من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السابع في غرائب نبهاء مصر (٣)
وله:
زارَنا الوَرْدُ في أسَرِّ زَمانٍفقَرَيْناه بابْنةِ الزَّرْجُونِ
وبُعَيْدَ الرَّبيعِ أطْفالُ نَوْرٍلَعِبت والخيولُ قُضْبُ غُصونِ
وله مضمنا، فيمن علق على جبينه باقة نرجس:
على وَجْه من أحْبَبْتُ أبْصَرْتُ نَرْجِساًغدا بَاهِتاً يرْنُو له بعُيونِهِ
فيا حَبَّذا بلدرٌ بقلبِيَ نازلٌكأنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقتْ في جَبِينِهِ
وله:
يا حابِسَ الكأسِ في يَدَيْهِأنْعِمْ بِرَدٍ لِشارِبِيهَا
فَحَبْسُها في يدَيْك ظُلْمٌشَيَّبَ رأسَ الحَبابِ فِيهَا
وله:
حُسْنُ لِباسِ الفتى يدُلُّ علىمُروءَةٍ طَبْعُه بها زَاهِي
فبِزَّةُ المرءِ في تَجَمُّلِهِعليْه عُنْوانُ نِعمةِ اللهِ
وله:
تَوَقَّ السُّؤالَ إذا ما حَجَجْتَوفي جامعٍ تعْبدُ اللهَ فِيهِ
فمَن يسْألِ الناسَ عند الكريمِسواءٌ لَديْه ومَن يشْتكِيهِ
وله:
لمَّا رأيتُ الوزيرَ بالدُّنْيَاأجْمَعِها قام وهْو حَاوِيهَا
عَرفتُ أن الدنيا تقومُ علىقَرْنٍ لِثَوْرٍ بإذْن بَارِيهَا
وله:
مَدحْتُه يوماً فنِلْتُ الغِنَىبالوعدِ والإحْسانِ مِن فِيهِ
فقال لي لمَّا تَقاضَيْتُهكِذْبٌ بكِذْبٍ لا رِبَا فِيهِ
وله:
مَنْزِلٌ ضَيِّقٌ ولا حُسْنَ فيهغيرُ تَهْوِينِ ضِيقِ قَبْرٍ كَرِيهِ
مثل حَبْسِ الأرْحامِ مَن يَنْجُ منهما رأيْناه قَطُّ يدخلُ فِيهِ
وله:
قدَّر اللهُ أن أعِيشَ فريداًفي ديارٍ أُساقُ كَرْهاً إليْهَا
وبقلْبِي مُخَدَّراتُ مَعانٍأُنْزِلَتْ آيةُ الحِجابِ عليْهَا
وله:
كلُّ الورى جُرْدٌ سَلُوقيَّةٌلِصَيْدِ رِزْقٍ أبداً تَنْوِي
ووثْبةُ الأرْنَبِ كم خَلَّفتْكَلْباً على حِرْمانِه يَعْوِي
وله:
مَوْلىً إذا ما جئْتُ أبْوابَهُوفَضْلُه أصْبح لي دَاعِيَا
ظَلَّ أميرُ الشَّوْقِ لي آمِراًوحاجبُ الْهَيْبةِ لي ناهِيَا
وله:
أتَيْتُك يا مَوْلايَ أبْغِي زيارةًتسُرُّ على رَغْمِ الأعادِي الأمانِيَا
فإن كنتَ لم تُصْبِحْ لِيَ اليومَ آذِناًفقد أذِنَتْ لي هِمَّتِي بارْتِحالِيَا
وله:
دَارِ الْبَرِيَّةَ إن تُرِدْشَرَفاً ودَعْ عنك الْحَيَا
إن الرِّياسةَ كاسْمِهافاسْمَعْ أوائِلُها رِيَا
ومن مفرداته التي أجراها مجرى الأمثال:
دَارِ الأنامَ صغيرَهم وكبيرَهممَن لم يُدارِ المُشْطَ ينْتِفْ لِحْيَتَهْ
أرْسِلْ إذا أرْسلْتَ خِلاَّ حاذِقاًإنَّ الرسولَ تُرْجُمانُ العَقْلِ
يَطِيبُ عَيْشُ المرءِ في حَيِّهِإن ترك التَّدْبيرَ والإخْتيارَا
مَن يتَّبِعْ رَأيَ الأمانِيلم يَنْجُ مِن مَطْلِ التَّوانِي
كفَى ناظِراً للعَبْدِ أنَّ عَدُوَّهُيكون على حالٍ بها يَغْضَبُ الرَّبُّ
مَن يَزْنِ في حُلْمٍ يكُنْ جَزاؤُهفي حُكْمِ أهل الشَّرْعِ يُجْلَد ظِلُّهُ
كلُّ الورى صائدٌ ولكنْيختلفُ الفَخُّ والشِّباكًُ
البَيْعُ بالنَّقْدِ خيرٌوأوَّلُ السَّوْمِ رِبْحُ
كم ناصحٍ وصَف الطريقَ لِمُدلِجٍويَنامُ عن سَنَنِ الطَّريقِ الواضِحِ
ومن يقعُدْ على طُرُقِ الْقوافِيتَمُرُّ عليه قافيةُ الهِجاءِ
لا تكُن مُمْسِكاً حَبابَ رَجاءٍفالأمانِي بَضَائِعُ الْحَمْقَى
ولا خيرَ في مُلْكٍ بغيرِ مُدَبِّرٍتفرَّقت الأغنامُ إذْ ذَهَب الرَّاعِي
تَسْبيحُ عِلْقٍ زارَهُ لائِطٌأبْرَدُ أم سَجَّادةُ الزَّانِيَهْ
كلُّ مَن قَصَّر عَمَّانالَه الناسُ يَعِيبُهْ
ما يطلُب المرءُ بغيرِ حاجةٍتدعُو إليها الحالُ فَقْرٌ حاضِرُ
بلُحومِ الأنامِ مَن يتغَذَّىذاق جُوعاً من النَّدَى والمَعالِي
إذا ما تَّيسعَ الخَرْقُفأعْطِ الثَّوبَ رَافِيهِ
يروغُ في مِشْيةٍ ثَعْلَبٌولو مَشى في رَبَضٍ خَالِي
إن لم يكُنْ في منزلٍ مُؤْنِسٌما الفَرْقُ بين البيتِ والقَبْرِ
أيها النَّافخُ يبْغِي أنَّهيُطْفِىءُ الشمسَ لقد أتْعَبْتَ فَاكَا
لسانُ كلِّ عاقلٍ في قلبِهوقلبُ كلِّ جاهلٍ في فِيهِ
إن نصَحْتَ الصديقَ فانْصَحْه سِرّاًكلُّ نُصْحٍ بين المَلاَ تَقْرِيعُ
يا مَن سقَى مِن حَنْظَل عَسَلاًأرَقْتَ في غيرِ طائلٍ عَسَلَكْ
مَن صحِب الدهرَ طُولَ عُمْرِهْلم يَخْلُ من خَيْرِه وشَرِّهْ
إذا كنتَ في بَلْدِةٍ لم تُرِدْمُقامَك فيها فأنتَ الأسيرُ
مَن لا له حَبِيبُفإنَّه غَرِيبُ
خيرُ السِّلاح ما وَقَىإن الرشادَ في التُّقَى
إنما أشْتَهي لقاءَ حَبِيبٍأو لبيبٍ يشْفي الفؤادَ كلامُهْ
قيل لا جُهْدَ بَلاءٍ نازلٍمثلُ جارِ السُّوءِ في دارِ المُقامَهْ
مَن يُهْدِ للناسِ ثمارَ الغنَىأهْدَوْا إليه ثَمَرَ الشكرِ
إنَّ رِضَا المرءِ على نفسِهِدليلُ سُخْطِ الخَلْقِ والخالقِ
وإذا ما كنتَ يوماً مُخْطِئاًفاعْتِرافٌ بالْخَطَا عَيْنُ الرِّضَأ
ربما كان سارقانِ على المْالِ حَفِيظانِ مثلَ رَبِّ المْالِ
مِن أفضلِ التَّصدُّقاتِ بِرَّاجُهْدُ مُقِلٍ لفقِيرٍ سَرَّا
لقد قيل إن الكبرَ والعُجْبَ مِحْنَةٌوذاك بَلاءٌ ليس يرحمُ صاحِبَهْ
إذا جاد لْلقوم رَبُّ الطعامفماذا يكونُ امْتنانُ الطُّفَيْلِي
قل لِمَن في الخيْر أبْدَى جُهْدَهُالضِّمارُ اليومَ والسَّبْقُ غَدَا
إن لم يكنْ بين القلوبِ تجاوُزٌكان الجِوارُ قَرَابةَ الْحِيطانِ
لا تَصْحبنْ إلاَّ امْرَءاً عاقلاًينفع في الدنيا وفي الآخِرهْ
رحم الله صاحباً لِيَ أهْدَىعَيْبَ نَفْسي قد كنتُ لستُ أَراهُ
ومن نوادره منظومته في الأمثال، سماها ريحانة الندمان.
