تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

ذكر آل الإمام شمس الدين بن شرف الدين بن شمس الدين (٢)

وقبلها من قوله، ما لفظه: هذه الأبيات في تقريظه طوق الصادح، الذي لا يدخل حصر أوصافه تحت طوق المادح:

لَعَمْرُك ما الروضُ المُوَشَّع بالزَّهْرِولا طلعةُ البدرِ الذي حُفَّ بالزُّهْرِ
ولا الحُور قَلَّدْنَ النُّحورَ قلائداًتُضِيءُ من الدُّرِّ المفصِّل بالشَّذْرِ
ولا ابنُ ذُكا يا ذا الذَّكاء ولا ولابأبْهَج من هذا الكتابِ بلا نُكْرِ
لقد أطربتْ ألفاظُه كلَّ سامعٍفيا مَن رأَى طَوْقاً له نَغْمةُ القُمْرِي
مَعانِيه أضْحتْ في المَهارِق تُجْتلَىكما يُجْتلي وَجهُ المَليحة في الخُمْرِ
ولا عيبَ في ألْفاظِه غير أنَّهاغَدَتْ لأُلِي الألْباب تنفُث بالسِّحْرِ
على كُتب التّاريخ يفضُل يا فتَىكما فضَلتْ شمسُ النهارِ على البَدْرِ
فما يُجْتلى وجهُ الخرِيدة بعدهُوذَلَّ به قَدْرُ اليتيمة في الدهرِ
ورَيْحانة المولَى وإن فاح عَرْفُهاففي طَيِّ ذا من رِيح يوسُفَ والنَّشْرِ
فمن علَّم الوَرْقا بأنَّ محَلَّهابه قد غدَا يعلُو على هَامةِ النَّسْرِ
فقُل للذي جاءتْ بَنانُ بيَانِهبزُخْرُفِ لفظٍ قد سَبا كلَّ ذي حِجْرِ
لئن ورَدَت نهرَ البَيان عصابةٌفأنت الذي قد خُضْتَ من ذاك في بَحْرِ
وإن هَبطتْ مصرَ البلاغةِ عُصبةٌفيوسفُ قد أضْحَى العزِيرَ على مصرِ

قال: هذا هو النظم الذي لو رامت البدور أن تحاكيه لظهر عليها أثر التكلف، أو دعيت الأقلام إلى رقمه لسعت إليه على رأسها وما جنحت إلى التخلف.

أو همت الراح أن تشابهه في تجديد اللذات لقلنا لها هذا مما لا يدركه العتيق، أو التمس أحدٌ شقيقاً للرياض لقالت له وأبيك ما لي غير هذا النظم من شقيق.

أو تغلغل فكر ابن بحرٍ في طرفٍ من محاسنه غرقت فيه أواخره، أو تجلى طرسه للأفق غارت من شموس معانيه زواهره.

فلله در ناظمه من فصيحٍ لم يزل الحلي السطور لا الصدور صائغا، ومن بليغٍ يكون الكلام دونه أجاجاً فإذا انتهى إليه تلقى طيبه فصار فراتاً سائغا.

ومما جمعه من ثمر نظمه في تلك الأوراق، وأطلق براعته لرقممه فغدا مشكوراً على الإطلاق.

قوله في ورقا، رقت من الدوح ورقا، ورقت لها القلوب لما رقت نفسها خوفاً من الجنون وما أكيس من رقى نفسه ورقى:

ما للمَشُوق مُجِيبٌ في دُجَى الغَسَقِسوى الصَّدَى وهَدِيلِ الوُرْق في الوَرَقِ
يا قومُ لو كان للورَرْقا شُجونُ شَجٍما صَفّقتْ من سرورٍ طَلْعةَ الفَلَقِ
ولو لها فقَدتْ إلْفاً لما خضَبتْكَفّاً ولا جعلتْ طَوْقاً على العُنُقِ
ولم تُحرِّكْ لنا عُوداً وتنشِد منألْحانِ إسحاقَ أصْواتاً على نَسَقِ
وهي التي دمعها ما زال مُحتبَساًوالصَّبُّ من صَبِّ دمعِ العين في غَرَقِ
وحَسْبُها أنها باتتْ مُعانِقةًغُصْناً وبتُّ لغُصني غيرَ مُعتنِقِ
أبِيتُ ليلِي أُراعِي النجمَ مُكتئِباًلفَرْطِ ما بِيَ من وَجْد ومن أرَقِ
ما أعجبَ الحبَّ يشْتاقُ العَمِيدُ إلىرِئْم الصَّريمِ وقد أرْداه بالحَدَقِ
يا وردَ ذا الخدِّ دعْ إنكارَ قَتْلِ فتىًما قَطُّ أبْقتْ له يُمنْاك من رَمَقِ
في خَدِّك الشَّفقُ الْقاني بدَا وعلىقَتْلِ الحُسَينِ دليلٌ حُمرةُ الشَّفَقِ

هذا الشعر أرق من مدام الطل في كؤوس الزهر، وأفتن ولا أقول أفتر من جفون الحور المكسورة على الحور.

ولطيفة الشفق من مبتكراته، وبدائع مخترعاته.

والقول بأن الشفق الأحمر لم يظهر إلا من بعد قتل الحسين بن علي وردت فيه أخبار.

قال العلامة ابن حجر الهيتمي، في الصواعق المحرقة، في باب خلافة الحسين ما لفظه: أخرج الثعلبي، أن السماء بكت وبكاؤها حمرتها.

وقال غيره: احمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثم لا زالت الحمرة تردد بعد قتله.

وأن ابن سيرين، قال: أخبرنا بأن الحمرة مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسين.

وذكر ابن سعد أن هذه الحمرة لم تر في السماء قبل قتله.

قال ابن الجوزي: وحكمته أن غضبنا يؤثر حمرة الوجه، والجو تنزه عن الجسمية، فأظهر تاثير غضبه على قتل الحسين حمرة الشفق، إظهاراً لعظيم الجناية.

انتهى كلام ابن حجر.

قلت: للمقال مجال في هذه الأخبار، فقد قيل قيد الشارع ﷺ انقضاء وقت المغرب بغيبوبة الشفق الأحمر، وجعلها حكماً من الأحكام ولا يكون ذلك إلا مع ظهوره في زمنه ﷺ؛ فإن من البعيد أن يتعبدنا الله بحكم معدوم سيوجد.

والحديث الوارد في تقييد انقضاء وقت المغرب بغيبوبة الشفق الأحمر مشهورٌ عن ابن عمر، ﵄، عن النبي ﷺ.

ولفظه: " الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة ".

أخرجه ابن عساكر، في غرائب مالك.

وقال الدارقطني في السنن: قرأت في أصل أحمد بن عمرو بن جابر، قال: حدثنا علي بن عبد الصمد، حدثنا هارون بن سفيان، حدثنا عتيق بن يعقوب، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً إلى النبي ﷺ، باللفظ المذكور أولاً.

ورواه ابن عساكر أيضاً من حديث أبي حذافة، عن مالك، وقال: حديث عتيقٍ أمثل إسناداً.

وقد ذكر الحاكم في المدخل حديث أبي حذافة، وجعله مثالاً لما ذكره المخرجون من الموقوفات.

وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا عمار بن خالد، حدثنا محمد بن يزيد، هو الواسطي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمر، ورفعه إلى النبي ﷺ: " وقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق ".. الحديث.

قال ابن خزيمة: وإن صحت هذه اللفظة أغنت عن جميع الروايات، لكن تفرد بها محمد بن يزيد، وإنما قال اصحاب شعبة فيه: نور الشفق مكان حمرة الشفق.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: قلت، محمد بن يزيد صدوق. انتهى.

والتوفيق بين القولين صعبٌ جداً، وبالله التوفيق.

