وقمر الفخر السابح في بحر السؤدد والفعال.
مركز السماحة والحماسة، وقدوة الملوك الساسة.
فتىً من طِينةِ المجدِوما السؤددُ بالعَدِّ
جواهرُ مجدِه انْتظمتْنظامَ جواهرِ العِقْدِ
كريمٌ عَزْفُ رَيَّاهيفوح بنفْحةِ النَّدِّ
مَساعِيه مُشنَّفةٌيواقيتٌ من المجدِ
فمن حَيَّى بعِشْرتِهغدا بالكوكب السَّعْدِ
ذكره أطيب من نفس الحبيب، وروحه أخف من تغيب الرقيب.
ومفاكهته أشهى من رشف الثغر الشنيب، وأخلاقه أوسع من الفناء الرحيب.
رحيبُ فِناء الصدرِ ليس بِضَيِّقٍولا حرَجٌ لكنْ يُعيد كما يُبْدِي
ففيه مَجالٌ للتَّواضُع والعُلَىوفيه نصيبٌ للفُكاهة والجِدِّ
نور العترة وفخرها، وملاك الأمة وسرها، وسيد الأسرة بأسرها ابن بجدتها، وأبو عذرتها.
الطب اللب، السري الندب، الواضع الهناء مواضع النقب.
الندس المهذب، الحول القلب.
عذيقها المرجب، وحجرها المأوب.
جنة الدهر، ودرة تقصاره الفخر.
الرحلة، العلامة، الشهير.
مصباح زيت النبوة، وسيد أرباب الفتوة.
فحسبه صميم، ونسبه كريم.
وآباؤه أهلة المحامد، وأقمار المشاهد، وشجا فؤاد الحاسد.
فهم المجلون في حلبة العليا، والفائزون بالفذ والتوأم من أزلام الدين والدنيا، والمحلقون في فضاء العز غاية القصوى.
قومٌ غَذَتْهم لِبانُ العزِّ والكرمِمَشُوبةً بسُهادِ الحُكْم والحِكَمِ
بِيضٌ بَهالِيلُ يُسْتسْقَى الغَمامُ بهمْفي المَحْلِ إن ضَنَّ يوماً هاطلُ الدِّيَمِ
تبَوَّءُوا بيتَ مجدٍ مَن يلُوذ بهفإنَّه من صُروفِ الدهر في حَرَمِ
لا يدفعُ الخَطْبُ يوماً بحرَ ساحتهِولا يمُرُّ لدَيْه غير مُبْتسِمِ
ولا يُدِير إليه عينَ حادثةٍولا يمُدُّ عليه كفَّ مُهْتضِمِ
أُسْدٌ إذا لمَعتْ في جُنْحِ مُعترَكٍسيوفُها أمْطَرتْها من عَبِيط دمِ
مُدَرَّعون دِلاَصاً من شجاعتهمْمُقَلَّدون بأسْيافٍ من الهِمَمِ
قد أُلْبِسوا في دُرُوعِ الفخرِ أرْديةًتُجيرُها كرمُ الأخلاقِ والشِّيَمِ
كادتْ تخِرُّ نُجومُ الأُفْق ساجدةًلهم وقد طلَعوا من مشرقِ الكَرَمِ
يفُوح عَرْفُ المَعالي إن ذكرتَهمُويعْبَق الأُفْقُ مِسْكاً من حديث فَمِ
أولئك أرومة سيد الأسرة، وجرثومة سرة السرة، من علماء العترة.
غرة أبناء البطين، وناظورة أهل بيت الأمين، محيي الدين، المفضل عبد الله بن أمير المؤمنين، شرف الدين، بن شمس الدين، بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
سلسلةٌ من ذهبِمَنُوطةٌ بالشُّهبِ
ونِسْبةٌ تردَّدتْبين وَصِيٍ ونَبِي
سبحانَ مَن قدَّسهاعن سيِّئاتِ النسَبِ
لا برح نسبه تميمةً في أجياد الحسب، ولا انفك حسبه عقداً في لبات المكارم والأدب.
وأدبه حليةً لعاطل الأدب، وجمالاً لشرف الأسماء والنسب.
ولا برحت أردية العلياء محبرةً بمساعيه، وريطة الفضل معلمةً بأياديه، وركاب الفضائل والفواضل معكوفةً بناديه.
ولا فتىء عاكفاً تحت سرادق الكرم، واقفاً في رواقٍ من حسن الشمائل والشيم تخفق عليه أعلام العلم، وتنشر أمامه ألوية الحلم.
ما طلع نجمٌ في برجه، ونجم طالعٌ في مرجه.
دام في روضةِ النعيمِ تُغنِّيهـ على أيْكةِ الهنا أفْراحُ
لا خَلا من هلالِه فلَكُ المجْدِ ولا غاب نجمهُ الوضَّاحُ
فلجِيدِ العَلْياء منه عقودٌولِعطْف الفخار منه وِشاحُ
فلا أصابته عين الكمال، ولا سلب الدهر بفقده ثوب الجمال.
ولا برح كعبةً للجود، وعصمةً للمنجود، ونوراً يلوح في أبناء الوجود.
أما بعد؛ فإنها لما فاحت نسمات الأشواق، ودارت على كئوسها دور الرفاق.
قدمت كتابي إلى الحضرة، ينهي إلى مولاي أن شوقي إلى مرآه البهي، ومحياه السني، شوق الغريب إلى الوطن، والنازح إلى السكن.
والمهجور إلى العتاق، والممنوع عن الكاس الدهاق.
والصديان إلى الماء القراح، والحيران إلى تبلج الصباح.
ويحدثه أني من بينه فقيد الجلد، عميد الخلد، جديد الكمد، بالي الصبر والجد.
يهزني إليه الأصيل، ويبكيني مباسم البرق الكليل، ويشجوني نوح الحمام على الهديل.
وأني لاأزال من فراقه متلفعا بأبراد الضنى، متعلقاً بأذيال المنى، لا يجمعني والسلوان فنا، ولا يفرق بيني وبين الأسف إلا القرب واللقا.