منها:
مَن ينتسِبْ إلى العظيمِ عُظِّمَافالْجَأْ إلى اللهِ تكُن مُكَرَّمَا
تُصانُ عن كَسْرٍ وعن إمَالَهْمُجاوِراً سَعْداً وخيرَ حَالَهْ
ورُبّما يُكْسَر لْلجوارِويُؤْخَذُ الجارُ بظُلْمِ الْجارِ
في زمن فيه الفُحولُ صَرْعَىاسْتَنَّنتِ الفِصالُ حَتَّى القَرْعَى
خُذْ عِظةً من الزمانِ كم وَعَظْإن السعيدَ مَنْ بغيرهِ اتَّعظْ
ليس الغَنِي إلاَّ إذا صَفَا الكَدَرْهل ينظُر الغَرِيقُ في البحرِ الدُّرَرْ
فامْدَدْ على قَدْرِ الكِساءِ رِجْلَكَاواقْطَعْ على طُولِ القَوامِ ثَوْبَكَا
قد مات أمْسِ وتقَضَّى أمَدُهْواليومُ في النَّزْع ولم يُولَدْ غَدُهْ
اتْرُكْ فتىً أخلاقُه أخْلاقُدَواءُ ما لا تشْتهي الفِراقُ
كم آلِفٍ مَن لم يكُنْ قَرِينَهْضَرورةً كصُحْبةِ السَّفِينَهْ
مَن خطب الشَرَّ تزوَّج النَّدَمْويسْتوِي منه الوجودُ والعَدَمْ
مَن يزْرع العِتابَ يَحْصُدِ الفِراقْوغِيرةُ الْحَمْقاءِ مِفْتاحُ الطَّلاقْ
كم زارع لراقدٍ قد أكَلاَومُوقدٍ ناراً وغيرُه اصْطَلى
مَنْ مَوْتُه عِتْقٌ من الآفاتِفلْيُؤْثِرِ الموتَ على الحياةِ
ما الخَطْبُ إلاّ للجَلِيلِ طارِقُمِن الأعالي تنزلُ الصَّواعِقُ
مَن لا يَقِيكَ غائباً أُذْناهُليس تَراكَ شاهداً عَيْناهُ
وَسِّعْ عليك كلَّ شيءٍ يتَّسِعْفإنه مَن صَارعَ الدنيا صُرِعَ
قد يُنبِىءُ اللفظُ عن الضَّميرِواللَّحْظُ عن لَفْظٍ بلا تَعْبِيرِ
مَن نَفْسُه لِذلَّةٍ تُسلِّمُهْلا أكْرَم الرحمنُ مَ، يُكَرِّمُهْ
رِضَا الأنامِ غايةٌ لا تُدْرَكُأرْضِ الإله للسَّدادِ تَمْلِكُ
إنَّ اقْتنَاءَ المجدِ والمَناقِبِتكونُ في الصبرِ على العَواقِبِ
إنَّ المِزاح مُلْقِحُ الأضْغانِوكاسِفٌ مَهابةَ الإنْسانِ
فَضْلُ الأيادِي في النَّدَى قُروضُووُدُّها في شَرْعِه فُروض
لا يعدَمُ الكريمُ أن لا يُحْسَدَاوالمالُ مَكذوبٌ عليه أبَدَا
إذا تَلاقَى الخطْب والأقْدارُيصْطلِحُ الغَرِيقُ والتَّيَّارُ
يَتْعب مَن يُجاوِرُ الأعْلَى المَحَلَّأما تَرَى الْخَصْرَ النَّحِيلَ والكَفَلْ
ورُبَّ شِرِّيرٍ لِقَومٍ يُصْلِحُإنَّ الحديدَ بالحديدِ يُفْلَحُ
إنَّ الجبانَ حَتْفُه مِن فوقِهوالثَّوْرُ يحمى أنفَه برَوْقِهِ
لا يتْركُ الحزْمَ اللبيبُ الأكْيَسُأن تَرِدَ الماءَ بماءٍ أكْيَسُ
والْحِرْصُ في كلِّ زمانٍ عانِيوالحِرْصُ والحِرْمانُ تَوْءَمانِ
شَيبُ الشُّعورِ زُهْرُ النُّجومِتُنْبِتُه غمائمُ الغُمُومِ
إن لم يجُدْ بوَصْلِه الحبيبُاصْطَلح العاشقُ والرَّقيبُ
أعْطِ أخاك إن قَدَرْتَ تَمْرَهْفإن أبى قبولَها فَجَمْرَهْ
تُؤدِّب الأشْرافُ بالهجْرانِولم تُؤدِّبْ قطُّ بالحرْمانش
لا تصْحبِ المجْدُودَ بعد الْياسِفرُبَّما أعْداك بالإفْلاسِ
السادات البكرية سادات الوجود، وأولياء النعم الذين عرفوا بالكرم والجود.
بيتٌ كبيت العتيق يزوره من لبى وأحرم، ومن نال لثم عتبة بابه فقد ظفر بالحجر المكرم.
ثبتت أوتاده وأطناهب، ووصلت بأسباب السماء أسبابه.
لا زحاف فيه إلا في بيوت حساده، ولا يطأ إلا على رقاب أضداده.
حرمٌ آمن ليس للحوادث عليه هجوم، ولا لشياطين البغي فيه استراقٌ فلذا تستريح شهبه من الرجوم.
فهو نور الكون قبل أن يخلق النيران، وقطب الدائرة قبل أن تؤمر الأفلاك بالدوران.
خالصة الله من عباده أهل الصلاح، وتراب نعالهم كحلٌ لعيون أهل الفلاح.