ومما يتعلق بالشفق قول الشهاب:

مُذْ نَحَرْتُ الأيامَ خُبْراً وكانتلي مَطايا قد أثْقلَتْها الأمانِي
سلَختْ مُديةُ الهلال شُهوراًشفَقُ الأُفْقِ من دمِ السَّلْخِ قَانِي

ومن شعر الحسين هذه القصيدة:

لفؤادي في الهوى كَدٌّ وكَدْحُولطَرْفي بالدِّما سَحٌّ وسَفْحُ
يا أخا التحْذيرِ أغْرَيْتَ وكممُغْرم أغْراه من قد راح يَلْحُو
قُل لِسَالٍ أسْنَد الوَجْد إلىنفسِه مَهلاً ففي الإسْنادِ قَدْحُ
إن كسا الوَجْهُ حسيْناً ثوبَهفأحاديثُ الكِسا فيه تَصِحُّ
عاذِلي كُن عاذِري في حُبِّ مَنفَرْقُه مَعْ فَرْعه صُبْحٌُ وجُنْحُ
ظالمٌ مَأْواه في قلبي ومالذوِي الظُّلمِ من النِّيران بَرْحُ
شَحَّ بالوصلِ وللرِّيم حكَىأَخُّ من شخصٍ كريمٍ فيه شُحُّ
قَدُّه لا طَعْنَ في أوصافهِعجباً لا طعن فيه وهْو رُمْحُ
كلَّما ماسَ تغنَّى حَلْيُهفإذا للوُرْقِ فوق الغُصْنِ صَدْحُ
أنْكرَتْ عيْناه قْتلِي وعلىوَجْنتيْه من دمِي نَضْحٌ ونَصْحُ
بدمِي قد شهدتْ وَجْنتُهولطَرْفي وَيْحَه في تلك جَرْحُ
ليت شِعْري هل لقلبي سَلْوةٌعنه كلاّ ما لِهذَا البابِ فَتْحُ
لا يطِيبُ العيشُ إلاَّ للذيلم يكُن في طَرْفِه ما عاش طَمْحُ
فعَذابي أصلُه من نَظْرةٍرُبَّ جِدٍ جَرُّه للمرءِ مَزْحُ

تالله ما هذا الإ روضٌ يسند لنا وجهه الطلق عن بشر بن بسام، وتتغنى حمائمه فيجر النسيم ذيله طرباً ويرقص الزهر والأكمام.

وقوله: إن كسا إلخ، فيه إشارة إلى خبر مسلم، أن النبي ﷺ خرج ذات غداة، وعليه مرطٌ مرجل من شعر أسود، فجاء الحسين فأدخله، ثم الحسن فأدخله، ثم فاطمة فأدخلها، ثم عليٌّ فأدخله، ثم قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ".

وفي رواية: " اللهم هؤلاء أهل بيتي ".

وفي رواية أخرى أن أم سلمة أرادت أن تدخل معهم، فقال ﷺ بعد منعة لها: " أنت على خيرٍ ".

وفي رواية أنها قالت: يا رسول الله، وأنا! قال: " وأنت من أهل البيت العام ".

بدليل الرواية الأخرى: وأنا؟.

قال: " وأنت من أهلي ".

وكذا قال النبي ﷺ لواثلة، لما قال: يا رسول الله، وأنا؟ فقال: " وأنت من أهلي ".

وفي حديث حسن، أنه ﷺ اشتمل على العبا وبنيه، ثم قال: " يا رب، هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي، وخاصتي، فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي ".

وقوله: " ظالم مأواه في قلبي ".. البيت.

هو كقول ابن نباتة:

شديدُ الظلمِ مسكنُه بقلبِيكذاك الظلمُ يُوقِع في السَّعيرِ

إلا أن بيت صاحب الترجمة أكمل معنىً، وأروق لفظاً، وأصح مبنىً.

وقوله: شح بالوصل.. البيت، هو كقول الصفي الحلي:

مُبَخَّل يُشْبه رِيمَ الفَلاَوأطْولُ شَوْقِي من بخيلٍ كريمْ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «صيرني في كل واد أهيم»

وقوله: أنكرت عيناه قتلي..، والبيت الذي بعده، هما كقول القائل:

أنكرتْ مُقلتُه سَفْكَ دميوعلاَ وجْنته فاعْترفَتْ
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

خدَّاك بقتْلي قد شهِدافعلى مَ جُفونُك تجْحدُهُ

ولكن فاتهما لطيفة النضح والنصح، وتورية الجرح التي لا أعدل ممن يشهد بحسنها من العدالة إلا العدول إلى القدح.

وأما قوله:

فعَذابي أصلُه من نَظْرةٍ

فلا يخفى ما في وجه فصاحته من النضرة، التي تصبو إليها أبصار البصائر من أول نظرة.

وإرسال المثل فيه هو الجمال البديع، والسحر المبين لأهل البديع.

فسبحان المانح.

ومن قلائد أشعاره، وخرائد أفكاره.

قوله في الغزل:

خفِّفْ على ذي لَوْعةٍ وشُجونِواحْفَظْ فؤادَك من عُيونِ العِينِ
فلَكَمْ فؤاد وَاجِب من سَهْمِها الْمسمومِ أو من سيْفها المَسنونِ
واترُكْ مَلامةَ مُغْرَمٍ في حبِّ مَنأغنتْ مَ؛ اسنُه عن التَّحْسينِ
رَشَأٌ أغَنُّ غَضِيضُ طَرْفٍ لم يزَلْيأتِي بسحْرٍ مِن رَناه مُبِينِ
ستَر الضحى من شعرِه بدُجىً كماكشفَ الدُّجى منه بصُبح جَبِينِ
وتراه مُنتصِبَ القَوامِ ولم يزَلْعن ضَمَّه ينْهَى بكسْر جُفونِ
وإذا مشَى مَرَّ النسيمُ بعِطْفِهفيكاد يلْويِه لفَرْطِ اللِّينِ
نابتْ عن الصَّهْبَا سُلافةُ رِيقهِوخدودُه أغْنَتْ عن النَّسْرِين
ما مال كالنَّشْوان تِيهاً عِطْفُهإلاّ وفيه ابنةُ الزَّرَجُونِ
وترى الذي أرْداه صارمُ لَحْظِهيحيا برَشْفِ رُضابِه في الحِينِ
فلِحاظُه فيها المَماتُ ورِيقُهُماءُ الحياةِ لمُغرَمٍ مَفْتونِ
يا شادناً شاد الغرامُ كِناسَهفي مُهْجتِي لا في رُبَا يَبْرينِ
لك في فؤادِي مَرْبَعٌ وحُشاشتِيلك مَرْتَعٌ والوِرْدُ ماءُ عُيونِي
يا مَن له الخَدُّ الأسِيلُ ومَن له الطَّرفُ الكحِيلُ وحاجِبٌ كالنُّونِ
ما زلتَ مُغْرىً بالخِلافِ لشافِعييا مالكِي وتقول لا تُرْدِينِي
وَيْلاه مِن لا في الجواب وكَرْبِهايا كربَ لا أرَضِيتِ قتلَ حسينِ
لمَّا تحمَّلتُ الغرام وقام فيجَفْنِي السَّقامُ وسال ماءُ جفونِي
يا مَن يدومُ على البِعادِ أما ترىقد حَلَّ بي من ذاك ما يُضْنِينِي
زفراتُ مُشتاقٍ ولوعةُ عاشقٍوحنينُ مُدَّكِرٍ ودمعُ حزينِ
ورضيتُ قتْلي في هواك ولم أقُلْأكَذا يُجازَى وُدُّ كلِّ قَرِينِ

قوله:

وَيلاْه مِن لا في الجواب وكَرْبها

هو كقول الفيومي، في مليح اسمه حسين:

جعلتَ جَفْني واصلاً والكرَىرَاء فجُد بالوصل فالوصلُ زَيْنْ
ولا تُجِبْني عن سُؤالِي بِلاَفالقلبُ يخْشَى كَرْبَلاَ يا حُسَيْنْ

لكن قول الحسين هو عند نقاد الأدب الدر الثمين، فإنه أبدع وأطرب، وأغرى على حب محاسنه وأغرب.

ومن ظره بعين الإنصاف، رآه أسنى من البدر عند الإنصاف.