ما بِدْعةٌ إن جَرَّ حَيْنِيجَزَعِي وأجْرى المقُلتَيْنِ
أمسيْتُ في الليلِ البَهِيم أعُضُّ أطْرافَ اليديْنِ
طال النَّوَى والليلُ طالَ وبِتُّ أرْعَى الفَرْقَدينِ
ولقد شجانِي ما شجَاقلبي هَدِيلُ حمامتيْنِ
يتناوَحان فيُفْرحان جوانِحي بالنَّغْمتيْنِ
ما ناحَتا إلاَّ ومِلْتُ تمايلُ الرُّمْحِ الرُّدَيْنِي
أبكَى بُكاؤُهما العيونَ وما أسالاَ عَيْنَ بَيْنِي
جَمدت عيونُهما فقُلْتُ إليكُما عَبَراتِ عَيْنِي
وسمحْتُ بالدمعِ الغزيرِ وبُحْتُ بالسرِّ المصونِ
لم يُبْكنِي سَفْحُ العُذَيْبِ ولا رُسومُ الرَّقْمَتَيْنِ
لكنْ فِراقُ مُهذَّب الْأخلاقِ هَيْنِ الطبعِ لَيْنِ
لِفراق عبد الله هِمْتُ تشوُّقاً وهَمتْ عُيونِي
ولعمري لولا علمي أن رأفة سيدي بولده، وعطفه على بضعة جسده، وفلذة كبده، قد فضل كل برٍ مألوف، وأربى على عطف كل أبٍ عطوف.
لأرخيت عنان القلم في ميادين الشكوى، ونشرت دفين الألم الذي عليه قد أطوى.
لكني زممت جناحه، وكسرت جناحه، وحظرت عليه مسرحه ومراحه.
فرقاً أن تألم نفس سيدي ومولاي، وإشفاقاً أن يلتاح قلبه من حراي.
وأمرته أن يرد فناء سيدي مسروراً فرحا، وأن يسحب ذيله في ساحته مرحا.
وينشر طلاقةً وبشرا، ويفتر بمبسم خريدة عذرا.
ملتثماً للأرض بين يديه، قاضياً بعض ما يجب من الثناء عليه.
إذ ليس بممكن أداء الثناء بوجهه، ولا بلوغ غايته وكنهه.
هيهات، هيهات، ذلك أعز من بيض الأنوق، وأبعد من العيوق، والأبلق العقوق.
غير أن الحياء من عظمة تلك العقوة، والجلال لأبهة تلك الربوة.
قد كسرت من نشاطه، لما ضربه بسياطه.
فلم يقدم إلا مدهوشا فشلا، منوصا ناصيته خجلا.
فها هو قد قدم ذلك الندى، وهو أحيى من هدى.
ها قد أتى يسحبُ أذْيالَ الخجلْ
يبسُط كفّاً للرجاء والأمَلْ
يسأل خيرَ الناس طُرّاً عن كَمَلْ
إسْبالَ أذْيالِ التَّغاضِي والكِلَلْ
عمَّا حَوَتْ من خطأٍ ومن خَطَلْ
فليصرف سيدي عن ذنبه صفحا، ويضرب عن تبعاته عفواً وصفحا.
فقد جاء متلفعاً بالمعاذير، معترفاً بالقصور لا بالتقصير.
وسيدي أكرم شنشنة، وأولى من ستر سيئة ونشر حسنه.
فلعل سيدي أن تغمض عيناه على قذى التغاضي، ويلاحظ بعين محبٍ راضي.
فإن الرضى عيونه عن العيوب حسيرة، كما أن عيون السخط بالعيوب بصيرة.
والكريم من أقال عثرات الكرام، واللئيم على هفوات المقترفين تمام.
والإنسان إلى شاكلته يجمح، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
ما كريمٌ من لا يُقِيل عِثاراًلكريمٍ ويستُر العَوْراءَ
إنما الحُرُّ من يجُرُّ على الزَّلاتِ ذيلاً منه ويُغضِي حَياءَ
وأنا أسال الله أن يجمع الشمل عن كثب، ويبلغنا أقصى الأمنية وقصارى الأرب.
وأن يهدى إلى حضرة سيدي سلاماً لذيذ الورود، رقيق البرود، ألطف من ورد الخدود، وأحسن من رمان النهود.
وأعذب من ماء البارق، وأرق من فؤاد العاشق.
وأوضا من نور غيضة، وأبهى من بيضةٍ في روضة.
وأبهج من خريدةٍ مشنفة، في حبرات مفوفة.
وأنضر من الدهم المنوفة، والنمارق المزخرفة.
وأحلى من رشف الثغور، وأسنى من الدرر في نحور الحور.
سلامٌ لو تصور لكان مسكاً نافحاً، ونوراً لائحاً.
ولو كان نوراً لكان إيماناً في قلوب الصالحين، ويقينا في سرائر القوم المفلحين.
سلامٌ له لَذَّةُ الوارداتِيرِدْنَ على المؤمِن المُحسِنِ
فلَو لاح كان سَناً يسْتسكِنُّالقلوبَ ويعلُو على الأعْيُنِ
ولو كان نُوراً لكان اليقينَ في سِرِّ كلِّ فتىً مُوقِنِ
سلامٌ يفوح من مقعد صدقٍ قدسي، ويلوح من فوقه عرش كرسي.
تهبط به السكينة، بأسراره المصونة.
وتنزل به الملائكة والروح، إلى تلك الربوات والسوح.
وتعتني بتلك النفس التي سمت على النفوس، بتقديرٍ من الملك القدوس.
ويحيي بها عن الحي القيوم، بختام الرحيق المختوم.
ورحمة الله سبحانه، تشفع روحه وريحانه.
وليعلم سيدي أني قد أعفيت فواصلها، وعريت فقرها عن تفصيلها.
بشعر ليس من قريحتي، وبنات فكرتي.
وذلك أستر لثنائها، وأخفى لذمائها.
فعساني لو أودعتها نتائج قرائح البلغا، وأفكار الفصحا.
وسوائح روياتهم، وشوارد بدائهم.
لأكون كمن نصب مناراً على عيبها، وأقام دليلاً على بهرجها وزيفها.
أو كمن قلد شوهاء بعقود الدر المصون، ووشحها بأوشحة الإبريز المفصل باللؤلؤ المكونو.
وألبسها أرجوانيات الإبريسم، وحبرات الوشي المعلم.
وأكون كمن نظم حصاةً إلى شذرة، وأضاف فحمةً إلى درة.
ومن المعلوم أن الطبع للتطبع يقهر، وأن فضل الضد عند ضده يظهر.
وخسر من بدل دينار غيره بفلسه، والإنسان له بصيرةٌ على نفسه.
أوضحت ذلك لمولاي كي ينسب عند افتقادها إلى سواي بهرجها وزيفها، أو يعزو إلى غيري خطلها وحيفها.
فالسفيه جد السفيه، من يرمي بريئاً بعيبٍ هو فيه.
والأمل طامح، أن يحملها سيدي على كاهل التسامح، ويقلها على خطوات التغاضي، ويمشي بها في جادة التجاوز، ويسلك بها سبيل التصفح عما تضمنته من العيوب.
فسيدي قدوة أرباب العفو، وإمام أهل التجاوز، وقبلة ذوي السماح ودليل ألي الفضل للفضل.
بعد السلام. وهو في كنف رعاية الله، وفناء حياطته، وظلال حفظه.
فأجابه والده بكتاب، صدره بهذه الأبيات:
رجوعُ شبابٍ أو وُرودُ كتابِأزالاَ خُطوباً للنَّوى بخطابِي
وأبْدَلَ ذهني قُوَّةً وأعادَ ليوقد كنتُ شيخاً عُنْفُوانَ شبابِي
صدورٌ بها شَرْحُ الصدورِ وجدْتُهاطَلاسِم قد جاءتْ بكلِّ عُجابِ
تعلَّقْتَها عند الكروبِ تَمِيمةًلتفْريجِ همٍ أو لنَيْلِ طِلابِ
وما ذاك نَفْثُ السحرِ إذْ هو باطلٌوهذِي أتتْ مَلأَى بكلِّ صوابِ
فأنَّى تُرى لي في الإجابةِ مَسْلَكاًيُناسِبها إن رُمْتُ رَدَّ جوابِ
فبَسْطاً لعُذْري أيها الولدُ الذيبخفْضِ جَنابِي عنه رَفْع جَنابِي
روضة بلاغة أنيقة، وحديقة فصاحةٍ غديقة.
رشفت سماء المعالي أرض ألفاظها فزكا نباتها، وهبتها لواقح البيان، فنتجت في أحسن الصور أبناءها وبناتها.
وتبختر فيها بديع زخرف أنواره، فاهتزت وربت بزاهي زواهر مكنونات أسراره فأوراقها من أوراق الجنة، وأزهارها ضاحكةٌ مفترةٌ مفتتنة.
تفتر عن كل ثغرٍ بديع، وكل فصولها دائمة الفواكه دانية القطوف فكل فصلٍ منها ربيع.
يتبارى فرسان نفائس المعاني على مضمرات مراكيب مراكبها من يكون المجلى والسابق، ويتنافس منظومها والمنثور في السبق إلى ما بين العذيب وبارق، فكلها مجلٍ هناك لا مصلٍ ولا لاحق.
فقرٌ تبالغت في البلاغة إلى أن غدت الفرائد في أساليبها خوارق، موشحة بسموط نظم لها من نفسها معبد ومخارق.
فرائض لم ترض همة منشئها بين أبكارها إلا ما هو مبتكرها، وأبت قريحة التزيين بعوادي العوادي فما حلا لذوقه مكررها.
فبرزت للجنان جنان، حورها عينٌ لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان.
فلا ينفك المتنعم بها في كل آن، هو في شان، حتى ينتهي منها إلى ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على الأذهان.
ولم لا تكون كذلك؟ ومنشئها ذو اليد البيضاء في معجزات البلاغة، الذي آنس من جانب الطور نارا، والضارب بقلمه بحرها فانفلق فلم يقبل الدر إلا كبارا.
فلذلك رجع وهو من نفثة سحرها الكريم الكليم، فأصبح وعصا حجته تلقف ما صنع كل سحار عليم.
حتى ألقى سحرتها سجداً مؤمنين برب حديثها القديم، قد رأوا من آياته عجباً من أسرار كهفه والرقيم.
لا بل هو قاموس البلاغة خاتمهم الأحمد المحمد، كيف لا يكون كذلك؟ وهو من العترة الطاهرة المحمدية ابن عبد الله محمد.
فعليه من السلام، أسنى سلام السلام.
ومن الإكرام، إكرام ذي الجلال والإكرام.
ومن التحيات أحيى تحيات الحي القيوم، ومن الرحمة رحمة الرحمن الرحيم المدخرة لذلك اليوم المعلوم.
ومن البركات أنمى بركات وأدومها وأزكاها، وأطيب الطيبات وأذكاها.
وبعد: فإنم الولد الفذ البذ، المتخلق من أطيب الخلال بما طاب وعذب ولذ.
نور مصابيح زجاجات القلوب، وروح الأرواح، وهز معاطف الأعطاف، ورنح أغصان الأشباح، وسر سرائر أسرار نفيس الأنفس بروح ريحان الارتياح.
وشرح صدور الصدور، بنفائس عرائس حور تلك المعاني المقصورات من الأعجاز في القصور.
اليت اقتعدت مقاعد الصدق من سطور تلك الصدور، التي كل مواضع مفرداتها ومركباتها من المنظوم والمنثور.
بملاك مغانيها العزيزة، في مقاعد أعجاز العزيزة كلها صدور.
فهي سماوات فضل دارت أفلاك فخرها بدراري أنوار فصل الخطاب، وأردان منيع رفيع قيمها بمصباح السليقة العربية التي اختارها الله لأفضل نبيٍ وأجل كتاب.
فلا برحت قريحته السمحة السليمة عذيب بارق نضاح ينابيع الأدب، ولا انفكت بحلته حسن رداء لواحق آداب من تأدب.
ذلك أنها أخذت بجميع مجامع أحاسن أجناس القول وفصوله، ولم تدع نوعاً من إحسان الإحسان إلا وأحاطت بذاتيه وعرضيه مقطوعه وموصوله.
ولا غادرت بهيج زخرف بديعٍ، إلا وسحبت فواضل حبر حسنه في ميادين إيجاز الإعجاز وتطويله.
محيطةً بفنون الافتنان فلذلك انتظمت في أساليب الحسن، كل فنٍ مفعمة بلطيف الإدماج المشيد بلطيف طريقه إلى استيعاب كل معنىً حسن.
لم تترك طريقاً من البلاغة إلا طرقته، ولا معنىً ذا أسلوبٍ من البلاغة إلا خرقته.
فلم تدع لمتكلم في قوس المعاني منزعا، ولا أبقت لمنطيقٍ من مواقع الإحسان موقعا.
فبماذا يجيء من حاول الجواب للقول الجامع، وقد أخذ من جميع طرق المحاسن بالمجامع.
إلا عسى بالإعادة تملى ما حوته من اللفظ والمعنى، والقنوع بهنات السرقات ومن ذا بالسرقات استغنى.
ولو شاء موشيها لترك للإجابة طريقة، ووسع بمخاطبته في الإشفاء لمطارحته طريقه.
فكم أردت ذلك فتبين بعد المناسبة بين بيانه وبياني، وكنت كلما حاولت ذلك يضيق صدري ولا ينطلق لساني.
فلم أر في شرح البلاغة مجيزا، إلا أن أقابل بجديد فكري من ذهن منشئها ذهباً إبريزا.
لكن لزوم الإجابة، أوجبها مع الإصابة وغير الإصابة.
فلو استوى الابتداء والجواب في حسن المخاطبة، وأن لا يتفاوتا في كمال المناسبة.
سمي رجع صدىً جوابا ولا عدت حركات الجواب وغمزات العيون بين الأحباب خطابا.
لكن ذلك عجزٌ ملأ حوض سري سروراً حتى قال قطني، فلم أقرع على ما فاتني من الإحسان سني.
إذا كان فخراً ممن يقول أنت شجري، وأقول له أنت ثمري.
فغير بديع أن تفضل الثمرة الشجرة.
فليجعل الولد أكثر منه بره أن يعذر في الإساءة أباه، فضلاً عن الإحسان فإنه أباه.
ولكنه أعاد الفرح به شباب السرور، وشب نار الحياة في القلب فشبت في شبح الروح والحبور.
فلا برحت عزتك في العلوم النون، ولسانك في البيان القلم، وصدرك اللوح وما يسطرون.
والله سبحانه أسأل أن يجعلك ممن هو على خلق عظيم، وأجرٍ غير ممنون.
وألا يقطع عنا وعنك المرغبات بمعقبات رعايته، إنه حميدٌ مجيد، صبور رشيد.
وسلامٌ على المرسلين، وعلينا وعليك وعلى من لديك.
وقد سر أباك ما حققت في كتابك الأخير، مما أنعم الله به عليك وعلى الوالد العلامة لقمان بن أحمد، من ختم ذلك الكتاب النبيل، الكاشف لخرائد نكت القرآن وبيان بيان التنزيل، والتلذذ بعرائس بدائع دقيقه والجليل.
فليهنكم تلك النعم الكاملة، ونسأله أن يديم لكم ما خولكم من تلك الفواضل الفاضلة.
والسلام.
ومن شعر صاحب الترجمة، قوله في قصيدة، مستهلها:
يا راقدَ الليلِ لم يشعُر بمَن سهِراأسْهَرْتَ عينِي فعيْني لا تذُوق كَرَى
تنامُ عنِّي وأجْفاني مُؤرَّقةٌعَبْراءُ ما مَرَّها نومٌ ولا عَبَرَا
سلبْتَ عقلي وأوْدعْتَ الهوى كبدِييا مُنيتِي وملكتَ السمعَ والبصرَا
فأنْثني واضعاً كفّاً على كبدٍحَرَّى وكفّاً يكفُّ الدمعَ حين جَرَى
يُدنِي ليَ الوهمُ غُصْناً منك أعشقُهحتى أكادُ أُناجِيه إذا خَطرَا
وأرفع الكَفَّ أشكُو ما أُكابِدُهأقولُ أنت بحالِي يا عليمُ ترَى
أدعو إذا جَنَّنِي ليلٌ ولي مُقَلٌتفِيضُ دمعاً وقلبٌ ذابَ واسْتعَرَا
لا وَاخَذ الله مَ، أهْوَى بجَفْوتِهولا مَلاَ مثلَ قلبي قلبَه شَرَرَا
ولا ثَناهُ الهوى وَجْداً ولا اكْتحلتْعَيْناه مثلَ عُيوني في الدُّجَى سهَرَا
رَقَّ النَّسيمُ لتَبْرِيح الصَّبابة ليلمَّا انْثنَى ذيلُه من أَدْمُعِي خَضِرَا
والبرقُ شَقَّ جُيوبَ السُّحْب عن كبدِيوالرعدُ حَنَّ وأبكَى دمعِيَ المطَرَا
يا صاحبي إن لي سِرّاً أُكاتمُهأخْفيْتُه من نسيم الرِّيح حين سَرَى
إن كنتَ تضمنُ لي ألاّ تبُوحَ بهسمعتَ مِن سِبِّي المَكْنونِ ما اسْتَتَرا
شُوَيْدِنُ الحِلَّة الفَيْحاءِ أرْشَقنيمن لَحْظهِ بسهامٍ رَاشَها وبَرَا
رَمانِيَ الرَّمْيةَ الأُولَى فقلتُ بلاعَمْدٍ رَمانِي فأصْماني وما شعَرَا
وحين فَوَّق لي سَهْمَيْه ثانيةًبكيْتُ نفسِيَ واستْبكيتُ مَن حضَرَا
هذا من قول مهيار:
رمَى الرَّمْيَة الأُولَآ فقلتُ مُجرِّبٌوكرَّرها أخرى فأحسستُ بالشَّرِّ
بكيتُ نفسي لعِلْمي أن مُقْلتَهلا بُدَّ تقتُلني ظُلْماً وسوف تَرَى
مُمَّنع الوصلِ لا يُرْجَى توَاصُلُهلو زَاره الصَّبُّ في طيْفٍ لما صَدَرَا
لا تَستطيع صَبا نَجْدٍ إذا خطَرتْتُهدِي إلى الصَّبِّ من أكْنافِه خَبَرا
رَبيبُ مُلْكٍ كأنَّ اللهَ صوَّرهملَكاً وخيَّره بين الورى الصُّوَرَا
مُهَفْهَف القَدِّ لا يُطفِي لَظَى كبدِيإلاَّ ارْتشافي لَماه الباردَ العطِرَا
أغَنُّ يكسِر جَفْنيْه على حَوَرٍيُذيبُ نفسِي ونفسي تعشقُ الحَورَا
بدرٌ على غُصن بانٍ في مَحبَّتهِأكاد أعشق غُصْنَ الْبانِ والقَمَرَا
أُقبِّل الدُّرَّ من عِشْقِي لِمَبْسمِهلمَّا رأيتُ ثَنايَا ثَغْرِه دُرَرَا
وأدَّنِي الْبانةَ الغَنَّا إلى كبدِيلمَّا حكتْ قَدَّه المَيَّالَ إذْ خطَرَا
عليه كلُّ هلالٍ ينْحنِي أسفاًوكلُّ بدرٍ حَياً من وجهِه اسْتَتَرا
والنَّرجِسُ الغَضُّ غَضَّ الطَّرْف حين رَنَاواحْمَرَّ وردُ الرُّبَى من خَدِّه خَفَرَا
ذكرْتُه حين فاحَتْ لي مُعَنْبَرةرِيحُ الصَّبا وسرَى لي سِرُّها سَحَرَا
يا أيُّها القمرُ السَّارِي إذا خطَرتْإليك عَيْناه واستحْلَى بك السَّمَرَا
أبلِغْه يا بدرُ قُل مُضناك أوْدَعنِيأُهدِي إليك سلاماً طَيِّباً عطِرَا
يُمْسِي سَمِيرِي ويبكي من صَبابتِهشوقاً إليك ويَرْعَى الأنْجُمَ الزُّهرَا
عسى أخوك إذا أخْبرتَه خَبَرِييَرْثِي لحالِي فحالي شَجْوُ مَن نَظَرَا
وقوله:
يا طلعةَ البدرِ في دَيْجورِ أغْلاسِويا هلالاً على غُصْنٍ من الآسِ
يا من كتمتُ الهوى صَوْناً له فإذافَاهُوا بذكْرِ اسْمِه غالطتُ جُلاَّسِي
يا مَن إذا ضُرِبت في حُبِّه عُنُقِيما مالَ إلاَّ إليه مُسرِعاً رَاسِي
يا مُنْية القلبِ ما عنِّي أتاك فقدأوْحَشْتنِي يا حبيبي بعد إيناسِ
فقد أتاني حديثٌ منك أدَّبَنِيوزاد واللهِ في وَهْمِي ووَسْواسِي
أذاب نفسِيَ ممَّا جاء منك فلولا أدمُعِي أحرقتْني نارُ أنْفاسي
وحين عاينْتُ صبْرِي عنك مُمتنعِاًوبِتُّ أضربُ أخماساً بأسْداسِ
كتبتُ والدمعُ يمحُو ما تخُطُّ يديحتى بكتْ ليَ أقْلاَمِي وقِرْطاسِي
فاعطِفْ على مُسْتهامٍ عاشقٍ دَنِفٍبين الرجاءِ لطَيْفٍ منك والْياسِ
ماذا الصدودُ الذي ما كنتُ آلَفُهُمتَى يلين لما بي قلبُك القاسِي
لو أنَّ لي ساعةً أشكُو إليك بهاحالي وقد نام حُسَّادِي وحُرَّاسِي
مالي أُمَلِّك نفسِي مَن يُعذِّبهابالصَّدِّ عنِّي ومالي أذكُرُ النَّاسِي
يا ناسُ هل لي مُجيرٌ من هوَى رَشأٍمُهَفْهفٍ كقَضِيب الْبانِ مَيَّاسِ
أذاب قلبي وسَلَّ النومَ عن مُقَلِيبفاتنٍ فاترِ الأجْفانِ نَعَّاسِ
مَن لي بزَوْرَتِه جُنْحَ الظلامِ وقدغاب الرَّقيبُ ونامَتْ أعيُنُ الناسِ
أُمسِي أُعانِقُه ضَمّاً إلى كبدِيما في العِناق وما في الضَّمِّ من باسِ
وأنْثني عند رَشْفِي خمْرَ مَبْسَمِهسُكْراً وأسكَر من مارِيقةِ الكاسِ
عسى الذي قد قضَى بالحُبِّ يجمعنايا طَلْعة البدرِ في دَيْجورِ أغْلاسِ
وقوله:
أفْدِي التي بِتُّ أبُلُّ الجوَىمن رِيقها باللَّثْمِ والمَصِّ
قالوا لها لمَّا رأَوْا خَدَّهاوفيه أثرُ العَضِّ والقَرْصِ
ماذا بخَدَّيْك فقالتْ لهمنِمْتُ ولم أشعُر على خِرْصِي
يا حُسْنَ خَدَّيْها وعَضِّي علىناعمِ كَفٍ تَرِفٍ رَخْصِ
كفَصِّ ياقوتٍ على دُرَّةٍآهِ على الدُّرَّةِ والفَصِّ
وكتب إلى ولد عمه عز الدين محمد بن شمس الدين بن شرف الدين، يعاتبه لكلامٍ بلغه عنه:
أعاتُبه وهْو الملِيكُ المكرَّمُوقبل افْتتاحي للِعتاب أُسلِّمُ
سلامٌ على أخلاقِك الغُرِّ كلَّماتألَّق عُلْويُّ السَّنَا المُتبسِّمُ
سلامٌ كزَهْر الروضِ صافحه الصَّباوراح برَيَّا نَشْرِه يتنسَّمُ
كماءِ الصِّبا يجْرِي بخدِّ خَرِيدةٍفيزْهو بها وردُ الخدودِ المُنعَّمُ
سلامٌ كأنفاسِ الحبيب اعتَنَقْتُهففاح به ثَغْرٌ شَهِيٌّ ومَبْسَمُ
على حَضْرة المَلْك الأَعزِّ الذي لهعلى صَهواتِ النجْمِ خِيمٌ مُخيِّمُ
له شرَفٌ يهوَى الدَّرَارِي لَوَ انَّهاله شرَفٌ والشَّأْوُ أعلَى وأعظمُ
وبيتُ عُلاً فيه زُرارةُ ما احْتَبَىولا نَهْشَلٌ فيه سَمُوحٌ مُعجّمُ
ولكنه بُنْيان مجدٍ يشِيدُهإمامٌ مُحِقٌّ أو مَلِيكٌ مُعظَّمُ
قواعدُ مجدٍ للفَخار قديمةٌتأخَّر عن أدْنَى مَداها المُقدَّمُ
ليحْيَى أميرِ المؤمنين أساسُهاوفيها لشمسِ الدين مَثْوىً ومَلْزَمُ
وقَفَّاهما في رَفْع بيتِ عُلاهمافتىً وصْفُه في المَعْلوات له سَمُ
مَلِيكٌ له تعْنُو الملوكُ مَهابةًفيَقْضِي عليهم ما يشاءُ ويحكمُ
منها:
صَبا قلبُه بالمجدِ والمجدُ دُمْيَةٌوما مهرُها إلاَّ بمُعْتَرَكٍ دمُ
ومَن عَشِق العَلْياء شاق فُؤادَهحسامٌ وخَطِّيٌّ وطِرْفٌ يُحَمْحِمُ
منها:
أمولايَ يا خيرَ الأنامِ نداءُ مَنمَودَّته ما عاش لا تتصرَّمُ
نداءُ أخٍ ما زال يَسْدِي لسانُهعليك ثناءً كالعبيدِ ويُلْحِمُ
ثناءٌ يُعِير الروضَ وهْو مُفَوَّفٌويَخْجِل منه الدُّرُّ وهْو مُنظَّمُ
ويفْتَرُّ عن زهرِ الفَرادِيس زهرُهاوباكَرها دمعٌ من المُزْنِ مُنْجَمُ
كأجْنحةِ الطاوُوسِ حُسْناً وبَهْجةًيدُلُّ له روضُ الربيعِ المُنَمْنَمُ
ثناءُ فتىً شاقْته منك شَمائلٌحلَتْ فيه شُهْداً ثملَتْ فهي عَنْدَمُ
وطابتْ ففاحتْ عَنْبَراً وتنفَّسَتْعَبِيراً فكادتْ في الوجوهِ تنَسَّمُ
فما بالُها في وجهِ وُدِّيَ قَطَّبتْوكاد مُحَيَّا بِشْرِها يتجهَّمُ
وفيما أتاني عنك قلبِي بسيْفِهكَلِيمٌ وبعضُ القولِ كالسْيفِ يكلِمُ
تبِيتُ له في القلبِ منِّي قوارِصٌتُؤرِّقني والناسُ حَوْليَ نُوَّمُ
يهيمُ ببَحْرِ الفكرِ منذ سمعتُهفؤادي إذا السُّمَّار نامُوا وهَوَّمُوا
أقول أخي قد أصبح اليومَ واجِداًووَجْد أخي يُشْجِي فؤادي ويُؤلمُ
وكيف يظُنُّ السوءَ فيّ لنَيْربٍنَماها إليه شيخُ سَوْءٍ مُذَمَّمُ
وماذا الذي إن كان حقّاً كلامُهسيحْوِيه كفِّي ساءَ ما يتوهَّمُ
فتبَّتْ يَداه كيف يعْزُو إليَّ فيمَقامِك أمْراً ليس لي فيه مُلْزِمُ
وبعضُ مُعاداةِ المُعادِين غِبْطةٌبلَى عِلَّةٌ يُنْحَى عليها فتُحسَمُ
كآدمَ إذْ عاداه إبليسُ عامداًوليس له ذَحْلٌ عليه ولا دَمُ
سعَى بيَ واشٍ لا سعتْ قدمٌ بهفزَخْرَف أقوالاً وقال وقُلْتُمُ
أمَا قسَماً بالمُستجِنِّ بطَيْبةٍوحِلْفيَ عن حِنْثٍ أُبِرُّ وأُكْرِمُ
لئن كان قد بُلِّغْتَ عنِّي جنايةًلَمُبْلغُك الواشِي أغَشُّ وأظلمُ
فرِفْقاً ورَعْياً للإخاء فإننيأخوك الذي يَلْوِ عليك ويَرأَمُ
يصُون ويرْعَى سالفاتِ عوارفٍويُنْبِىءُ عن مَكنُونها ويُتَرْجِمُ
فيا ملِكاً قد جاءني عنك أنّهتَمُرُّ بسمْعِي وهْو صابٌ وعَلْقَمُ
يقول فلان أنتُم تعلمونَهوهل علمِوا إلاَّ الذي أنت تعلمُ
وهل ذَمَّنِي إلا الحسودُ فإنهلَيعْلَم ما يُشْجيه عنِّي ويُرْغِمُ
ولو جاز إطْرائِي لنفسي سمعتَهولكنَّ مدَح النفسِ للنفس يرحُمُ
عليك فسَلْ عن شِيمتِي غيرَ حاسدٍيبُثُّ جميلَ الذِّكرِ لا يتلَوَّمُ
يقُل هو لا جَعْدٌ على الوَفْرِ كفُّهإذا نالَه من بَذْلِه يتبرَّمُ
ولا ضَرِعٌ إن فاقَةٌ فوَّقتْ لهسهاماً وللنُّعْمَى ولِلْبُوسِ أسْهُمُ
ولا هو إن نال الغِنَى قصَر الغنىعلى نفسِه بل وَفْرُه مُتقسِّمُ
ولا هو مَن إن راح عُطْلاً من الثَّرَىيرُحْ وهْو عُطْلٌ من حُلَى الفضلِ مُعْدِمُ
يكُفُّ جِماحَ القولِ لا عن فَهاهةٍوإن قال لا عِيٌّ ولا هو مُفْحَمُ
ويَأْتلِقُ النادِي بسِحْر بَيانِهكأنَّ سَناه في دُجَى الحظِّ أنْجُمُ
وتهْوى الغَوانِي أن مَنْظومَ فكرِهومَنْثورَه في حَلْيِهِنَّ يُنظَّمُ
طغَى قلمي فاصفَحْ فإنك هِجْتَهُبمَأْلُكَةٍ فيها عليَّ تحكّمُ
تجنَّيْتَ لي ذنْباً لتعذِر جانياًكذِي العُرِّ إذ يَكْوي صَحِيحاً ويسلَمُ
فلا غَرْوَ أن فار الإناءُ بمائِهومِن تحته نارُ الغَضا تتضرَّمُ
وإنَّ كَمالِي مُنْتَمٍ ونقِيصَتِيإليك وإن أثْلَم فإنَّك تثلَمُ
فعِرْضُ أخِي عِرْضِي وعرضِيَ عِرْضُهولي لحمُه لحمٌ ولي دمُه دَمُ
أمولايَ يا من خُلْقُه الروضُ ناضِراًبرَوْح له يرْتاح من يتوسَّمُ
أُعِيذُ كمالاً حُزْتَ خَصْلَ رِهانِهفجاوزْتَ شَأْواً دونه النجمُ يُحْجِمُ
وحِلْماً تزول الرَّاسياتُ وركنُهشديدُ المَباني لا كمَن يتحلَّمُ
وقلباً ذَكِيّاً مُشْرَباً ألْمَعيَّةًإياسٌ لديها أغْلُف القلب أفْدَمُ
أعيذك أن يُصْغِي إلى قولِ كاشِحٍيُحبِّرُ زُوراً وَشْيَه ويُسهِّمُ
يُوافيك في بُرْدِ التَّمَلُّقِ كاذباًوتحسَب غُفْلاً بُرْدَه وهْو أرْقَمُ
وكيف وأنت الفحلُ جاز مِحالُهعليك لَعَمْرِي أنت أذْكى وأحْلَمُ
وهل في قَضايا العقلِ مولايَ أنهلديْك يُصدَّى صارمِي ويُكَهَّمُ
أخي إن كَففْتَ الخيرَ فالشَّرَّ كُفَّهكَفافاً فكُن إن الكَفافَ لَمغْنَمُ
فرفقاً بنفْسٍ من مقالِك أوْشكَتْتذُوب وكادت حسرةً تتصَرَّمُ
أقول إذا جاشَتْ عليه وأرْزمَتْوعادتُها من جَفْوةِ الخِلِّ تُرْزِمُ
هنيئاً مَريئاً غيرَ داءٍ مُخامرٍلمَولاي منِّي ما يحِلُّ ويحرُمُ
أمولايَ من يُرْضِيك كُلُّ خِلالهِوأيُّ فتىً في الناسِ قِدْحٌ مُقَوَّمُ
كفَى المرء نُبْلاً أن تُعَدَّ ذنوبُهفتُحصَى ومَن ذا من أذَى الناسِ يسلمُ
وإنِّي على ما كان مُثْنٍ وشاكرٌمدَى الدهر لا أشكو ولا أتظَّلمُ
ولستُ بناسٍ ذِكْرَ أخلاقِك التيبها أنا مهما عِشتُ مُغْرىً ومُغْرَمُ
فلا تحسَبَنِّي صادِفاً للثناءِ إنْثَناك من الواشِين ظَنٌّ مُرَجَّمُ
وحقِّك إنِّي ما حيِيتُ لَوامِقٌشمائَلك الحُسنَى مُحِبٌّ مُتيَّمُ
وهل يقْلَع الإنسانُ مُقْلَة نفْسِهوإن يأْت من عَوْرائها لا يهُوِّمُ
وليس انْتزاحي عن جَنابِك جاحِداًعوارفَ يدْرِي حقَّها اللحمُ والدمُ
ولكنَّ إخواناً أبَوْا لي فِراقَهمْفطاوعْتُهم والقلبُ بالشوقِ مُفْعَمُ
ولا صارفاً وُدِّي لغيرك صادِفاًبه عنك يأْبَى لي الوفا والتكرُّمُ
فؤادَك أبْغِي أن يكون مَكانتِيبه حيث لا يرضَى وُشاةٌ ولُوَّمُ
إذا صَحَّ لي من قلبِك الوُدُّ وحدَهظفِرتُ فلا آسَى ولا أتندَّمُ
وما لي إلى ماءٍ سوى النِّيلِ حاجةٌولو أنه أستغْفرُ اللهَ زَمْزَمُ
ومما يحسن من شعره، قوله:
نفسِي الفداءُ لشادِنٍمُرِّ الجفَأ حلوِ المَراشِفْ
قاسِي الفؤادِ أعار أغْصانَ النَّقا لِينَ المَعاطِفْ
لهِبتْ بنارِ صُدودِهكبدِي ودمعُ العينِ ذارِفْ
ومُمَنَّعٍ كالغُصنِ دُون لِقائِه خوضُ المَتالِفْ
مِن وَصْلِه وصُدودِهأنا دائماً راجٍ وخائفْ
فعَلتْ بنا ألْحاظُهما تفعلُ الأسَلُ الرَّواعِفْ
مُتجاهِلٌ عمَّا يُقاسِي فيه قلبي وهْو عارفْ
وقوله:
نَسَماتُ النسيم من نَعْمانِوابْتسام الوَميضِ باللمَعانِ
سَعَّرا نارَ مُهْجتي وأثارَاشَجْوَ قلبي وهَيَّجا أشْجانِي
ذَكَّراني بعَصْرِ وصلٍ تقضَّىآهِ لَهْفِي لفَوْتِ ما ذكَّرانِي
هاشَبابي مضَى وما نلْتُ وصلاًأين منِّي شبابُ عمرٍ ثانِي
يا خليليَّ خلِّيانِي فمابيمن غرامٍ أذاب قلبِي كَفانِي
ما تُحلاَّ باللَّوْمِ عِقْدَ عهودِيفاعذِراني باللهِ أو فاعْذِلاني
فبسمعِي من ذلك اللومِ وَقْرٌقد أجبْتُ الغرامَ لمَّا دعانِي
قسَماً بالحَطِيم والحِجْر والبَيْتِ العظيمِ المُقبَّلِ الأرْكانِ
وبمَن حَلَّ عِقْدَ عهدي ومن قدحَلَّ منِّي هواه كلَّ مكانِ
وبِعَصْر الشبابِ عُذْر التَّصابِيوعفافِي إذا وصلتُ الغوانِي
وبِعصْيانيَ المَلامَ مُطِيعاًلغَرامِي وهذه أيْمانِي
إنني قد حملتُ من مُثْقلاتِ الصَّدِّ ما لا يُطِيقُه الثَّقَلانِ
يا مُرِيدَ السُّوِّ لي كُفَّ عنِّيفعَنِ الحبِّ ليس يُثْنَى عِنانِي
أنا حِلْفُ الهوى رضيعُ الصَّباباتِ حِلْفُ الغرامِ والأشْجانِ
بين قلبي وسَلْوتِي مثلُ ما بَيْنَ حِسانِ الوُجوهِ والإحْسانِ
فاسْتَرِحْ عاذِلي ودَعْنِي أُعانِيمن تبارِيحِ لَوْعتِي ما أُعانِي
لا تلُمْنِي ومثلَ نفْسِك عامِلْنِي فإن الإنسانَ كالإنْسانِ
أنت بدْرِي وإن تجاهلْت ما يفْعلُ وَجْدٌ بِذِي هَوىً وَلْهانِ
لستَ لا والغرامِ تجهل شأْناًلِمُحبٍ وإن تجاهلتَ شانِي
أنت إمَّا مُغالِطٌ لِي وإلاَّفغَيورٌ أو حاسِدٌ أو شَانِي
وجيه الدين عبد القادر بن الناصر بن عبد الرب ابن علي بن شمس الدين بن شرف الدين بن شمس الدين بن أحمد بن يحيى.
الوجيه نضر الله وجهه، وجعل وجهته للفلاح خير وجهة.
من بين معادن الموجودات النضار أو العسجد، ومن بين جواهر الذوات درة التقاصير أو الزبرجد.
فهو كنز النائل المستماح، ومطلب الكرم والسماح.
له لب الفخار الأشب، وبحبوحة النسب والنشب.
سامي السماك بعزمٍ للحساد مبيد وماحق، وسبق إلى غايات الفضل ولا بدع فليس للوجيه لاحق.
وقد وقفت له على شعرٍ تلألأ غرة المجد في محياه، وتروق السقاة الأقمار كؤوسها من حمياه.
فمنه قوله:
قد طار قلبي إلى مَن لا أُسمِّيهوإن تناسَى الوفا فاللهُ يحْمِيهِ
مُهَفْهَفٌ مادَ من تِيهٍ ومن جَذَلٍفكاد قَدُّ قضِيب الْبانِ يَحْكِيهِ
بدرٌ تكادُ بدورُ التِّمِّ تُشبِهُهوالظَّبْيُ حاكاه لكنْ ما يُساوِيهِ
ذُو مُقلةٍ يعرف السحرَ الحلالِ بهاقلبي بها يتقلَّى في تَلَظِّيهِ
كم أكتمُ الحبَّ في قلبي وأُضْمِرُهلكن مدامعُ عيْني ليس تُخْفيهِ
أبِيتُ أرْعَى نُجومَ الليلِ مُنْزعِجاًألْتاعُ شوقاً وفي قلبي الذي فيهِ
لي نارُ وَجْدٍ واشواقٍ أُكابدُهاللهِ قلبيَ فيه كم يُقاسِيهِ
البرقُ يُذْهِلُه والرِّيحُ يُدهِشهوالشوقُ ينْشُره والوجدُ يَطْوِيهِ
ولده الحسين سيد هذه الأسرة بأسرها، والواقف على نكتة المسألة وسرها.
أحد من تحدى بما أبدى، وأسكت كل منطيقٍ لما أدى.
تصدر بالعلم وجلالة القدر، حتى شهد له الصدر بأنه الصدر.
وكانت بلادهم مخضرة الأكناف من أندائه، فشمل بره كافة أصدقائه وأعدائه.
فأصبح والهمم إليه نازعة، ولطاعته متنازعة.
والقلوبُ بولائه صبة، وإلى ثنائه منصبة.
افترت أيامه ضاحكات المباسم، واستوت فلك أمانيه على مراسم المواسم.
حتى قام الإمام محمد بن أحمد بن الحسن قومته التي أرهبت ليوث الآجام، وهي بعد أجنةٌ لم تخرج من الأرحام.
فما عقد أمانا، ولا وفى ضمانا.
ولا أشهد على نفسه ثقة، ولا غلط يوماً بفرط متعة.
ولبس لبس الأشرار، وخلع حلية الأحرار.
ضربا بالسيوف البواتك، وطعنا بالرماح الفواتك.
حتى لقيت اليمن منه العبر، ووقفت من خروجه على جلية الخبر.
فبعض كبرائها ترك الوطن وجلاه، والبعض الآخر أسلمته إلى القيود رجلاه.
فكان الحسين ممن استبدل اليمن بالحرم الآمن، وأقام به وهو كالدرة في وسط الصدف كامن.
فتلت الألسن سور أوصافه، واجتلت الأسماع صور اتسامه بالفضل واتصافه.
وقد رأيته بمكة في يومٍ خرج به متنزها، وجوه يطلع صندلا، وممشاه يفوح مندلا.
فرأيت ملكاً في صورة ملك، وبدراً طلع من فلك.
عنوانه يدل على طرسه، ونور معاليه مبين طهارة غرسه.
وطلبت به الاجتماع مع واسط له من أخصائه مادح، فاعتذر له بما اعتذر به عز الدولة ابن صمادح.
وذلك ما حكى ابن اللبانة الشاعر، قال: ذكرته لأحدٍ ممن صحبته من الأدباء، ووصفته بما فيه من الصفات العلية، فتشوق إلى الاجتماع به، ورغب إلي في أن أستأذنه في ذلك.
فلما أعلمت عز الدولة، قال: يا أبا بكر، أتعلم أنا اليوم في خمول وضيقٍ، لا يتسع لنا معهما، ولا يجمل بنا الاجتماع مع أحدٍ، لا سيما مع ذي أدب ونباهة، يلقانا بعين الرحمة، ويزورنا بمنة الفضل في زيارتنا، ونكابد من ألفاظ توجعه، وألحاظ تفجعه. يجدد لنا هماً قد بلي، ويحيي لنا كمداً قد فني، وما لنا قدرةٌ أن نجود عليه بما يرضى به عن همتنا، فدعنا كأننا في قبر نتدرع لسهام الدهر، بدرع الصبر.
وهو كما تحققته في العلم أجل من انعقدت عليه عشرة أبناء الدهر، وأشهر من البدر في ليلة الرابع عشر من الشهر.
وله في الأدب فرائد شنف بها آذان الزمان، وأطلعها أشف من قلائد العقيان، وعقود الجمان.
وجميع ما أثبت له قد جردته من كتاب الطوق الذي جمعه يوسف بن علي الهادي من شعر بعض العصريين باليمن.
قال فيه: لما بلغه تأليفي لهذا الطوق، وتكليف نفسي بمزاحمتها لأهل هذه الصناعة فوق الطوق.
رغب الاطلاع عليه، وسأل مني ذلك فسيرت ما كان قد تحصل مني إليه.
وسألت منه نظم شيء في الحمائم، ونقل ما أمكن من نظمه ونثره اللذين لم يكتم شهادتهما ومن يكتمها فإنه آثم.
فعاد الرسول مصحوباً بقطعة منها هذا نظير، في وصول الطوق الذي لا يدخل تحت الطوق له نظير،
يُوسُفِيُّ الجمالِ كم هام صَبٌّفي معانِي جمالهِ اليُوسُفِي
ولما كمل له النظر فيما أرسلت إليه من هذا التأليف، أعاده إلي ومعه كراس فيها من معجز نظمه البديع الترصيف.
افتتحها بأبياتٍ، مدح بها ما أودعته في هذا التأليف من الأبيات البينات.
ولعمري: إن الإنصاف، من خلال الأشراف.
والإنكار، من خلال الأشرار.
والإنكار، من خلال الأشرار.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع