من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السابع في غرائب نبهاء مصر (٦)
هذا كلامه، وأما الطيبي فإنه قال: يحتمل أن المراد بالبنفسج والشقائق عارض الرجل وخد المرأة، ويحتمل أنها حين الوداع مزقت جلدها، ولطمت خدها، أي جمعت بين أثر اللطم، وهو شبيهٌ بالبنفسج، وبين لون الخد، وهو شبيهٌ بالشقائق، لكن الثاني أولى؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند طريان الخضرة، وليس في الشعر ما يدل على شباب الخضرة. انتهى.
قال الدماميني: قلت: إنما أنشد في التبيان البيتين الأخيرين، ولم يتكلم على معنى التفريق بين المحاجر والمعاجر في الاحتمال الأول، ولم يتقدم في هذه الأبيات الثلاثة ما يصلح أن يكوم معاد الضمير في فرقن، وجمعن غير العبرات، وعليه فلا معنى لشيءٍ من الاحتمالين اللذين أبداهما الطيبي، وإنما غره في جعل الضمير للنسوة المودعات كونه لم يظفر بالبيت الأول، وغلا فلو وقف عليه لتبين أن العبرات هي مرجع الضمير قطعاً؛ فإنه لا وجه بعد ذلك لنسبة التفريق والجمع للنسوة التي لم يجر لهن ذكرٌ.
إلى هنا كلامه؛ فإنك تراه كيف بين جهات الخلل في كلام صاحب التبيان، بما لا يمتري فيه من ذوي الفطرة إنسان.
وهذا ما ظهر لنا من الجواب، الجاري على منهج الصواب، فنقول: إن المفلقين من الشعراء، والمصاقع من البلغاء، قد تغالوا في وصف الدمع بما تبتهج به النفوس، ويروق السمع، فأخرجوه عما هو معهود ومأهول، وجعلوه متصل الجري دائم الهمول، من غير فترةٍ في وقتٍ دون وقت، وادعوا فيه أنه كالمطر حتى سقوا به الديار الآنسة، والأطلال الدارسة، إلى غير ذلك من المبالغات الشعرية، التي لا تنخرط في سلك التحقيق، وادعوا أيضاً أن الدموع تبدلت بالدم، ومنه قول أبي تمام:
وأجْرَى لها الإشْفاقُ دَمْعاً مُوَرَّداًمِن الدَّمِ يجْرِي فوقَ خَدٍ مُوَرَّدِ
ومن هذا اتضح باب تشبيه الدمع بالعقيق والمرجان والياقوت، بمجرد حمرة اللون.
ولما غلب استعمال الشعراء للدمع بالدم، وتداولت الأسماع وروده عليها، وألفت وقوعه فيها، صار حقيقةً عرفيةً عند الخاص والعام، وصار هو الأصل والدمع فرعاً عليه، حتى ادعى الشاعر أن المحبوبة أنكرت دمعه، وطالبته بالحجة والعذر عن بياضه، فقال:
وقائلةٍ ما بالُ دَمْعِك أبْيَضاًفقلتُ لها يا عَزُّ هذا الذي بَقِي
ألم تعْلمي أن البُكا طال عُمْرهُفشابتْ دُموعِي مثْلَما شابَ مَفْرِقِي
وقال الآخر:
قالُوا ودَمْعِي قد صَفَا لِفِراقِهمْإنَّا عَهِدنا منك دَمْعاً أحمرَا
فأجَبْتُهم إن الصَّبابةَ عُمِّرتْفيكم وشابَ الدَّمْعُ لَمَّا عُمِّرَا
وقال بعضهم في الدمع الأسود:
وقائلةٍ ما بالُ دمعِك أسْوداًوجسمُك مُصْفَرَّاً وأنتَ نَحِيلُ
فقلتُ لها أفْنَى جَفاكِ مدامِعِيوهذا سَوادُ المقْلتيْنِ يَسِيلُ
وقال الآخر في الدمع الأخضر:
وقائلةٍ ما بالُ دمعِك أخْضَرافقلتُ لها هل تفْهمين إشارَتِي
ألم تعْلمِي أن الدُّموعَ تجفَّفتْفأجْرَيتُها يا مُنْيَتِي من مَرَارتِي
وقال الآخر في الدمع الأصفر:
وقائلةٍ ما بالُ دمعِك أصْفرَافقلتُ لها ما حالَ عن أصْلِ مائِهِ
ولكنَّ خَدِّي اصْفَرَّ من سَقَمِ الهَوىفسالَ به واللونُ لَوْنُ إنائِهِ
إذا تقرر هذا، فنقول: الظاهر أن هذا الشاعر قصد أن عبراته هو اتصفت في حالة التوديع، وذلك المهيع الفظيع، الموجب لنحول الجسد، وحلول الكمد، وكسوف البال، وتغير الحال، وترادف الزفرات، وتتابع العبرات، واضطراب القلب، واضطرام الصدر، وانتهاب الصبر، بوصفين: أحدهما؛ أنها لفرط انصبابها، وتلاحق تساكبها، صارت حجاباً مانعاً، وستراً حائلاً بينه وبين رؤية ما هو بمرأى ومسمعٍ منه، فبهذا الاعتبار صح الحكم عليها بأنها فرقت بين محاجره التي كان ينظر منها، ومعاجر المحبوبة التي ينظر إليها، وهذا وصفٌ ممكن.
والثاني؛ أن عبراته اتصفت بلونين متقابلين، وذلك أنه لفرط بكائه، وحزنه وعنائه، في تلك الحالة الحويلة، التي تخدع العقل وتسحره، وتملك اللب وتقهره، وتغلب القلب وتبهره، فاضت عبراته تارةً دماً أحمر، يشبه الشقائق في لونها، وهذا قريبٌ من الإمكان، على ما قيل: إن أصل الدموع الدم، وتارةً دماً مشرباً بزرقةٍ يشبه البنفسج في لونه؛ وهذا بعيدٌ من الإمكان عادةً، لأن مادة البكاء إنما تكون من فضولٍ تصعدت إلى الدماغ من الرطوبات المنفصلة عن هذا الجسم، وليس في لونها زرقة، ولكن هذا من المبالغات الشعرية، التي لا تنخرط في سلك التحقيق؛ لكونها مقبولةً عندهم، بل كلما زاد الشاعر في ادعاء غير الممكن كان الشعر مستحسناً، حتى قيل: لو صدق الشعر لما استحسن.
غير أن هذا وإن كان بعيداً عن الإمكان، يقربه أن حالة التوديع توجب تغيراً في سحنة الوجه، بحيث يتراءى أن فيه زرقةً، فإذا فاضت عليه العبرات، تلونت بلونه؛ لكونه جوهراً شفافاً، يتلون بلون إنائه.
وهذا له مساسٌ بمقاصد الشعراء وتخيلات البلغاء، خصوصاً والدمع قد تغالوا فيه، حتى أخرجوه عن سعة دائرة الإمكان، إلى أوسع مكان، ألا ترى إلى ما تخيله بعض الشعراء، في وصفه بالزرقة حيث قال مخبراً عن محبوبته:
قالتْ وقد نظَرتْ لزُرْقةِ أدْمُعِيأكَذَا يكون بكاءُ صَبٍ شَيِّقِ
فأجَبْتُها قد مات في جَفْنِي الكْرَىفَجرَت دُموعِي في الحِدَادِ الأزْرَقِ
إذا تقرر هذا، ظهر لك صحة الحكم على عبراته بأنها جمعت بين البنفسج، وهو الدمع الموصوف بما ذكر، والشقائق، وهي الدمع الذي استحال دماً، فأشبه الشقائق في لونها، من غير نظرٍ إلى عبرات المحبوبة التي لم يكن في سياق الأبيات ما يدل على أنها كانت مكحولةً، كما اعترف هو به، وتكلف لها جواباً لا يسمن ولا يغني من جوعٍ.
على أن الدمع المشرب بالكحل لا يحسن أن يشبه بالبنفسج، كما هو ظاهر، فإن البنفسج، إنما يشبه ما فيه زرقةٌ لا سواد.
وهذا وجهٌ جميل، له من اللطافة ما ترى، وأنت إذا تابعت النظر يوشك أن يلوح لك وجهٌ آخر.
تاج العارفين بن عبد العال تاج مفرق عصره، وغرة جبين مصره.
من بيتٍ علمه منسجم الغمائم، عم نفعهم العالم، من منذ تتوجوا بالعمائم.
وقد نبغ هو كما شاءت معاليه، فازدانت به أيامه ولياليه.
مهابة تقدم لحظته، وبراعةً تتقد لفظته، ولطفاً ملىء به جسمه، وصفاءً قام به وسمه.
فمناقبه غررٌ على أوجه الأيام تسيل، وشرفه لا يلحقه السابق ولا الرسيل.
وله شعرٌ وإنشاء رائقان، وفي معارج اللطافة إلى فلك القبول راقيان.
وقد جئتك منهما بما تشتم به نفساً ينسي السوسن المبلول، وتنفح منه نفحاً يهدي لك نور الربى المطلول.
فمن ذلك ما كتبه إلى عبد الرحمن المرشدي، مفتي مكة:
أذَكرْتَ رَبْعاً من أُمَيْمةَ أقْفَرَافأسَلْتَ دمعاً ذا شُعاعٍ أحْمَرَا
أم شاقَك الغادُون عنك بسُحْرَةٍلمَّا سَرَوا وتَيَمَّمُوا أُمَّ القُرَى
زَمُّوا المَطِيَّ وأعْنَقُوا في سَيْرِهملِلّهِ دمعِي خَلْفَهم يا ما جَرَى
ما قُطِّرتْ في السَّيْرِ أجْمالٌ لهمإلاَّ ودمعي في الرِّكابِ تقطَّرَا
فكأنَّ ظَهْرَ الْبِيدِ بَطْنُ صَحِيفةٍوقِطارُها فيه يُحاكِي الأسْطُرَا
وكأنها بهَوادِجٍ قد رُفِّعتْسُفُنٌ ودمعُ الصَّبِّ يحكي الأبْحُرَا
رحَلُوا وما عادُوا على مُضْناهمُوَاهاً لحَظِّي ليت كنتُ مُؤَخَّرَا
إن كان جسمي في الدِّيارِ مُخَلَّفاًفالقلبُ منهم حيث قالُوا أهْجَرَا
أظْهرْتُ صبرِي عنهمُ مُتجلِّداًوكتَمْتُ وَجْدِي فيهمُ مُتسترَا
وغدا العَذُولُ يقول لي مِن بعدِهمبَادٍ هواك صَبَرْتَ أم لم تصْبرَا
أقسمتُ إن جادَ الزمانُ بِمطْلبِيوسَلكْتُ رَبْعاً بالمنَاسِكِ عُمِّرَا
وشهدِتُ بَدْرَ الحيِّ بعد أُفُولِهِمُذْ لاح مِن أفُقِ السعادةِ مُقْمِرَا
أدَّيْتُ خدمةَ سيِّدٍ سَنَدٍ غَدَامُفْتِي الأنامِ وِراثةً بين الوَرَى
وكتبت إليه أيضاً:
مَلَكتْ سَوْرةُ الرَّحِيلِ عِنانِيوأهاجتْ سَواكِنَ الأشْجانِ
أتمنَّى أسْرِي وهل يملِك السَّيْرَ طَرِيحُ النِّدَا أسِيرُ التَّدانِي
يا خليليَّ وَقْفةٌ بالمُصَلَّىتُجْدِ حَمْدَ السُّرَى ودَرْكَ الأمانِي
فاعْطِفا وانْزِلا وبُثَّا سَلامِيلِوَجِيهِ العُلَى فريدِ المَعانِي
أنا بيْن لَوْعةٍ عَلِم اللَّهُ وشَوْقِي له بِطُولِ الزَّمانِ
أيْنَ منِّي الحَنِينُ من ذاتِ طَوْقٍسَلَبَتْها النَّوَى غُصونَ الْبَانِ
لو تُطِيقُ النِّياقُ شوقِي لما حَنَّتْ خُضوعاً مِن تُرْبِها أجْفانِي
وبقلبِي من الوَجِيبِ إليهِمِثْلَما بالنِّياقِ مِن دَمَلانِ
فَوَعَيْشِ الصِّبا وحيِّ التَّصابِيولَيالِي الرِّضَا وأُنْسِ التَّدانِي
إنَّ قَصْدِي لُقْياك لكنْ قِيادِيبيَدٍ ليس لي بها مِن يَدَانِ
فأجابه بقوله:
يا خليليَّ بالصَّفا أسْعِدَانِيوبوَصْلٍ من الإياسِ عِدانِي
واحْمِلاَ بعضَ ما أُلاقِي وبُثَّاحالَ صَبٍ مُتيَّمِ القلبِ عَانِي
جسمُه في جِيادَ والقلبُ منهفي قُرَى مصرَ دائمُ الخَفَقَانِ
لم يزَلْ شَيَّقاً وَلُوعاً دَواماًشَاخِصَ الطَّرْفِ سَاهِرَ الأجْفانِ
يرقُبُ النَّجْمَ لَيْلَه وإذا أصْبحَ أضْحَى مُناشِدَ الرُّكْبانِ
هل رأيتمُ أو هل سمعتمُ حَدِيثاًعن قديمِ الإخَا عظيمِ المعانِي
هو تاجٌ لِلْعارفين الذي قدنالَ إرْثاً عَوَارِفَ العِرْفانِ
خُصَّ بالعِلْمِ والرِّياسةِ والوُدِّوهَذِي مَواهبُ الرحمنِ
فهو كنزٌ ومَجْمَعٌ لعُلومٍقد حَواها بغايةِ الإتْقانِ
وهو صَدْرُ الشريعةِ المَشْرَعُ العَذْبُ البَسِيطُ الْمُحِيطِ والبُرْهانِ
دام فينا مُبَلَّغاً ما يُرَجَّىمن مُرادٍ ورِفْعةٍ وأمانِي
ما تغَنَّى على الرِّياضِ هَزارٌرَقَّص الغُصْنَ في رُبَا البُسْتانِ
وكتب إليه أيضاً:
اليومُ مثلُ العامِ حتى أرَىوَجْهَك والساعةُ كالشَّهرِ
إن أبهى ما تجملت به السطور والطروس، وأشهى ما استعذبته الأنفس وتطلبته النفوس، دعاءٌ على مر الدهور لا ينقضي، وابتهالٌ بأكف الضراعة للإجابة مقتضي، أن يديم على صفحات الوجوه شامة دهرها، وواحد وقتها، وعالم عصرها.
المستجمع لمكارم الأخلاق والشيم، والمنفرد بمزاياها عند الخلق والأمم.
المشتهر عند العرب والعجم بأنه ملك من العلم زمامه، وجعل العكوف عليه لزامه.
فانقاد إليه انقياد الجواد، وجرى في ميدانه بحسن السبق والفكر الوقاد.
عالم الغرب والشرق، ومزيل ما تعارض من المسائل بحسن الجمع والفرق.
الجامع بين رياستي العلم والعمل، والمانع بإخلاص السريرة من لحوق عوارض العلل.
كنز العلوم والكشف، بحر الهداية الذي ارتوى منه بالعب والرشف.
صدر الشريعة الغرا، وشيخ حرم الله بالإفتاء والإقرا.
من لا يمكن حصر وصفه بالتفصيل، فإن الإطناب فيه طويل، وإنما أحيل على ما قيل:
أنت الذي وَقَفَ الثَّناءُ بسُوقِهِوجَرَى النَّدَى بعُروقِهِ قبلَ الدَّمِ
عبد الجواد بن شعيب الخوانكي شاعرٌ متسع الباع، معتدل الطباع في الانطباع.
فهو ليس بالناسك البارد، ولا الفاتك المارد.
ولا بالمتعفر المتقشف، ولا بالخليع المتكشف.
يشوب الحصافة بالفصاحة، ويزين اللباقة باللياقة.
ويجمع بين الجد المقبول والهزل المطلوب، ويستشف عما يقر العيون ويسر القلوب.
وقد أوردت له ما محله الخلد، وإذا نقدته علمت أن قائله من نقد البلد.
فمن ذلك قوله:
وَيْلاهُ يهْجُرني عَمْداً بلا سَبَبِوفي مَحَبَّتهِ الأمثالُ تُضْرَبُ بي
ليت الصَّبابةَ ما كانتْ ولا خُلِقتْفإن آخرَها يُفْضي إلى العَطَبِ
شهراً ثلاثين يوماً لا أراكَ ولاعَيْنِي رأتْك فقلبي زائدُ الوَصَبِ
ولا تخُطُّ كتاباً منك تُخْبِرُنِيأعَنْ رِضىً كان هذا الصَّدُّ أم غَضَبِ
ولا يمُرُّ خيالٌ منك في حُلُمِيفأطْمئِنُّ وهذا غايةُ العَجَبِ
وكيف يسْرِي خَيالٌ والكَرَى مَنعتْبَناتُ نَعْشٍ به في أعْيُنِ الشُّهُبِ
كأنه كان جِنِّيّاً يُسارِقُنِيفأحْرقَتْه فما أبْقتْ سِوَى اللَّهَبِ
وقوله:
سِرْبُ جِنَّانٍ في جِنَانٍ وبِييمْشِي مع الغِزْلاَنِ في رَبْرَبِ
يرْتَعُ في النَّرْجِسِ أو يرْتَقِيحَبَّةَ قلبِي بَدَلَ الزَّرْنَبِ
تَرْفُل بالسُّنْدُسِ أعْطافُهأعْطافُ غُصْنِ الْبانةِ المُخْضَبِ
في صَنْعةِ السِّحْرِ لأجْفانِهأشْياءُ عن هاروتَ لم تُكْتَبِ
قد عقَد النَّوْمَ وغَلَّ الكَرَىمِنِّي ولا تسَلْ ما حَلَّ بي
حُلْوُ الْجَنَى مُرُّ الْجَفَا قُرْطُهعَرَّفنِي مَنْزِلة الكَوْكَبِ
وَرْدُ الرُّبَى يُقْطَفُ من خَدِّهوالشُّهْدُ من مَعْسُولِه الأشْنَبِ
أسْكَرنِي منه عُذَيْبُ اللَّمَىلو لم يكنْ ذا بَارِقٍ خُلَّبِ
أطْمَعنِي في وَصْلِه مَرَّةًوقال يا أطْمَعُ من أشْعَبِ
قوله: والشهد مبتدأٌ خبره الجملة، فلا يرد أن القطف في العسل غير لغوي، على أنه يمكن فيه ارتكاب التجوز، فيستعمل فيه كما استعمل في قطف الزهر، وأصله من قطف الكرم.
ومن صنائعه قوله:
ومن عَجَبٍ سَفْكُ الجُفونِ دماءَنَاوعَهْدِيَ أن السيفَ يقطَعُ لا الغِمْدُ
وأعْجَبُ من هذا تُشَقُّ قلوبُناولا أوْضَحَتْ عَظْماً ولا خُدِشَ الجِلْدُ
وأعْجَبُ من هذيْن تَجْنِي تَعَمُّداًويُقْضَى لها أن لا قِصاصَ ولا حَدُّ
وأعْجَبُ من تلك العجائبِ أنَّنِيبقْتلِيَ رَاضٍ وهْو يغضبُ من بَعْدُ
وأعْجَبُ منها مرَّتيْن شِكايتِيوهل يملِكُ الشَّكْوَى من السَّيِّدِ العَبْدُ
وأعْجَبُ منها مرَّتيْن ومَرَّةًيَصُدُّ فيدْعُوني لِطاعتهِ الصَّدُّ
وأعْجَبُ من أضْعافِها قَوْلُ عَاذِلِيتسَلَّ ألاَ لو كان في عَاذِلٍ رُشْدُ
وأعْجَبُ شيءٍ مُطْلَقاً أنه اجترَىولم يَدْرِ مَن أهْوَى أزينبُ أم دَعْدُ
أما والذي أبكى وأضْحَك لم يكُنْلِيُخْلَق لولا خَدُّه الآسُ والوَرْدُ
ومن شعره قوله من قصيدة، أولها:
يا رَبَّة الْخَلْخالِ والقُرْطِوالمِطْرفِ الموْشِيِّ والمِرْطِ
عَطْفاً فإنِّي لم أحِدْ يوماًعن حِفْظِ ذاك العهدِ والشَّرْطِ
قِفِي انْظُرِي ما حَلَّ بي إنِّيقد ضَرَب الأمْثالَ بي رَهْطِي
وغادةٍ بَيْضاءَ مِعْناقٍقَوامُها كالأسْمَرِ الخَطِّي
لها رُضابٌ ولها ظَلٌكالشُّهدِ مَمْزوجاً بإسْفَنْطِ
رأيتُها في رَوْضةٍ يَوْماًتخْتالُ بين الأثْلِ والخَمْطِ
فقلتُ ناشَدْتُك إلاَّ ماعَجِلْتِ لي من وَصْلهِ قِسْطِي
فوجَّهتْ وَجْهَ الرِّضَا نَحْويوأعْرَضتْ عن وِجهةِ السُّخْطِ
وقوله:
ما اصْطَفى قلبيَ إلاَّ مُصْطَفىهُوَ حَسْبي من حبيبٍ وكَفَى
أسْعَدَ اللهُ تعالى طالِعاًحَلَّ فيه وأراه الشَّرَفَا
ما عليه لو سَقانِي رِيقَهُإنه الشُّهْدُ وفي الشُّهْدِ شِفَا
إنْ وَفَى الدهرُ به في ليلةٍفهْو عندي دائماً أهلُ الْوَفَا
وكتب إلى صديقٍ له:
قُلْ للذي أنا ثابتٌ في حُبِّهوهَواهُ وهْو مُبَدِّلٌ مِيثَاقِي
إنِّي لأرْضَى أن تُنَوِّه بي ولوفي آخِرِ القِرْطاسِ بالإلْحاقِ
وله في الدخان:
هل آيةٌ جاءتْ بتحْريمِهِأو هل حديثٌ نَبَويٌّ وَرَدْ
فقُم إلى الغابَةِ وانْهَضْ لهالا يقْرَبُ الْغابةَ إلاَّ أسَدْ
عبد الباقي الإسحاقي شاعرٌ تجاوز في الرقة الحد، فكأنما تكون من سحر الجفن ورقة الخد.
فشعره عليه رونقٌ باهرٌ من الحسن، وهو أفعل في القلوب من التفتير في الجفون الوسن.
باختراع المعاني ذو صبابة، يرمي الغرض البعيد عن قوس الإصابة.
وقد جاء في هذه الخطة أمةً وحده، فلم يجهل أحدٌ من أهل العصر رسمه وحده.
فابن نباتة لم ينل حلاوة معانيه، وابن سكرة عزبت عنه عذوبة مبانيه.
وقد أوردت له ما تتعاير على رونقه دراري البحور، وتتمايل له طرباً أغصان القدود المثمرة بثمار النحور.
فمن ذلك قوله:
تمشَّتْ لنا تُخْجِلُ الكَوْكَبَافناديتُها مَرْحَباً مَرْحَبَا
غزالةُ إنْسٍ لها طَلْعةٌإذا خالَها الصَّبُّ حَقّاً صَبَا
أدارتْ بحَضْرتِنا قَهوةًوطافتْ بكأسِ الطِّلاَ مُذْهَبَا
رَنَتْ ورَمتْنِي بألْحاظِهاوقد أذْكرتْنِي عهدَ الصِّبَا
فلو أنَّ نَظْرتها كالظِّبَالَهَانَ ولكنْ كحَدِّ الظُّبَا
وغَنَّتْ لنا فطرِبْنَا لهافيا حُسْنَ ذاك الذي أطْرَبَا
غَزالِيَّةٌ آنَسَتْ صَبَّهاوأنْسَتْ مَحبَّتُها زَيْنَبَا
فَهِمْنَا فَهِمْنا غَراماً بهاوعن حالتِي حُبُّها أعْرَبَا
وصبَّرتُ قلباً غَدَا هائماًوقد كاد في الحُبِّ أن يَذْهَبَا
ففيه مَديحِيَ عَذْباً يُرَىوفي غيرِها المدحُ لن يَعْذُبَا
سأجعلُ في وَصْفِها نُبْذَةَوأركبُ في حُبِّها أشْهَبَا
مدحتُ فقَصَّر قلبي المديحَوكان مُرادِيَ أسْتَوْعِبَا
وإنِّيَ في وَصلِها سيِّديتَرانِيَ بين الورَى أشْعَبَا
فباللهِ يا نَسْمةَ الْبانِ إنْحَفَفْتِ على حَيِّ ذاك الرُّبى
وجُزْتِ رِياضاً بها غَادتِيفهاتِ لنا عن حُلاهَا نَبَا
أيا عاذِلِي في هَواها اتَّئِدْحديثُك عنديَ مثلُ الْهَبَا
سقى اللهُ رَوْضاً به سَادتِيمن الوَبْلِ غَيْثاً به صَيِّبَا
لأنِّيَ باقٍ على عهدِهمْأرَى حُبَّهم مَذْهَباً مُذْهَبَا
وقوله:
أذْكَرْتِ أيَّتُها الحمامةُ غِيدَاومَعاهِداً سلَفتْ لنا وعُهودَا
وصَدَحْتِ فوق أراكةٍ فصَدَعْتِ قلْبَ شَجٍ وحين صعَدْتِ ذا الأُمْلودَا
ذكَّرْتِ أشْجاناً لنا ومَعاهِداًوصَفاً تقضَّى طارِفاً وتَلِيدَا
هذا على أن الغرامَ إذا زكَاظَلَّ الشَّجِي يتوقَّعُ التَّغْرِيدَا
للهِ أيامٌ نعِمْتُ بها وقدعقَد الغَمامُ على الغصونِ بُنودَا
حيث الشَّجِي طَوْراً يُخَمِّشُ كاعِباًومن الجَوى طَوْراً يُخَمِّشُ رُودَا
حيثُ الشَّمالُ يُحرِّكُ العَذَباتِ إذْيخْطُو ويخطِر في الرِّياضِ وبِيدَا
حيثُ المَثانِي والمَثالثُ هذهتَرْنُو وذِي تُشْجِي تُحرِّكُ عُودَا
هذا ومَعْ أنَّا ولو طفَحَت كُؤوسُ الرَّاحِ واشْتعل المُدامُ وَقُودَا
ما حرَّكتْ مِنَّا الشَّمُولُ سِوَى الرُّؤوسِ كذا الشَّمالُ تُحرِّكُ الأُمْلُودَا
أتَؤُوبُ هاتِيك اللُّوْيلاتُ التيفيها نظَمْتُ لآلئاً وعُقودا
ولَرُبَّ خِلٍ حاز أنْواعَ الذَّكاولِذَا غَدَا في المَكْرُماتِ فريدَا
سَامَرْتُه وجَنَوْتُ من ألْفاظِهما يُخْجِلُ الصَّهْباءَ والعُنْقودَا
وجَلاَ عليَّ عَرائِساً من فِكْرِهحَسُنتْ طُلاً ومَعاطِفاً وقُدودَا
وأفادنِي وأفَدْتُه والخِلُّ يحمَدُ أن يُفادَ مَعانِياً ويُفِيدَا
فالعقلُ نَامٍ والعَفافُ بحالِهومُجِيدُ فِكْرتِنا اسْتمرَّ مُجِيدَا
يا عبدُ فابْقِ على اصْطباحِك واغْتباقِك واصْحَبَنَّ العَهْدَ والمَعْهودَا
ومن مطرباته قوله:
رقص المجلسُ أُنْسَافاجعلِ الجَرَّةَ كأْسَا
واسْقنِي بالزِّقِّ والطَّاسِ فإنِّي طِبْتُ نَفْسَا
وأقِمْ للَّهْوِ واللَّذَّاتِ في حَانِيَ عِرْسَا
قد غَرسْنا زَهْرَ حُبٍفَجَنَيْنَا منه غَرْسَا
فأمْلَ لِي حتى ترَى الأعْرابَ في المَنْطِقِ خُرْسَا
لا ولا تقْنَعْ بذا حَتَّى تَرَى النُّدْمانَ خُرْسَا
ما بهم قَطُّ حَراكٌلا ولا تسْمَعُ هَمْسَا
حَبَّذا بِكْرٌ عَرُوسٌقد حَكَتْ في اللَّونِ وَرْسَا
هي عَذْراءُ عجوزٌلم تكُنْ تَنْفُضُ لَمْسَا
وعجيبٌ لعَرُوسٍأدْرَكَتْ قُسّاً ورَسَّا
وهي لِي سِتٌّ ولكنْملكتْ مِنِّيَ خَمْسَا
قولهم: ستي بمعنى سيدتي خطأ، وهي عامية مبتذلة، ذكره ابن الأعرابي، وتأوله ابن الأنباري، فقال: يريدون يا ست جهاتي. وتبعه في القاموس، فقال: وستي للمرأة، أي يا ست جهاتي؛ كناية عن تملكها له، ولا يخفى أنه تكلفٌ وتمحل.
وإليه أشار بهاء الدين زهير:
برُوحِي مَن أُسَمِّيها بِسِتّيفتنْظُرُني النُّحاةُ بعَيْنِ مَقْتِ
يرَوْنَ بأنَّني قد قلتُ لَحْناًوكيف وإنَّني لَزُهَيْرُ وَقْتِي
ولكن غادةٌ ملَكتٌ جِهاتِيفلا لَحْنٌ إذا ما قلتُ سِتِّي
كيف لا وتُرِينِيفي دُجَأ الظَّلْماءِ شَمْسَا
وتُقِيمُ المَيْتَ حَيّاًبعدَ ما جاوَرَ رَمْسَا
فاتَّخَذْناها إلى الخَلْوةِ في المجلسِ عِرْسَا
واصْطَفيْناها إلى جَيْشِ هُمومِ القَلْبِ تُرْسَا
واتَّقَينا بظُباهَافي الْوَغَى جِنّاً وإنْسَا
هاتِها من يَدِ ظَبْيٍيُكْسِبُ النُّدْمانَ أُنْسَا
وإذا عَزَّتْ سَقَى مِنلَحْظِه الأدْعَجِ نَطْسَا
فيه أضْحَى القلبُ مُغْرىًمِثْلَما أصبح أمْسَى
فإلى اللّذَّاتِ أشْكُوزَمَناً لِلَّهْو أنْسَى
صار فيه القلبُ صَخْراًوغدا المَضْجَعُ حَبْسَا
ولقد عَمَّ مَعاليمَ الذَّكَا نَوْعاً وجِنْسَا
ما ابنُ إسْحاقَ بأزْكَىمنك أنفاساً ونَفْسَا
إن تأسَّيْتَ تَسلَّيْتَ فحَبْرٌ من تَأَسَّى
وله في الغزل:
يُحرِّكني إليك هَوىً مُطاعُفأحمِلُ فيك ما لا يُسْتطاعُ
وأركبُ مَرْكَباً في الحبِّ صَعْباًتضِيق به الأماكنُ والبِقاعُ
فلِلْعَبَراتِ في الخدِّ انْدِفاقٌوللزَّفَراتِ في الصَّدْرِ انْدِفاعُ
وفي هذِي رُمِيتُ بكلِّ بَلْوَىتدَاوَل ذكْرَها الرَّهَجُ الرَّعاعُ
وبَلْوَى الدهرِ تنزِل كلَّ يومٍبكلِّ فتىً له في السَّبْقِ بَاعُ
تطاوَل في المَكارِمِ منه طَولاًله في عالَمِ الغيبِ اطِّلاعُ
فما ذَنْبي سوى أنِّي مُحِبُّوفي كَبدِي من الحبِّ انْصِدَاعُ
ولي فضلُ التَّقدُّمِ في انْقطاعٍإليك وليس لي عنك انْقِطاعُ
أضعْتَ مَودَّتِي ونسِيتَ عهديوعهدي في المَحبَّةِ لا يُباعُ
وكنتُ قنعْتُ بالكتْمانِ فيكمفأمَّا اليوم فانْكَشف القِناعُ
وكنتُ إذا سمعتُ لكم حديثاًيُحرِّكني من الوَجْدِ السَّماعُ
فإن تعْطِفْ على عبدٍ مُضاعٍفإنِّي ذلك العبدُ المُضاعُ
وقد طلَّقْتُ سَلْوتَكم ثلاثاًطلاقاً ليس لي فيه ارْتجاعُ
على أني سأُنْشِد عند بَيْعيأضاعُوني وأيَّ فتىً أضَاعُوا
ومن مطرباته قوله:
امْلَ لي الكاسَ تَماماًواسْقِنِي جَاماً فجَامَا
واجْعلِ الدُّرَّةَ كأساًوخُذِ التِّبْرَ مُدامَا
تمِّمِ الكأسَ فإنَّ الْكاسَ ما كان تَمامَا
واتَّخِذْها سُلَّما لِلَّهو يسْمُو أن يُسامَى
وتوهَّمْ أنها الحِلُّوإن كانتْ حَرامَا
ثم أزْهَى موضعٍ في الرَّوضِ فاخْتَرْه مُقامَا
وإذا ما شئتَ أنْ تسْكرَ فاسْتَدْعِ النَّدامَى
ولْيَكُنْ خمْرُك عَادِيّاً وساقِيك غُلامَا
يمْلأُ الكاساتِ والألْحانَ بُرْءاً وسَقامَا
يملأُ القلبَ سروراًوانبِساطاً وغَرامَا
عابِثاً بالغُصْنِ أعْطافاً وبالزَّهْرِ ابْتِسامَا
ومُحَلَّى بالطِّلا جِيداً وبالْعارِضِ لاَمَا
وترَى منه القَوامَ الْغُصْنَ والغُصْنَ الْقَوامَا
وترى الأغْصانَ إجْلالاً له هِيباً قِيامَا
اسْقِني بالكُوبِ والكَاسِ فُرادَى وتُوَامَا
ثم بالطّاسِ إلى أنْتتَراءَى الْهامُ هَامَا
ثم بالْجَرَّةِ فالْجَرَّةِ حتَّى أتَرامَى
اسْقِني حينَئِذٍ بالزِّقِّ حتى لا كَلامَا
ثم بادَّنِّ فتلك الْغايةُ القُصْوَى تمامَا
ثم خُذْ عنِّيَ ما شِئْتَ ولا تخْشَ أثامَا
والْتَقِطْ مِنِّي الجُمانَ الْفَرْدَ نَثْراً ونِظامَا
وإذا لم يكُنِ الطَّافِحُ بالكأسِ هُمامَا
فاغْدُ واعْذِرْ وإذا رَامَ خِطاباً قُلْ سَلامَا
أبو السرور الهوي روض أدبٍ أزهاره لا تعرف ذوا، وله شعرٌ لطيف لمرض الشجون دوا.
سلك من شعاب الفضل أقوم سبيل، وكرع من حياضه أعذب سلسبيل.
فأطلع شعره أبهى من السرور، وألطف من الزلال على الكبد المحرور.
وكان في عنفوان شبابه، ورواء أخدانه وأحبابه، حليف هوىً ولهو، وأليف وجدٍ وزهو.
بين ندمانٍ طلعوا في أفق الحسن شموسا، وذللوا من مطايا الطرب حرونا وشموسا.
ولما رأى تلك الشموس هوت، ونجوم الآمال قد خوت، أعرض عن هواه، وداوى داء عشقه بدواه.
وتحقق بالانقياد لمنهج الصواب، ونادى منادي الغيب فسمع الجواب.
ولم يزل موفقا لإحراز مراضيه، وحال مستقبله خيرٌ من ماضيه.
إلى أن انتقل إلى رحمة علام الغيوب، بريء الساحة من درن العيوب.
فمن شعره، قوله من نبوية، مستهلها:
حتَّى م يُقْصِيني بِعادِيعن حَيّ حَيِّ حِمَى سُعادِ
وإلى متى يَثْنِي عَزَائمَ هِمَّتِي طولُ التَّمادِي
وعلى مَ ذا شَرٌّ يَرُوجُ وكلُّ خيرٍ في كَسادِ
ولَج النَّهارُ اللَّيْلَ فيفَوْدِي وفي ظُلَمِ الغَوادِي
ما آن إمْساكٌ بَدَاخَيْطُ البياضِ من السَّوادِ
ما آن للسَّفَرِ الطويلِ من التُّقَى تحْصِيلُ زادِ
ما آن يا ذاتَ الْجِهاتِ السِّتِّ لي جَمْع انْفِرادِ
رَفْعُ النِّقابِ لينْجَلِيمَرْأَى وُجودِي عن مُرادِي
ما آن أن تتذكَّرِي الْعهدَ القديمَ من الوِدادِ
ما آن أن تتعرَّفِيطالَ التنكُّرُ في بِعادِي
أوَّاهُ قد كُشِفَ الحجابُ وخاب في نَظَرِي سَوادِي
والرَّكْبُ سار على الجِيادِ بمن تزَوَّدَ خيرَ زادِ
وقطعْتُ عُمْرِي في المَسِيرِ ولا بَرِحْتُ ببَطْنِ وَادِ
ولقد ضلِلْتُ وليس ليإلاَّ دليلُ الخيرِ هادِي
ذُو الجاهِ والباعِ الطويلِ إذا تقاصَرتِ الأيادِي
المُصْطَفى المُخْتارُ صَفْوةُ مُجْتَبِيهِ من العبادِ
مَاحِي الضَّلالةِ بالبنَانِ وبالبيَانِ وبالفؤادِ
شمسُ النُّبُوةِ في الشُّروقِ وفي الغروبِ وذا اعْتقادِي
يا أحمدُ المحمودُ في التَّنْزِيلِ يا عالِي العِمادِ
العَجْزُ عن إدْراكِ دَرْكِك غايةٌ في الاعْتقادِ
يا واحداً جَمع المَحاسِنَ كُلَّهُنَّ على انْفِرادِ
يا كَنزَ إكسِيرِ الوِدادِ لقلبِ أعْيانِ الأعادِي
بذُنوبِ أهلِ الأرْضِ جِئْك مُسْلِماً ولك انْقيادِي
وبك استغَثْتُ وأنتَ أكْرمُ أن يَرُدَّ نَدَاك صَادِي
والعفوُ أوسعُ من ذنُوبي والرَّجا مَحْضُ اعْتقادِي
يا سَيِّداه ويا نَبِيَّاهُ ويا غَوْثَ المُنادِي
زَنْدُ الرَّجا والخوفِ أَوْدعَ مُهْجتِي وَرْىَ الزِّنادِ
إنِّي أنا المُضْطَرُّ والْمُضْطَرُّ مقبولُ الجِيادِ
إن النَّوائبَ شَتَّتَتْشَمْلِي بأهْوالٍ شِدادِ
إنِّي إلى المعروفِ أشْوَقُ في الْوَفَا مِن طِيبِ زَادِ
وإذا بسَطْتَ الكَفَّ جُوداً كَفَّ من عُدْمِ الأعادِي
مَهْداً تبيَّنْت السُّرورَ وفي الصِّبا حُزْنُ الفُؤادِ
أجِزِ الجوائزَ بالقَبُولِ فإنه أقْصَى مُرادِي
فعَليْك ما ضَجَّ الْحجِيجُ وسار بالرُّكْبانِ حَادِي
أزْكَى الصلاةِ مع السلامِ مِن السَّلامِ بلا نَفادِ
والآلِ والصَّحْبِ الذين قَضَوا جِهاداً في الْجِهادِ
ما أحْسَنَ اللهُ الخِتَامَ لحُسْنِ إصْلاحِ المَبادِي
ومن مقطعاته قوله:
رَامَ رِئمُ الحِمَى يُقَبِّلُ ظَبْياًفتلقَّى وُقوعَها في فِيهِ
فانْثَنَى نافِراً وألْفَتَ جِيداًوعَجِيبٌ نِفارُه مِن أخِيهِ
وقوله:
إخْوانُ هذا الزمانِ لمَّاتفرَّقتْ منهمُ القلوبُ
توهَّمُوا أنهمُ أَصابُواوما دَرَوا أنهمُ أُصِيبُوا
محمد بن حجازي الرقباوي شاعر مكثار، إلا أنه مأمون كبوةٍ وعثار.
دخل الحجاز واليمن، واتصل بولاتهما الذين ابتهج بهم الزمن.
فأطال في مدحهم وأطاب، وملأ ذخائر أنعمهم الجمة الوطاب.
ولله تعالى بقايا من عباده في بلاده، خلقهم لينعش بهم العاثر، ويحيى بمكارمهم المعالي والمآثر.
فمن مدائحه في الشريف زيد، صاحب مكة، قوله من حاثية عارض بها الفتح بن النحاس، مطلعها:
كلُّ صَبٍ مالَه في الخَدِّ سَفْحُلم يَرُقْ في عينهِ نَجْدٌ وسَفْحُ
ومتى يعلُو بشأنٍ في الهوىوله شأنٌ به فيه يَشِحُّ
إنَّما الدمعُ دليلٌ ظاهرٌإن يكنْ للحبِّ مَتْنٌ فهْو شَرْحُ
والذي يصْبُو لأغْصانِ النَّقَالم يكنْ عنها بغير الطَّرْفِ يَصْحُو
يستْحِي من أن يُوافِيها الْحَياوهْو أوْفَى مِنَّةً والغَيْمَ يَمْحُو
كيف يسْتسْقِي لها ماءَ السَّماوله جَفْنٌ متى شاء يَسِحُّ
رَوضةٌ لِلْغِيدِ كانتْ مَلْعباًوهي في لَبَّةِ جِيدِ الشرقِ وَضْحُ
كلما نقَّطَها قَطْرُ النَّدَىرَشَف الطَّلَّ بها رَنْدٌ وطَلْحُ
وإذا مَرَّتْ بها رِيحُ الصَّباسَحَراً أرَّجَها بالمِسْكِ نَفْحُ
وتغنَّتْ فوقها وُرْق الحِمَىولِدَاعِي بُلْبلِ الأشواقِ صَدْحُ
رُبَّ خَودٍ ذاتِ لَحْظٍ فاتِنٍفاتِكٍ بالكَسْرِ والسَّقْمِ يَصِحُّ
بَضَّةٍ قد غُمِستْ في حُسْنِهاولها في لُجَجِ الإحْسانِ سَبْحُ
أتُراها اسْتَعْذَبتْ يومَ النَوَىلِعَذابِي كأسَ بَيْنٍ وهْوَ مِلْحُ
ما لَها لا عَبَثَ الدهرُ بهالا تَرَى الهِجْرانَ يكْفِي وهْو ذَبْحُ
كنتُ أشكُو صَدَّها مِن قبلِ أنتنْتوِي والآن عندي فيه شُحُّ
يا نَوارُ اصْطنعِينِي باللِّقَافلَكمْ قالَيْتُ مَن في العشقِ يَلْحُو
إن تكُونِي شِمْت في ليل الصِّبابَارِقاً فهْو لرَوْضِ الحُلْمِ فَتْحُ
كم جلَيْتِ الشمسَ في غَرْبيَّةٍوسَمَحْتِ وجَناحُ الفَوْدِ جُنْحُ
فاجْعلِيه شافِعاً فيما بَدَاأيُّ لَيْلٍ ما لَه يا بَدْرُ صُبْحُ
ولقد أعلمُ حَقّاً لم يكنْمنكِ عن ذَنْبِ ظُهورِ الشَّيْبِ صَفْحُ
كم أُدارِي فيك عُذَّالِي وكمساءَنِي فيك على التَّبْريحِ كَشْحُ
وإذا فعل الغوانِي هكذاكلُّ ذي سُكْرٍ بهم لاشَكَّ يَصْحُو