ومن نظمه قوله مضمناً في شخص يلقب بأخي الحوائج:

سُلْوان قلبي في هوَى من لقَّبوابأخِي الحوائج ما إليه سبيلُ
عجباً له ما مَلَّه ذُو مُقْلةٍوأخو الحوائج وجهُه مَمْلولُ

وقوله مضمناً مع زيادة التورية:

ورِيمٍ غَرِيرٍ بالجميل مُولَّعٌتناءيتُ عنه وهو يدْنُو ويقرُبُ
فقبَّلْتُه في الخَدِّ سبْعين قُبْلةًوكلُّ امرىءٍ يُولِي الجميلَ مُحبَّبُ

استعمال التحبيب بمعنى التقبيل عرف شائع لأهل اليمن، وبه حسنت التورية.

وكتب إلى القاضي عماد الدين يحيى بن الحسين الحيمي ملغزاً:

قُل لعماد الهدى الجليلِ ومَنكاد لفَرْط الذكاءِ يلْتهِبُ
ما سابحٌ في البلاد ذُو قَلَقٍما إن له في وقوفه أرَبُ
يُتابع الخِضْر في شريعتِهفاعْجَبْ له إنَّ أمرَه عجَبُ
إذا ألْتقتْه السَّفِينُ يخْرِقُهاوهو لعُمْر الغلام ينْتَهِبُ
لكنه في الجدارِ خالفَهيُزَلْزِل الجُدْرَ وهو مُنْتَصِبُ
ما زال ما سَار في تقلبُّبِهوهْو على ذاك ليس ينْقلِبُ

فأجابه القاضي أبو الفضل محمد بن الحسن:

يا شَرَف المَكرُمات نظمُك قدوافَى إلينا وكلُّه نُخَبُ
مُنْسَبِكَ النظمِ في فواصِلِهكأنما الشُّهُد فيه مُنْسكِبُ
مثلُ عقُود الْجُمانِ في نَسَقٍتعجزُ عن صَوْغ مثلهِ العرَبُ
جاء على غِرَّةٍ فأذْعَرنِيكالسيلِ لكنَّ ضَرْبَه ضَرَبُ
فهو الذي أخْرَب الجِدارَ كماإذا الْتقتْه السَّفِينُ تضْطرِبُ
وهو الذي سار في البلادِ فلايُنْتَجُ في موضعٍ له نُجُبُ
وهو لعُمْرِ الغلامِ مُنْتهِبٌأيضاً وللكهلِ ظَلَّ ينْتهِبُ
وشِرْعةُ الخِضْرِ إذ يمُرُّ بهاطريقُه إنَّ أمْرَه عَجَبُ
وهْو مَدَى الدهرِ في تقلُّبِهوليس قلبٌ له إذا قلَبُوا

ذكرت بهذا اللغز لغزاً لنصير الدين الحمامي كتبه إلى السراج الوراق وهو:

لتُرشِدني شيئاً به تُرْشَد المُنَىله قلبُ صَبِّ كم فؤاد به صَبُّ
إذا ركِب الهَيْجاء يُخْشَى ويُتَّقَىفلم يثْنِه طَعْنٌ ولم يثْنِه ضَرْبُ
فقلتُ يهُدُّ الصَّخْرَ عند لقائهِومن أعْجَبِ الأشياءِ ليس له قَلْبُ

ومن إنشاءاته التي إذا شدا بها اليراع وزهر طرسها أزرت بكل حديقةٍ غنا، أو عرفنا بها السحر المبين علمنا أنه لم يستتر وجه الصواب عنا.

ما كتبه جواباً عن كتاب أنشأته إليه من عمى أوحد الكبرا، وأجمل الوزرا.

ذي النظم الفائق، والإنشاء الرائق.

عبد الرحمن بن الهادي، لا برح روض مجدٍ يقيد عين الرائي وعين جود يكرع منها الصادي.

وهو: سماء بلاغة زهرت نجوم بروجها، وروضة فصاحةٍ نجمت زهور مروجها.

وردت إلي بأنفاسها اليوسفية، ونسماتها الندية الندية.

من مقام من اشتد بوزارته أزر الإمارة، وظهرت على محبته وصدق مودته الأمارة.

ذلك الماجد المكرم، والسابق في حلبتي الأدب والنسك حتى أنسى بالكميت وابن أدهم.

بهجة النادي وحدقة حديقة الوادي، وجيه الدين عبد الرحمن بن الهادي.

لا زال مرتشفاً من النعم زلالها الصافي، متفيئاً ظلالها الظليل الضافي.

ما ناحت الحمام على الهديل، وأطربت بهديرها والهديل.

وبعد؛ فإنه ورد منه ذلك الكتاب، الذي أزال خطوب النوى بلطف ذلك الخطاب.

فأقسم بالليل من سواد نقسه، وبالفجر من بياض طرسه.

لقد تعطرت به الأرجاء وتمسكت، بالأكف التي تلمست به وتمسكت.

ولقد شنف الأذان بما أودع من الجواهر والدرر، وفعل ذلك اللفظ اليوسفي في البصائر فعل القميص اليوسفي في البصر.

فلله در منشىء ذلك الدر النظيم، ولولا ذلة اليتم لقلت اليتيم.

ولعمري إن من أجل فوائد هذا السفر المفيدة، تطويقي بنفيس تلك الدرر الفريدة.

وأسأل فالق الحب والنوى، أن يهبني أسباب الإياب ويقطع أسباب النوى.

وقد قابلت بحصى هذا الجواب درر ذلك الابتدا، ولو لزم استواء لفظ البادي والمراجع لما سمي جواباً رجع الصدى.

فعلى صاحب ذلك الكتاب وكاتبه، أزكى سلام الله وأطايبه.

ودعاؤهم مستمد في آخر شهر الصيام، سيما بالتوفيق وحسن الختام.

ومن غاياته التي لا تدرك، وآياته التي لا تشرك.

ما كتب به جواباً عن قصيدة، كتبها إليه أوحد السادة، وسلسيل أكرم قادة.

ضياء الإسلام والدين زيد بن محمد بن الحسن، وأرسلها على يد السيد عماد الدين يحيى بن أحمد العباسي.

فأصحبها السيد المذكور أبياتاً منه تتضمن تصديرها إليه، فأجاب عليها بهذه الكلمات، وما بعدها من النظم الذي تنعقد خناصر المحبرين عليه: وهو: أبهى تحفٍ تحف بكل معنىً بديع، وأبهج كلمٍ يعجز عن تحرير مثلها الحريري والبديع.

وردت إلينا من مقام من أضحت العلوم بأسرها في أسره؛ فهو ابن عباس عصره، وابن بسام دهره، يحيى الذي يحيا الفؤاد بذكره.

أتحفه الله بسلام تتعطر الأرجاء بنشره، ويليق بعالي مقامه الرفيع وقدره.

وبعد؛ فإنها وردت تلك المطالعة، التي طلعت بدورها بالأنوار الساطعة.

متضمنة تصدير تلك الحدائق التي تروق الناظر، ويذوي لدى نورها النجم الزاهر، ويخفى عند نورها النجم الزاهر.

من نظام فرع الدوحة القاسمية، وطراز العصابة الهاشمية.

فلعمري لقد نسج ببنان البيان برداً لم ينسج على منواله، وأثار برقه ذلك الغزل جوىً في حوائج كم من واله.

فلما وصلت تلك الكلمة السنية، قابلها المحب بالإعظام والإجلال، ووضعها على العين والرأس، وقال:

أهلاً بها فهْيَ أنفاسٌ ذَكِيَّاتُنَدِّيَّةٌ ما لها نِدٌّ نَدِيَّاتُ
هبَّت لنا من جهاتِ الشرقِ عاطرةًوإنها نسَماتٌ عَنْبَريَّاتُ
جاءتْ تُذكِّر أيامَ العَقِيقِ فَصُبَّتْ من الطّرْف في الخَدِّ الصُّباباتُ
سقَتْ عهودَ لياليِه العِهادُ ففِيتلك الليالِي التي مَرَّتْ حلاواتُ
أَعُدُّها من ليالي القَدْرِ حين غَدَافي جُنْحِها لنُزول الرُّوح عاداتُ
مَن إن تثنَّى تغنَّى حَلْيُه فإذالِلْوُرْقِ فوق قضِيبِ الْبانِ نَغْماتُ
وقَدُّه ليس فيه مَطْعَنٌ أبداًفاعْجَبْ وقد شابهتْه السَّمْهرِيَّاتُ
واعْجَبْ لألْحاظِه ما في الجمالِ يرَىحَدّاً لها قَطُّ وهْي المَشْرَفِيَّاتُ
لجُملة الحُسْنِ أضحَى جامعاً فلذاإذا تبدَّى غدَا للناسِ سَجْداتُ
عليك يا جامعَ الحُسْنِ الدموعُ غَدَتْوَقْفاً فها هي جَوارٍ مُسْمِرَّاتُ
يا مَن سَجَا طَرْفُه السَّاجِي ومَبْسَمُه الْعاجِي صَبَا مَن له بالعشقِ سَكْراتُ
وخيَّلتْ لكَلِيم القلبِ مُقْلتُهبالسحرِ أن حِبالَ الشَّعْر حَيَّاتُ
وحُسْنُه أصْمتَ العُذَّالَ فيه وقدكانتْ تَنازَع فهْي الآنَ أمْواتُ
الخمرُ بالنَّصِّ حلَّتْ في الجِنانِ فلِمْيا جَنَّتي حُرِّمتْ من فِيك رَشْفاتُ
يا ظالماً سُوحُه قلبِي ولا عجَبٌفالظالمون لهم في النارِ سَاحاتُ
قد أنْكرتْ مُقْلتاك اليومَ سَفْك دمِيفأكْذَبتْها بخَدَّيْك الأماراتُ
في خَدِّك الشفَق الْقانِي وفيه علىقتْل الحُسَينِ كما قالوا عَلاماتُ
فهْو القتيلُ بلا ذَنْبٍ له ولِذاأضْحتْ تجَلَّى له في الأرض جَنَّاتُ
من نَظْمِ من قد حَباهُ من بلاغتهِبجَنَّة وجَنَى تلك الجناياتُ
فأصبح الطيِّبُ مُذْ فاحتْ نَسائمُهافي سُوحِنا وغَوالِيه رَخِيصاتُ
ذاك الذي فيه أوْصافُ الكمالِ غدَتْحقيقةً وهْي في قومٍ مَجازاتُ
نَدْبٌ بصَارِمه المَسْنونِ قد وجبَتْقلوبُ أعدائهِ وهْي المُباحاتُ
سُلالةُ الملِك الهادي الذي عُقِدتْله على الخلقِ في الأعْناق بَيْعاتُ
مُرْدِي السيوف فما تشكُو الصَّدَى أبداًوكيف تشكُو الصَّدَى وهْي الصَّقِيلاتُ
كم من رُءُوسٍ أبانَتْها صَوارِمهُمن العِدَى وهي آياتٌ مُبِيناتُ
ما عمرُو ما مثلُ زيدٍ في الزمانِ لهعلى سيادةِ من مَرُّوا زِياداتُ
أبياتُه قد أتتْنا لا قصورَ بهاكالزَّهْر لا بل هي الزُّهْر المُنِيراتُ
وافتْ على يدِ من يحْيَا الفُؤاد بهيحيى بنِ أحمد خَصَّتْه التحيَّاتُ
مَن جاد بالدُّرِّ منظوماً ولا عَجَبٌفالبحرُ حقّاً له بالدُّرِّ نَفثاتُ
لو لم يكنْ آيةً في المَكْرُمات لمَاتلَتْه في طُرُقِ المعروف ساداتُ
يا كوكَبْي فلكَ العَلْيا ومن سطَعتْفي كَوْكَبانَ بما قالا إناراتُ
بدُرِّ نَظْمِكما للهِ دَرُّكماطَوَّقْتُماني ولي فيه مَقالاتُ
لِذاك سَجَّعتُ في الأوراقِ مَدْحَكُماوللمُطَوَّق في الأوراقِ سَجْعاتُ
دامتْ لنا منكما يا مالِكَيَّ علىمَرِّ الزمانِ مَودَّاتٌ مُؤدَّاةُ
ما هبَّتِ الرِّيحُ والأرواحُ تُنْشِدهاأهلاً بها فهْي أنفاسٌ ذَكيَّاتُ

قوله: جاءت تذكر أيام العقيق.

البيت فيه الاستخدام بالضمير، وهو استخدام حسن.

وقوله: من إن تثنىالبيت

هو كقول ابن نباتة:

يتثنَّى وحَلْيُه يتغَنَّىهل رأيتَ الحَمامَ في الأغْصانِ

وقوله: عليك يا جامع الحسن.

هو كقول الأول:

أجريْتُ واقِفَ مَدْمعِي من بعدِهوجعلتُه وقْفاً عليه جارِيَا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقوله: يا من سبى طرفه الساجي.

فيه مراعاة النظير، وفيه التسجيح أيضاً.

وقوله:

كانت تنَازَع فهْي الآن أمْواتُ

قد نازعني كأس هذه النكتة، وأنا السابق إليها بقولي:

كم لي على حُسْنِه المطلوبِ من عُذَّلٍقد نازَعوا وبغَيْظٍ منهمُ ماتُوا
وقوله: الخمر بالنصالبيت

فيه الاعتراض بجنتي، وهو من محاسن هذه القصيدة؛ لما اشتمل عليه من المعنى المبتكر البديع البعيد.

وقوله:

حقيقة وهْي في قومٍ مَجازاتُ

ذكرت به قول القائل في مدح أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه:

أنت للعلمِ في الحقيقةِ بابٌيا إمامُ وما سِواك مَجازُ

وقوله: لو لم يكن هو آيةٌ من آياته، وفيه إثبات صفة غير ممكنة للموصوف، وهو كقول ابن نباتة:

ولو لم تكنْ في الجودِ للناسِ آيةًلمَا كان مُنْهَلُّ الغَمام تَلاكَا

وهذا النوع من البديع بديع، منه قول الخطيب الدمشقي:

لو لم تكُنْ نِيَّةُ الجَوْزاء خِدْمتَهلمَا رأيتَ عليها عقدَ مُنْتطِقِ

وقول التهامي:

لو لم يكُنْ أُقْحُواناً ثَغْرُ مَبْسَمِهاما كان يزْدادُ طِيباً ساعةَ السَّحَرِ
للشاعر التهامي، من قصيدة «صددت أن عاد روض الرأس ذا زهر»

وقوله أيضاً:

لو لم تكُنْ رِيقَتُه خَمْرةًلما تثَنَّى غُصْنُه وهْو صاحِ

وقول أبي إسحاق الغرناطي:

ولو لم يكُن رِيقُه سُكَّراًلمَا دار من حَوْلِه الشَّارِبُ

ومن محاسن الحسين، قوله مضمناً ومورياً، لما استشهد أوحد الأمراء صفي الدين أحمد بن محمد بن الحسين، وكان لكثرة صمته تلقبه العامة بحجر:

ودِدْتُ مَصرعَ مولانا الصَّفِيِّ ولارجوعَ في سِلْكِ قومٍ بعد أن كسرُوا
وصرتُ أُنْشِد من كَرْبٍ ومن أسَفٍما أطْيَبَ العيشَ لو أن الفتَى حَجَرُ

السيد عيسى بن لطف الله بن المطهر بن الإمام شرف الدين هو من سادات هذه القبيلة، ونبغاء هذه الطائفة النبيلة.

متعادل الشرفين، محبوك الجد من الطرفين.

وله كلماتٌ من نفحة عيسى فيها نفخة، ومحاضرات في صفوة المدامة منها رشحة.

وكان في كل العلوم مشاراً إليه، إلا أنه أكثر من علم النجوم فغلب عليه.

فمن شعره هذه القصيدة، كتبها إلى الإمام القاسم، يتنصل مما ينسبه الناس إليه، وكان توجيهها من كوكبان إلى شهارة.

وهي قوله:

ما شاقَنِي سَجْعُ الحَمامهْسَحَراً ولا بَرْقُ الغَمامَهْ
كلاَّ ولا أذْكَى الجوَىذِكْرُ العُذَيْب وذكرُ رَامَهْ
ودموعُ عيني ما جرَتْشَوفاً إلى لُقْيا أُمامَهْ
هيْهات قلبي لا يمِيلُ إلى مليحٍ هَزَُّّ قامَهْ
ما شاقَنِي إلاَّ الذينفْسِي عليه مُستَهامَهْ
بَرٌّ كريمٌ ماجدٌحازَ الجَلالةَ والشَّهامَهْ
وحوَى الفَخارَ جميعَهحتى غدا في الدهرِ شامَهْ
لبِس الفضائلَ حُلَّةًفبدَتْ لها منه وَسامَهْ
فردٌ تفرَّد بالعُلَىولديْه للعَلْيا عَلامهْ
أعْنِي أميرَ المؤمنِينَ مُغِيثَ أرْبابِ الظُّلامَهْ
القاسمَ المنصورَ مَنزان الخلافةَ والإمامَهْ
رُكن النُّبُوَّةِ شادهوالبيْت ترفعُه الدِّعامَهْ
عَرِّجْ بِمَرْبَعهِ الكريمِ ترَى به وَجْهَ الكرامَهْ
وترَى جوَاداً دونَهفي الجودِ طَلْحةُ وابنُ مامَهْ
أعداؤُه شهِدتْ بهبالفضلِ طُرّاً والزَّعامَهْ
والفضلُ ما شهِدتْ به الأعداءُ لا أهلُ الذِّمامَهْ
أحْيا الجهادَ فكم لهيوم حكَى يومَ اليمامَهْ
واسْألْ بذاك سُيوفَهكم أذْهَبتْ في الجوِّ هَامَهْ
فَطِنٌ يكون بِسَلْمِهبَدْراً وفي الهَيْجا في الجوِّ أُسامَهْ
مولايَ يا قَمَر الهُدَى المذكورَ في قتِ الإمامَهْ
يا مَن أرَى حُبِّي لهأسْنَى الذَّخائرِ في القيامَهْ
وجَّهْتُ نحوَك سيِّديعِقْداً أجَزْتُ به نِظامَهْ
عِقْداً من النَّظْمِ الذيسَلبتْ خَرائدُه قُدامَهْ
يُهدِي إليك تحيَّتيويُزيل عن سِرِّي لِثامَهْ
أيضاً ويُوضِح حُجَّتِيوالحقُّ مَسْلكُه أمَامَهْ
لا تأخُذَنِّي سيِّديبمَقالةٍ حازَتْ ذِمامَهْ
وبقَوْلِ واشٍ قد حشَالضعيفِ فِكْرته أَثامَهْ
قد قال إنِّي قائلٌبنُجومِ سعدٍ أو شَآمَهْ
ونفَيْتُ صَنْعةَ ربِّناووثِقْتُ عمْداً بالنَّجامَهْ
لا والذي جعلَ النُّجومَ بلَيْلها تجلُو ظَلامَهْ
ما قلتُ إلاَّ أنَّهاللناسِ والأنْوا عَلامَهْ
ولمن أتَى مُسْتغفِراًللهِ رَجْوَى في السَّلامَهْ
مولايَ واسْأَلْ لائِمِيفلقد تهوَّر في المَلامَهْ
ما صيَّر القمرَ التمامَ مُحقَّراً يحكِي القُلامَهْ
ولِمَ الخسوفُ يُصِيبُهفي الضَّعف إن وَافَى تمامَهْ
والشمسُ والأفْلاكُ تُوضِح لي بهيْئَتها كلامَهْ
فبها عرَفتُ بأنهاخَلْقُ الذي يُحْيي رِمامَهْ
وعليك صلَّى خالقِيوحبَا رُبوعَك بالكَرامَهْ
واسلَمْ ودُم في نعمةٍيا خيرَ من رفَع العِمامَهْ

ومن شعره ما قاله لما مر ببعض آثاتر جده المطهر:

قلتُ لمَّا رأيتُ مُرْتبع المُلْكِ بسُوحِ المُطهَّر المَلْك مُخْلَى
أبداً تسْترِدُّ ما تهَبُ الدُّنْيا فيا ليت جُودَها كان بُخْلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

وأورد له ابن حميد الدين في كتابه ترويح المشوق هذه الأبيات:

ظَبْيٌ على ظَبْيٍ سَطَامنه المُعَنَّى خلَّطَا
يا هاجرِي كُن واصلِيفواصلٌ نَجْلُ عَطَا
بَغَيْتَ بالصَّدِّ ولاأقُولُ أبْغَى الخُلَطَا
لمَّا رأتْك مُقْلتِيقلتُ هلالٌ هَبطَا
أردتُ منه وَصْلَهُورُمْتُ أمَراً فُرُطَا
ورامَ صَبْرِي عاذِليفقُلتُ رُمْتَ الشَّطَطَا
قلبي عليه ذائبٌومنه ما قَد قَنِطَا
إذا سلَوْتُ عِشْقَهفسَلْوتي عينُ الخَطَا
أقْسمتُ ما أترُكُهولو بشَيْبٍ وُخِطَا
ولو إلى الموتِ دعاحثَثْتُ في السيرِ الخُطَا
وربُّنا سبحانَهيغفرُ في الحبِّ الخَطَا

ولده السيد جعفر أديبٌ شمائله مفترة عن النسيم، وأخلاقه منتسجة من الروض الوسيم.

يكاد للطفه يطير مع الهوا، لولا تجاذبه علائق الأهوا.

وله شعرٌ يطرب المستمع، ويستشف صدق برقه الملتمع.

فمنه قوله:

في القلبِ من لَحَظاتِ الحبِّ أشْجانُوفي الفؤادِ من الهجْرانِ نِيرانُ
وكيف أفْتُر عن ذِكْر الحبيب وفيقلبي جوىً وسحابُ الجفْنِ هَتَّانُ
وللفؤاد اشْتياقٌ في هوَى قمرٍتُشْجِيه من نَغمات الطيرِ ألحانُ
وكم تعلَّقتُ بالإعْراضِ عنه وكمبكيتُ حتى بكَى لي في الحِمَى الْبانُ
وشَفَّني فيه وَجْدٌ لا أُطِيق لهوكيف أصبرُ عنه وهْو فَتَّانُ
حسِبتُ أنّ الكَرَى في العشقِ يُسْعِدنيفصَحَّ لي فيه أن القَوْمَ خُوَّانُ
قد كنتُ أملِك قَلبي قبل عِشْقتِهوالآن قد رحلَتْ بالعقْلِ أظْعانُ
يا مُحرِقاً لفؤادٍ أنت ساكنُهرِفْقاً فقد فتكَتْ بي منك أعْيانُ
وكلُّ من لامَني في الحبِّ قلتُ لهيكْفيك أنَّ عذابي فيه سُلْوانُ

أحمد بن الحسين بن أحمد بن حميد الدين ابن المطهر بن الإمام يحيى شرف الدين ذو عارضةٍ لا تعارض، وسليقة لا تقارض.

ونظم كالسحر إلا أنه حلال، ونثر كالماء إلا أنه زلال.

جاء في ذلك بالمعجز، في الطويل منه والموجز.

فيوجز لكنه لا يخل، ويطنب لكنه لا يمل، وكيف يمل، وتوفيق من أقاد العقول عليه يمل.

وهو باليمن سرٌّ للنباهة، وفرد في جودة البداهة.

وله الكتاب الذي سماه ترويح المشوق، ذكر فيه من نخب الأشعار ما هو ألذ من نظر العاشق في وجه المعشوق.

جردت من أشعاره التي أثبتها فيه ما يهز المعاطف اهتزاز النشوان، وكأنما هو سقط الندى على الأقحوان.

فمن ذلك قوله في وزان قصيدة يحيى بن مطروح، التي أولها:

بأبِي وبِي طَيْفٌ طَرَقْعَذْبُ اللَّمَى والمُعتنَقْ
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «بأبي وبي طيفٌ طرق»
إيَّاك من سُودِ الحَدَقْفهْي التي تكْسُو القَلَقْ
لا يخْدعنَّك حُسْنُهافالأمْنُ يتْبعُه الغَرَقْ
واحذَرْ مُلاطفةَ الغَوانِي بالتذلُّل والمَلَقْ
يا أيَّها المولى الذيأنا مِن مَوالِيه أرَقّ
يا باخِلاً حتى بطَيْفِ خيالهِ جُنْحَ الغَسَقْ
للهِ وصلُك ما ألَذَّوطعمُ هجرِك ما أشَقّ
يا غُصنَ دُرٍ مائدٍقد ضَنَّ عنَّا بالورَقْ
جَمع المَلاحةَ والطَّراوةَ والحلاوةَ في نَسَقْ
كيف الخلاصُ لمُغرَمٍلولا المَدامعُ لاحْترَقْ
لولاك ما دار الغَيُورُ ولا تشبَّثَ بالعُلَقْ
يا أيها البرقُ الذيلخُفوقِه قلبي خَفَقْ
ارفُقْ سفَحْتَ مَدامعِياخْشَ عليَّ من الغَرَقْ
أتظُنُّ أنك ثَغْرُههيهات عنك الفَهْمُ دَقّ
ما أنتَ جوهرُه النَّفِيسُ إذا تبسَّم أو نَطَقْ
أقسمتُ من خَدَّيْك ياشمسَ المَلاحةِ بالشَّفَقْ
ومن الجَبِين بِنَيِّر الْقمرِ المُنيرِ إذا اتَّسَقْ
ومن الغَدائرِ منك باللَّيْلِ البَهِيمِ وما وَسَقْ
لم أنْسَ لَيْلاتِ العُذَيْبِ وطِيبَ ذَيَّاك الأرَقْ
قصُرتْ ولكن طُوِّلَتْأسَفاً بعاقبةِ الحُرَقْ
يا عيْشَنا الماضي اللَّذيذَ وأنت بالذِّكْرَى أحَقّ
علِّي أراك عُلالةًومن العُلالةِ ما صَدَقْ

وقوله:

يا رشأً أشْمَت بي العَواذِلاَمالك جانبْتَ الوفاءَ عادِلاَ
ما زلْتَ تُولِيني صُدوداً دائماًقد نصبَتْ لي هُدْبُك الحَبائلاَ
أوْقَعْتنِي فيها فلَمَّا وقعْتُ نفسِي ما حصَّلْتُ منك طائلاَ
كلَّفنِي هوَاك كلَّ كُلْفةٍأكْسَبني صُدودُك البَلابِلاَ
يا غاضِباً يا هاجِراً يا سائِغاًيا قابِساً يا رامِحاً يا نابِلا
يا جائراً في نَهْيِه وأمْرِهيا قاسِياً يا فاتكاً يا قاتلاَ
قد كنتُ خِلْواً قبل حَمْلي للهوىحتى رأيتُ أعْيُناً قواتِلاَ
سَواحِراً يخْتِلْن أرْبابَ الهوَىوالسحرُ أمْضَى ما يكون خاتِلاَ
يا زمنَ الأثْلِ ومَن لي لو تَعِينِدايَ أو تُرْجع عيْشِي قابِلاَ
يا حَلْيَ لَذَّاتِيَ من بعدِك قدشاهدْتُ أجْيادَ المَهَا عَواطِلاَ
هل تذكُرَنَّ ما تفضَّلْتَ بهيا زمَناً قلَّدني الفَضائِلاَ
أمْكننِي من بَدْرِ إنْسٍ آنِسٍكانتْ له منازِلي منازلاَ
تقْنَص آرامُ الظبِّا بعيْنِهفكم سَبا مَشادِناً مَطافِلاَ
تُطرِبه إذا مشَى حُلَّتُهأستغفرُ اللهَ خَلا الخَلاخِلاَ
يا بِأبِي بدرٌ على غُصْنِ نَقاًيُقِلُّه خَصْر كصَبْرِي ناحِلاَ
يحمِل من أرْدافِه مثلَ الذيحَملْتُ كيْ أغْدُو له مُماثِلاَ
كم لذَّةٍ قضَّيْتُها بحبِّهفي روضةٍ تكْتنِف الخمائلاَ
والنهرُ قد جُنَّ لفَرْطِ عُجْبِهفصارتِ الرِّيحُ له سَلاسِلاَ
والنَّرجِسُ الغَضُّ يقول طَرْفُهلِيَهْنِك المُغازلُ المَغازِلاَ
أُمْلِي عليه من كتابِ صَبْوتِيرسائلاً تُحقِّر الرسائلاَ
لو أُنْشِدتْ رَضْوَى لرَقَّ صَلْدُهأو أُنْشِدتْ يَذْبُلَ عاد ذَابِلاَ
فيا بَنِي الدنيا ويا أهلَ الهوىهذا هو العيشُ لنا تَطاولاَ
لا وقفةُ الحائرِ في طُلولِهتسألُ مَغْناها حبيباً راحِلاَ
وإنَّني أرجُو الذي مَرَّ لنايُعِيده ربُّ السماءِ عاجِلاَ
حتى تعودَ منه أبْياتُ الحِمَىأوانِساً تجمعنا أواهِلاَ

وقوله:

للهِ أيامُ الغَزَلْما بين مُعْترَكِ المُقَلْ
أيامَ أرْكُض في مَيادِين المَسرَّة والجَذَلْ
والأحْوَرُ التَّيَّاه منحطَمتْ لَواحِظُه الأسَلْ
بدرٌ بدا في الأَوْجِ مِنفَلَكِ الأزِرَّةِ واسْتَهَلّ
مُتفرِّدٌ بالحُسْنِ قدحاز المَلاحةَ عن كَمَلْ
ما فَوَّق السهمَ الذيفي طَرْفِه إلاَّ قتَلْ
يا خَصْرَه عجبَاً عليْك لِما حَملْتَ من الثِّقَلْ
أيَقِلُّ منك الجَذْبُ ياوَاهِي القُوَى خَصْبَ الكَفَلْ
يا أيُّها الرَّشأُ الذيأنا في مَحبَّته مَثَلْ
نقَل الأراكُ بأن ثَغْرَك ضَامنٌ لِشفا العِلَلْ
يا حُسْنَ ما رفَع الأراكُ عن الثغورِ وما نقَلْ
خَبَرٌ نَماه إلى صِحاح الجَوْهَرِيِّ فلا يُعَلّ
مَن مُنْصِفي من جائرٍشابَ الوَسامةَ بالبَخَلْ
أفْدِيه من مُتلَوِّنٍلا يستقِرُّ على عَملْ
ياليْته صَدَّ الصُّدودَ وليته مَلَّ المَلَلْ
مُتحجِّبٌ بالرَّغْمِ منمَفْتونِه خَلْفَ الكِلَلْ
وهو الذي في الرُّوح منِّيمنذ حينٍ قد نزَلْ
مافيه من عيْبٍ سوَىأن جار فيَّ وما عَدَلْ
أو أنَّه نادَى فؤادي بالصَّبابةِ وارْتَحَلْ
والدمعُ ألْزمُه يَصُوبُ على المَنازِل وانْهَمَلْ
ناديتُ يوماً طَرْفَهاللهض في أمرٍ العَجِلْ
فأجابني بجفُونِهالسيفُ قد سَبق العَذَلْ
وَاهاً له من مُدْرِكٍفعَل الجِنايةَ واسْتدَلّ
يا أثْلَ عِيسِ المُنْحنَىحَيَّتْك سُحْبُك بالبَلَلْ
لم أنْسَ طِيبَك لا نَسِيتُ وطِيب أوْقاتي الأُوَلْ
قد كنتَ جامِعَ لَذَّتِيبك كم حصُلْتُ على أمضلْ
هل تعْطِفَنَّ برَجْعةٍلي لستُ أرْضَى بالبَدَلْ
أشكُو عليك من المُهَفْهفِ سالبِ الظَّبْيِ الكَحَلْ
يا مَا جرَى من بَعْدِ بُعْدِكَ في العَمِيد وما حصَلْ
فعَل العَزِيزُ بعبْدِهفِعْلاً يرِقُّ له الجبَلْ
ما زلْتُ من أفْعالِهبين التَّدَلُّه والوَجَلْ
قضَّيْتُ دهرِي في هَواهـ مُوَلَّهاً بعسَى وعَلّ
فاسْمَعْ لِما قال العَمِيدُ ولا تمَلَّ لِما أُملّ
قد كنتُ كيتَ وذَيْتَ يادهرِي القديمَ فلا تسَلْ
فلقد قنِعْتُ إليك منشَكْوايَ منه بالْجُمَلْ
واللهُ لي نِعْمَ الوَكيلُ فقد عجزْتُ عن الحِيَلْ

وقوله:

سقَى الأثْلَ كلُّ سَحابٍ مُطِلَّهْعليه ولا برِحتْ مُستهِلْه
رعَى اللهُ أيامَه السَّالفاتِوحَيَّى مَحلَّتَه من محلَّهْ
ولَيْلاتِ أفْراحِنا المُشْرِفات بأغْصانِ بَاناتِنا والأهِلَّهْ
وكلّ فتاةٍ كأنَّ الهوىيُريد بها فتْنةَ الخَلْقِ جُمْلَهْ
إذا عاقلٌ سامَها نَظْرةًعلى غِرَّةٍ أخذَتْ منه عَقْلَهْ
وبي من كتمْتُ اسمَها غَيْرةًومَن حُبُّها لفؤادي جِبِلَّهْ
أُحاكِي في حُبِّها عَنْتَراًوتحْكِي وأستغفرُ الله عَبْلَهْ
أُغالِط مِن أجلها عاذِليوأشْتاق في باطنِ الأمر عَذْلَهْ
وأكْنِي عن ثَغْرِها بالبُروقِوبالرِّيم عن مُقْلتيْها تَعِلَّهْ
رَبيبَةُ مُلْكٍ إذا ما انْثنتْلإيقاعِ أقْراطِها والأثَّلهْ
تحيِّر قَدّ قضِيب النَّقَاوتُظهِر في صَفْحةِ البدرِ خَجْلهْ
وكم جاهلٍ قال لي قد سلَوْتَهَواها فقُلتُ له حاشَ لِلّهْ
يُؤنِّب والعُذْر من وَجهِهايُحرِّر لي نَيِّراتِ الأهِلَّهْ
فيا لِيَ من عاذلٍ مُكثِرٍويا لِيَ من عَقْلِه ما أقَلَّهْ
ومنزلها خَلَدِي والشِّغافُ تحمَّلها حَلَّة ثم حَلَّهْ
وإنَّ نَسِيبي لها وحدَهاإذا نسَب الناسُ عُلْويَ ورَمْلَهْ

وكتب إلى محمد بن إبراهيم بن يحيى الشرفي، من كوكبان، هذه الأبيات اعتمد فيها الجناس التام:

أخْبارُ أيَّامِنا العَوالِيصِحاحُها نُجُلُ العَوالِي
أيَّام سَلْعٍ وأين سَلْعٌمَرَّتْ على أنها حَوالِي
دهرٌ حَبانِي بكلِّ سُؤْلٍوكان طَوْعِي وما حَوَى لِي
وساحرُ الطَّرْفِ ضَنَّ عنِّيبالطَّيْف في عالَم الخَيالِ
بنَى على الشَّكِّ في المعانيواستقْبل الجامعَ الخَيالِي

هذا الجامع من محسنات علم المعاني، ومن مفتاح السكاكي في بحثه لطائف.

قال: ذكر أن السيد العلامة صلاح الدين بن عبد الله المعروف بالحاضري، مضى إلى جامع صنعاء، فلقي بعض الطلبة خارجاً من الجامع، فسأله عن دخوله الجامع؟ فقال: للإعادة في التلخيص، فبدهه بعبارة القزويني: ولصاحب علم المعاني فضل احتياجٍ إلى معرفة الجامع.

فليعجب من هذا الاتفاق، والبلاغة التي سلمت له بالوفاق.

ما قَطُّ يلْوِي على شُجونِيمن بين َحْبي ولا خَيالِي
أظهَر هجري بغير جُرْمٍولستُ أدري بما جَنَى لِي
أرْخَص سِعر الدموعِ عجباًوهْي على غيرِه غَوالِي
وضاع شِعْرُ العُبَيد لمَّاضَاع شذَاه على الغَوالِي

ضاع الشيء: فات، وضاع الطيب: ظهر.

والشذا: الذكا.

والغوالي: جمع غالية، نوع من الطيب.

قال العسكري في الأوائل: أول من سمى الغالية غاليةً معاوية، شمها من عبد الله بن جعفر، فسأله عنها، فوصفها، فقال: إنها غالية.

ويقال إن شمها من مالك بن مالك.

وأنكر الجاحظ هذا، وقال: نحن نجد في أشعار العرب ذكر الغالية، وأنشد:

أطْيَبُ الطِّيب طيب أم بانفَأرُ مِسْكٍ بعنْبرٍ مَسْحوقُ
خلَطْته بزَنْبَقٍ وببَانٍفهْو أحْوَى على اليديْن شرِيقُ

ونسبهما إلى عدي بن زيد.

ومعجونات العطر كلها عربية، مثل الغالية، والشاهرية، والخلوق، واللخلخة، والقطر، وهو العود المطرى، والذريرة. انتهى.

وقد نقل أن الغالية وقع ذكرها في الحديث.

وعن عائشة: كنت أغلل لحية رسول الله ﷺ.

أرَجَف عني الوُشاةُ أنِّيفي ثغْر سُلطانِه جَلالِي
هيْهات أرْضَى بمِثلِ هذاأعاذَني اللهُ ذو الجلالِ

قال: الشيء بالشي يذكر، ذكرت بالبيت الأول قول السيد العلامة الحسن بن أحمد الجلال، في الخال:

ونازلٍ أظْلَم منه أسْوَدفي مَنْزِل لم يكُ مُستَوْطِنَهْ
مُذْ لاح للنَّاظر سُلطانُهعاد الجلالِيُّ إلى السَّلْطنَهْ
قلتُ له مَرَّةً لماذاعاقْبتني جُرْأةً ولاَلِي
وأنْت أعْتقْتني قديماًفقال أقْرَرْتَ والولاَ لِي
إن كان في الناسِ من مُجيرٍللصبِّ في دولةِ الجمالِ
وقعتُ حالِي وما أُلاقِيفوراً إلى مَسْمَع الحجالِ
عنَيْت قاضِي الأنام طُرّاًمَن امْتطَى غارِبَ الكمالِ
تأخَّر السابقون عنهوبيَّن النَّقْصَ في الكمالِ

هذا الكمال، عنى به محمد بن علي، المعروف بالزملكاني الدمشقي، وقد عقد ابن نباتة له ترجمة في سجع المطوق وأنشد:

ما كان أحْوَجَ ذا الكمالَ إلىعَيْبٍ يُوقِّيه من العيْنِ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «ومهذب الألفاظ منطقه»
إليك أرسلتُها تَهادَىكاملةَ الشَّكلِ والخَيالِ
تنشُر طَيِّب الثناءِ نَشْراًعليك يا صادقَ الخيالِ
فاقْبَلْ من المدحِ نَزْرَ قولٍواستُرْ إذا ما رأيتَ قالِي
أنت من الناسِ خيرُ خِلٍغيرُ مَمْلولٍ وغيرُ قالِي
فيا لَها فُرْجة أزالتْعنِّي هُمومي وطاب بَالِي
فاستعبدِ الدهرَ في سرورٍوالْبَسْه حتى يعودَ بَالِي

فأجابه عنها بقوله:

طالِعُ سَعْدٍ قضَى وفالِيأنَّ حبيباً حقّاً وفَى لِي
وبُلْبُل الأيْك راح يشْدُوبراحتِي وانْشِرَاحِ حالِي
رافع صوتٍ بخفْضِ عيشٍجدِيدُهُ صِينَ عن وَبالِ
ذكَّرني إذ شدَا وغنَّىما مَرَّ لي من حَمِيد حالِي
ليالياً كُنَّ كالَّلآلِيسالفُ عيْشي بهِنَّ حالِي
كم خوَّلتنْي ونوَّلتْنيتلك الليالِي من النَّوالِ
فليت أنِّي اتَّخذْتُ عهداًلا فوَّت البَيْن والنَّوى لِي
ولا قضَتْ بافْتراقِ شَمْلِيوشَمْلِ مَيْمونةِ الشِّمالِ
كم طَوَّقتْ جِيدَها الليالِيزَنْدُ يمينِي مع الشِّمالِ
وكم سقتْنِي بما سقْتنيمن مُسْكِرٍ طاهرٍ حَلالِ
لو بعده ذُقْتُ أيَّ حُلْوٍأستغفرُ اللهَ ما حَلا لِي

ذكرت بالبيت الأول قول ابن نباتة في خطبة سجع المطوق: وهذه أوراقٌ تثمر الشكر، وفواصل طاهرة إلا أنها تنتج السكر.

للهِ عَيْشٌ خَلا وكُلٌّكما قضَى ذُو البَقاءِ خَالِي
ليت الذي عمَّه جَمالٌوخَصَّه حُسنُه بخَالِ
رَقَّ لِرقٍ عزيز قومٍأرْخَصَه الحبُّ وهْو غالِي
ما رَقَّ لي مرَّةً صديقٌممَّا أُقاسِي ولا أوَى لِي
ولم أجِدْ مثلَ واحدٍ فيأواخِر الناسِ والأوَالِي
طَوَّق جِيدي بعِقْدِ نَظْمٍسُهْداً على الحالتيْن حَالِي
يا واحداً في العُلَى فريداًوسابقاً ما تلاه تالِي
وخيرُ مَن صام في نهارٍوقائمٍ في الدجى وتَالِي
إن مُسَمَّاك في اكتسابٍلأحْمَدِ الحمدِ غير آلِ
عليك أزْكَى السلامِ تتْرَآبعد نَبي وبعدَ آلِ

وكتب ابن حميد الدين إليه أيضاً، من محروس شبام، ونور الربيع يضحك عن حب الغمام

قدِم الربيعُ وخيرُ مَقْدَمْوالغيثُ أنْجَم ثم أنْجَمْ

يقال: أنجم المطر وأدجن، وأرث، وألث، فإذا قيل أقلع، قيل أنجم.

وفي الكلم النوابغ: المرء يقدم ثم يحجم، والنوء ينجم ثم ينجم.

وتقدَّم الأنْوَا فلوصَلَّى الوَلِي ورآه سلَّمْ
والجوُّ ينشُر مِطْرَفاًلك فاخِتِيَّ اللونِ مُعْلَمْ
والسُّحْبُ مَدَّ رُواقَ دِيباجٍ بساحتِنا وخَيَّمْ
والروضُ نَمَّقَه الغَمامُ بحُسْنِ صَنْعته ونَمَّمْ
فبَدا يرُوق الناظرِينَ كأنه بُرْدٌ مُسَهَّمْ

برد مسهم: فيه خطوط مستوية، ومن ثم سمى الإرصاد البديعي تسهيماً، أخذاً منه.

وحقيقته أن يجعل قبل العجز من الفقرة والبيت ما يدل عليه، إذا عرف الروي.

ومنه في التنزيل قوله تعالى: " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ".

والوردُ أبْدَى صفحةًمن خدِّه فاشْتمَّ والْتمّ
هذا هو العَيْشُ الذييُصْبِي الحليمَ إذا تحلَّمْ
قد كادت الدنيا تقُولُ لساكِنيها لو تكلَّمْ
هُبُّوا إلى فَيْءِ المُقلَّصِ ظِلُّه فالفَىءُ مَغْنَمْ

الغنيمة في هذا البيت نادرةٌ غريبة، وبعيدة الملك، وإن رآها الغبي قريبة.

للهِ أنفاسُ الصَّباولطيفُ ما أهْدَتْه مِن ثَمّ
يا طِيبَ رَيَّاها وإنأُغْرِي الشَّجِيُّ بها وأُغْرِمْ
حَملت كلاماً سِرُّه الْمكنونُ أن الشوقَ يُكْتَمْ
ناديْتُها حتَّى م أحْتملُ الهوَى العُذْرِي إلى كَمْ
فتعثَّرتْ بذُيولهاطَرَباً وقالتْ لا تظَلَّمْ
لا رَأْىَ إلا الصبرُ وهْومع الرِّضا أسْلَى وأسْلَمْ
فأجبْتُها سَمعاً لماحتَم الحبيبُ على المتيَّمْ
فبِرُوحِيَ الأحْوَى وفينَظْمِ الجِ، اس أقول أحْوَمْ

الجناس بين أحوى وأحوم لاحق.

وحقيقته أن يتباعد الحرفان في المخرج، وهو نقيض المضارع.

ومن أمثلته في التنزيل: " ويلٌ لكل همزةٍ لمزةٍ ".

بَدْرِيُّ وَجْهٍ كَمَّل الْبارِي مَحاسِنَه وتمَّمْ
ونَجِيُّ أسْرارِي وإنْأكُ من لَواحظهِ مُكلَّمْ
ذَهَبيُّ خَدٍ منه أثْرَى صَبُّه والغيرُ أعْدَمْ
ذُو مُقْلةٍ نَجْلاءَ أسْحر مُقْلةٍ من فوق مَبْسَمْ

لطيفة قال بعض قريش لرجل من بني عذرة، إذا علقتم المرأة تموتون، وهل هذا إلا خور!! فقال: لو رايتم الحواجب الزج، تحتها النواظر الدعج، تحتها المباسم الفلج؛ لاتخذتموها اللات والعزى.

أنزلْتُه في المُنْحنَىمن أضلُعِي واللهُ يعلَمْ
رسلُ الخَيالِ إليه تَتْرَى خِفْيةً والناسُ نُوَّمْ
أن ليس أنْسَخُ وُدَّهبالهجْرِ منه فهْو مُحْكَمْ
فاعجبْ لها من قِصَّةٍيا أيها الحَبْرُ المكرَّمْ
يا خيرَ تالٍ للأُلَىسَلفُوا وإن كان المُقدَّمْ
عَرِّف حدودَ رُسومِهاوامنَحْ برأْيٍ منك يُرْسَمْ
علِّقْ غَرِيبَ حديثِهافمَحاسنُ الآدابِ تُرْقَمْ

في هذا البيت إشارةٌ إلى قاعدتين من علوم الحديث.

الأولى المعلق، وحقيقته ما سقط من مبادي سنده رجلٌ بعد التابعي أو رجلان، وهو من قسم المردود؛ للجهل بحال المحذوف.

والثانية الغريب، وهو ما تفرد بروايته شخصٌ واحد في أي موضع من السند.

وابعَثْ قرِيضَك عُوذةًلفؤادِ مُختبَلٍ مُهَيّمْ
فالشوقُ أنْجَد فيه لكنْ صبريَ المسكينُ أتْهَمْ
وارْغَبْ إلى الوهَّاب فيجَمْعٍ لفُرْقِتنا مُنظَّمْ
وخِتامِ عُمْرٍ من شَذَانَفحاتِه الأعمالُ تُخْتَمْ

فأجابه بقوله:

بأبِي وبِي عَيْشٌ تقدَّمْكان المُنَى لو أنه تَمّ
أيامَ أرْفُل في ثِياب شَبابِيَ الْهانِي المُنعَّمْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في لطائف لطفاء اليمن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.