ما منهم إلا فتىً لثوب العز ساحب، وللوقار من الصبا مصاحب، فإذا استوى على كرسيه فملكٌ عليه من المهابة قبل الحاجب حاجب.
بحاارٌ ظمت وعلت القلل متعهدة صوب العهاد، فتوارت البحار خجلاً منها في منخفض الوهاد.
ففي جيد الدهر من مدائحهم عقودٌ وقلائد، ليس إلا كلماتها شذرات وقوافيها فوائد.
فمنهم: أحمد بن زين العابدين شهاب أفقهم الثاقب، الكثير المآثر والمناقب.
رايات مشاهده على الآفاق مجلوة، وآياتٌ محامده بألسنة الإطلاق متلوة.
فما فتحت المحابر أفواهها إلا لتنطق ألسنة الأقلام بما مدحته به الأنام، ولا حبر الحبر بياض العطروس بسواد السطور إلا ليشير إلى أن من جملة خدمه الليالي والأيام.
إذا بدا للعيون أدهشها عن التملي حجابه المنيع، وإذا قابله الورد احمرت خدوده إذ أخجل الروض منه الصنيع.
وقد عودته بسط الكف فواصله، فلو أراد قبضها لم تجبه أنامله.
محاسن شيمه خلفها المعالي تسير، ومواطىء هممه كف الثريا إليها تشير.
وإذا رقَى نَجْدَ المعالِي وَاطِئاًثَهْلان مَجْدٍ في ذَرَاهُ فارِعَا
لم يَحْكِه شَرَفاً ولا ظِلٌّ لهفلذا يُعَفِّر منه خَدَّا ضَارِعَا
وكان يسير سيل الملوك، ويقلد من الترفة بأزهى السلوك.
في عزةٍ أشهر من مثل، وعن الملوك فلا تسل.
وقد ولي قضاء مكة فانضم إلى كعبتها كعبة، وبسط يده في المواهب حتى صير كعباً لا يبلغ في الجود كعبه.
فلا ينتهي من محمدةٍ حتى تكل الخواطر، ولا يرجع عن مأثرةٍ حتى تنقطع عن السير المطي الخواطر.
وهو في الأدب روض توشى ببرده الأخضر من نباته، ونظم النوار قلائده من جيد الجداول في لباته.
وله أشعارٌ أنسق من لؤلؤ المزن في فم الأقاح، وأعبق من عبير ورد الخدود والتفاح.
فدونك منها ما يسحب به الأدب ذيولا، وتأمن زهرات رونقه تغيراً وذبولا.
فمنه قوله:
صَبٌّ جَفاهُ هجُوعُهوالآن زاد وُلُوعُهُ
كتمَ الهوَى عن قَوْمِهِفوَشَتْ عليه دُموعُهُ
قالوا الحبيبُ مُمََّنعٌأحْلَى الهوى مَمْنُوعُهُ
لو ذاق رَضْوَى بعضَ مايَلْقَى لَذابَ جميعُهُ
فهو القتيلُ بحُبِّهمُلْقَى الغرامِ صَرِيعُهُ
شيخُ الهوى بل كَهْلُهبل طِفْلُه ورَضِيعُهُ
وقوله:
وحَقِّ حُمْرةِ خَدٍتُثِير بالقلبِ حُمْرَهْ
تُطْفي لخَمْرةِ ثَغْرٍبيْضاء في الكأسِ خُمرَهْ
تجْلل لخَمْرةِ فضلٍتُزِيلُ بالشُّرْبِ خَمْرَهْ
ومن ألغازه:
غَزالةٌ في بُرْدِها رافِلَهْتقْتنِصُ الأُسْدَ مِن القافلَهْ
في حَرَمِ الأمْنِ وقد خِلتُهاقائمةً بالفَرْضِ وبالنَّافِلَهْ
قلتُ لها: رِقِّي، فقالت لِمَنْكأنها عن مَطْلَبِي غافِلَهْ
ثم انْثَنتْ تُلْغِز لي باسْمِهالُغْزاً به أفكارُنا كافِلَهْ
ما اسمٌ خُماسِيٌّ وتصْحِيفُهشِبْهُ بُدورٍ لم تكنْ آفِلَهْ
في سُنَّةِ المُختارِ خيرِ الورىبَيانُه وهْي له شامِلَهْ
في سِنَةٍ نَبَّهَ مُسْتيقِظاًوإن تَشَا في سَنَةٍ كامِلَهْ
ومن نثره جواب لغزٍ في حوراء: أجدت أيها الجهبذ الهمام، وحليت بجواهر زواهر الدرر أجياد الكرام.
واستجليت على منصة فكرتك حوراء الجنان، واستخليت بها في المقاصير الحسان.
فافتر ثغر حنكها للقياك، وروت لك رواية بشرٍ عن الضحاك.
فصابح الله صباحة وجهك بوجهها الحسن، ولا زالت تخدمك المعالي بأنضر فنن.
وله في أشهب، كتبه إلى ابن عمه الوارثي، وكان مالكياً: ما علمٌ مفرد مركب، وضع لحيوانٍ يركب؟ إن رفعت رأس زمامه، دل على اسم جمعٍ ناريٍ في التزامه.
وإن أتيت برأسه إلى أقدامه، فاستعذ بالله من سهامه.
مع أنه على حقيقة الانفراد، إمامٌ تزيد فيه اعتقاد.
وتقتدي بأمره ونهيه وعدله، وقد أقر العلماء بفضله.
خصوصاً أهل مذهبكم الشريف، ولا يحتاج إلى تعريف.
وله جواب لغزٍ أرسله إليه الوارثي: بقيت أيها العلامة المصون بلفظ الخالق، تكتحل بإثمد مدادك المكنون عيون الحقائق.
وتسعى لديك جواريها جارية ولو جازت قصبات السبق، مطيعةً لأمرك في حالها وماضيها ومضارعها لاستقبال الحق.
ينتظم منثورها لديك انتظام العقود، ويتشعب أريضها تشعب المغايرة في منهلها المورود.
لأنك الفرد الذي زاد الله شرفه، ورقى في مراقي الكمال شرفه.
وكتب إليه: ما قولكم في حرامٍ ورد بالنص، وهو حلالٌ لكل شخص.
ومن أعجب العجاب، أن تفتخ به أولو الألباب.
نزلت في شأنه آياتٌ بينات، وأقيم بوجه الحرمة فيه دلائل واضحات.
ولا حد على من قال بحله، مع أن حده ثابتٌ بصحيح نقله.
شهدت بتحريمه علماء الملل، واعترفوا بالحل ولا زلل.
إن حذفت آخره تراه من الأوتاد، ويطلبه الزهاد والعباد.
فأجابه بقوله:
دُمْتَ مولايَ بالمَعارِفِ تُولِيصَحْبَك الفضلَ في بديعِ الكلامِ
وعجيبٌ في النَّصِّ شيءٌ حَرامٌوهو حِلٌّ وواجِبٌ في الحَرَامِ
وهو في الْحَدِّ قائمٌ حيث يَحْمِيكلَّ مَن جاءَه لِحْفظِ الذِّمامِ
هو بالنَّصِّ جائزٌ وحَرامٌبل وحَاوٍ لسائِرِ الأحْكامِ
وهو أيْضاً حقيقةٌ ومَجازٌوطريقٌ لَنْيلْ كلِّ مَرامِ
فيه أيضاً ثَوابُ سَاعٍ إليهِبل وفيه وَسِيلةُ الإسْلامِ
هَبْكَ بالقلْبِ تُخْلِصُ الوُدَّ فيههو نزْرٌ فيما له من مُقامِ
أخوه: الأستاذ محمد صاحب الحال والقال، ومن أعجز بوصفه فصحاء المقال.
فهو معدن الفضل الذي خلص عياره، وبحر العلم الذي لا يقتحم بسفن الأفكار تياره.
خلق كما أرادته معاليه، وتمنته أيامه ولياليه.
فلو صور نفسه في الوجود، لم يزْدها على ما فيه من الكرم والجود.
فاشتهر شهرة الفجر الصادق في الظلام، وجده أبي بكر الصديق في أهل الإسلام.
وهو خليفة الذي أسرع الأجواد لمحالفته ولم يستقم أمر خلافته مع مخالفته.
فما انقطعت الأقلام في خدمة باريها إلا طمعاً في جنات مدحه فواظبت على الخمس، ولا رأى الهلال ما في نفسه من العوج إلا قال اعتذاراً له من أين لي وصولٌ إلى مطلع الشمس.
على أن رأس الشمس شاب لانتظاره، والأنجم كلها مقلٌ منتظرةً لمحةً من أنظاره.
وكان له نوادٍ غاصة، ومجالس عامة وخاصة.
يستخلص فيها من رقت طباعه، وامتد فيما يليق بمكالمته باعه.
فيصفي ألبابهم بمحصول خيره، ويسكن قلوبهم بيمن طيره، ويغنيهم ما عاشوا عن مخالطة غيره.
في حضرةٍ تستنطق محاسنها الخرس، ونازلها متهيءٌ من موسمٍ إلى عرس.
يتنسم في الطلوع والعبو عن عبير، ويثني المعاطف من الحبور في حبير.
الرَّوضُ ما قد قِيلَ في أيَّامِهلا أنَّه وَرْدٌ ولا نَسْرِينُ
والمِسْكُ ما لَثَم الثَّرَى مِن ذِكْرِهِلا أنَّ كلَّ قَرارةٍ دَارِينُ
فامتلأت أرجاء الوجود بأرج صفاته الملكية، وخضعت الصناديد الصيد لعتبة عزه الملكية.
وشدت فحول الرجال، نحو سدته الرحال، وكحلت بثراه أعينها بلا منة الكحل والكحال.
وأصبح للآمال ركناً ركيناً، وكهفاً تأوي إليه العفاة مسكينا.
في خِلْعةِ الزَّاهِي لِمَن شامَهُصَحِيفَةٌ عُنْوانُها البِشْرُ
بطَلْعةٍ تمتْلِي العَيْنُ مِنإجْلالِها والقلبُ والصدرُ
وكان في الأدب ممن سلم له المقاد، وله شعرٌ سلم من النقد فإن قائله أنقد النقاد.
إذا ما قال شِعْراً تَاهَ عُجْباًبه بين الخَلِيقةِ كلُّ شِعْرِ
ولِلأْقلامِ كم قَصَباتِ سَبْقٍحَواها في الرِّهان بيَوْمِ فَخْرِ
فلم تُدْرِكْ غُباراً منه عَيْنٌولم تَلْحَقْ به خَطَواتُ فِكْرِ
فمن شعره قوله، من قصيدة أرسلها إلى شيخ الإسلام يحيى المنقاري، أولها:
أمِسْكيَّةُ الأنْفاسِ أم عَبْقَةُ النَّدِّوناسِمةُ الأزْهارِ أم نَفْحَةُ الوَرْدِ
ونَشْوانةُ الألْحاظِ أم رِئْم حاجِرٍوثَغْرُ الْقَوافِي الزُّهْرِ أم لُؤْلُؤُ العِقْدِ
ومائِسَةُ الأعْطافِ أم خُوطُ بَانَةٍووَجْهُ الذي أهْواهُ أم قَمَرُ السَّعْدِ
أعَزُّ بني الْعَلْياءِ قَدْراً ورِفْعةًومَن فرَعَ الشَّمَّاءَ مِن رُتْبةِ المَجْدِ
ومُقْتَعِدٌ مِن صَهْوةِ المجدِ سَابِقاًإذا ما دَنَا حَدُّ المُطَهَّمةِ الْجُرْدِ
ومُعْتقِلٌ لِلْعِزِّ صَعْدَة عَزْمِةٍأنَابِيبُها رَعَّافةٌ بِدَمِ الأُسْدِ
ومُرْسِلُ أرْسالِ العَطايَا مُبارِياًبأيْسَرَها وُطْفَ الغمائِم في الرِّفْدِ
أيا مُفْتِيَ السُّلْطانِ إنَّك واحدٌكَمالاً وهذا لستُ أشْهدُه وَحْدِي
وأنت ومَ يَهْواك في ذِرْوةِ الْعُلَىبفَخْرٍ ومن يَشْناكَ في وَهْدةِ الطَّرْدِ
وإنَّك والرحمنِ حِلْفَةَ صَادِقٍلأمْثَلُ مَن أُهْدِي له دُرَرَ الْحَمْدِ
فلا زال أهْل العلمِ يَحْيا بفَرْعِكُمبفْضلِ إلهٍ فَيْضُه زادَ عن حَدِّ
رعَى اللهُ أيَّاماً مَضَيْنَ كأنَّنابها قد غَنِمْنا العَيْشَ في جَنَّةِ الخُلْدِ
تولَّيْتَ فيها مصرَ تُوسِعُ أهْلَهانَوالاً يفُوق النِّيل في وَاسِعِ المَدِّ
وعَزَّزْتَ فيها الشَّرْعَ آيةَ عِزَّةٍبحَدِّ حُسامٍ سُلَّ بالعِزِّ عن حَدِّ
فيا مَن له وُدِّي من الناسِ كُلِّهمومَن هو لي من بَيْنهم غايةُ القَصْدِ
ومَن صِرْتُ في مَدْحِي عُلاهُ كأنَّنيحَمامةُ جَرْعَا فَوْق مَيَّالَةِ المُلْدِ
على أنَّني ما فُهْتُ يوماً لِماجِدٍسِواه بشِعْرٍ لا بقُرْبٍ ولا بُعْدِ
ولكنْ دَعانِي الشَّوقُ لَبَّيْتُ دَاعِياًوهذا وما أُخْفِيه بعضُ الذي أُبْدِي
ألِيَّةَ مَحْنِيِّ الضُّلوعِ على الأَسَىتَحارُ الأُسَا فيما بَراهُ مِن الوَجْدِ
له زَفَراتٌ من فؤادٍ تضرَّمَتْبها نارُ شَوْقٍ دُونَها النارُ في الوَقْدِ
لأَنْت الذي ما حَلَّ في القلبِ غيرُهولا حَال حالِي فيه عن ذلك الْعَهْدِ
ولم تَرَ عَيْنِي مثلَه بَعْدَه وهليَمِيلُ إلى غَوْرٍ فتىً عاش في نَجْدِ
وأعقبها بنثرٍ، صورته: اللهم إني أسألك بأسرار التنزيل التي فاقت البحر والنهر، ويسرت بمعالم تنزيلها المدارك لتسهيل السبيل كل سؤدد وفخر.
وقضيت بكشف معارفها عن كشاف عوارفها لمن أصبح عادلاً وابن عادل، فما أفتى مفتٍ إلا وانفهق من من قلبه ينبوع الحياة وحصل منه الكمال بكمال الفضائل.
وما أعرب عما أغرب بباسقات تبيانه إلا وكان الدر المنثور، وما أطنب بكل كلامٍ أطيب إلا بفتح الرحمن الكفيل له بتيسير الأمور.
أن تمد حضرة مولانا شيخ الإسلام، الذي أحيى الله تعالى بوجوده مآثر العلماء الأعلام.
نخبة أرباب العلوم، والمحلى لجيد الدهر بقلائد المنثور والمنظوم.
صاحب المقامات الحسنة في ترغيبه وترهيبه من فعله الحسن، بادي الإرشاد بتنبيه الغافلين فيما ظهر وبطن.
فالدرر المنيرة من مواهبه اللدنية، المتفق عند الثقاة على دلائله منهاج التوضيح من فتح رب البرية.
ما اختلف في فضله اثنان، بل ائتلف على حبه كل إنسان.
مرسل أوصافه مسلسلٌ بكل كمال، وحديث أفضاله متصلٌ بالخبر في الغدو والآصال.
ضياء مشكاة أفكاره مشارق الأنوار، ومصابيح آرائه مضيئةٌ بالعشي والإبكار، بتنوير الأبصار والبصائر، المختار من خلاصة أهل العناية فلا أشباه له ولا نظائر.
فالدر والغرر من كنز بحر علمه الرائق، الجامع المحيط بما يقصر عنه نهر الحقائق.
الحائز من البداية أسرار الهداية، صدر الشريعة منشرحٌ بنقاية الوقاية وغاية النهاية.
تنقيح عباراته يبدي درر بحاره، وتوضيح تلويح إشاراته يهدي إلى الإسعاف بمنتقى اللطائف.
مجمع بحري العلم والعمل، ورمز الحقائق الموصل إلى خزانة الفقه بفيض الأزل.
فجامع الفتاوى يضيء من جوهره لبه المنير، وفتاوى ابن نجيمٍ من بياته برسم بنانه الكاشف عن سرة السرير.
منار الدين وصاحب الاستقصاء لفصول البدائع، بحر الأصول في المعقول والمنقول بل جمع الجوامع.
منهاجه قويم، ونهجه مستقيم.
وكيف لا وهو العضد وحاوي التحرير، أبكار أفكاره المستقصر من لب اللباب عند كل خبير.
فالنقود والردود من أبحاثه حاصله، ومرقاة الوصول لذي الأصول واصلة.
صاحب التمهيد والتجريد بالهداية إلى مواقف المقاصد، والمقامات العلية في آداب البحث لذوي العقائد.
فكم له من محاوراتٍ يحصل بها الشفا، لبيان حكمة العين ممن كان في غموضها على شفا.
قوي الطالع سامي العماد، سيدٌ في مطالع السعد على أولي الطوالع الأمجاد.
له المحاكمات الشمسية في تهذيب جميل الفرائد، المنتظمة في سلك تقرير الملخص للفوائد.
ذي المناهج الوافية بتحفة المودود، وطالع نظام السعد الذي هو أسنى المطالب في تحقيق المقصود.
عباراته الشافية مراح الأرواح، المشرقة بسناء الإيجاز التعريف الفائض للمصباح عز الموالي فالمنسوب إليه عزي الأفاضل، الآتي بما لم تأت به الأوائل.
لا غرو أنه مغني اللبيب، وتحفة الغريب.
ألفاظه الكافية في تسهيل الصلاة والعوائد، وموارده الصافية لكل وارد لتحصيل خلاصة القواعد.
ما قطر الندى إلا من بحر علمه البسيط، وجمع جوامع فوائده وافٍ محيط.
المنهل العذب لوارديه، والكافي الشافي لمريدي الارتشاف وطالبيه.
عصام الدنيا والدين، فوائده الضيائية عمدة أهل التمكين.
مجيب الندا لراجي همع عوارفه، ومجلي ظلمات الردى بإشراق نجمه السعيد في سماء معارفه.
عين أنموذج الكمالات، فكم أبدى كل ملحةٍ من عباب فكره الجامع لأشتات المكرمات.
عرائس أبار معانيه متحلية بشذور الذهب الخالص، المفضل بالدر النفيس الذي هو بعض ما فيه من الخصائص.
فما عقود الجمان لعروس الأفراح إلا كالمثل السائر، وما مصاح الإصباح على زهر الربيع إلا دون أسرار بلاغته في الضياء لكل ناظر.
فكل مطولٍ أو أطول في بيان فضائله مختصر، ودلائل شمائله لائحةٌ لكل منشٍ أراد الإطناب في مدحه البديع فاقتصر.
فما كل فصيحٍ وإن نطق بلسان العرب، وارتقى بمحاسن الصفات وتهذيب الأسماء واللغات أعلى مراتب الأدب، إلا قطرةٌ من عبابها الذي ليس له نهاية، وشذرةٌ من عقد صحاحها الجوهري اللامع سناؤه لأبصار ذوي الفضل والدراية.
ومجمل القول فيه أنه عين أرباب الفضائل، وتاج مصادر العرفان وصدر الأفاضل.
لا زال صاحب الحماسة والسماحة، وقوله المغرب في نقد الشعر المطرب مرجعاً لأهل البلاغة والفصاحة.
أما بعد؛ فإن الله تعالى ﷿ لما علم ما وهبكم من الكمالات السنية، واختار لكم من المقامات الزكية، خالط أرواح العلماء بمحبتكم، وجعل قوام أمزجتها مزيد مودتكم، حتى لقد كادت أشباحهم تسابق النسور إلى أعتاب عزتكم.
خدمةً ومحبةً، وتوجهات قلوبهم لم تزل ملازمةً لأبواب سعادتكم شغفاً ورغبة.
وعند المحب بما يعلم الله تعالى من الشوق، ما هو فوق الطوق.
ما هبت شمالٌ وصبا، إلا مال إليها وصبا.
على أن ملاك هذا الأمر كله سر التوالف بالعوارف المؤكدة، المشار إليها بقوله ﷺ: " الأرواح جنودٌ مجندة ".
ولده زين العابدين هذا الأستاذ في العباد، كمصر حرسها الله تعالى في البلاد.
فكما هي محتويةٌ على العالم الأكثر، فهو وله الفضل منطوٍ على العالم الأكبر.
وإذا حققت فما هي إلا عبارةٌ عن ناديه، وما أصابع نيلها إلا من فضل أياديه.
محامده تخلدها أقلام الأقدار، بمداد الليل في قرطاس النهار.
وترسمها حداة القطار، في مسالك الأقطار، وبتذهيب الأسفار.
وزمانه هدية الفلك، ولطفه ينبىء عن خلق الملك.
وناديه فائدة كل فؤاد، وجاره أمنع من جار أبي دؤاد.
ألسنة الثناء بفضله منطلقة، وأيدي الرجاء بحبله معتلقة.
وأياديه لا تزال تنشىء غض الأمل المقتبل، وأياديه عاليةٌ على الأيدي فلم يعلها من شيء إلا القبل.
فما قبلت له الأفواه كفاً، إلا لرؤيتها بحراً تطلب منه رشفا.
سقى اللهُ بَحْراً منه بالنَّيْل لم يزَلْيَفِيضُ لِرَاجِيةِ نَدىً ورَغائِبَا
وحَيَّي زماناً فيه غُرَّةُ وَجْهِهتَحيَّةَ صَوْبِ المُزْنِ يَرْوِي السَّحائبَا
وكان قبل أن يشرف الشام بحلول قدمه، ويحييها بيمن طالعه الذي أضحت سعود الفلك من جملة خدمه.
لم تزل أخباره حظ القلوب والمسامع، وآثاره حلية الأفواه ورونق المجامع.
فتشتاق النفوس إليه شوقه لإسداء الجميل، وتشتهي لقاه شهوته سبق عطائه التأميل.
إلى أن عزم على زيارة القدس الشريف، وحلها فكسا بقاعها حلة الابتهاج والتشريف.
ثم عن له النهوض إلى دمشق لرؤية معاهدها، والتملي حيناً بمشاهدة مشاهدها.
فجرت بهذا العزم ذيل الفرح، وتسربلت برداء الجذل والمرح.
وودت أن يركب النجم السيار، ويمتطي الفلك الدوار.
لتقرب حركته، وتعود عليها وعلى أهلها بركته.
فابتدرت الفصحاء من أهاليها، تخطبه بفرائد الآثار من لآليها.
وكنت ممن تطفل باستدعائه، وفكره مصروفٌ إلى ثنائه ودعائه.
فكتبت إليه، أسبغ الله نعمه عليه:
أوْرَتْ يدُ البَرْقِ في الرُّبَى زَنْدَافَمِجْمَرُ النَّوْرِ ضوَّع النَّدَّا
ونام مِن نَبْتِها رَضِيعُ نَدَىتهُزُّ أيْدِي الصَّبا له مَهْدَا
والطَّلُ في زَهْرةٍ يُضاحِكُهالآلِىءُ ضِمْنَ مُدْهَنٍ يَنْدَى
وجدولُ الماءِ في مُفاضَتِهِقد سَردتْ دِرْعَه الصَّبا سَرْدَا
وما أرتْنا الجِنانُ حُلَّتَهاحتى أرتْنا في جِيدِها عِقْدَا
فحبَّذا طَلْعةُ الربيع وقدألْبَست الأرضَ وَشْيَها بُرْدَا
وحبَّذا الشامُ أرضَ مُؤْتلَفٍتُنْبِتُ حُبَّ القلوب والوُدَّا
إن أهْدَتِ الوردَ زَاهياً خَدّاًأطْلَعتِ البَانَ مائِساً قَدَّا
من كلِّ قَيْدِ العيونِ مُمْتلِىءٍلُطْفاً عن النَّدِّ حُسْنُه نَدَّا
ترْتَع منه الأحْداقُ في نُزَهٍلا يبلُغُ الوصفُ ضَبْطَهَا عَدَّا
فانْتهِزِ العيشَ يا نديمُ فقدوفَتْ لك الشامُ بالمُنَى وَعْدَا
انْظُر ترى الوقتَ صافياً وعَلَىتَتِمَّةِ الحَظِّ آخِذاً عَهْدَا
ففي التَّباشِير أن يُزِّينَهازَيْنُ العبادِ الذي حَوَى المَجْدَا
أجَلُّ مَن ينطِق اللسانُ بهشُكْراً وأوْلَى كلِّ الورى حَمْدَا
قد اسْترَقَّ النُّهَى بأنْعُمِهِفكلُّ حُرٍ أضْحَى له عَبْدَا
ما حَلَّ إلاَّ حَلَّ النَّدَى معَهوأثمر الدهرُ للمُنَى سَعْدَا
مُذْ قِيل يَنْوِي للشَّامِ مُرْتَحَلاًكادتْ إليهِ تسْعَى بنا وَجْدَا
وهَيَّأتْ في الثَّرَى لِمَوْطِئِه الْأعْيُنُ فَرْشاً ومَرَّغَتْ خَدَّا
فكُلُّنا رامِقُ البَشِيرِ لكيْنَبْذُل أرْواحَنا له نَقْدَا
النور وهو منير، والماء وهو نمير.
والروض وهو ناضر، والسحاب وهو ماطر.
والمراد وهو مريع، والزمان وهو ربيع.
أمثالٌ أوردت وأشباه، والمقصود أنت بلا ريبٍ واشتباه.
أنتَ المُرادُ ولا مُرادَ سِواكَافجميعُ ما نَهْوَى يكون فِداكَا
فأما النور فنور وجهك المضيء، وأما الماء فماء رونقك الوضيء.
وأما الروض فروض شئيمك وأخلاقك، وأما السحاب فسحاب إنعامك وإغداقك.
وأما المراد فمراد جبرك الذي تنعطف إليه القلوب، وأما الزمان فزمان خيرك الذي يتم به المطلوب.
وإذا كنت والمُنَى فيكفما حاجةُ الورَى لْلأمانِي
وقد بلغنا خبر الحركة، المقرونة باليمن والبركة، فمرْحباً بالأماني والأمان، وسَقْياً ورَعْياً لهذا الزمان.
وذلك بمجرد بشارة، ومحض عبارةٍ في إشارة.
وأما خبر الوصول والحصول، فموجب الذهول للعقول، فلا ندري عنده ما نقول.
وبالجملة فحسبنا منك لحظة، ودعنا نوجم فلا نلفظ بلفظة.
فالله تعالى لا يحرمنا منها، ويصرف جميع العوائق والموانع عنها.
فلعمري إنها النعمة التي لا نقوم بشكرها، وما زلنا من حين الترعرع في طيب ذكرها.
والدعاء.
ثم ورد دمشق فدخلها في يومٍ أخذ زينته بزينه، ولم يبق ذو جسمٍ إلا والبشرى ملءُ قلبه والمهابة ملء عينه.
فأشرقت بنوره أرجاؤها، وامتد به أملها ورجاؤها.
وهرعت إليه أبناؤها من وجوه ناسها، يردون حضرةً احتوت من المحاسن على أنواعها وأجناسها.
فيتفاءلون بتلك الطلعة التي تقرأ منها نسخة الحسن، وتلمع في أساريرها أشعة النجاح واليمن.
فيبشرهم بابتسامه، قبل أن يبشرهم بكلامه.
ويحييهم بالنجح بإشارته، قبل أن يترجم لهم بعبارته.
فيشاهدون حظاً أقبل في معرض الكمال، وطالع سعدٍ قد طلع عليهم بنيل الآمال.
وكنت أنا ممن سارع إليه، أسرع من الكرم لطرفيه.
فاستخلصني لولائه اللازم واللازب، وربطني بإحسانه المتراكم المتراكب.
فما توانت لي في قصده مدة الإقامة قدم، ولم يعطل لي مذ شاهدته في ثنائه قلم.
وهو، حجب الله تعالى العيون عن كماله، وجعل اتفاق اليمن مقروناً بيمينه وانتظام الشمل معقوداً بشماله.
سَقانا به اللهُ وَبْل الْحَيافإنَّا إذا ما دَعَيْنَا سُقِينَا
ثم انصرف والأهواء معه، والثناء يملأ سمعه.
والأبصار على مرآه تزدحم، والأفواه على تقبيل يديه تقتحم.
فالله يعضده بتوفيقه، ويجعل السعد حزبه ورفيقه.
وقد وصلتني منه نسخة كتابٍ إثر وصوله، تقضيني الوفود عليه، والمثول لديه، وها هي:
هل تناسَى عَهْدَ المَودَّةِ أهْلُهُأو حَلِيفُ الجَوَى تَجافاه خِلُّهْ
والهوَى الكامِنُ الذي مَلَك اللُّبَّوما حالَ عن فؤادِي مَحَلهْ
أتُراه يَرْعى اللهُ طِيبَ عَهْدِ لَيالٍبحَبيبٍ يُجلُّنا ونُجِلهْ
ما أراها إلاّ كطَيْفِ خَيالٍمَرَّ بي مُسْرِعاً وما شِيمَ مِثْلُهْ
إن أبهى ما نطق به لسان اليراع، وأشهى ما تشنفت بدرره الأسماع، سلامٌ يخجل الربى في أويقات البكور، ويزري بما تحملته الصبا من نشر الزهور.
أرق من دمعة المشتاق، وأصفى من الصهباء بما تضمنه من مكارم الأخلاق.
وأشجى من لوعة العشاق، ريثما تطاولت الأعناق للعناق.
وتحياتٌ زكية، ومحبةٌ صادقةٌ صديقية.
أتحف بها ترجمان أهل الأدب، والبالغ أقصى غايات الكمالات في كل ما دأب.
المنطيق الذي أعجزت فصاحته كل لسن، ذا التحقيق الذي هو بكل براعةٍ قمن.
والذي يهدي برائع عبارته طيب الوصل بعد الهجران، ويلفى من براعاته روضاً أينعت منه الأزاهر بفينان وأفنان.
كأنما مخانق الدرر خلصت من ترائب الآرام فألقيت في حدائق محاوراته، والحور العين برزت في غرر تلميحاته بتلميحات مطارحاته.
لوذعي الفكرة الوقادة، ألمعي الفطنة المستجادة.
من فاق قساً وأعجز المتنبي، حبيبنا السيد أمين المحبي.
كان الله ظهيرا، وفي كل الأمور نصيرا.
وبعد: فإنا لله الحمد والثنا، في صحةٍ وعافية وأرغد عيشٍ وأهنا.
غير أنا ملوعوا الجوانح، متعلقةٌ آمالنا بالمطامع والمطامح.
لورودكم لهذه الديار، والتملي بطلعتكم الحميدة المرأى والآثار.
فنرجو من فيض فضل الله الغزير، أن يهيء لكم التأهب لهذه الديار إنه على كل شيء قدير.
فكتبت إلى جنابه:
كيف يَنْسَى عَهْدَ المَوَّدةِ خِلُّهْوهْو عن كلِّ ما سِوِى اللهِ شُغْلُهْ
يَرْتجِي به الرِّضا وحَقِيقٌبانْتماءٍ إليه يَنْجَحُ سُؤْلُهْ
يا رَعى اللهُ مَن بعَهْدِ هَواهُلِيَ منه الإسْعادُ والعِزُّ كُلهْ
بُغْيتِي منه أن أُمَرِّغَ خَدِّيبثَرَى نَعْلِه الرفيعِ مَحَلُّهْ
فإذا أسْعَفتْ حُظوظِي فمِثْلِيمَن يُباهِي الأيَّامَ بالفَضْلِ مِثْلُهْ
حضرة الأستاذ الذي حياتي بعهده مرتبطة، ونفسي بما يشتهيه مغتبطة.
إن لم أكن عنده، فقد استخلصني عبده.
فأنا أينما كنت، ما نقضت عهده ولا خنت.
نعم كان الواجب من رعى ذمته، أن أكون في بابه حليف خدمته.
فأسعى إلى سدته حبواً على القدم، وأستنهض في خطابه السان عوضاً عن القلم.
ثم لا أرضى له بباعي القصير، وعبارتي الموسومة بالعجز والتقصير.
حتى أكون استعرت ألسنةً تنطق حمداً وشكراً، واستنجدت أفئدةً توسع ثناءً وذكرا.
فكأن القول ذو سعة، والمغالاة هنا سنة متبعة.
وقد كان في حكم ما أولانيه الأستاذ من اعتنائه بشاني، واستدنائه لمكاني.
تبصراً منه بصلته، ورغبةً في مراعاة وصلته، أن أدع جميع المآرب جانبا، وأكون لجميع المشاهد سوى مشاهدته مجانبا.
لكن عدم الإمكان ثبطني عن هذا الغرض، وعاقني عن أداء هذا الواجب المفترض.
فأقمت معتكفاً على دعاءٍ أتخذه في أوقاتي ورداً، ولا أخلو من أماني لقاء الأستاذ التي أسقى بها على ظمأٍ بردا.
مقبلا بشفاه الأجفان مواطي نعاله، ذاكراً ما أسده لي من كرائم خصاله وجمائل فعاله.
وإذا لاحظت شخصه الممثل، وتصورت وده الموثل، أستقيم وأنحني، وأذكر أيام الحمى ثم أنثني.
وكانت لي حاجةٌ في ذمة زماني، ومأربةٌ بقيت في عهدة الأماني.
وهو ورود كتابٍ من الأستاذ يحل عقدة لساني في بيان ما أجد لبعده، ويتلافى في بعض رمقٍ ما كنت أحسبه يبقى من بعده.
حتى طلع كتابه فكان غيثاً كفى صيبه دعوة المستسقي، وماءً زلالاً روى بوروده ظمأ المستقي.
فكان أحسن من طلوع السعد، وأحلى من إنجاز الوعد.
فاتخذته مرتع ناظري، ومنتعش خاطري.
ونقلي إذا شربت، وداعيني إذا طربت، ومحدثي إذا خلوت، وعروسي إذا جلوت.
بل كان لي حظ الأماني من الزمان، وتوقيع النجاة من اليأس والحرمان.
فالله تعالى يبقى يداً وشته وحشته، ويديم راحةً مسته وجسته.
ثم فكرت في الجواب، وأنا متجرٍ جادة الصواب، فرأيت إن لم أجب، فما أديت ما يجب.
فأقدمت إقدام مذعور، وقدمت مقدمة معذور.
قائلاً: هذا ما انتهى إليه في العبارة جدي، وأنا على يقينٍ بأن هذا الشرط ليس من حدي.
على أنني لو أوتيت جوامع الكلم، لست ممن تخيل حصر كرام أوصاف الأستاذ أو علم.
ولا ممن قال له اليم الملتهم، أنا مدادك الملتطم، وقال مكنونه أنا درك المنتظم.
وأرجو من الأستاذ الصفح عن هذه الفرطة، والعفو عن الجناية التي ورطتني هذه الورطة.
فمثله من يقبل الأعذار، ويقوم بوجوده عن ذنب الزمان الاعتذار.
وأما مثولي بين يده، ووصولي بعد هذه المدة لديه، فبيني وبينه شهر الصبر، وأعزم لأحصل بمشيئة الله موسم الجبر.
وقد نويت أني لا أفارق تلك الحضرة، أو يفارق الآس الخضرة.
حقق الله سبحانه رجائي، وأمدني بإمدادات الأستاذ في علانيتي ونجوائي.
وفلان أحسن الله بقاه، وحفظه من كل سوءٍ ووقاه، شوقني بخبره إلى نظره، وبسلامه إلى كلامه.
فأنا أهدي إلى جنابه سلاماً كسلام أصحاب اليمين، وأودعه القلب على الثقة من أمين، إنه أمين، وعن الود لا يمين.
ولما تعلقت إرادة الله تعالى بمسيري إلى القاهرة المعزية، كان أول من اجتليت بها طلعته الزاهية الزهية.
فأنخت الراحلة في حماه، واقتصرت من أهاليها على التوسل برحماه.
فنزلت من النيل وساكنيه بمجمع البحرين، ونظرت إلى وجهه وإلى البدر فرأيت القمرين.
وفاتحته بقولي:
حَسْبُ مصرٍ فَخْراً على البُلْدانِوهْي أُمُّ الدنيا بشَيْخِ الزَّمانِ
سيِّدٌ أشْتفِي بتُرْبَةِ نَعْلَيْهِ إذا كت تقرَّحتْ أجْفانِي
وألحقتها بهذه القصيدة:
نُجْلُ العيونِ من الكَواعِبْأوْقَعْنَ قلبي في المَتاعِبْ
بأبِي غَوانٍ للنهَىتُدْعَى السَّوالِبَ والنَّواهِبْ
الغَارِساتُ الْبَانِ فيخَلَل الرَّوادِفِ والتَّرائِبْ
والمُطْلِعاتُ البَدْرِ مابيْن السَّوالِفِ والْحَواجِبْ
هُنَّ الْقَواضِي بالرَّدَىلَمَّا يُجَرِّدْنَ القَواضِبْ
من كلِّ رُودٍ إن بَدَتْتَخْفَى لطَلْعتِها الكواكبْ
تخْتالُ في مَرَحِ الصِّبَارَيَّا المَسارِبِ والمَساحِبْ
وتكادُ مِن لُطْفِ الأدِيمِ تَسِيل مِن كلِّ الجوانبْ
ما أنْكَرتْ عهد الهوىلكنْ تُسامِح في الرَّغائِبْ
وإذا أرادتْ طُول لَهْفِ الصَّبِّ أرسلَتِ الذَّوائِبْ
أبُثَيْنُ هل من عَطْفةٍلِمُولَّهٍ قَلِقِ الرَّكائبْ
حَمَّلْتِه ما لا يقُومُ بحَمْلِه الصُّمُّ الرَّواسِبْ
وأبَحْتِه لِعَنَا التَّغَرُّبِ فاغْتدَى إحْدَى الغَرائِبْ
رِفْقاً أيا قلبي بِقَلْبي في مَ إغْضاءُ المُجانِبْ
هَلاَّ أذِنْتِ بزَوْرَةٍلِلطَّيِفِ في جُنْحِ الغيَاهِبْ
فيروزُ مُضْنىً أقْلقَتْفيه فَلا الْبِيد النَّوادِبْ
ولقد رَعَيْتِ وما وَعَيْتِ عُهودَ هاتِيكَ المَلاعِبْ
أيَّامَ لم يَجْنِ الدَّلالُ على الهَوى غَلَطَ المُعاتِبْ
والعَيْشُ وَضَّاحُ السَّنَاوالدهرُ سَمْحٌ بالمطالِبْ
حتى اسْتحالَ وكُدِّرتْتلك المَوارِدُ والمشارِبْ
ونأَيتُ عنك ولِي حَشاًلم يَدْرِ ما مَضَضُ النَّوائِبْ
أسْرِي وحُبِّي سائِقِيأيَّانَ شاءَ مِن المَذاهِبْ
وأخُطُّ نُونَاتِ المُنَىبِمنَاسِمِ الغُرِّ النَّجائِبْ
ورَجاءُ زَيْنِ العابدينَ وَسِيلَتِي لِحمَى المَآرِبْ
ذاك الهُمامُ أجَلُّ مَنتسْعَى لِسُدَّتهِ الرَّكائِبْ
شَهْمٌ أحاط بكلِّ مَنْقَبةٍ بها تَسْموُ المَناقِبْ
مُتناسِقُ الأخْلاقِ بَادِي البِشْرِ فَيَّاضُ المواهِبْ
كم رَغْبَةٍ عَرَضتْ بهما أعْرَضتْ عنها الرَّغائِبْ
فترُوض رَوْضَ فضائلٍبالْجُودِ مُخْضَرَّ الجَوانِبْ
يحْبُوكَ مِن ثَمَرِ المُنَىغَضَّ الْجَنَى دَانِي الأطايِبْ
وشمائلاً عَطَّرْنَ أرْدِيَةَ الشَّمائِلْ والجَنائِبْ
كالغَيْثِ بَرَّاقُ المخَاثِل وهْو مُنْهَمِرُ الصَّوائِبْ
نِعَمٌ بها يُنْشِي النَّدَىوالرَّوْضُ تُنْشِيهِ السَّحائِبْ
ولَكَمْ له من نائلٍشَمِل الأقاربَ والأجانبْ
كالشَّمْسِ في كَبِدِ السَّمَاتغْشَى المَشارِقَ والمَغارِبْ
مَوْلايَ أنت وأنتَ أنْتَ نِتاجُ مَفْخَرَةِ الحَقائِبْ
يا نَجْلَ صِدِّيقِ النَّبيِّوفَرْعَ زَهْراءِ المَناسِبْ
لك مِن أُصولِك رُتْبةٌفَخَرَتْ على كلِّ المَراتِبْ
وهمُ الذين تَبَوَّءُوافي المجدِ هَاماتِ الثَّواقِبْ
نَطق الكتابُ بِمَدْحِهمْواسْتفْتحتْ بهم الكتائِبْ
فمدائحُ الأقوامِ غَيْرِهُمُ تُعَدُّ مِن المَثالِبْ
وعَلَ عِداهُم في الورَىرَصَدانِ للقَدَرِ المُحارِبْ
ما اسْتَيْقَظُوا إلاَّ رَماهُم بالمتاعبِ والمصاعِبْ
وإذا غَفَوْا أمَرَ الحُلومِ فَجَرَّدتْ لهمُ القَواضِبْ
مَوْلاَي يا مَن أرْتَجِيهـ إذا تعسَّرتِ المَطالِبْ
طَوَّقْتنِي نِعَماً بهاأثْقلْتَ ظَهْرِي والمنَاكِبْ
فَلأشْكُرنَّك شُكْرَ مَنجَعَلَ الثَّنا أسْنَى الرَّواتِبْ
وإليك غانِيةً تَهادَى في مُصَنْدَلة الجَلائِبْ
فاسْتَجْلِ منها حُسْنَ مُنْعَطَفٍ لأسْرابِ السَّرائِبْ
واسْلَمْ كما سَلِمتْ صِفاتُ عُلاكَ من كُلِّ المعائِبْ
تزْهُو بِمِدْحتِك الورَىبيْن الأعاجِمِ والأعارِبْ
ولك الأمانِي غَضَّةٌوالدهرُ مأمونُ العَواقِبْ
وكنت في أثناء الإقامة سافرت إلى رشيد، ثم عدت إليه بالرغبة، وما عدلت عنه للرهبة.
عود من عرف فضله، واستطاب ظله، ولم يحمد مباينته، ولا استوفق مجانبته.
فطاب العود والإبدا، ورجوت أن يروي تلك النوادي الأندا.
فإنه إذا كان أول من عرف تعبدي فجوده لعنان ثنائي ثاني، وإذا كان لي من ذراه مرابع فلي من خطابه مثالث ومثاني.
فرأيته في الثانية كالأولى، وحاله على أجمل ما عوده الله وأولى.
فالله يجريه على عادته الحسنى التي هي جبلةٌ نفيسة في نفسه، ويجعل كل يومٍ من أيامه مبشراً بالخير عن غده وزائداً فيه على أمسه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع