تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (١٠)

ومن لطائفه قوله مخاطباً الوزير الأعظم مصطفى باشا، يحثه على إزالة الخصيان من المسجد النبوي:

يا مصطَفى بالمصطَفى العَدْنَانِوبآيِ قُرآنٍ عظيمِ الشَّانِ
لا تجْعَلَنَّ على المدينةِ أسْوداًشيخاً على حَرَمِ النبِي العَدْنانِي
وكذلك الحُبْشانُ أيضاً منهمُفهُمُ همُ لا خيرَ في الحُبْشانِ
بل جاء في خبَرٍ رَواه بعضُهمها لفظُهُ لا خيرَ في السُّودَانِ
قومٌ لهم طَبْعٌ شَدِيدٌ زَائدٌلا يشْبعون من الحُطامِ الْفَانِي
لولا المَخافةُ منكمُ لأتاكمُشاكُونَ من هَمٍ ومن أحْزانِ
وإذا أرَدْتُمْ أنَّكم تسْتيْقِنُواأحْوالَهم من غيرِ ما بُهْتانِ
فلْتسألوا حَنَفِي أفندي عنهمُيُخْبِرْكُمُ عن خُلْسةِ الغِرْبانِ
ما كلُّ ما يُدْرَى يُقالُ وأنتمُأدْرَى بَطيْشِ السادةِ الخِصْيانِ
يسْتنْزِلون لأَخْذِ ما قد جاءَ منصَدقاتِ خيرٍ للفقيرِ الْعَانِي
فَيصيبُ أهل الفضلِ من صَدَقاتِكُمْما ساءَهم من أسْهُمِ الحِرْمانِ
فانْظُر لنا شَيْخاً نَقِيباً صَالِحاًمُسْتَنْزِهاً عن ذَا الحطامِ الْفانِي
إن لم يَجُزْ إلا خَصِيّاً أسْوداًفاخْصُوا لنا شَيْخاً من البِيضانِ
يا وَيْحَكم إن لم تُراعُوا حَقَّنايومَ الحسابِ بحَضْرةِ الدَّيَّانِ
يوماً تكونُوا مثْلَنا ما إنْ لكمْفي الناسِ من أمرٍ ومن سلطانِ
هَذِي نصيحةُ غَرْسِكم في رَوضةٍ الْهادِي إلى الإسلامِ والإيمانِ
يدعُو لسُلْطانِ الورى ولمصطفَىسيفِ الإلهِ وعاضِدِ السلطانِ

وذكر القاضي أحمد بن عيسى المرشدي، في تذكرته: ورد علينا في أثناء عام خمسٍ وأربعين وألف الشيخ الأوحد الأكمل غرس الدين المقدسي، الخطيب والإمام بالروضة المشرفة، على صاحبها الصلاة والسلام، ولو يوافه أهل مكة، فقال معرضا:

علماءُ مكةَ جاوَزُوا الأفْلاَكاعِزَّاً وحُقَّ لهم لعَمْرِيَ ذَاكَا
لولا الريِّاسةُ في رُءُوسِ نُفوسِهمْكانوا وحقِّك كُلُّهم أمْلاكَا

وقال أيضاً:

جِيرانُ مكةَ جِيرانُ الإلهِ لِذَالا يَعْبَأُون بمَن قد غاب أو حَضَرَا

لولا الطَّبِيعةُ عاقَتْهم لَكان لهمإسْراءُ رُوحٍ بِسرِّ رُوحٍ بِسرِّ السِّرِّ قد ظَفِرَا

فقال بعض السادة الأشراف، المتصل محتدهم الزاكي بالمغيرة عبد مناف، فخر الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السما، أكرم به نسباً ومنتمى، على طريق الجواب عن الأولين:

للهِ دَرُّكَ من أديبٍ بارعٍبذَكائِه ما يُعْجِزُ الإدْراكَا
أحْسَنْتَ إذ أتْحَفْتنا ببَدائعٍبَهَرتْ وإن جادتْ فدون مَداكَا
فَجَهابِذُ البيتِ الحرامِ مُذِيعةٌبِأرِيجِ مَدْحٍ من بَدِيِعِ ثَناكَا
وهمُ الجَحاجِحُ والذين سَمَوْا بمَنخَرَم السَّما واسْتخْدم الأمْلاكَا
لا غَرْوَ أن جَازُوا الأَثِيرَ بفضْلِهمْوعَلَوا بحَقِّ جَوازِه الأفْلاكَا

وعن الثانيين:

يا مُفْلِقاً لم يزَلْ في كلِّ غامِضةٍيُبْدِي بها فَلَقاً بالحقِّ قد ظَهَرَا
وبَحْرَ عِلْمٍ تَحلَّى من فَرائِدِهجِيدُ البَلاغةِ عِقْداً يفْضَحُ الدُّرَرَا
أتيْتَ حقّاً وعينُ الفضلِ شاهدةٌوأنتَ إنْسانُها الرَّائِي بغير مِرَا
لكنْ إليك اعتذاراً منهمُ فذَوُو الْأفْضالِ يعْذِر مَن قد جاء مُعْتذِرَا
لم يتركُوك لإهْمالٍ ومَنْقَصَةٍلكن حَجَبْتَهم فالذنبُ منك يُرَى

وأجابه أيضاً القاضي تاج الدين المالكي، بقوله:

جيرانُ مكةَ غَرْس الدَّين أيْنَع فيقُلوبِهم باسِقاً يهْدِي الهُدَى ثَمَرَا
سَقَوْه من أنْهُرِ الإخْلاصِ صَافِيهَافاخْضَلَّ يُطْلِع من أكْمامِها زَهَرَا
ومن يكُن رَوْضُ غَرْسِ الدِّين مُهْجَتَهُأسْرَى وفازَ بسِرِّ السِّرِّحين سَرَى
به قد اتَّحَدُوا إذْ كان بَيْنَهمُتَواصُلٌ مَعْنَوِيٌّ مِن ألَسْتُ جَرَى
فحيثُ دارتْ كؤوسُ الاتِّحادِ على الْأرْواحِ مَا اعْتَبَرُوا الأشْباحَ والصُّوَرَا

فأجاب الغرس معتذراً:

يا شَهْمَ مكةَ يا تاجَ الرُّءُوسِ بهايا عُنْصُرَ الفضلِ قد بَكَّتَّ مَن عَذَرَا
يا حَبْرَ عِلْمٍ يزيدُ الطَّالِبين بهايا بَحْرَ فضلٍ به نَسْتخْرِجُ الدُّرَرَا
يا رَبَّ حِذْقٍ غَدا رَبُّ البَيانِ لهعَبْداً وألْقَى عَصا التَّسْليمِ مُفْتقِرَا
يا ألْمَعِيّاً أضاءتْ من لَوامِعِهِمَشارِقُ الذِّهْنِ بالذَّوْقِ الذي بَهَرَا
يا لَوْذَعِيّاً بلا عِيٍ يُمازِجُهأعْيَى وأفْحَم كُلاً قال أو شَعَرَا
يا رَبَّ ظَرْفٍ ولُطْفٍ كَسَّرا خَطَأًأغْصانَ غَرْسِي على بُعْدِ وما شَعَرَا
هل تَرْفِيَنَّ الذي أخْلَقْتَ من حُلَلِيأو تقْبَلَنَّ الذي يأْتِيكَ مُعْتذِرَا

فأجابه القاضي بقوله:

كَلَّلْتَ إكْلِيلَ تاجِي بالثَّنَا دُرَرَالمَّا بعثْتَ بِعقْدِ المدحِ مُعْتذِرَا
مُضمّخاً طِيبَ شُكْرٍ عَرْفُ نَفْحتهِكرَوضِ غَرْسِكَ حَيَّتْه الصَّبَا سَحَرَا
غَرْسٌ روَى حين رَوَّى الفضلُ مَنْبِتهللسَّمْعِ نَوَّارُه عن طِيبهِ خَبَرَا
غَرْسٌ من المَبْدإ الفَيَّاضِ قد سُقِيَتْأعْراقُه فسَمَا يهْدِي الهُدَى ثَمَرَا
إنِّي عَقَدْتُ وقد عَرَّضْتَ مُعْترِضاًلِعِرْضِ قومٍ ثناهُم لم يزَلْ عَطِرَا
هذا إلى ما هُوَ الأحْرَى بنَا وبهِإذا اقْتَفيْنا طريقَ القَوْمِ والأثَرَا
فخِرْقَةُ الفَقْرِ إن لم يُوفِ لاَبِسُهابشَرْطِها نَبَذَتْه كاسِياً بِعَرَا
عَوْداً لبَدْءٍ فمِمَّ الاعْتذارُ ولمتُقِرَّ إذْ قلتَ بَكَّتَّ الذي عَذَرَا
وقلتَ في حَقِّ مَن جَازَى وعَرَّض لميشعُروا أغْصانُ غَرْسِي مُخطِياً كَسَرَا
قد حَصْحَصَ الحقُّ فاعلمْ أنَّما كُسِرتْأغْصانُ غَرْسِ الذي أخْطَا وما شَعَرَا
أقْرِرْ بذنْبِك ثم اطْلُبْ تَجاوُزَهمْعنه فَجحْدُكَ ذنبٌ غيرَ ما غَبَرَا
قضى بما جَرَتِ الأقْلامُ منك بماجَرَى به القلمُ المَحْتومُ حين جَرَى
يَكْبُو الجَوادُ ومَن يَعْثرْ يُقَلْ كَرَماًفنسألُ اللهَ غُفْرانَاً لمن عَثَرَا

وقال المرشدي أيضاً: كان غرس الدين كتب إلى مولانا القاضي تاج الدين أبياتاً، ذكرني فيها مجرداً عن الناصب والجازم، بأن قال:

وأحمدُ المُرْشِدِي في ذاك قد حَضَرا

ثم اعتذر مني، فكتبت إليه ستة أبيات، وأردت أكملها، فأكملها السيد أحمد بن مسعود ستةً أخرى، وبعثها إليه، وهي:

غَرَسْنا لغَرْسِ الدين في قلبنا الوُدَّافأطْلَع من أكْمامِ أفواهِنا الوَرْدا
فعطَّر لمَّا أن جَنَتْه يدُ الوَفَاوضَاعَ فأذْكَى عَرْفُه العَنْبَرَ الوَرْدَا
سَقَيْناه من عَذْبِ التَّصافِي زُلالَهوما كَدَّرتْ مِنَّا له جَفْوَةٌ وُدَّا
رعَى اللهُ مَن يَرْعَى أخاه إذا هَفَاويوُسِعُه مِن أن يُقابِلَه حَمْدَا
وذلك غَرْسُ الدِّين لا زال بَاسِقاًبرَوْضةِ مَن يسْقِي غَرائِسَهُ المَيْدَا
ويذكُر عَهْداً أحْكَمَتْ في قُلوبِنَاأَوَاخِيه أيْدِي الوُدِّ أكْرِمْ به عَهْدَا
إمامٌ سَمَا فوق السِّماكِ بأَخْمَصٍوجاوَزه حتى شَئَا الأيْنَ والحَدَّا
وناظِمُ أشْتاتِ العلومِ بنَثْرِهفيَنْظِمه في جِيدِ أهلِ الحِجَى عِقْدَا
وكاشِفُ ليلِ الجَهْلِ من صُبْحِ عِلْمِهبشمسٍ فتكْسُوه أشِعَّتُها بُرْدَا
أتيْتَ بفَضْلٍ فاسْتحقَّيْتَ شاهداًلأحمدَ فاسْتَوْلَيْتَ عنِّي به مجدَا
وأظْهَرْتَ بالإفْضالِ ما كنت مُضْمِراًفكنتَ به أحْرَى وكنتَ به أجْدَى
ولا عَجَبٌ سَبْقُ الجِيادِ لأنهامُعَوَّدةٌ بالسَّبْقِ إن كُلِّفَتْ شَدَّا

فأجابهما بقوله:

أقول وقد غَلَّبْتُ خيرَكما جَدَّاوقاعدةُ التغْليبِ معروفةٌ جِدَّا
حَمَدْتُ إلهي أن غَرَسْتَ لنا الوُدَّاأيا أحْمدُ السَّامِي سِمَاكَ السَّما حَمْدَا
فأيْنَعَ غَرْسِي بعد ما كان ذَاوِياًوأطْلَع عن أكْمامِه الزَّهْرَ والوَرْدَا
وإن دامتِ السُّقْيا له مِن وِصالِكُمْسيُثْمِر في رَوضِ الرَّسولِ لكم وُدَّا
هنيئاً لغَرْسٍ صار أحمدُ ساقياًله من عُيونِ الوُدِّ كأسَ الصَّفا وِرْدَا
فظَلَّ يُراعِي عَهْدَه في مَغِيبهِويبْنِي له في بيتِ مَحْتِدِه عِقْدَا
وذكَّره عَهْداً أَواخِيه أَحْكمتْيَدُ الوُدِّ في أرْواحِنا العَقْدَ والشَّدَّا
فعُذْراً لأنِّي قادمٌ وتَراهُمُيقُولون في الأمْثالِ والحقُّ لا يُعْدَى
لِكلِّ غَرِيبٍ قادِمٍ دَهْشَةُ اللِّقابها يَدْرَأُ الحُذَّاقُ عن رَبِّها الحَدَّا
وهَبْنا تَجاوَزْنَا الحدودَ ألَسْتُمُتُقِيلون مَن أخْطَا ومَن قد جَنَى عَمْدَا
إذا لم تكونُوا هكذا فتخلّقُوابأخْلاقِ مَوْلىً يملِك الغَيَّ والرُشْدَا
لَعَمْرِيَ لو كنتُ البليغَ خِطابُهُوأخْطَبَ مِن قُسِّ الإِيادِيِّ مَن عُدَّا
ورُمْتُ بأن أُحْصِي فضائل أحْمَدٍلما اسْتوْعبتْ نفسِي فضائِلَه عَدَّا

هو ابنُ الرَّسولِ المُصْطَفى وذَوِي الصَّفَابني حَسَنِ الحُسْنَى الذين سَمَوْا مَجْدَا

لهم حُرْمةٌ يَعْنُو لها كلُّ مُسْلمٍبها أخَذ المولى عليْنا لهم عَهْدَا
فللهِ آدابٌ بغيرِ تَطبُّعٍولكنّ مِن سِرِّ الرَّسولِ بها مُدَّا
وأدَّبني ربي له منه قِسْمَةٌبفَرْضٍ وبالتَّعْصِيبِ من إرْثِه مدَّا
وللهِ شِعْرٌ جاوَز الشعر رِقَّةًوجاوَز للشِّعْرَى العَبُورِ بما أبْدَى
ولا عَجَبٌ من ذاك عندي ورَبُّهبعِزَّتِه قد جاوَز الأيْنَ والحَدَّا
وناظمُ عِقْدِ المَكْرُماتِ بكفِّهوينْثُره جُوداً فيُحْيِي به فَقْدَا
وقد كان منك الفضلُ قِدْماً ومَقْدَماًبسابِقةٍ تسْتوجِب السَّعْيَ والوُدَّا
فأظْهَرْتُ بالأبْياتِ ما كان مُدْغَماًويمَّمْتُ بالإخْفاء بيتاً حَوَى عَوْدَا
فشِمْتُ به تاجاً على الرأسِ مُشْرِقاًفعانَقْتُه حُبّاً وهِمْتُ به وجْدَا
وداخَلنِي منه حَياءٌ ودَهشَةٌلِمَا كان من وَهمٍ فأوْرَثنا حِقْدَا
وقابلْتُه بالرُّحْبِ والبِشْرِ فَرْحَةًولم نَرَ منه حين حان اللِّقَا صَدَّا
ولا عَجَبٌ سَبْقُ الجِادِ فإنهامُعَوِّدةٌ بالسَّبْقِ ما كُلِّفَتْ شَدَّا
ولَسْتُ بحمِصيٍ كما قال باهِتٌولكنْ خَلِيليٌّ اسْتَهْدَى
وجَدِّي من الآباءِ فيما رُوِى أبوسعيدٍ هو الخُدْرِيُّ أكْرِمْ به جَدَّا
وذاك من الأنصارِ أنْصارِ جَدِّكُمْرسولٌ به نِلْنَا عُلاَ الجَدِّ والجِدَّا
عليه صلاةُ اللهِ ثم سلامُهوآلٍ وصَحْبٍ والمُحِبُّ لهم جِدَّا
أَجِدِّكَ هذا القَدْحُ فيمَن يُحِبُّكمْويَحْمَدُكم مَدْحاً ويمْدَحُكم حَمْدَا
وما أصْلَتتْ كَفَّاكَ يا مُصْلِتاً على الْأعادِي سَيْفاً بَاتِراً ماضِياً حَدَّا

فحسْبيَ عِلْمُ اللهِ واللهُ عُدَّتِيوذِمَّةُ خَيْرِ الرُّسْلِ تكْفِي مَن اسْتَعْدَى

ومن شعره قوله، من أبيات كتبها في صدر رسالة، إلى يوسف العسيلي القدسي:

يا مَن إليه تشَوُّقِي وتَشَوُّقِيقلبي يُحَدِّثني بأنَّك مُتْلِفِي
هل قد عَرفْتَ بأنَّني لك مُصْطَفٍرُوحِي فِداكَ عَرَفْتَ أم لم تَعْرِفِ
ولقد أقول لِلاَئِمي في حُبِّكمْأيُلامُ مَن يهْوَى الجمالَ اليُوسُفِي
إن جئْتني مِصْراً فقد أسعَفْتَنييا خَيْبَةَ المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
ما حَبَّني بالصِّدقِ شَخْصٌ غيرَكمحَقّاً وكيف يُحِبُّ مَن لم يَعْرِفِ
أوْفُوا لوَعدِي سُرْعةً من فضلِكمْكَرَماً فإنِّي ذلك الخِلُّ الوَفِي
لو قد وَهبْتُ مُبَشِّرِي بقُدومِكمْرُوحِي وحَقِّ جَمالكم لم أُنْصِفِ
ولقد كَلِفْتُ بحُبِّ أصْلِكمُ لِذاكَلَفي بكم خُلُقٌ بغيرِ تَكَلُّفِ

ومن مقطعاته قوله:

مَن يطلُبِ الإنْصافَ في عصرِنافذاك من حُمْقٍ به مُنْكَشِفْ
كيف وعَيْنُ الشرْعِ مَقْلُوعَةوشَمْسُه في أُفْقِه تَنْكَسِفْ

مثله لعبد البر الفيومي:

مَن رَام في ذا العصرِ إنْصافَهُوالشَّرْع من حُكَّامِه لم يُصِبْ
قُضَاتُه قد قلَعُوا عَيْنَهفشَرُّهم من نَقْصِهم مُنْتصِبْ

وقوله:

إذا رأيتَ وَلِيّاًمُغْرىً بِحرْصٍ وبُخْلِ
فليس ذاك وَلِيّاًللرَّبِّ بل عَبْدُ جَهْلِ

وقوله:

إني لأَعْجَبُ مِمَّاصار الزَّمانُ إلَيْهِ
إذْ ما بكيْتُ لدهرٍإلاَّ بكيْتُ عَليْهِ

هذا كالاختصار لقول ابن المعتز:

عَجَباً للزَّمانِ في حَالتَيْهِوبَلاءٍ دُفِعْتُ منه إلَيْهِ
رُبَّ يَوْمٍ بَكيْتُ منه فلمَّاصِرْتُ في غيرهِ بَكَيْتُ علَيْهِ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «عجبا للزمان في حالتيه»

السيد محمد بن عبد الله الهشير بكبريت مفرد قائمٌ بجمع، وله خبرٌ حلية فمٍ وسمع.

أكثر من الرحلة والانتقال، وتحمل بنحلة أهل الحال الأعباء الثقال.

طالباً نشيدة حقٍ يعقلها، وصيقلاً يفتح عن مرآته الصدئة ويصقلها.

ثم رجع إلى وطنه واقام بها معتزلا، وقد تبوأ من رياسة العلم محلاً ومنزلا.

وألف تآليف أحسن فيها ما شا، وأتى فيها من الغرائب بما مازج سلافة طربٍ وانتشا.

فتنبه له حزبٌ رموه بشرر الانتقاد، وزعموا أنه قد أساء الاعتقاد.

ونسبوا إليه كلماتٍ هو من اعتقاد ظاهرها بري، وأنا ما أتحققه إلا من كل سوءٍ عري.

ومثل هذا فيه لا يقدح، فما زالت الأشراف تهجى وتمدح.

وداعية ذلك ما قاله ابن معصوم، من أنه لم يكن له في سائر العلوم، رسوخ قدم معلوم.

قال: وأخبرني الوالد بسماعه عنه، أن أستاذه خالف في تعليمه النظام، فنقله من الأجرومية إلى الكشاف، وأبدله النشاف من الارتشاف.

انتهى.

قلت: وهو في الأدب ممن سلم له أهله، وله شعرٌ يعرف منه منطبع القول وسهله.

فمنه قوله:

هَبُوا أنَّ ذاك الحسنَ عَنِّي مُحَجَّبٌأليس بِرَيَّاهُ سَرَتْ نَسْمةُ الصَّبَا
إذا رُمْتَ أن تُبْدِي مَصُوناتِ خِدْرِهِفحدِّثْ بذاك الحيِّ عن ذلك الخِبَا
للشاعر العفيف التلمساني، اقرأ القصيدة

وقوله:

أرى مُطالَعَتي في الكُتْبِ ما نفَعتْلعل وجهَك يُغْنِينِي عن الكُتُبِ
فمن رأَى وَجْهَك الباهِي وطَلْعتَهُفإنَّه في غِنىً عن كلٍ مُكْتَتَبِ

وقوله:

وإذا جلستَ إلى الرجالِ وأشْرقتْفي جَوِّ باطِنك المَعاني الشُّرَّدُ
فاحْذَرْ مُناظَرةَ الجَهُولِ فرُبماتَغْتاظُ أنت ويسْتفيد فيحسُدُ

وقوله مضمنا:

ما لي ولِلْمَجْدِ والأيَّامُ عابِسةٌوالخَطُّ طُولَ الدهرِ في عَتَبِ
ما أصْعَب الشَّيْءَ تَرْجُوه فَتُحْرَمُهلاسِيَّما بعد طولِ الجُهْدِ والتَّعَبِ

وقوله:

يُنازِعني شَوْقِي إلى الهنْدِ تارةًوأُخْرَى لأرْضِ الرُّومِ والشَّوْقُ لا يُجْدِي
وما الهندُ من قَصْدِي ولكنْ بِسُوحِهارأَى قَصدَه فيها الفؤادُ من الوَجْدِ

وقوله:

يا مَن يُؤمِّل راحةً من دهرهِصَبْراً على ما رُمْتَ من أمْرٍ عَسِرْ
فكُنِ اسْمَ فعلٍ لا يُؤثِّر عامِلٌفيه وإلاَّ فالضَّمِيرَ المُسْتترْ

وقوله:

يا لائِمي في حُبِّ مَنْعَزَّتْ عليَّ رُبُوعُهُ
خَفِّضْ عليك وخَلِّنِيأحْلَى الهوَى مَمْنُوعُهُ

وقوله:

كم من يَدٍ قبَّلْتُهاولو اسْتطعْتُ قَطَْعتُها
وَكم من يدٍ قبَّلْتُها لِتَقِيَّةٍوكان مُرادِي قَطْعَها لو أُمَكَّنُ

وقوله مضمناً:

يا من يقول بأنَّ طَعمَ لَمَى الحَبائِبِ لم يَرُقْ
وغَدا يُعنِّف في الهوىدَع عنك تَعنِيفي وذُقْ

وقوله، مورياً في المولى عشاقي:

قد قلتُ للمجدِ مَن تَهوى تُواصِلُهفكلُّنا لك ذو وَجدٍ وأشْواقِ
فقال لي بِلسانٍ غيرِ مُعتذِرٍلا أشْتَهِي أن أُوافى غير عُشَّاقِي

وقوله:

ليست على الحُرِّ الكريمِ مَشَقَّةٌبأضَرّ من أن لا يَرَى أمثالَهُ
ذاك الغريبُ وإن يكُنْ في أهلِهوَارَحْمتاهُ له لِمَا قد نَالَهُ

وقوله

مَن قال لا في حاجةٍمَطلوبةٍ فما ظَلَمْ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
وإنما الظالمُ مَنيقول لاَ بعد نَعَمْ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

وأنشد لنفسه في رحلته مضمنا:

فارقْتُ مكةَ والأشواقُ تجْذِبُنِيلها ويمَّمْتُ طه مَعْدِنَ الكَرَمِ
فهل دَرَى البَيْتُ أنِّي بعد فُرْقَتِهما سِرْتُ من حَرَمٍ إلاَّ إلى حَرَمِ
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»

وسبقه إليه العمادي، في قوله:

فارقتُ طَيْبةَ مَشغُوفاً بطَيِّبِهاوجئتُ مكةَ في وَجْدٍ وفي ألَمِ
فهل درَى البيتُ أنِّي بعدَ رُؤْيتِهما سِرْتُ من حَرَمٍ إلاَّ إلى حَرَمِ
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»

وله يفتخر:

نشأتُ بفضلِ اللهِ في ظِلِّ دَوْحَةٍسَمَتْ بنَبيٍ كنتُ من بعضِ عِتْرَتِهْ
فإن شئْتُ في سَفْحِ العَوالِي وإن أشَابدارِ الذي طابتْ وطالَتْ بِهْجْرتِهْ
فهاتيكَ دارٌ للحبيبِ وهذهبها مَنْزَهِي يا صاحِ من حل حُجْرَتِهْ

وقال في تفضيل العالية:

أراك تُغالِي في العَوالِي وفي قُبَاوأنت على وَهْمِ الخيالِ تُعَوِّلُ
إلى كَمْ تُرَى تَهْوَى الذي أنت سائرٌإلى غيرهِ إذْ أنت عنه تحوَّلُ
فكُن سائراً في لاَ مُقامَ فإنماتَقلَّب في شَأْنٍ لشَأْنٍ وتَرْحَلُ

العالية: أرضٌ ذات رياض فائقة.

قال في الوفا: هي من المدينة ما كان في جهة قبلتها من قباء وغيرها، على ميل فأكثر، وأقصاها عمارة على ثلاثة أميال وأربعة إلى ثمانية أو ستة، على الخلاف في ذلك. اننتهى.

ووجه التسمية جلي؛ لأن السيول تنحدر من تلك النواحي العالية، إلى سوافل المدينة، فعلى ذلك يقال: نزلنا من العوالي إلى المدينة، وطلعنا إلى العوالي.

وله في مدحها قطعٌ كثيرة غير هذه، فمنها قوله:

فَضْلُ العَوالِي بَيِّنٌ ولأهْلِهافضلٌ قديمٌ نُورُه يَتهلَّلُ
مَن لم يقُل إنَّ الفضيلةَ طَنَّبَتْأرْضَ العَوالِي وهْو حَقٌّ يُقْبَلُ
إنِّي قَضَيْتُ بفضْلِها وأقولُ فيوَادِي قبَا الفضلُ الذي لا يُجْهَلُ

وقوله:

إذا كنتُ في أرضِ العَوالِي تشوَّفَتْلأرضِ قُبَا نَفْسِي وفيها المُؤمَّلُ
ولو كنتُ فيها قالت النفسُ ليت ليبأرض العَوالي يا خليلِيَ مَنْزِلُ
فيا ليتَ أنِّي كنتُ شَخْصيْن فيهماوما ليْتَ في التَّحْقِيق إلاَّ تَعَلُّلُ

وله من أبيات، قالها بالروم، يتشوق إلى معاهده:

ما أطْيَبَ الأيامَ فيها تَنْقضِيوالعَيْنُ قد قرَّتْ بوصلِ حَبِيبهَا
ما العيشُ إلاَّ في حِمَاهَا ليت ليمَأْوىً ولو في سَفْحِها ورَحِيبهَا

وله في الشام:

وما الشَّام إلاَّ في البلادِ كشَامَةٍوأقْمارُ وَادِيه الشَّمِيم تِمامُ
فحَيَّى مُحيَّاها الإلهُ وزَانَهولا زالَ بَرْقُ الحُسْنِ فيه يُشَامُ

ومن روائعه قوله:

الحمدُ للهِ على ما أرَىمن ضَيْعَتِي ما بين هذا الوَرَى
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «الحمد لله على ما أرى من»
صَيَّرني الدهرُ إلى حالةٍيَرْثِي لها الشَّامِتُ مِمَّا يَرَى
بُدِّلْتُ من بعد الرَّخَا شِدَّةًوبعد خُبْزِ البيتِ خُبْزَ الشِّرَا
وبعد سُكْنَى منزلٍ مُبْهجٍسكنْتُ بيْتاً من بيوتِ الكِرَا
ولو تحقَّقتُ الذي نالَنِيلارْتفَع الشَّكُّ وزَال المِرَا

أحمد بن عبد الله بن أبي اللطف البري البر الوصول، الزاكي الفروع والأصول.

إذا قام على أريكة منبر، شهد ببلاغته العالم من فاجر ومن بر.

فلو رآه سحبان لا ستحيى من أن يقول أما بعد، أو سمع ابن نباتة خطبه قال: هذا سعدٌ لم ينله بنو سعد.

مع خطٍ يحسن ويروق، ولفظٍ تومض في حبره للمعنى الأصيل بروق.

وهو عالي الإسناد ولا نظير له في العوالي، وأدبه مما تحلت به العصر القريبة وخلت عن مثله العصر الخوالي.

وقد أوردت من شعره ما يتأرج في الآفاق شذىً طيبه، وتجتلى في ذروة الثناء بلاغة خطيبه.

فمنه قوله من قصيدة أولها:

قامتْ تُرِيكَ البدر إذ تخْطُرُعَذْراءُ مَن هام بها يُعْذَرُ
بديعةُ الأوصافِ عُذْرِيَّةٌيَغار منها الظَّبْيُ والجُؤْذُرُ
أَخالُ ذاك الخال في خَدِّهافَتِيتَ مِسْكٍ شَابهُ عَنْبَرُ
إذا تبدَّتْ وَدَّ بدرُ الدُّجَىلو كان بالسُّحْبِ إذاً يُسْتَرُ
عادت بها أعْيادُ عَصْرِ الصِّباعَصْراً به تَفْتخرُ الأعْصُرُ
أيَّامَ كان الأُنْسُ في قَبْضتِييُصْغِي لما أنْهَى وما آمُرُ
وكنتُ في اللَّذَّاتِ مُسْتَرْسِلاًوالعَيْشُ غَضٌّ غُصْنُه أخْضَرُ
أجُرُّ ذَيْلَ اللَّهْوِ لا أرْعَوِيظَنّاً بأن الغُصْنَ لا يُهْصَرُ
فلم أُفِقْ مذ كنتُ في عشْقتِيإنِّي على العُرْف بها المُنْكَرُ
حتى أناخَ الشَّيْبُ في لِمَّتِيوالشيبُ ضيفُ صار يُسْتَنْكَرُ
فقلتُ للنفسِ أَلا فارْعَوِيفقد أنَاخَ الصَّارِخُ المُنْذِرُ

وكان القاضي تاج الدين المالكي، توجه إلى المدينة، في سنة أربع وخمسين وألف، فمدح أهلها بهذه الأبيات:

يا ساكِني طَيْبةَ فَخْراً فقدْطابتْ فروعٌ منكمُ والأصولْ
وآيةُ الأنْصارِ فيكم سَرَتْكأنما المقصودُ منها الشُّمُولْ
تُصْفُونَ مَحْضَ الوُدِّ مَن جاءكمفما عسى مادحُكم أن يقولْ
ولْيَهْنِكُمْ ما قد خُصِصْتُم بهفيا لَها خصيصة لا تزُولْ
جاوَرْتُمُ المختارَ خيرَ الورَىوفُزْتُمُ في سُوحِه بالحُلولْ

فأجابه البري بقوله:

أعْظِم بأهل الركْنِ مِن سادةٍفي مَوْقِع العَلْياءِ جَرُّوا الذُّيولْ
جِيرانِ بيتِ اللهِ مَن قَدْرُهمْتَحارُ في دَرْك مَداه العُقولْ
بمكَّة حَلُّوا فحَلَّوا بهاجِيدَ المَعالِي حِلْيَةً لا تزُولْ
مَن مثْلُهم والفضلُ حقّاً لهمومنهمُ التاجُ إمامُ النُّقول
رئيسُ هذا العصرِ مِن جِلَّةٍسَمادِعٍ غُرٍ كِرامٍ فحُولْ
أخْلاقُه كالرَّوْضِ مِن لُطْفِهاولُطْفُها تخجلُ منه الشَّمُولْ
أكْرِمْ به إذْ قال مِن أجْلِناطابتْ فروعٌ منكمُ والأُصولْ
وآيةُ الأنْصارِ فيكم سَرَتْلكنَّني بالإذْنِ منكم أقولْ
يا نُخْبةَ الأنْصارِ منكُم لناحتى شهِدْتُم وَصْفكُم لا يحُولْ
وأنتمُ جِيرانُ ذاك الحِمَىوالآن أنْتُمْ في جِوارِ الرَّسولْ
جمعتُمُ فضلاً إلى فَضْلِكمْفَسُدْتُمُ الناسَ وحَقّ المَقولْ
فاللهُ ربُ العرشِ سبحانهيُولِيكمُ الحُسْنَى وحُسْنَ القَبُولْ
حتى تُوافُوا القَصْدَ في نِعْمةٍتَتْرَى وعمرٍ في سُرورٍ يَطُولْ
ودولةُ الأفْضالِ تَسْمُو بكمْوتَزْدِهِي طَوْراً وطَوْراً تصُولْ
ما غَرَّدت وَرقاءُ في روضةٍغَنَّا وغنَّت حين طاب الدُّخولْ

ومن لطيف ما وقع له مع القاضي تاج الدين المذكور، أنه رأى في المنام في العام المذكور، الذي زار فيه تاج الدين، كأنه في مجلس درسه بالروضة الشريفة، وإذا بالتاج داخل من باب السلام، وهو قاصدٌ الحضرة النبوية، فلما قضى الوطر من التحية والزيارة، جاء إلى المجلس وقعد، فأنشد البري بيتين بديهاً، وهما:

أمَوْلايَ تاجَ الدِّين لا زِلْتَ ذا عُلاًعلى الْهامِ والأوْهامُ ليست لِذٍي فِطَنْ
إذا كُنتُمُ في مجلسٍ كان أهلُهبأجْمَعِهم خُرْساً وأنت لك اللَّسَنْ

ثم انتبه وقد حفظهما، ثم لم تكن إلا نحو عشرة أيام من هذه الرؤيا، حتى وصل التاج، وكان دخوله المسجد الشريف من باب السلام، والبري في مجلس درسه، على الصفة التي كانت في الرؤيا.

ثم لم يلبث أن جاء إلى المجلس، فتلقاه، وجلس في الموضع الذي جلس فيه، وأشار باستمرار القراءة، فأنشده البري البيتين، ثم أخبره بالرؤيا، فقضى العجب، واستبشر، ثم بعد قيامه من المجلس أنشده معتذرا ومتشكرا:

لئن كان قَدْرِي مِثْلَما قلتَ عندماتَواضَعْتَ إذ أطْبَقْت كُتْبَكَ في الْوَسَنْ
فقد صحَّ بالأحْرَى اتِّصافُك بالذيوَصَفْتَ به المملوكَ من ظَنِّكَ الْحَسَنْ
لأني وإن أحْرَزْتُ ذلك إننيلَدَيْك أخو صَمْتٍ وأنت لَكَ اللَّسَنْ

إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري هو للفضل خليل، ومقامه كمقام أبيه جليل.

فهما من خيار الخيار، وبهما باهت مدينة النبي المختار.

وكان أبوه سقى الله عهده، ووطأ في الفردوس مهده، علم علمٍ وفضل، وموطن رأيٍ أسد وقولٍ فصل.

فلم يختر دار القرار، حتى وافاه توفية الصلحاء الأبرار.

فطلع في جبهة الدهر غرة، يملأ عين بني الفضل قرة.

وقعد مقعده بين كتاب الله يتلى، وحديث رسوله يروى.

تؤثره الرتب على غيره، وتتباهى المعالي بحسن سيره.

ونظراءه بنباهته تعترف، وكأنه بحرٌ منه الألباب تغترف.

ثم عند لأمرٍ دعاه إلى الرحلة، فشد إلى جهة الروم رحله.

ولا مطمح إلا منةٌ من الله تصوب، وعنايةٌ يسترد بها حق مغصوب.

فورد دمشق، وأقام بها قليلا، ثم دخل الروم فنال بها حظاً جليلا.

وأدرك أمانيه على العجل، وبرىء الدهر عنده مما كان فيه من الوجل.

ثم قدم دمشق فهوت إليه القلوب مقبسةً من سناه، وتنافست الألسنة في إحراز مدحه وثناه.

وكنت ممن أسرع إليه، وأوقفت أملي في الاستفادة عليه.

فلزمته لزوم الظل للشبح، وأخذت عنه طرفاً من الطرف والسبح.

سمعت القول الذاهب مذهب الطيف الوارد، وذقت الأرى الذائب خلال الجامد، من برد المفتر البارد.

ثم رحل على مصر إلى دياره، وألقى بها بعد هنيئةٍ عصا تسياره.

في حظٍ قد اكتمل، واطلاعٍ على أخاير الذخائر اشتمل.

لكنه لم يستدرك ما فاته، حتى قدر الله تعالى وفاته.

فلا برحت سحب الرحمة تحيي قبره وتجوده، حتى تتروى من ثراه تهائمه ونجوده.

وقد أثبت من شعره بدائع تقتنى، وروائع بها على حسن الأسلوب يعتنى.

فمن ذلك قوله من قصيدة، أولها:

زارتْ على غَفْلةٍ من غيرِ مِيعادِجَيْداءُ تسحبُ تِيهاً خيرَ أبْرَادِ
كالشمسِ إن وضَحتْ والبدرِ إن لَمَحَتْوالوَرْدِ إن سمَحتْ في خَدِّها نَادِي
حَوْراءُ ما حلَّلتْ لي نَظْرةً حَرُمَتْلكنْ أذابتْ بَحرِّ الهَجْرِ أكْبادِي
يا وَيْحَ قلبي بها كم ذاق مِن حُرَقٍحتى لقد شَيَّبَتْ بالْبُعْدِ أفْوادِي
أبْكِي وأكتُم دمعي كاتماً لأَسىًنِيرانُه في الْحَشَا آلَتْ لإِيقَادِ
يا صاحِبَيَّ إذا ما رُمْتُما سَكَنِيعُوجَا قليلاً كذا عن أيْمَنِ الوَادِي
أو رُمْتُما شَرْحَ حالِي في الهَوى فلقدغُذِيتُ دَرَّ الهوى من قبْل مِيلادِي
وصَادِحُ الْبَيْنِ إن يَخْفَى فلا عَجَبٌصَوادِحُ البَيْنِ وَهْناً شَجْوُها بَادِي
يا ضَرَّةَ الشمسِ يا مَن لا شَبِيه لهاحُبِّيكِ أعْذَبُ من عَذْبٍ إلى صَادِي
فإن يكنْ عَزَّ وَصْلٌ أو بَخِلْتِ بهفعَلِلينا ولو طَيْفاً بِمِيعادِ

وقوله، مشطراً ومعجزاً قصيدة البهاء زهير، المنسوبة لابن الفارض:

غيرِي على السُّلْوانِ قادِرْإن رام هِجْرانَ الْجَآذِرْ
وأنَا الْوَفِيُّ بعَهْدِهِوسِوايَ في العُشَّاقِ غَادِرْ
لي في الغَرامِ سَرِيرةٌأكْنَنْتُها وَسْطَ الضَّمائِرْ
ومحبّةٌ أسْررتُهاواللهُ أعلم بالسرائِرْ
ومُشَبّهٍ بالغُصْنِ قَلَّتَصَبُّرِي إذْ قيلَ نَافِرْ
قَدِّي وقلبُك في الهوىبِي لا يزالُ عليه طائِرْ
حُلْوُ الحديثِ وإنهالَمَحاسِنٌ تَسْبِي النَّواظِرْ
حالٍ يَمُرُّوإنهالَحَلاوةٌ شَقَّتْ مَرائِرْ
أشْكُو وأشكُر فِعْلَهُبُعْداً ولَمَّا يَدْنُ زَائِرْ
حالان لي أرْضاهُمافاعْجَبْ لشاكٍ منه شاكرْ
لا تُنْكرِوا خَفَقانَ قَلْبي إن بَدَا بدرُ الدَّاجِرْ
كَلاَّ ولا تشْتِيتَ لُبِّي والحبيبُ لَدَيَّ حاضِرْ
ما القلبُ إلاّ دارَهُفلذاك بالأشواقِ عامِرْ
ورُبُوعُه فلأجلِ ذاضُرِبتْ له فيها البَشائِرْ
يا تاركِي في حُبِّهكهلالِ شَكٍ في المَناظِرْ
ومُصيِّري بين الورَىمَثَلاً من الأمثالِ سائِرْ
أبَداً حديثِي ليس بالْمَتْرُوكِ عند ذَوِي البصَائِرْ
كَلاَّ وشَرْعِي ليس بالْمَنْسوخِ إلاَّ في الدفاتِرْ
يا ليلُ مالَك آخِرٌفتظَلُّ تَرْقُبْه النَّواظِرْ
لا فيك وَصْلُ مُعَذِّبِييُرْجَى ولا للشوقِ آخِرْ
يا ليلُ طُلْ يا شَوْقُ دُمْإنِّي إلى المحبوبِ سائِرْ
يا ليلُ أقْصِرْ أو فطُلْإنِّي على الحاليْن صابِرْ
لي فيك أجْرُ مُجاهدٍأضْحَى لجيشِ الحبِّ ناصِرْ
وثوابُ غازٍ فاتِكٍإنْ صَحَّ أنَّ الليلَ كافِرْ
طَرْفِي وطَرْفُ النَّجْمِ فيبَاهِي جمالِك ظَلَّ حائِرْ
والقلبُ والعَيْنانِ فيكَ كِلاهُما سَاهٍ وساهِرْ
يَهْنِيك بَدْرُك حاضرٌمَالَتْ لبَهْجتِه الخَواطِرْ
قد لاح بَدْرُك مُشْرِقاًيا ليتَ بَدْرِي كان حَاضِرْ
حتى يَبيِن لناظرِيمَن منهما بَاهٍ وبَاهِرْ
ويشيعَ بين مَعاشِرِيمَن منهما زَاهٍ وزاهِرْ
بَدْرِي أرقُّ محاسِناًإذْ حُسْنُه للعقلِ سَاحِرْ
كالليلِ أرْسَلَ شَعْرَهوالفَرْقُ مثل الصبح ظاهِرْ
ملكَ الجمالَ بأسْرِهِكُلُّ المِلاحِ له عَساكِرْ
سلطانُ حُسْنٍ قد سَمابحُسام ألْحاظٍ فَواتِرْ
لا السُّمْرُ تَذْكَر عِنْدَهاكَلاَّ ولا البِيضُ البَواتِرْ
قد نُفِّذتْ بين الوَرىمنه النَّواهِي والأوَامِرْ
ما مَخْلَصٌ من فَتْكِهِبظُبَا اللَّواحِظِ والنَّواظِر
إلاّ امْتداحَ مُحَمَّدٍخيرِ الأوائلِ والأواخِر

وله مشطراً ومعجزاً نونية ابن سناء الملك:

من ذا الذي مِن مُقْلَتيْه يَقِينِيفهي التي بسِهامِها تُصْمِينِي
يا مَن يظنُّ الشِّرْك في حُبِّي لههذا الذي أخْلَصْتُ فيه يَقيِنِي
رِيمٌ له فِعْل الرُّماةِ وإنمايُصْمِي فؤادَ المدنَفِ المحزُونِ
في القلب مَوْقِعُ سَهْمِه لكنهيَرمِي بقَوْسَيْ حاجبٍ وعُيونِ
يَبْرى نِبالاً من فُتور لِحَاظِهِويريشُها بالهُدْبِ للتَّمْكِينِ
ويُحيلُها بَارِي النُّفوس بحُكْمِهِفي القلبِ حَالةَ رَمْيها تَبْرِينِي
يمشي فيدعوه القَضيبُ سَرَقْتَنِيقَدِّي فملْتَ ولا كَمَيْلِ غصُونِ
وإذا بَدَا فالبدرُ قال ظَلَمْتَنِيوإذا رَنا قال الغَزالُ عُيُونِي
ألِفُ ابنُ مُقْلَةَ في الكتابةِ قَدُّهُحاشَا فَعاذِلُه سَمَا باللِّينِ
والثَّغْرُ مِيمٌ كلُّنا صَادٍ لهوالصُّدْغُ مثلُ الواوِ في التَّحْسِينِ
وعلى الْجَبِينِ بِشَعْرِه سِينٌ بَدَتْسلَب العُقولَ بطُرَّةٍ وجَبِينِ
قد أدْرَكتْ في الحُسْنِ غايتَه لذاحارَ ابنُ مُقْلَةَ عند تلك السِّينِ
والْعَيْنُ مثلُ العَيْنِ لكنْ هذهنَجْلاءُ فاقتْ عيْنَ حُورِ العِينِ
ولئن تبدَّتْ تلك مَن هي هذهكُحِلتْ بحُسْنِ وَقاحةٍ ومُجُونِ
سبحان مَن خلقَ العيونَ بقَوْلِ كُنْفبدَتْ لسَلْبِ نُفوسِنا في الحِيْنِ
وتبادَرت أمْرَ الإله مُطِيعَةًفتكوَّنتْ في أحْسَنِ التَّكْوينِ
سُودٌ رُقودٌ ما كُحِلْنَ ولا بهاوَسَنٌ فَيَدْعوها لِفعْلِ سُكُونِ
زُرْقٌ شُهِرْنَ وما ألَمَّ بِجَفْنِهانَوْمٌ ولكنْ قَصْدُها تَسْبينِي
يا لَلرِّجالِ ويا لَها مِن فِتْنةٍكم أَوْقَفَتْنِي في مَواقِفَ هُونِ
حتى شَهِدْتُ بَديِعَ حِكْمةِ خالقٍفي وَضْعِ ذاك النَّقْطِ فَوْقَ النُّونِ
في ثَغْرِه شُهْدٌ وتحت شِفاهِهِبَرَدٌ أكادُ أُذِيبُه بأنِينِي
وعلى الثَّنايا الدُّرُّ وَاشَغَفِي بهاخَمْرٌ جَرَتْ من لُؤْلُؤٍ مَكْنُونِ
كم قيل إن شِئْتَ الدُّجَى فغَدائِريفاقتْ على حَلَكِ اللَّيالِي الْجُونِ
وإذا طلبْتَ البدرَ فانْظُر طَلْعتِيوإذا أرَدْتَ الصُّبْحَ فهْو جَبِينِي
وإذا أرَدْتَ الرَّوْضَ فهْو بوَجْنَتِيمُتَنضِّدٌ مُتناسِبُ التَّكْوينِ
يزْهُو بأبْيَضِه وأحْمَرِه لِذَاكم فيه من وَرْدٍ ومن نَسْرِينِ
أنا لا أُرِيدُ تَنَزُّهاً في روضةٍحازتْ جميعَ الحُسْنِ بالتَّعْيينِ
بل إن بَدَا حِبِّي فحالِي أننينَظَرِي إلى وَجْنَاتِه يكْفينِي
لاقَيْتُه يوماً فقال أَما تَرَىظَبْيَ الْفَلاَ قد زاد في التَّفْنِينِ
والشَّمْسَ ظلَّتْ أن تُحاكِي فاسْتَمِعْما قد جرى منهم لقد ظَلَمُونِي
طمِع الغزالُ بأن يُعارِضَ مُقْلَتِيحاشَا وكلاَّ أن يكون قَرِيني
والغُصْنُ ظَنَّ بأن قَدِّي مِثْلُهوالبردُ أيضاً رامَ أن يَحْكِينِي
فأجَبْتُ إن فَعَلاَ فقد فُضِحا ولايَصِلان منك لِظَاهِرٍ وكَمِينِ
كَلاَّ فغَفْراً للذي فَعلا فلايُؤْذِيك فِعْلُهما ولا يُؤْذِيني
فافْتَرَّ مُبْتسِماً وأوْعَد باللِّقاوَهْناً فقَرَّتْ باللقاءِ عُيُونِي
وثَنَى لنا عِطْفاً وجاد بوَصْلِهِيوماً ولا ثِقَةً بوَعْدِ ضَنِينِ
اللهُ أكبرُ مِن قَساوةِ قَلْبِهأنَّى يَميلُ لِمُدْنَفٍ مِسْكِينِ
يقْسُو فلا عَطْفٌ يُميِلُ غَصُونَهُمع ما يُرَى في عِطْفِه مِن لِينِ
علَّمْتُه بابَ المُضافِ تفاؤُلاًبوِصاله وطَمِعْتُ أن يُدْنيني
فغَدَا يُعامِلني بضِدٍ مُذْ بداورَقِيبُه يُغْرِيه بالتَّنْوِينِ

وله في الغزل:

تَعطَّفْ بِمُضْنىً عليلِ المَقالْودَعْ عنك هذا الْجَفَا والمِطالْ
أَما قد عَلِمْتَ بأني امْرُؤٌأُحِبُّ الجميلَ وأهْوَى الجمالْ
وأغْشَى المَغانِي إذا ما حَوَتْلَطِيفَ البَنانِ حَلِيفَ الدَّلاَلْ
بسَهْمِ اللِّحاظِ إذا ما رَنَاأصاب فؤادِيَ دُون النِّصالْ
ووَرْدِيِّ خَدٍ إذا لاح لاهَمَى الطَّرْفُ منِّي بمثْلِ الّلآلْ
ووجهٍ يُبِيدُ سَناهُ البدورَإذا ما تَبدَّى بجُنْحِ اللَّيَالْ
فصُبْحُ الجَبِينِ وليلُ الشُّعورِبهذا الهُدَى وبهذا الضَّلاَلْ
وجسمٍ حكَى الماءَ في رِقَّةٍعليه من الثَّغْرِ مِثْل الظِّلالْ
فخُذ ما صَفا لك مِن وُدِّهِولا تخْشَ عَاراً ولا أن يُقالْ
فما كُلُّ وَقْتٍ يُبِيحُ الزَّمانُلِقَدٍ عَاطِلٍ هُوَ بالحُسْنِ حَالْ
ولا الدهرُ في كلِّ ساعاتِهيُغِيثُ الفقيرَ ببَذْلِ النَّوَالْ
وإن لاح فاجْتَلِ أنْوارَهُفما كلُّ يومٍ يلُوح الهِلاَلْ
ولا تُمْهِلَنْ لَذَّةً أمْكَنتْوباكِرْ صَبُوحَك قبَل الزَّوالْ

ولهذا الشيخ ولدٌ اسمه: أحمد نبيلٌ نبيه، قائمٌ في وقتنا مقام جده وأبيه.

وكنت قبل دخولي الحجاز سمعت بفضله، وبلوغه في المعالي مرتبة أصله.

فسجدت لله شكراً، وما زلت أجدد له ذكراً.

وأنا أشوق إليه من المحب إلى حبيبه، وأحن إليه من حنين المريض إلى طبيبه.

حتى لمحته بالمدينة لمحةً كشرب الطائر الوجل، أو قبسة القابس العجل.

لم تزل بها علة، ولا تروت بها غلة.

وقد بلغني أنه الآن هو المشار إليه ثمة بالبنان، الحائز قصب السبق في ميدان البيان.

أشرقت في سماء المجد مطالعه، ولم تتهيأ إلا لتحصيل الكمال مطامعه.

فالله يعيذه من عين كماله، ويجعل أمامه مطاياه إلى آماله.

ولم يبلغني له شعرٌ أنمق به الكتاب وأوشيه، وإذا بلغني لم آل من أني أذهبه به وأحشيه.

إبراهيم بن محمد بن أبي الحرم فاضلٌ بلغ من المعالي مرتقاها، وله معارف تستقبلها النفوس بالقبول وتتلقاها.

فمناطق الشكر له فصيحة اللسان، ومواهب الله تعالى به معهودة الإحسان.

لم يزل في عيشٍ موشاةٍ حواشيه بسوابغ الكرم، وهو في ظلال حرمة نبيه آمنٌ من حرام الحرم.

إلى أن انتقل إلى الدار الآخرة، فلا زالت تحيي قبره سحابة الرحمة الزاخرة.

وقد أوردت له من درره ما ألف نظمه بالشذر في عنق فتاة رود، فإذ نظرت رأيت أي سوالفٍ وخدود، عنت بين اللوى فزرود.

فمن ذلك قوله فيمن لبس بياضاً:

لَمَّا بَدَا مُبْيَضّاوالقلبُ مُشْتاقاً إلَيْهِ
ناديتُ هذا قاتلِيوالرَّايةُ الْبَيْضَا عليْهِ

وقوله:

صَادَفْتُه يجْلُو فَماً حَشْوُهُشُهْدٌ ودُرٌّ وعَقِيقُ المُدامْ
وقلتُ يا مولايَ هل مَشْرَبٌمِن رِيقِك العَذْبِ لِحَرِّ الغَرامْ
فقال جَوْرٌ منك أنت الذيتُدْعَى بإبراهيمَ طولَ الدَّوامْ
والنارُ بَرْداً وسلاماً غَدَتْعليك ماذا الحَرُّ قلتُ السَّلامْ

وقوله:

جاء يسْعَى إلى الصلاةِ مَلِيحٌيُخْجِلُ البدرَ في لَيالِي السُّعُودِ
فتمنَّيْتُ أنَّ وَجْهِيَ أرْضٌحين أوْمَا بَوجْهِه للسُّجودِ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

قلت: ذكرت هنا ما يحكى عن بعض الظرفاء، أنه مر بغلامٍ جميل، فعثرت فرسٌ في طينٍ، أصاب وجه الغلام منه نزرٌ، فقال الظريف: " يا ليتني كنت تراباً "، فسمعه بعض المارين، فقال للغلام: ما يقول هذا؟

فقال: " ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ".

وقال السيد محمد كبريت، في كتابه نصر من الله وفتح قريب، في معرض كلامٍ: جرت عادة الفعال لما يريد في خلقه، أن كل بلدةٍ في الغالب تكون عوناً لغريبها، حتى على ساكنها، وعلى الخصوص المدينة المنورة.

وكان المرحوم العلامة الشيخ إبراهيم بن أبي الحرم يقول: ليس من الرأي تعظيم الوارد إلى هذه الدار، إلا بحسب ما يقتضيه الحال، فإنه بتعظيمه يطأ غيره، ثم يتمرد على معظمه، فيطأه كذلك، وتكون إساءته عليه أكثر، وعلى الخصوص من لفظته القرى، وألف النوال والقرى، وقد اتفق لي شيءٌ من ذلك فكتب إلي بعض أصحابي في خصوص هذا المعنى:

يا أهْلَ طَيْبةَ لا زالتْ شمَائلُكمبلُطْفِها في الوَرى مَأْمونَة الْعَتَبِ
لكنْ رِعايتُكم للغُرْبِ تحْمِلُهمْعلى تَجاوُزِهمْ لِلْحَدِّ في الأدبِ

فكان الجواب عن ذلك بلسان الحال:

مَوْلايَ إنَّ صُروفَ الدهرِ قد حَكَمتْوأعْوَزَتْ أن يَذِلَّ الرأسُ للذَّنَبِ
كم مِن مُقَبِّلِ كَفٍ لو تمكَّن مِنقَطْعٍ لها كان مِمَّن فازَ بالأرَبِ

الأمير أبو بكر بن علي الأحسائي أمير كلام، وصاحب نفثات أقلام.

نما في منبت النجابة، ودعا الأمل فأجابه.

تحرسه عينٌ من الله واقية، وتحفظه آثارٌ أبد الآباد باقية.

وله علمٌ وعقل، وضبطٌ لشوارد الفنون ونقل.

إلى مفخرةٍ يتوشح بردائها، ومأثرةٍ يترشح لابتدائها.

وقد فاز من الأدب بأوفر حصة، وغدت سمته به صفةً مختصة.

وله شعر تتأرج في روض المعارف زهراته، وتجتني من أغصان السطور ثمراته.

فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها الشريف زيد بن محسن:

عَزَّتْ بِعِزِّ مَقامِك العَلْيَاءُوعليك فَضّتْ عِقْدَها الْجَوزَاءُ
فالبدرُ كأسٌ والشموسُ عُقارُهافاشْرَبْ بكأسٍ شمسُه الصَّهْباءُ
وحَبابُها نُجُمُ السَّما فكأنَّهاذاتٌ وذاك بشكْلِه الأسْماءُ
وأتْك بِكراً قبَل فَضِّ خِتامِهايقْتادُها رَاوُوقُها وذُكاءُ
خضعْت لعِزِّك فاسْتقِمْ في عَرْشِهايا ظاهراً لا يعْتريِه خَفاءُ
وانْصُبْ لِوَاءَ الحمد مُنْتَشِرَ الثَّنَاقد ضُوِّعتْ بعَبِيرِه الأرْجاءُ
يسْعَى بظلِّ أمَانِهِ بين الورَىذُو البَأْسِ والأمْجادُ والضُّعَفاءُ
فالدهرُ سَيْفُك فاتَّخِذْه مُجَرّداًمُتوشّحاً بالنصرِ وهْو رِدَاءُ
وعُلاكَ قد شهِد العَدُوُّ بفضْلِهوالفضلُ ما شهدتْ به الأعْدَاءُ
وحِمَاكَ أَمْنُ الْخائفين تَؤُمُّهششمُّ الأُنوفِ القادةُ الأكْفاءُ
ولقد حَظِيتَ من الإلهِ بنَظْرةٍأرْدَتْ مُريد الكَيْدِ وهْو هَباءُ
وحُبِيتَ منه بما تقاعَسُ دُونَههِمَمُ الملوكِ الصِّيدِ والعُظَماءُ
فالله أظْهَرَ ذا الْجَنابَ بِنَصِّهفالخلقُ أرضٌ والشريفُ سَماءُ
لو قيل لي مَن ذا أرَدْتَ أجَبْتُهمْأوَ غَيْرَ زَيْدٍ تَمْدَحُ الشعَراءُ
وإذا أُدِير حديثه في مَحْفَلٍفلِمَسْمعِي مِن طِيبِ ذاك غذاءُ
مَلِكٌ إذا وعَد الجميلَ وَفَى بهوإذا تَوَعَّدَ شأنُه الإغْضاءُ
فبِسَعْدِه أهْدَى الزمانُ إلى الورَىكأساً هَنِيّاً ليس فيه عَناءُ
فالله يُبْقِي مُلْكَه السَّامي الذيقد كَلَّلَتْه بنُورِها الزَّهْراءُ

وكتب إلى الشيخ الإمام عيسى بن محمد الجعفري الثعالبي، نزيل مكة، مادحاً بقوله:

يا مَن سَما فوقَ السِّماكِ مَقامُهُولقد يَراك الكلُّ أنتَ إمامُهُ
حُزْتَ الفضائلَ والكمالَ بأَسْرِهِوعَلَوْتَ قَدْراً فيك تمَّ نِظامُهُ
لو قيل مَن حازَ العلومَ جميعَهالأقول أنت المِسْكُ فيه خِتامُهُ
كم صُنْتَ مِن بكْرِ العلومِ خَرائداًعن غيرِ كُفْءٍ لم يجبْ إكْرامُهُ
فاعلمْ بأنِّي غيرُ كُفْءٍ لائقٍإن لم يكنْ ذا الفضلُ منك تمامُهُ

ثم أتبعه بنثرٍ، صورته: لما أضاء نور المحبة في قناديل القلوب، صفت مرآة الحقيقة فظهر المطلوب.

فاتضحت الرسوم الطامسة، وبانت الطرق الدارسة.

فاكتحلت عين القريحة، فسالت في نهر النطق، فأثمرت بالمسطور، وهو المقدور.

وأما المقام فهو أعلى من ذلك وأجل، وليس يدري ذلك إلا من وهل.

وأما العبد فهو مقرٌّ أنه قد قصرت به الركائب عن بلوغ ذلك، وأعاقته عقبات الأسباب عن سلوك هذه المسالك.

لكن حيث إن ثياب الستر من فضلكم على أمثاله مسبولة، فيرجو أن يهيىء الله له في ضمن الامتثال مطلوبه ومأموله.

فأجابه بقوله:

لِلّهِ دَرُّك يا فريد مَحامِدٍأربَى على البدرِ التّمامِ تمامُهُ
قد صُغتَ من سِرِّ البراعةِ مُفْرَداًفاق الفرائدَ نَثْرُه ونظامُهُ
وكَسَوْتَه من جَزْلِ لفظِك سابِغاًوُشِيتْ بكلِّ لَطيفةٍ أكْمامُهُ
وجَلَوتَه يخْتالُ تِيهاً آمِناًمِن أن يُشابَه في الوجودِ قَوامُهُ
أعْرَبْتَ فيه عن اعْتقادٍ خالصٍومَكِين وُدٍ أُحْكِمتْ أحْكامهُ
وصَبَوْت ذا شُكْرٍ بِبثِّ قصيدةٍوبفَصِّ خاتمه العَلِي أسْوامُهُ
أهْلاً به فَرْداً أتى من مُفْرَدٍوحَبَا به ضيفاً يجلُّ مقامُهُ
حَتْما عليَّ ولازماً تبْجِيلُهفَوْراً وحَقّاً واجباً إكْرامهُ
لكنْ على قَدْري فلستُ بكُفءِ مَنوَطِئتْ على هامِ العلَى أقْدامهُ
وإليكَها عَذْرَا على مَهَلٍ أتَتْخَجْلَى لمْحتدِك العزيز مَرامُه
فاصْفَحْ بفضلِك عن صَحِيفةِ نَقْصِهافالفضلُ مُؤتمٌّ وأنت إمامُهُ
واسْحَبْ رداءَ المجدِ غير مُدافعٍفلأنتَ عُنْصُرُه وأنت خِتامهُ

ثم أتبعه بنثر، صورته: هذه دام جدك في صعود، ومجدك في سعود عجرفةٌ أبرزها فاتر الفكر الأعرج، وقاصر الذهن البهرج.

تتعثر في مروط الخجل والوجل، وتتعارض لما بها من الخطأ والخطل.

أتت سوح حضرتك الرحراحة الأرجا، وأملت أن تفوز من كمال صفحك عن زيفها بتحقق الرجا.

فقابل إقبالها بالقبول والإغضا، وألحظها غير مأمورٍ بعين التقريب والرضا.

فإنك مأوى الفضل ومخيمه، ومفتتحه ومختتمه.

ولولا نافذ أمرك المطاع، وواجب تعظيمك المتمكن في الأفئدة والأسماع؛ لما تراءى لراءٍ عجرها ولا بجرها، ولا بان لسامع خبرها ولا مخبرها.

ولكن عند الأكابر تلتمس وجوه المعاذير، ولدى أعيان الأفاضل يرتجى الصفح عن التقصير.

والسلام.

أحمد بن محمد مكي فاضلٌ توقد ذكاه، وتألق شهابه وذكاه.

فبزغ واضح الغرة والجبين، ورفع عمود الصبح المبين.

وكسي نصاحة الفصاحة، وتفتق عن رونق البشر والصباحة.

فلله براعةً ملك، وطريق إجادةٍ سلك.

قرت بها عيون أودائه، وملئت غيظاً صدور أعدائه.

وكان للقلوب فيه ظنٌّ جميل، وللمعالي رجاءٌ وتاميل.

إلا أن الأيام لم تفسح له مدى، فاقتطفت زهرة حياته في باكورتها يد الردى.

وقد أثبت من بواكير طبعه المطبوع، ما يدل على نبله دلالة الماء على نظافة الينبوع.

فمن ذلك هذه الأبيات، كتب بها إلى الأستاذ زين العابدين الصديقي:

لُؤْلُؤُ الثَّغْرِ المُنَضَّدْفيه جِريْالٌ مُبَرَّدْ
بَسمَتْ عنه ثَنايَارَشأٍ أحْوَى وأغْيَدْ
أم رياضٌ عِقْدُ دُرِّ الْمُزْنِ فيها قد تَبدَّدْ
أم نجومٌ مُزْهِراتٌمِن سَناها النُّورُ يُوقَدْ
أم نَسِيمُ الصبح أبْدَىطَيِّب النَّشْرِ من الوَرْد
لا ولكنْ ذا قَرِيضٌلإمامٍ قد تفَرَّدْ
سيِّدٍ حَبْرٍ هُمامٍأوْحَدٍ من نَسْلِ أَوْحَدْ
مَن له حَالٌ وقَالٌبِهِما الساداتُ تشْهدْ
وله في المجدِ شَأْوٌدونه النجمُ وفَرْقَدْ
نَجْلُ أقْطابٍ كِرامٍلهمُ غاياتُ سُؤْدَدْ
كم كراماتٍ شهِدْنَامالَها حَصْرٌ ولا عَدّ
يعجِزُ الواصفُ عنهامنهمُ جاءتْ بلا حَد
مَلأَتْ شرقاً وغرباًوبدَتْ في كلِّ مَشْهَدْ
عَبِقَ الكونَ ثَناهُمكعَبِيرِ المِسْكِ والنَّدّ

وحكى لي صاحبنا الفاضل مصطفى بن فتح الله، قال: كنت بالمدينة نظمت قصيدةً في الغزل، فلامني عليها بعض الناس، وبلغ ابن مكي ذلك، فأتى إلى منزلي ليروحني، فلم يجدني، فكتب:

أتيتُك من شوقِي إليك مُسَلِّماًوقد صار قلبي في وِدادِك ذا شُغْلِ
فمِن سُوءِ حَظِّي ما تَمَلَّيْتُ ساعةًبمَرْآكَ يا رَبَّ الفصَاحةِ والنُّبْلِ
فلا عَتْبَ لي إلاَّ عليه فإنهعلى نَيْلِ ما أهْواه في الدهرِ ذُو بُخْلِ
فيا مَن له طبعٌ أرَقُّ من الصَّبالقد ساءَني ما قد لَقِيتَ من العَذْلِ
فلا تسْتمِعْ قولاً لِواشٍ وناصِحٍولا تَرْعَوِي عن حُبِّ ذِي الأعْيُنِ النُّجْلِ
فما أنتَ في حُبِّ الْجَآذِرِ أوَّلاًأشَاعَ الهوى أسْرارَه يا أخا الفَضْلِ
بِذا قد قضَى شَرْعُ الغَرامِ بأهْلِهفنصْبرُ في حُكْمِ الغرامِ على القَتْلِ
إذا ما رَنَا مَن يُشْبِهُ الظَّبْيَ لَفْتَةًومَاسَ كغُصْنٍ فوق دِعْصٍ من الرَّمْلِ
وأظْهَر وَرْداً في شَقائِقِ خَدِّهوسار يجُرُّ الذَّيْلَ تِيهاً على مَهْلِ
وفاح شَذَا مِسْكٍ على الْخَالِ عَمَّهُمَحاسِنُ أوْصافٍ تَجِلُّ عن المِثْلِ
وأبْسَمَ عن دُرٍ تنظَّم في طُلىًألَذُّ وأحْلَى رَشْفُها من جَنَى النَّحْلِ
فأيُّ فُؤادٍ ليس يصْبُو لِحُسْنِهويشْتاق من ذاك الغَزالِ إلى الوَصْلِ
ألا أيُّها العُذَّالُ إنَّ بَنِي الهَوىرَأُوا اللَّوْمَ في حُبِّ الحِسانِ من الجهلِ
ففي مَعْرَكِ الأحْداقِ والمُهَج انْظُرواولُومُوا ولِجُّوا بعد ذلك في العَذْلِ
تَبارَك مَن حَبَّ الجمالَ وأهْلَهومَن خلَق الإنْسانَ في أحْسَن الشَّكْلِ
إليك أخا الأفْضالِ سارتْ شَقائقٌمُداعِبَةٌ تَرُوْيِك بالجِدِّ والهَزْلِ
فكُن فاتِحاً بابَ الرِّضَا لقبولهاوأصْلِحْ مَعانيها من القولِ والفِعْلِ
ودُمْتَ قَرِيرَ العَيْنِ في حِفْظِ ربِّناونَسْمعُ ما تَرْوِي ونكتُب ما تُمْلِي

فكتب إليه مجيباً:

يا أحمداً حاز المَكارمَ كُلَّهاويا فاضلاً مِن دونِه كُلُّ ذِي فَضْلِ
ويا ماجداً يسْمُو على كلِّ ماجدٍويا مَن غدَا في الفَضْلِ مُمْتنِعَ المِثْلِ
ويا نَجْلَ مَكِّيِّ الهُمامِ الذي لهفضائلُ إنْ أعْدَدْتُها فهْي كالوَبْلِ
على كلِّ حالٍ لستُ أُحْصِي ثَناكُماولكنَّ بعضَ القولِ يكفي عن الكُلِّ
بنفسِي أُفَدِّي منك لَفْظاً كلُؤْلُؤٍوشِعْراً رقيقاً صار ذِكْراه لي نَقْلِي
بعثْتَ بِخَوْدٍ يُخْجل البدرَ حُسْنُهاعَقِيلةَ أتْرابٍ بها صِرْتُ ذا شُغْلِ
سُلافِيَّةُ الألْفاظِ شَمْسيَّةُ السَّنَامُدامِيَّةُ الأَلْمَى لحالش الشَجِي تُمْلِي
فأفْرشْتُها خَدِّي وأوْسَدْتها يَدِيوصيَّرْتُها مِنِّي بمنزلةِ الخِلِّ
وبِتُّ أُعاطِيها ثَنايَ مُعظِّماعليْك وجادتْ عند ذلك بالوَصْلِ
وقبَّلْتُها ألْفاً وضِعْفَهافحيَّاك ربُّ العرشِ يا زَاكِيَ الأصْلِ
ذكرتُ بها عهدَ الصَّبابةِ والهوىوكنتُ تَناسيْتُ المَحبَّةَ بالفِعْلِ
زَهَتْ بك يا قُسَّ الفصاحةِ طَيْبَةٌفدُمْتُ قَرِيرَ العيْنِ مُجْتمِعَ الشَّمْلِ
وقد زُرْتَ عَبْداً صادقاً في وِدادِهِوشأنُ المَوالِي هكذا يا مُنَى السُّؤْلِ
ولكنْ على حَظّي العِتابُ فإنهعلى جَمْعِ شَمْلِي بالأحِبَّةِ ذُو بُخْلِ
وأعْلَمتْنِي أن قد شَفِقْتَ عليَّ مِنمَقالةِ عُذَّالٍ وليسوا ذَوِي عَدْلِ
أبُثُّك حَالِي يا أخا الوُدِّ والوفاوَدَهْرِيَ أشْكُو وهْو منِّيَ في حِلِّ
رَمانِي زماني بالصَّبابة والهوىوذلك تقْديرُ الذي جَلَّ عن مِثْلِ
وقد كان ظنِّي الوصلُ مِن فَاتِنِي الذيتحكَّم في بعضِي هَواه وفي كُلِّي
فعامَلنِي من غَيْرِ ذنبٍ بهَجْرِهفيا سيِّدي هل يستحقُّ الجَفَا مِثْلِي
فمِن أجْلِ ذا قد ضاق صَدْرِيَ منهمُولم أتَجَرَّعْ بعدَ ذا غُصَصَ العَذْلِ
على أنني لا أرْتضي الذُّلَّ في الهوىوإن كان أَوْلَى لي التَّحَمُّلُ للِذُّلِّ
ولكنْ أمَرْتَ العبدَ يصْبِرُ للْقضَافصَبْراً على أحْكامِ ذي الأعْيُنِ النُّجْلِ
ودُمْ راقياً أَوْجَ الفضائلِ باقياًوتخْدُمك العَلْياءُ في الجِدِّ والهَزْلِ

ومما وقفت عليه، معزواً إليه قوله:

إيَّاك والبَغْيَ لا تَرْضَى به أبداًواتْرُكْ هوَى النفسِ تنْجُو مِن بَلا عَادِ
وكُن بنفسِك مشْغولاً تُهذِّبُهافالنفسُ أعْدَى عَدُوٍ ذاتُ إفْسادِ
ولا تكُنْ بمَساوِي الناسِ مُشْتغِلاًوراقِبِ الناسَ في خافٍ وفي بَادِي
قد قال واصفُهم حَقّاً أخُو فِطَنٍممَّن يُجِيد فَصِيحَ النُّطْقِ بالضَّادِ
الناسُ أحْلامُهم شَتَّى وإن جُبِلواعلى تَشابُهِ أرْواحٍ وأجْسادِ
للخيرِ والشَّرِّ أهلٌ وُكِّلُوا بهماكلٌّ له مِن دَواعِي نَفْسِه هَادِي
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقوله:

في طَيْبةَ كان لنا صاحبٌتظنُّه النفسُ شَقِيقاً لَهَا
مَنَحْتُه صَفْوةَ الإخَأوخِلتُه يمنَحُ أمْثالَهَا
فقابَل الوُدَّ بهَجْرٍ بلادَاعٍ له تُوِب فَتْح اللَّهَا
وكم عُقُودٍ للْوفَا بيْنناأطاع شانِينَا وقد حَلَّهَا
فقلتُ يا نفسُ دَعِيهِ فذَامثلُ الذي نقضَتْ غَزْلَهَا

أحمد بن محمد علي المدرس لقيته بدمشق في خدمة قاضي القدس المولى خليل أجل من ولي القضا، وأعظم من ينقضي الدهر وليس لمدحه انقضا.

وله عنده المنزلة المجلاة بالإنعام، والرتبة المشمولة بالإكرام بين الخاص والعام وكنت أعشق هذا الفاضل على السماع، فصغر الخبر الخبر به عند الاجتماع وطالما اقتطفت من أزاهر بستانه فاكهةً جنية، فتناولت الآن من صنعة بنانه تحفاً عن الإطراء في مدحها غنية.

وهو كما بلغني قد بلغ مبلغ الرجال، وهو في سن الأطفال، وتميز بين أقرانه بالمزية التي تستدعى لها الاعتناء والاحتفال.

بجدٍ لم يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، وجهدٍ لم يخل دقيقة ولا جليلةً إلا استقصاها.

وقد فرحت به فرحةً أنستني كل فرحة، وباعدت بيني وبين كل مساءة وترحة.

ثم اجتمعت به في القاهرة، فأشرقت علي بها فضائله الزاهرة.

وتحققت من وده حالاً لم يلحقها انتقال، ولم يشنها اختلال، وتألفاً هو الفعل لم يدخله من شوائب النقص اعتلال.

فالله يجعل تلك من الأحوال اللازمة، ويعصم هذا من الحروف الجازمة.

فمما تناولت من شعره قوله:

قَرِّبي الراحَ من حِمانَا وُدورِيبين غِيدٍ بها حِسَانٍ بُدورِ
قَرِّبيها فهْي الدواءُ لِما قدحلَّ من دَائها بجسْمي الأسيرِ
قَرِّبيها وخَلِّ عنك أُناساًحَرَّمُوها يا مُهْجةَ المسْرورِ
قَرِّبيها كالتِّبْرِ صفراءَ لَوْناًكاسُها كاللُّجيْنِ من بِلُّورِ

منها:

خمرة تترك الشحيحَ جَواداًباحْتِساها كحاتِم المشْهورِ

وقوله:

عَذهِّب بما شئْتَ أيُّها القمرْإلاَّ الْجَفاء والصُّدودَ يا عُمَرْ
مَن قد حَوى الماء في الخدودِ كذانار بأحْشَاي حين تسْتعِرْ
رُمْتُ سَلْوَى هواك يا أمَلِيمن أين للقلبِ عنك مُصْطَبرْ
أنت الذي كالسِّهامِ لَحْظُك قدرَمَى حَشايَ وما له وَتَرْ
بِنْتُ عن الرُّوح يا سِرَاجُ ضَنىًكأنني يا مَلِيكُ مُحْتَضَرْ
نَهَى عن الحبِّ عاذِلِي سَفَهاًفقلتُ ذا العَذْلُ يا فتى غَرَرْ
إنَّ حبيبي كالغُصْنِ قامتُهله ثَنَايا كأنها دُرَرْ
بدرٌ كمثْلِ المُدامِ رِيقتُهوالقلبُ قاسٍ كأنه حَجَرْ
يَسْبى البَرايَا بنثورِ طَلْعتِهوليس للخَصْرِ يَلْتقِي أثَرْ
بَلْبَلَ قلبي دَلالُه أبداًوذاكَ شرطٌ في العِشقِ مُعْتَبَرْ
كلَّمني طَرْفُهُ ومُقلتُهلذاكَ أصْمَى الحَشَا بها حَوَرْ
له كعَيْنٍ عَيْنٌ وحاجِبُهنُونٌ وَفَاهُ مِيمٌ سَيَنْتَظِرْ
نعيمُ دُنْيَايَ حُسْنُ صُورَتِهِفوَصْفُها صَاحِ ليس يَنْحَصِرْ
يَحارُ كُلٌّ في وَصْفِ خِلْقتِهوكم لَدَيْهِ محاسِنٌ أُخَرْ

وقوله ملتزماً واوين في أول البيت وآخره:

ووَادٍ به قد كان بالصَّحْبِ جَمْعُناولكنَّهم للقلب بالْبُعْدِ قد كَوَوْا
ووَقَّد نارِي هَجْرُهم وبِعادُهموللجسمِ منِّي يا خليليَ قد شوَوْا
ووَاحَسْرةَ العُذَّالِ إنّي أعُدُّهمْكلاباً فمنهم لا أُبالِي إذا عَوَوْا
ووَرْقاءِ دَوْحٍ قد أثارتْ تَشَوُّقِيتقوم بأحْشايَ وقلبِيَ قد ثَوَوْا
وَوْرِديَّةِ الخدَّيْنِ مَعْسولةِ اللَّمىوعُشَّاقُها للسُّقْم مَن صَدِّها حَوَوْا
ووَسْناءِ طَرْفٍ كالغُصونِ اهْتزازهاأسانيدُ عِلْم السِّحرِ عن طَرْفِها رَوَوْا
ووَجْنتها يحْكِي دموعي احْمِرارُهاورَضْوَى مع الأرْدافِ منها قد اسْتَوَوْا
وَاوات أصْداغٍ لها كعقاربٍوكم لَسعتْ قوماً على حُبِّها انْطَوَوْا
ووَالخَصْرِ منها ما تبدَّلْتُ غيرهاولم أَكُ من قومٍ لسُلْوانها نَوَوْا
ووُدِّي لها من قبل آدم ثابِتٌولستُ كأقْوام إلى غيرها هَوَوْا

وقد اقتفى أثر ابن زقاعة، في قوله:

ووَرْدِيِّ خَدٍ نَرْجِسيِّ لَواحِظٍمَشايخُ علم السِّحْرِ عن لَحْظِه رَوَوْا
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
ووضاوَاتُ صُدْغَيْهِ حَكيْن عقارِباًمن المسكِ فوق الجُلَّنارِ قد الءتوَوْا
ووَجْنتُهُ الحمرا تلوحُ كجمرةٍعليها قلوبُ العاشِقين قد انكَوَوْا
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «ووردي خد نرجسي لواحظ»
ووُدِّي له باقٍ ولستُ بسامعٍلقَوْلِ حَسُودٍ والعواذِلُ قد عَوَوْا
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «ووردي خد نرجسي لواحظ»
ووَاللهِ لا أسْلو ولو صرْتُ رِمَّةًوكيف وأحْشايَ على حبِّه انطْوَوْا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.