سأذُودنََّ فؤادِي رَاغِباًعن هوَى مَن جِدُّه بالصِّدْقِ مَزْحُ
يا خليليَّ اعْذِرا بِي إنَّ لينارَ وَجْدٍ ما لها بالعشق لَفْحُ
خَلِّيانِي والذي ألْقاهُ مِنزَنْدِ شوقي مالَه بالغِيدِ قَدْحُ
أنا عن ألْحاظِهم في مَعْزِلٍوحَدِيثي ظاهرٌ وهْو الأصَحُّ
قد نَسِينَا ما حَفِظْنا منهمُورأيْنا أن بعضَ العَذْلِ نُصْحُ
لا أرَى العَيْشَ صَفَا ما لم أعِشْوفؤادِي من حُروفِ اللَّهْوِ مَمْحُو
وعن التَّشْبِيبِ ما أغْنَى وليفي عُلاَ زيدِ العُلَى شكرٌ ومَدْحُ
قامِعُ الأقْرانِ في يومِ الوَغَىتحت ظِلِّ السَّمْرِ والحربُ تَفِحُّ
أبيضُ الوَجْهِ إذا النَّقْعُ دجَاوَاضِحُ البِشْرِ إذا الفرسانُ كُلْحُ
كم له يومَ فخَارٍ مُنْتَمىًولِوَقْعِ البِيضِ بالْهاماتِ رَضْحُ
صبَّح الإقبال حرباً ولَكَمشرَّقتْ من خَيْلهِ حربٌ وصُبحُ
يومَ أرْوَى بقَدِيحِ المُصْطلىقَدْحَ زَنْدٍ وَرْيُه بالفَوْزِ قِدْحُ
وعلى العُمْرةِ أرْبتْ يَدُهُوله في يومِها عَفْوٌ وصَفْحُ
أذْكَر الصَّفّيْن إذْ ذاك بهايومَ صِفِّينَ وللْخَيْليْن ضَبْحُ
ولَغَا عني ضَلالاً بعد ماطاشَ من تَصْحيفه في فِيهِ صَفْحُ
ولَكَمْ سارَع بالخيْلِ علىحَرَمِ اللهِ وللأَعْمارِ دَلْحُ
مانعُ الْجارِ فلو لاَذَ الدُّجىبعَواليه لمَا جَلاّه صُبْحُ
ولو انَّ الشمسَ تحْكِي نُورَهما عَلاها في ظلامِ الليلِ جُنْحُ
وَاهِبُ الأرْواحِ في يومِ الوَغَىلأَعادِيهِ الأُلَى بالمالِ شَحُّوا
ولقد كان أبُوه هكذاولِمَاءِ الوَرْدِ بعد الوردِ نَضْحُ
أشْغلَتْ هَيْبتُه فِكْرَ العِدَىفهمُ في غَمْرةِ الإشْفاقِ طَرْحُ
لو رَأَوْه في الكَرى لانْتبهُواولهم من خَوْفهِ بالرُّعْبِ قَزْحُ
وإذا شَامُوا بُروقاً أيْقنُواأنَّ أعناقَهمُ بالبِيضِ مُسْحُ
وإنِ انْقضَّتْ نجومٌ في الهَوَازَعمُوا أن مُطارَ الشهْبِ رُزْحُ
بأبِي أفْدِيك يا بحرَ النَّدَىيا مُضِيءَ الرَّأْيِ إن أظلمَ قَدْحُ
يا عَقِيدَ الخيلِ يومَ المُلْتقَىيا سَديدَ البَأْسِ والأقْرانُ طُلْحُ
يا عَرِيضَ الْجاهِ يا حامِي الحِمَىيا مَلاذَ الكونِ إن لم يُغْنِ كَدْحُ
يا جَمِيمَ الفضلِ والسَّيفُ لهبفَدادِينِ الطُّلاَ حَصْدٌ ومَسْحُ
خُذْ حَدِيثِي واسْتَمِعْ قَوْلِي فماكلُّ مَن قال قَرِيضاً فيه صُحُّ
هاك نَظْمَ الدُّرِّ من مَعْدِنِهِرائقَ المعنَى له بالمَدْحِ مَدْحُ
واجْتَلِ الأبْكارَ في نُورِ الْوفَاواخْتَبِرها فهْي بالعِرْفانِ فُصْحُ
ضَمِن الدهرُ لها التَّخْلِيدَ فيصَفَحاتِ الكَوْنِ والأيَّامُ فُسْحُ
وهْي كالجُرْدِ السَّلاهِيبِ لهابمجَالِ الشُّكْرِ في عَلْياك مَرْحُ
حاصَرتْ ما شاد فَتْحٌ قبلَهاوتلَتْ نَصْرٌ مِن اللهِ وفَتْحُ
أحْرَزَ السَّبْقَ ولكن فُتُّهُبك يا ابنَ الطُّهْرِ والآياتُ وُضْحُ
لا يرُوقُ المَدْحُ إلاَّ في الأُلَىلهمُ الأنْسابُ كالأحْسابِ رُجْحُ
أين مَن جَدَّاهُ طه المُصْطَفىوعَلِيُّ المُرْتضَى مِمَّن يُزَحُّ
بَرزَ القالُ لها من مَنْطِقِيلك بالإيرادِ والإسْعادِ سُنْحُ
وأنا منك أيا خَيْرَ الورَىلم يكُنْ صَوْنِي كما قيل أبَحُّ
ولقد أغْنَيتْنِي عن مَطْلَبِيمنك بَدْءاً ونَظِيرِي لا يُلِحُّ
لو درَى النَّحَّاسُ أنِّي بعدَهأصْنَعُ الإبْرِيزَ لم يَمْسَسْه قَرْحُ
أشكُر الأيامَ قد رَوَّيْتنِيوينَابِيعِي بأفْضالِك طُفْحُ
لا أرَى الغُرْبَة ألْوَتْ سَاعِديولِبَاعِي بنَداك الجَمِّ سَبْحُ
طَالِعِي بالسَّعْدِ وَضَّاحُ الحِجَىبك في بُرْجِ الْهَنا والرَّجْوُ ضِحُّ
ولقد بلَّغْتَنِي كُلَّ المُنَىبأحاديثَ لها في النفسِ سَرْحُ
نِعمةٌ منك علينا لم تَزَلْيقْتفِي آثارَها فَوْزٌ ورِبْحُ
دُمْتَ يا شمسَ الهُدَى ما ابْتسَمتْبك أفْواهُ الدجى وافْتَرَّ صُبْحُ
ما هَمتْ عَيْنُ الغَوادِي وبَدَابك في وَجْهِ الزمانِ الغَضِّ رَشْحُ
محمد الطيلوني بعيد غور المدح، واري زناد القدح.
مكانته في البداهة لا تزحم، وحجته البالغة لا تدحض ولا تفحم.
فاز بمقاد الانتقاد، وأمسك عنان الافتنان، فما كلت له شفرة كلام، ولا برئت صحائفه من وقيعة أقلام.
ولا صفا له ضمير، ولا بات ليلةً إلا وله المركروه سمير.
والطبع كالزرع، لا يزكو حتى يصادف ثرىً طيبا، ومن التوفيق مطراً صيبا.
ومن الأخلاق آفاقاً صافية، ومن المكارم أبراداً ضافية.
فإذا لم ير إلا المكاره، حاد عن انطباعه وهو كاره.
فيتخذ الذم عادة، ويراه أشهى من حياةٍ معادة.
وكان يعادي القاضي عمر المغربي ويهاجيه، وكلٌّ منهما يسامر بريد خياله في ذم الآخر ويناجيه.
والقاضي هذا شيخ بن أهرام الزمان، أعمر من نصر بن دهمان.
مُعَمَّرٌ كأنهصالَح صَرْفَ النُّوَبِ
قد انْقضَى الدهرُ وماكان به من عَجَبِ
والناسُ جِسْمٌ واحدٌوذاك عَجْبُ الذَّنَبِ
ارتشف الكبر وارتضع، حتى إذا قيل استحكم اتضع.
ولبس خلعة العجب والمآثم، فهو كالنعش لم يلبس خلعةً إلا وفي الحي نوائح ومآتم.
فمما وقفت عليه مما دار بينهما، هذه الرسالة، كتبها إليه الطيلوني: سلامي على من استعار الليل من سواد خلقته، واستفاد طويس الشؤم من صورته، واكتسب النحسان من نحوسته، وانكدرت النجوم من عبوسته.
لا زال مكتسياً تفاصيل الخزي والخذلان، متردياً أردية الذلة والصغار والهوان.
ما نبحت كلاب المغرب، واستهانت عند من يهجو ويضرب.
وبعد، فإن سألت عني أيها الخامل، الذي لو قدر على حمل الذكور لكنت أول حامل.
فإني بحمد الله من العزة والعافية في أعلى رواق، ممدوحٌ بألسنة الوزراء فمن دونهم بالاتفاق.
في عيشةٍ راضية مرضية، ونعمةٍ سابغة سنية.
لا أرقع قميصا، ولا أبيت خميصا، ولا أستعمل خبيصا.
ولا رهنت منذ عمري جوخةً ولا صوفا، ولا تطفلت على خوان أنتظر فيه لحمةً أو رغيفا.
وإني بخيرٍ كما لا تحبون، وأرجو من الله ما لا ترجون.
وأسأل الله تعالى أن لا تكونوا كذلك، وأن يوقعك في أضيق المسالك والمهالك.
ومما أقرع به سمعك أعاره الله الصمم، وألم بعينيك وفيك العمى والبكم.
أني كنت أضربت عن هجوك صفحا، وطويت على إشهار مثالبك كشحا.
ورميتك ورائي ظهريا، وجعلتك نسياً منسيا، وإن كنت جئت شيئاً فريا.
وقد سمعت أنه بلغ بك من الحسد والجهالة، أن لفقت من هذيانك وسرقاتك رسالة.
وتعرضت فيها لذكر من لست له على بال، ولا تجول بخلده إلا إذا تغوط أو بال.
وتوصلت ببعض المعاتيه، الغارقين في بحر الهيام والتيه.
ليوصلها لصاحب الدولة، أدام الله له العزة والصولة.
فحين رمقها مزقها كل ممزق، وتحقق أنك أكذب من المخرق.
وكانت سبباً لسقوط نحسك، وازدياد عكسك وبخسك.
فكنت كما قيل: كالجادع بيده مارن أنفه، والباحث على حتفه بظلفه.
ولعمري قد تحككت العقرب بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعى.
وإذا حان أجل البعير، حام حول البير.
يا سالكاً بين الأسِنَّةِ والظُّبَاإنّي أشُمُّ عليك رائحةَ الدَّمِ
وحيث أبيت إلا الإصرار، وأوقعت نفسك كالفراش في النار.
وعبست وبسرت، وأدبرت واستكبرت.
حينئذٍ أرسلت لك في هذا الكتاب بعض جوابك، وتعلم أنه ينزل الألم والجوى بك.
فصواعقه لك محرقة خوارق، وزواجره على رأسك يا سندال كالمطارق.
ارتجالي الاختراع، مربع الأسجاع.
مرتب على حروف المعجم، فاسمع يا خامل الذكر وافهم.
يا خط البهائي، يا حزان النشائي، يا إفلاس البيائي، يا تهمة التنائي.
يا خروف أبي الطيب، يا يوم الزمهرير والصيب، يا خجلة العروس الثيب، يا ضرطة الغني المتهيب.
يا أضحوكة الغنيات، يا حامل رزمة المغنيات، يا ثابت السجلات، خذ ما أتى واستعد لما هو آت.
يا من لباسه رث، وحديثه غث، وتطفيله وجره بالكد والحث، ودأبه الانكباب في الأرض للبحث.
يا ظلمة الليل إذا سجى، يا من لا يهاب ولا يرتجى، يا فاقد اللب والحجى، لا بلغت بك النوق النجا.
يا كثير النباح، يا خائباً في الغدو والرواح، كأنك ثورٌ دائرٌ في الطواح، ملأت الجهات من البكا والنواح.
يا أسود سالخ، يا عفونة المسالخ، يا عصارة الكامخ، يا غضاضة الرامخ يا زلعة القيح والدود، يا كثير الآباء والجدود، يا قدار في ثمود، يا عاقر ناقة أخي هود.
يا حانة النباذ، يا خندق بغداذ، يا من يضم الأفخاذ، على الغرمول من الالتذاذ.
يا مرتع الأيور، يا منبع الفساد والفجور، يا يوم المفلس المهجور، يا خزانة الإفك والزور.
يا است القزاز، يا فروة الأجذم النزاز، يا نقاعة الخراز، يا حبة الصيف على الخباز.
يا أقرع الراس، يا نتن الأنفاس، يا حمار التراس، يا بغل ابن قلقاس.
يا دستمان الفراش، يا ثوب النباش، يا جوخة قرواش، يا عمامة خطيب بهواش.
يا صنة اللصوص، يا مبغض يا منقوص، يا من جحد النصوص، وأنكر ما في الفصوص.
يا تارك السنة والفرض، يا من سعى بالفساد في الأرض، وتعرض للأعراض بالقرض، وتفرغ من العرض وامتلأ من العرض.
يا منديل اللواط، يا بيت الوطواط، يا سائل اللعاب والمخاط، يا مكواة الخياط.
يا عين الجاحظ، يا تمتمة اللافظ، يا سليب الحدس والملاحظ.
يا بخر السبع، يا كشر الضبع، يا ثامن السبع، يا مرحاض الربع.
يا خليج المدابغ، يا أشيخان المصابغ، يا ميلغة الوالغ، يا ماء الحوراء ورابغ.
يا عريض القفا والأكتاف، يا زنبيل العلاف، يا خرج شوعة الصراف، يا من لم يحسن الفرق بين المنجم والعراف.
يا ساعة الفراق، يا أوسع من العراق، يا شيبة بولاق، يا حليف الشقا والشقاق.
يا دكان السماك، يا ثقالة الأراك، سعد من لا يراك، وخاب من قربك وأدناك.
يا عش القمل، يا خشكليشة الدمل، يا ماء الشتاء المسيل، يا جامع ابن غراب المعطل.
يا قفة المجذوم، يا عرق المحموم، يا صباح القرد والبوم، أنت بعينه الفاسق المحروم.
يا بول الخصيان، يا رجيع الرهبان، يا مائدة العميان، يا مخزن الصديد والصنان.
يا مهبط الدواهي، يا من خالف الأوامر والنواهي، وجد في التلاهي، وتبع الغي والملاهي.
يا سمير البلوى، يا كثير الشكوى، يا أثقل من رضوى، إلى كم تسقي جحرك ولا يروى.
يا صريع الدلا، يا من هو لا إلى هؤلاء ولا إلى، أينما تتوجه لا، ولم تزل مكباً على.
يا خدن البغي والغي، يا جلدة الجرح والكي، يا زغمة القي، يا باقل الفهاهة والعي، فلا أنت ميتٌ ولا حي.
وها قد نفدت الحروف، ولم تنفد معايبك يا خروف.
وقد حذا فيها حذو أبي بكر الخوارزمي، في رسالته التي كتبها إلى البديهي ومن جملتها: يا غداة الفراق، وكتاب الطلاق.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع