من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السابع في غرائب نبهاء مصر (٧)
يا موت الحبيب، وطلعة الرقيب.
يا يوم الأربعاء في آخر صفر، ويا لقاء الكابوس في وقت السحر.
يا خراجاً بلا غلة، ودواءً بلا علة.
يا أثقل من المكتب على الصبيان، ومن كرا الدرا على السكان.
يا أبغض من لم ولم، ومن لا بعد نعم.
يا بغلة أبي دلامة، وحمار طياب، وطيلسان ابن حرب، وضرطة وهب.
يا نظرة الذل إلى البغيض، يا شرب الخمر على الحشف، يا وكف البيت الشتوي في كانون.
يا ليلة الغربة، وجواب الغلظة.
يا كمد المغموم، ودهشة المصبور.
يا نظرة العنين إلى البكر وقد عجز عنها، واستشعر مخائل الغضب منها.
يا قرع الغريم الباب، ومعه جريدة الحساب.
يا وجه المانع وقفا المحروم، يا شخص الظالم في عين المظلوم.
يا ألأم من اللؤم، وأشأم من الشؤم، وأقل من المعدوم.
يا غم الدين، ووجع العين، ويوم البين.
يا أوحش من زوال النعمة بعد كفرها، وأقبح من ارتجاع الصنيعة بعد شكرها.
يا أثقل من منادمة الطفيلي على الندما، مقترح في الغدا، متشبه في العشا.
مجمشٌ للساقي، مناظرٌ للباقي.
يا أثقل من الحق عليك، يا طول الحجاب، وعبوس البواب.
يا مهاجرة الصديق، ويا سوء القضا، وجهد البلا، ودرك الشقا، وشماتة الأعدا.
وحسد الأقرباء، وطوارق الأرض والسماء.
وملازمة الغرما، وعربدة الجلسا، وخيانة الشركا.
وغش الأصدقاء، وملاحظة الثقلاء، ومسألة البخلاء، ومحادثة البغضاء، ومشاتمة السفهاء، ونصرة الضعفاء، وعداوة الأمراء، ومزاحمة السعداء، يا كرب الدواء.
يا من لو كان اللؤم يلد كان أباه، ولو كان يولد كان أخاه، ولو شارك شريكاً لما عداه.
يا بيع المتاع الكاسد، وجوار الجار الحاسد.
يا ليلة المسافر، في كانون الآخر.
يا خيبة من رأى السراب فظنه شراباً، وندامة من نظر إلى الخطأ فتوهمه صوابا.
يا من هو دليلٌ على أن الله تعالى جوادٌ حين أطعم مثله، وحين رزقه من بره فضله.
يا من هو حجة الملحد على الموحد، في قوله: " الذي أحسن كل شيءٍ خلقه ".
يا من احتماله أصعب من عد الرمل، ومن عدد النمل، والصبر عليه أشقَّ من الصعود إلى السما، والنظر إليه أبشع من النظر إلى نباش قبور الشهدا.
وهذا الباب طويل الذيل، وقد بالغ فيه الأدباء وكثروا، ولم أر أجمع ولا أبلغ من قول الشهاب الخفاجي:
يا سُخْرةَ الشيخِ بلا أُجْرَهْوفَسْوةَ المَبْطونِ في السُّحْرَهْ
ويا كِرا الدارِ على مُفْلِسٍوسَلْحةَ المَطْرودِ في وَعْرَهْ
وضَرْطَة السلطانِ في مَوْكبٍبه وُفودٌ تطلُب النُّضْرَهْ
وضَيْعة الهِمْيانِ من عائلٍقُبَيْل عِيدٍ أعْوَزَ الفِطْرَهْ
ونَظْرةَ المَخْمورِ عَبْداً لهقد كسَّر الأقْدَاح والْجَرَّهْ
وحَسْرةَ العِلْقِ إذا أقْبلَتْلِحْيتُه في آخِر الشَّعْرَهْ
وحَكَّةَ المَقْطوعِ كَفاً لهودُمَّلاً يخرُج في الشَّعْرَهْ
ونَظْرةَ الخِنْزِيرِ من خَارِىءٍيَرْمِيه لَمَّا جاع بالصَّخْرَهْ
ويا قَفَا المَهْزومِ من فارسٍأدْرَكَه في ساحةٍ قَفْرَهْ
وبَهْتةَ السَّكْرانِ من هَاجمٍفي ليلةٍ مُظْلمةٍ قِرَّهْ
ويا نَعِيّاً جاءَ عن واحِدٍإلى عَجُوزٍ ما لَها أُسْرَهْ
ووَحْدةَ الحُرَّةِ في ليلةٍمات بها الزَّوْجُ لَدَى الضَّرَّهْ
وحُجَّةَ المُعْتزِليِّ الذييسْمعُ نَصّاً ناقِضاً أمْرَهْ
وطَلْعةَ الزِّنْدِيقِ في مَسْجدٍيخافُ مِن جِيرانِه هُجْرَهْ
ووَجْهَ تِمْساحٍ لَدىَ ساحلٍأتاه غَرْقانُ رأى بَرَّهْ
وُعرَّةً قد خَرِبتْ فوقَهذُبابةُ الذُّلِّ غدا غُرَّهْ
ومَن غدا في النَّظَرِ ابنَ الأُلَىفي عَيْنِ إبْلِيسَ بهم قُرَّهْ
كم تَدَّعِي الفضلَ ولا تَرْعوِيتُعِيد ما قال ذَوُو الخِبْرَهْ
فهْو على تكْريرِ أقْوالِهمكالجَملِ المَشْغول بالْجَرَّهْ
يا أيها الفَخَّار من أجْلِ ماطَوَّل رَبٌّ خَالِقٌ عُمْرَهْ
هَل تصدُق الأمْثالُ في قَوْلِهاما كُلُّ يومٍ تسْلَمُ الْجَرَّهْ
يا جُعَلَ الجهلِ إلى كم تُرَىمُدَحْرِجاً في طَرَفِ البَعْرَهْ
وقد خرجت عن الصدد في شهوةٍ أطعتها، وصرفت حصة عمرٍ للاشتغال بما لا يعني استبدلت بها السخف لما بعتها.
إذ ليس من شرط كتابي بذاءة، وأخشى من الذم أن أقف حذاءه.
فإني كالدواء أستخرج الأذى، إذا كان غيري كالكأس يستبقى القذى.
وأسأله سبحانه وطالما بلغ السائل منه سؤالاً ومأمولا، متاباً صادقاً على موضع الندم محمولا.
عثمان التلاوي هضبة فضلٍ يقصر عنها المتطاول، وذروة معالٍ لا تنالها الثريا بيد المتناول.
تصدر لإفادة العلوم، وصير المجهول منها في مرتبة المعلوم.
فأطاعه أبيها وشامسها، وانجلى بنور فهمه غامضها وطامسها.
وله أدبٌ كالبحر الزاخر، وشعرٌ كالحلي الفاخر.
فمنه قوله من قصيدة في الغزل، أولها:
مَن مُنْجِدِي من غَزالٍ فَرَّ من كِلَلِوأسْلَم الفكرَ بعد الوصلِ لْلأمَلِ
إذا انْثنَى فغُصونُ الْبانِ مُطْرقةٌوإن رَنَا فظِباءُ البَرِّ في شُغُلِ
يفْتَرُّ عن جَوْهَريْ عِقْدٍ وعن بَرَدٍفالبدرُ في وَجَلٍ والشمسُ في خَجَلِ
ما إن رأيْنا لهذا الظَّبْيِ من شَبَهٍإلاَّ هِلالاً أرابَ الشمسَ في الْحَمَلِ
يسْطُو شُجاعاً فمنه الصَّبُّ في خَبَلٍيرْنُو غَزالاً فمنه القلبُ في جَذَلِ
سَلْماً وحَرْباً أرانا من شَمائلهِيا مَا أُمَيْلِحَ ما منه علَيَّ ولِي
وقوله من أخرى، مستهلها:
أبَتْ هِمَّتي إلاَّ التَّزايُد في الوُدِّمَدَى الدهرِ للأحْبابِ في القُرْبِ والبُعْدِ
أُلامُ على فَرْطِ المَحبَّةِ في الهوىوأُعْذَل أن كانتْ حُتوفِيَ في وَجْدِي
سَرَتْ بي دَواعِي الحُبِّ سَيْراً لَو انَّهتكلَّفَه شُمُّ الشَّوامِخِ والصُّلْدِ
لَشقَّ من التَّبْريح طَوْد رعادهوألقَى مَقالِيدَ المَحبةِ والوُدِّ
فلي شِيمةٌ لم يُبْرزِ الدهرُ مِثْلَهاإذا ما اعْتراها العَذْلُ يكْبُو ولا يُجْدِي
وله:
ألا ليت أُمِّي لم تلِدْني ولم أكُنْتُراباً ولا شيئاً مع الخَلْقِ أُذْكَرُ
فلا عُمْرَ مَصْروفٌ بخيرٍ وطاعةٍولا عِرْضَ مُبْيَضٌّ به المرءُ يُشْكَرُ
ولا رَبُّ أحْسابِي يُصَانُ بلا أذَىولا فِعْلُ معروفٍ مع الناسِ يُثْمِرُ
الأمير عثمان المنفلوطي أميرٌ باهر السنا، أهل المدح والثنا.
رقيق شملة الشمائل، طويل نجاد السيف رحب الحمائل.
يمضي مضاء المشرفي بيمينه، وترف له البشرى في مسعاته رفيف البشر في جبينه.
جمع من المعالي كل تليد وطارف، وهو إلى إسداء المعروف أحن من شارف فينوي كما طش عارضٌ حنان، ويطرب كما حن صادحٌ مرنان.
فهو إنسانٌ منظور إليه بإحسانه، له موقعٌ من الناظر في جوف إنسانه.
فلو قيل قدره من الطود أجل، نادى الصدى من شوامخه أجل.
وَقُورٌ إذا فاضتْ أَيادِيه للورَىكطَوْدٍ تَسامَى واحْتبَى بالجَداولِ
فألْقَى عَصا التَّسْيار إذْ بلَغ الْعُلَىوما قُرِعتْ تلك العصَا في مَحافِلِ
وهو ممدوح الفتح بن النحاس، الذي يقول فيه من قصيدة:
هو والفضائلُ دِيمَةٌ وحديقةٌوالناسُ عَيْنٌ نَحْوه ونِيام
والحِلْمُ رَوْض خُلْقُه أنْوارُهوالآخَرُون الرِّمْثُ والقُلاَّمُ
والجودُ بحرٌ وهْو دُرُّ يَتِمِيهِوالمجدُ بَيْتٌ وهْو فيه قِوامُ
وله من الكلام ما يزين صفوف الطروس بحسن روائه، ويدعو بلسان الحال إلى أن تكون أمراء الشعر تحت لوائه.
فمنه قوله، من قصيدة في الغزل:
ما القلبُ يَا رَّبَة الخَلْخَالِ والخْالِمِن الصَّبابةِ لو طال الْمَدَى خَالِي
طاوَعْتُ فيك الهوَى حتى عصَيْتُ أبِيولا رَكنْتُ إلى عَمٍ ولا خَالِ
يا ظَبْيةً ما رَعَتْ عهدَ الوفا ورَعَتْحُشاشةَ القلبِ إني زاد بَلْبَالِي
لِمْ تَرْفَعي خَبَراً في الحُبِّ مُبْتدَأًولِمْ تُجريِّ القِلَى نَصْباً على الْحالِ
يا صاحبِي إنَّها في مُهْجتِي حَكَمتْفلا أَمِيلُ إلى أقْوالِ عُذَّالِي
السيد أحمد بن القاضي شمس الدين المنصوري سيدٌ له الفضل نسب، إلا أنه صديان جدوى ونشب.
فزحزحه الدهر عن بلده، وأبانه عن معاهد سبده ولبده.
فطار بين سمع الأرض وبصرها، لا يدري ما يطأ من حجرها ومدرها.
إلى أن استقر آخراً بمركز التخت العثماني، مؤملاً أن ينال من باب المراد كل الأماني.
فما أم وجهة، إلا قابلت بالحرمان وجهه.
حتى فل ماله، وقل مناله.
وتفلست لهاه، وتقلست لهاه.
وبقي في الغربة إلى أن تخلصت منه الظنون، ومن مات في قبضة الذل فقد أحسنت إليه المنون.
وكان أنشأ سبع مقاماتٍ أطنب فيها وأطرب، وحاول طريقة من تقدمه فأعجب وأغرب.
وذكر فيها مبتدأ حاله، وما لقيه من النصب في إقامته وترحاله.
بعباراتٍ تعطف القلوب القاسية، وتزعزع الجبال الراسية.
وعرضها على أقوامٍ يكاد يندى من أياديهم السحاب الجهام، فمنعه سوء بخته عن رشاشةٍ يبل بها صدأ الأوهام.
فمما انتخبته من مقامته السادسة: قال أبو الحسن المصري: إني نشأت بمصر السعيدة، حامداً ربي على أيامها الحميدة.
قرير العين، كثير العين.
ليس لي حرفة ولا حيلة، إلا تتبع آثار ذوي الصنائع الجليلة.
فجديت في الطلب، وما أخطأت الأدب.
حتى علوت ذروة كل صناعة، وحويت رأس مال كل بضاعة.
فما رأيت من كل ذلك إلا النقصان، وما استفدت من المتاجر إلا الخسران.
وكان من جملة ما خدمت أساتيذه، وتتبعت دلائله وأسانيده.
الفنون الأدبية، والعلوم الفقهية.
حتى صار لي ملكةٌ في الأخذ من الأسانيد والدلائل، وقدرةٌ على كتب الحواشي وتحرير الرسائل.
خصوصاً فن الكتابة والإنشا، إذ بهما يكون للمرء ما يشا.
ثم خلج في خلدي الرحلة إلى بلاد الروم، لأتمم بها طلب العلوم.
فلما من الله تعالى علي بدخولها، واجتمعت بعلمائها وفحولها.
فإذا هم غارقون في بحور النعم، معروفون بالجود والكرم.
وكنت في بعض الأيام، أتردد على صدورها العظام.
تارةً بما استطعت من قصيدةٍ نظمها بديع، وأخرى برسالةٍ عقود ترتيبها مرصعة بالدر الصنيع.
وكان دأبي تتبع آثار المتقدمين، لأن ما قدموه لا يتهم ككلام المتأخرين.
ومن العادة، أن أهل كل صناعة، يكرمون القادم عليهم من أهلها بحسب الاستطاعة.
فأكرموني بحسب استطاعتهم، وجادوا علي بقدر مروءتهم.
فأعطوني مدرسة، كانت عاقبتها علي فقرا ومنحسة.
فكنت أكثر الأيام، لا أذوق الطعام.
وغالب الأوقات، أحرم الأقوات.
حتى نفد مالي، وتبدد حالي.
وجار علي الزمان، بالذل والهوان.
فبعت كتبي، وأنفقت ذهبي.
كلما عرفت حالي تنكر، وعند ابتداء خروجي من عندهم لم يبق عندهم مني خبر.
ففي يوم من الأيام كنت أكابد الجوع، وأصبر قلبي المسكين الموجوع.
إذ مررت بباب بعض الأكابر، وكان يعرفني من مصر وأنا أبيع الجواهر.
فناداني: ألست الجوهري؟ قلت: نعم، أنا الحسني المصري.
فقال: يا من حضر، الحذر، كل الحذر، من حوادث الدهر فإنه ليس مأمون الخطر.
يعز الذليل، ويذل العزيز، ويحط الجليل.
يخفض المرفوع، ويغير الموضوع.
ثم التفت إلي التفات الشفيق، وقال: إن كلام الشاعر بالتصديق حقيق.
فيما ذكر من الأبيات، في شأن بعض الحكايات.
رواية عن تاجر، أنه التقط شيئاً من الجواهر.
وانتخب منها درة، تساوي بدرة.
فبينما هو سائرٌ في بعض القرى، إذ سقطت الدرة في الثرى.
ومكثت سنةً مكملة، في تلك المزبلة.
فالتقطها أحد الأكارين، وباعها بدرهمين.
فلما بلغ خبرها إلى الشاعر، الأديب الماهر.
أنشد وقال، هذا المقال:
رأيتُ بسُوقٍ دُرَّةً ذاتَ قيمةِيُنادَى عليها بين قَوْمٍ أخِسَّةِ
أبِيعتْ بِبَخْسِ السِّعْرِ من غيرِ أهْلِهافأصْبحتُ من غَيْظِي بهَمٍ وحَسْرةِ
عجِبْتُ لِمَا شاهدْتُه من عجائبٍوقلتُ لهم بَيْتاً به خيرُ حكمةِ
أيا دُرَّةً بين المَزابِل أُلْقِيَتْوجَوْهرةٍ بِيعتْ بأرْخصِ قِيمةِ
فلما سمع الحاضرون كلامه، أظهروا الملامة، ووقفوا أمامه.
وقالوا: لقد بالغت في وصفه، وأطنبت في نعت حاله ورصفه.
فقال: من كان أديباً فليساجله، ويناقشه ويعامله.
فما منهم إلا سأل وأجبته، وخاطبته الخطاب الوسط وما رهبته.
فلما سمع مني صاحب الدار، أجوبتي الحاضرة عن أسئلة أولئك الحضار.
وعدني بوعدٍ حسن، وأنا في انتظاره إلى هذا الزمن.
فخرجت محتاجاً إلى ذرةٍ من درهم في صره، أو لقمةٍ من بره.
فعجب القوم من مدحٍ يوجب الإحسان، وحرمانٍ يقتضي ذم ذلك الإنسان.
محمد خفاجي الزيات غرةٌ في ناصية الدهور، وابتسام في فم الزهور.
له أخلاق من لب اللباب، كما تبسم فم الكأس عن الحباب.
فالراح بسلسلها ممزوجة، والرياض على منوالها منسوجة.
وقد خلص كلامه من التهجين، كما تسل الشعر من العجين.
أثبت له ما تظل الأفكار لحلاوة تعبيراته شائقة، كالشهد لأجل حلاوةٍ رغبت إليه كل ذائقة.
فمنه قوله في الغزل:
هامَ الفؤادُ وقد صَبَا بغَزالِفضَح الغَزالةَ والغرامُ غَزا لِي
سحَر العُيونَ ففي مَ عذَّب خاطرِيوسَبا القلوبَ ففي مَ غيَّر حالِي
رفَع السَّقامُ لخَصْرِه بعضَ الذييلْقى فقابلَه بنَصْبِ الْحالِ
ما لِلْعَذُولِ إذا جَفَا بدرُ الدجىأو مَاسَ بالقَدِّ القويمِ ومَالِي
أفْدِيه وهْو أجلُّ شيءٍ يُفْتَدىبالرُّوحِ منِّي لا أقُول بمَالِي
يا تارِكي بصُدودِه غَرَضَ الضَّنَىهَلاَّ رثَيْتَ لجسمِ صَبٍ بَالِي
يَرْضى ولو بالطَّيْفِ تُرْسِلُه لهفي غَفْلةِ الرُّقَباء جُنْحَ ليالِي
وقوله، من قصيدة أولها:
رأَى ناظِري وَجْهاً يَرِقُّ أدِيمُهُفأجْرى به دَمْعاً وقال أُدِيمُهُ
وشاهَدَه في صفحةِ الخَدِّ لُؤْلُؤاًتَخالَط منه بالعَقِيقِ يَتِيمُهُ
وأبْدَى حديثاً من قديمٍ مُعَلَّلاًفصَحَّ وبالأسْقامِ راح كَلِيمُهُ
رَوَاه عن الزُّهْرِيِّ نْعمانُ خَدِّهوحَسَّنه من عارِضَيْه نَمِيمُهُ
وبي لَوْعةٌ من صَدِّه ونِفارِهِيَوَدُّ لها طُولَ الزمانِ سَلِيمُهُ
لعلَّ له في مَوْقفِ الحشرِ والْجَزَايطُول به المُضْنَى المُعَنَّى لُزُومُهُ
وهيْهات ضاع الصبرُ عند لِقائِهوضاع به في الحيِّ عِطْراً شَمِيمُهُ
ووَيْلاه من قَدٍ إذا هَزَّ عِطْفَهفما عَطْفُهُ يُرْجَى وإنِّي عَدِيمُهُ
إذا رُحْتُ أشكو فالصَّدَى يشْتكي معيمُحالٌ لما أُبْدِي كأني غَرِيمُهُ
كأنَّ النَّوَى لمَّا تخيَّل خَيْبتِيبمَن شَفَّنِي هاجتْ إليَّ جَحِيمُهُ
إذا راح دَمْعِي يُشْبِهُ الدُّرَّ نَثْرُهشَجانِيَ مِن ثَغْرِ الحبيبِ نَظِيمُهُ
يحيى الشامي أريبٌ جلت مزاياه، فكم من خبايا معانٍ في زواياه.
ذكره كالزهر مفتر الكمامة، وخلقه كالروض جادته الغمامة.
وكان مع طبعه المنقاد، ولطفه الذي يهب العين الرقاد.
منفرداً انفراد البدر، متوحداً كليلة القدر.
كأنه سهمٌ رشق عن قوس القضا، يضيق في عين تصوره رحب الفضا.
وله شعرٌ رقيق المعاني، أثبت منه ما تتأنق برونقه المعاني.
فمنه قوله، من قصيدة مستهلها:
أمَا لأسيرِ الحبِّ فَادٍ من الأسْرِليرْبَحَ في المِسْكينِ شَيئاً من الأجرِ
أما لِلْهوى شرعٌ وللحبِّ حاكمٌفيسألَ عن حالِي وينْظُرَ في أمْرِي
رهينُ فؤادِي في يَدَيْ مَن أُحِبُّهعلى غيرِ دَيْنٍ في الهوى مُفْلِس الصَّبْرِ
وباع الْكَرَى إنْسانُ عَيْنِي بنَظْرةٍفما رَبحَ المغرورُ بل عاد بالخُسْرِ
يُطالِبُني العُذَّالُ بالعُذْرِ والهوىولا عُذْرَ لي إلاَّ الهوى والهوى عُذْرِي
وأبْكِي عن من يُشْبِهُ الصَّخْرَ قلبُهكما كانتِ الخَنْساءُ تبْكِي على صَخْرِ
فلا نَظَرتْ عيني خِلافَ حَبِيبَهاوإن زاد في الإعْراضِ والصَّدِّ والهَجْرِ
وبالقلبِ منِّي والْجَوانِحِ كلِّهامَلِيحٌ يفُوق البدرَ في ليلةِ البَدْرِ
بديعُ جمالٍ قد تطابقَ حُسْنُهحَوَى ثِقَلَ الأرْدافِ مَعْ خِفَّةِ الخَصْرِ
إذا الْتفَّ في بُرْدٍ وفاح عَبِيرُهفما شئْتَ قُلْ في اللَّفِّ وفي النَّشْرِ
أحانةُ خَمْرٍ أم سهامٌ رَواشِقُقلوَب الْبَرايا أم ضُروبٌ من السِّحْرِ
ولمّا عَرَتْنِي سَكْرةٌ من لِحاظِهِوصِرْتُ صَرِيعاً لا أُفِيقُ من السُّكْرِ
تدَاوَيْتُ مِن ألْحاظِه برُضابِهِكما يتداوَى شاربُ الخمرِ بالْخَمْرِ
وسكَّن نارِي ضَمُّهُ لجَوانِحِيوأجْفانُه أعْدَتْ فؤادِيَ بالسُّكْرِ
وكان الهوى حُلْواً لَذِيذاً بوَصْلِهِفغيَّر ذاك الحُلْوَ طعمُ النَّوَى الْمُرِّ
شهاب الدين الديربي المالكي أحد السيارة في فلك الفضل، الموفي على أقرانه وله القول الفصل.
قد ظهرت دلائل نبله، ورمى عن قوسه فأصاب لب الصواب بنبله.
فأصبحت مآثره مدونة، وصحائفه بعنوان الخير معنونة.
والفضْل في مِدْحتِه قائلٌهذا لَعَمْري قد غدا مالِكي
فمن شعره قوله من قصيدة يمدح بها المفتي يحيى بن زكريا، وهو قاضٍ بمصر، وأولها:
أوُرْقُ الرَّوْضِ تصْدَحُ أم تغَنَّىهَزَارُ الأُنْسِ بالإقْبالِ هَنَّا
على قُضْبانِ بَاناتٍ ووَرْدٍبألْحانٍ فُرادَى ثم مَثْنى
أم الوَرْدُ البَهِيُّ زَهَا بنَوْرٍسَناهُ عن سَنَا الأقمارِ أغْنَى
أم ابْتَسم الزمانُ فَلاحَ بَرْقٌفأبْكَى في رَوابي الأرضِ مُزْنَا
وصفَّقتِ الرياحُ على أَكُفٍمن الأوْراقِ حتى قد دَهِشنَا
وشُحْرورُ الرِّياضِ بها يُناغِيبأنْواعِ الغِناء به سُرِرْنَا
وقام على الغُصونِ خطيبُ أُنْسٍيُذكِّرُنا بما كُنَّا سَمِعْنَا
ويَرْوِي من أحاديثٍ صحاحٍحَدِيثاً صَحَّ إسْناداً ومَتْنَا
بأن الحَبْر يحيى قام يُحْيِيرُسوماً للشَّرِيعةِ كُنَّ مُتْنَا
قلت: هذا الشاعر إن لم يكن من العوالي، فربما ينظم السبج مع اللآلي.
على أنه قد يُذْكَر في في البَيْن من يُجْعَل عُوذَةً تقِي شَرَّ العَيْن أبو بكر بن شهاب الدين قعود ماجدٌ قامت له البراعة على قدم، وبنى بصائب فكره من رسم البلاغة ما انهدم عجنت طينته بماء عوارف المعارف، فأضحى يجر على أبناء عصره أردية الفخر سابغة المطارف.
وقد تأدب وفاق، ولم يحتج في ترويج حظه إلى حروفٍ وأوفاق.
وله شعرٌ كأنه بنيانٌ مرصوص، وهو بمزية الوصف في حسن السبك عامٌّ مخصوص.
فمنه قوله:
إذا النفسُ سادَتْ في المعالِي طَرِيقهاوليس عَظِيمُ الخَطْبِ عنها يَعُوقُها
فلَهْفاً على نَفْسٍ إذا رُمْتُ عِزَّةًلها ذَلَّ حَوْزِ المطالِب سُوقُهَا
رَمَتْ حَظَّها الأيَّامُ بالأسْهُمِ التيمُحالٌ لَعَمْرِي أن يعيشَ رَشِيقُها
لقد قدّم الجَهْلُ الليالي وإنَّهلَمِن أعْظمِ البَلْوَى التي لا نُطِيقُهَا
ولكنَّ حَسْبَ الحَبْر أنَّ عُلومَهتلُوحُ بآفاقِ الكمالِ بُرُوقُهَا
سليم الشاعر رجلٌ سليم الضمير، ذو باطن أصفى من الماء النمير.
جم الفائدة والآثار، طافح الشعر والنثار.
كيله هيل، ونهره سيل.
يجمع الغث والسمين، ويخلط الورد بالياسمين.
وقد جئتك من منتخباته اللطاف، بقطعةٍ كباكورة الثمار جنية القطاف.
وهي قوله:
سَبَى مُهْجتِي ظَبْيٌ كَحيلُ النَّواظِرِبديعُ جمالٍ حازَ حُسْنَ النَّواضِرِ
فيا مُهْجتِي حَاكِي السَّعِير وشَابِهيبجسمِي ضَنَى خَيْط الرَّبابِ ونَاظرِي
ويا كبدِي هَوْلَ الغرامِ تَجاسَرِيعليه كَقلبِي في هَواه وخاطرِي
برُوحِيَ مَن نَاهِيَّ أصْبَح آمِرِيبه وبِغَيٍ عاذلي فيه عاذِرِي
وبي لِلمَاهُ أو لَمامِ دُنُوِّهِتلَهُّفُ حَيْرانٍ ولَفْتةُ حائِرِ
يجُور عل ضَعْفِي كما يحكُم الهوىبعادلِ قَدٍ منه في الحُكْمِ جائِرِ
غرامِي صحيحٌ والرَّجا منه مُعْضِلٌومُرْسَلُ دمعِي منه جُرْحُ مَحَاجِرِي
فقُرَّةُ عيني عنه عن حَسَنٍ رَوَتْوعن صِلَةٍ لم تَرْوِ قَطُّ وجَابِرِ
يَبيتُ ومنه الطَّرْفُ غَافٍ وغافلٌوما الجَفْنُ منِّي غيرَ سَاهٍ وسَاهِرِ
نَفَى النومَ عنِّي حين أعْرَض نافِراًفبِي منه أوْدَى صُنْعُ نَافٍ ونَافِرِ
غَدَا جَازِماً بالهَجْرِ للنَّومِ رافعاًوناصبَ صَدٍ كاسِراً منه خَاطِرِي
مَدِيدٌ تَجَنِّيهِ سريعٌ صُدودُهطويلُ جَفاً من صَدِّه المُتَواتِرِ
تهتَّكْتُ فيه والهوى لم يزَلْ بهولو تُعْظِم الأحْجاءُ هَتْكَ السَّرائِر
متى يَنْمَحِي منِّي وأُصْبِحُ تارِكاًمَخافاتِ لَهْوٍ عُمْرُه غيرُ عامِرِ
سليمان الدلجي صاحب طبعٍ فياض، وشعرٍ كأنوار الرياض.
تتنافس بهاء آدابه، والشعر طريقته المثلى ودابه.
فمن شعره قوله:
حَسْبُ المُتَيَّمِ ما يلْقاه من ألَمِوما يُقاسِيه من وَجْدٍ ومن سَقَمِ
مُسَلْسِلاً دَمْعَه يَرْوِيه مُنْسكِباًما بين مُخْتلِفٍ منه ومُلْتئِمِ
ودَأْبُه حَمْلُ أعْباءِ المَلامِ علىدِينِ الغَرامِ ولو أشْفَى على العَدَمِ
في كلِّ وقتٍ له وَاشٍ يُرَوِّعُهوكاشِحٌ عاذِلٌ عند الطريق عَمِي
لا لَهْوَ عن قَامةٍ أو مُقْلةٍ سَحَرتْمنها رِماحٌ وأسْيافٌ تُرِيقُ دَمِي
أخْشَى عليها وإنّي خائفٌ وَجِلٌمِن العِداةِ ومِن تَزْوِيرِ قَوْلهمِ
بالقلبِ مَسْكنه لكنَّما جَزَعِيإعْراضُه عن مُحِبٍ ثابتِ الْقَدَمِ
فذُو الصَّبابةِ لا يُصْغِي لِعاذِلِهإن المُحِبَّ عن العُذَّالِ في صَمَمِ
فحسْبُه الله لا يَبْرَحْ أسِيرَ هوىًومُدَّةَ الدهرِ والأيام لم تَنَمِ
علي الصوفي فتى تورعٍ وتصوف، لم يكن له إلى غير الخوف تشوف.
فهو صادق العزمة، مستغاثٌ به في الأزمة.
بعيد القدم، من مخاضات الندم.
أوتي بسطةً في العلم، ورسا طوداً في ساحة الحلم.
وله كلماتٌ في الحكم باهرة اللمعان، بمثلها تحل أضغان وترحل أظعان.
وشعره آخذٌ بأطراف المعارف، ماحٍ بأنوار البراهين شبه الزخارف.
أثبت منه قطعةً تنور القلب وتشرح الصدر، وتدل على أن قائلها في المعرفة علي الهمة والقدر.
وهي قوله:
ومِن عَجَبِي أن الذين أُحِبُّهمْأرَاهم بعَيْن القلبِ طُولَ المدَى مَعِي
وتنْظُرهم عَيْني وهم في سَوادِهاويشْتاقُهم قلبي وهُم بين أضْلُعِي
جعلتُ لهم حتى الدَّوام حُشاشَتِيوعن غيرِهم أصْلاً قطعتُ مَطامِعِي
شكَوْتُ لقاضِي الحُبِّ جَوْرَ أحِبَّتِيجَفَوْنِي وقالوا أنت في الحُبِّ مُدَّعِي
فخُذْ قِصَّتي واحكُمْ عليَّ ومنهمُفإنِّي عليهم خائفٌ كيف أدَّعِي
وعندي شُهودٌ أربعٌ يشْهدون ليسَقامِي ووَجْدِي واشْتياقِي وأدْمُعِي
وإن طلَبُوا منِّي حُقوقَ هَواهمُأقول فقيرٌ لا عليَّ ولا مَعِي
وإن سَجنُونِي في سُجونِ هَواهُمُدخلتُ عليهم بالنَّبِيّ المُشَفَّعِ
محمد بن سلطان الحافظ الرشيدي الأفق الفاتح عن ضوء النهار، والروض النافح عن أرج الأزهار.
استقل بالفائدة الجديدة، واستبدل بالآراء السديدة.
فله في الجد همةٌ لا تني، وعزيمةٌ إذا انثنت الجبال لا تنثني.
أمنت بحمد الله غوائله، وحدثت عن حسن اواخره أوائله.
وله في القريض، باعٌ طويل عريض، وروض بلاغته مخصب أريض.
فمن شعره قوله، في نظم أسماء الأنبياء، المصرح بهم في الكتاب العزيز:
أتَى في كتابِ اللهِ أسْماءُ جُمْلةٍمن الأنْبياءِ المُتَّقِين ذَوِي الفَخْرِ
فأبْدَيْتُ إحْصاءً بنَظْمٍ لِعَدِّهمْبأسْمائِهم أحْلَى مَذاقاً من القَطْرِ
ولم أرَ قبْلي مَن أتى بنِظامِهمْفهاك عَرُوساً أُبْرِزتْ لك من خِدْرِ
ولم ألْتزِمْ تَرْتيبَهم في وُجودِهمْفقدَّمتُ خيرَ الخلقِ أحمدَ في الذِّكْرِ
فقلتُ وإنِّي سائلٌ مُتوسِّلٌإلى اللهِ في أن يرفعَ الوِزْرَ عن ظَهْرِي
محمدٌ المُهْدَى إلى الناسِ رَحمةًوآدَمُ إدْريسٌ ونُوحٌ على الإثْرِ
وهودٌ أخو عادٍ وصالحٌ الذيأتَى بالهُدَى من ربِّه لِذَوِي الحِجْرِ
كذلك إبراهيمُ ذُو الصُّحُفِ الذيعليه ثَناءُ اللهِ في مُحْكَمِ الذِّكْرِ
ولُوطٌ وإسْماعيلُ إسْحاقُ بعدَهأتى نَجْلُه يعقوبُ كالكوكبِ الدُّرِّي
شُعَيبٌ ومُوسَى ثم هارونُ صِنْوُهُعليهم سلامُ اللهِ في السِّرِّ والْجَهْرِ
ويونسُ إلْياسٌ وذُو الكِفْلِ كلُّهممن المُخْلَصِين الدَّائِمين على الشُّكْرِ
وداوُدُ ذُو الأيْدِ سُلَيمان بَعْدَهوأيُّوبُ مَن قد فاقَ بالأجْرِ والصَّبْرِ
ويوسُف لكنَّ المُسَمَّى بغَافِرٍبه الخُلْفُ تحْكِيه الرُّوَاةُ بلا نُكْرِ
فقيل ابنُ يعقوبٍ وقد قيل غيرُهمن الأنْبياءِ المُرْسَلِين ذَوِي الإصْرِ
كذا زكريَّاءُ المُبشَّر بالنِّدَاويحيى وعيسى فاعْتبِرْ يا أخا الفِكْرِ
كذا يَسعٌ ثم الْعُزَيْرُ بتَوْبةٍفسَلْ توبةً من مالِك الخلقِ والأمْرِ
فقيل ابنُ إبراهيم أو هُوَ غيرُهمن الأنبياءِ الطاهِرين أُولِي الصَّبْرِ
فهذا الذي في الذِّكْرِ جاء مُصَرَّحاًبه دُمْتَ مَسْعوداً إلى آخِر الدَّهْرِ
فجُمْلتُهم يا صاحِ عشرون ثم زِدْثمانيةً نِلْتَ الشَّفاعةَ في الحَشْرِ
به أرْتَجِي عَفْواً لِذَنْبٍ جَنَيْتُهعسى العُسْرُ يأتي بعدَه أجْملُ اليُسْرِ
وتنْفَكُّ أقْفالُ القُيودِ بأسْرهاوتُفْتَح أبْوابُ القَبُولِ بلا قَسْرِ
عليهم صلاةُ اللهِ ثم سلامُهيَدُومانِ أحْقاباً إلى أمَدِ الدَّهْرِ
قوله: ويوسف به الخلف في الخميس نقلاً عن الكامل، قيل: موسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم.
وأم موسى يوخانذ.
واسم امرأته صفوراً ابنة شعيب النبي.
وكان فرعون مصر في ايامه قابوس بن مصعب بن معاوية، صاحب يوسف الثاني.
وكانت امرأته آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الأول. انتهى.
وقال في محلٍ آخر: وقيل: كان الملك في أيام يوسف فرعون موسى وهو مصعب ابن الريان، أو ابن الوليد، بن مصعب.
عاش أربعمائة سنة، وبقي إلى زمان موسى، بدليل قوله تعالى: " ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ".
والمشهور أن فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، من بقايا عاد، والآية من قبيل الخطاب للأبناء بأحوال الآباء.
وقوله وذو الكفل في نبوته خلاف، قال البيضاوي: في سورة ص: ذو الكفل ابن عم يسع أو بشر بن أيوب، واختلف في نبوته. انتهى.
ولم يحك هذا في سورة الأنبياء، بل قال: إلياس أو يوشع أو زكريا.
وحكمة تأخيره على القول بأنه زكريا؛ لأن الله تعالى ذكره بعد ذي النون، بقوله تعالى: " وزكريا إذ نادى ربه "، فهذا يبعد القول بأنه زكريا.
وقال الجلال المحلى، في سورة ص: اختلف نبوته، قيل: كفل مائة نبيٍ فرت إليه من القتل. انتهى.
ويدلك على أن القول بنبوته ضعيف، قول الجلال المحلى أيضاً، في سورة الأنبياء: وسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بصيام جميع نهاره، وقيام جميع ليله، وأن يقضي بين الناس ولا يغضب، فوفى بجميع ذلك، وقيل: لم يكن نبياً. انتهى.
وإيراده له بقيل، مع تأخيره إشارة إلى الضعف.
وفي تاريخ ابن الشحنة: وبعث الله تعالى ولد أيوب بشراً، وسماه ذا الكفل، وكان مقامه بالشام. انتهى.
فهو والمؤيد، صاحب حماة، جازمان بأن ذا الكفل ابن أيوب، بعثه الله بعد أبيه.
وقوله: كذلك إسماعيل فيه الخلاف المذكور في الأنعام: قيل غير ابن إبراهيم، والصحيح أنه ابنه؛ وإنما أخر في الذكر لأنه أبو العرب، ولم يكن أباً لبني إسرائيل، وإنما كان إسحاق بن إبراهيم، فلما ذكر إسحاق عد الأنبياء من أولاده، ثم عاد إلى ذكر إسماعيل.
وفي تفسير اللباب: إشماويل بالعربية: إسماعيل، وهو متأخر عن أولاد إبراهيم بزمان طويل، وهو الذي داود وبقي إلى زمان شعيب بن غيفا، صاحب مدين الذي تزوج موسى بنته، وشعيب بن ذي مهدم، وإليه الإشارة بقوله ﷿: " وكم قصمنا من قريةٍ كانت ظالمةً "، أي بقتلهم شعيباً هذا.
محمد بن موسى الحسيني الجمازي معدودٌ من سراة الجحافل، مرموقٌ في السادة الذين زينوا المحافل.
تتعطر أودية الشرف من رياه، وتتقطر مياه الترف من محياه.
فيبدي عن ماء النعيم رواؤه، ويزيل الصدى عن الأكباد الهيم إرواؤه.
وله شعر كنسبة عالي، محله الغرة من جبهة المعالي.
فمنه قوله لتمثال النعل الشريف:
لِتْمثالِ النِّعالِ بلا ارْتيابِفضائلُ أدْهشتْ أهلَ الحسابِ
فيا شوقِي لِما وَطِئتْه رِجْلٌعلَتْ فوق العُلَى ودَنَتْ كقَابِ
تُشرِّف لاَثِميها ثم تَشْفِيمن الأوْصابِ بالقَصْدِ الصَّوابِ
فخُذْها عُدَّةً من كلِّ هَوْلٍتَراهُ لم يكن لك في حِسابِ
وتبْقَى ما حَيِيتَ عظيمَ جَاهٍوعِزٍ في أمانٍ مُسْتطابِ
حَمَدْتُ اللهَ إذْ نظَرتْ عُيونيلها أشْكالَ حُسْنِ وانْتخابِ
ومَرْجِعُها مع التَّكْرارِ فَرْدٌإذا خَفَّفْتَ مع كَشْفِ النِّقابِ
فجازَى الله مُهْديِها إليْناجزاءَ الخيرِ مع حُسْنِ المَآبِ
وقوله فيه أيضاً:
لمَّا رأيتُ مِثالَ نَعْلِ المُصطفَىالمُسْنَدَ الوَضْعِ الصَّحيحَ مُعَرَّفَا
مِن حَضْرةِ الأعْلامِ زاد تشوُّقِيوتشَوُّقِي فازدَدْتُ منه تَرَشُّفَا
مُذ باشَرتْ قَدَمَ الحبيبِ تشَرَّفتْفانْحُ الشِّفاء بلَثْمِها تَجِدِ الشِّفَا
يا طَالَمَا مَرَّ اللُّغُوبُ من الأذَىوأضَرَّ بالجسم الضَّعِيفِ تعسُّفَا
وأصَابني داءُ الشَّقيقةِ مُؤْلِماًوبقِيتُ ممَّا نالني مُتخوِّفَا
فمسحتُ وَجْهِي بالمِثالِ تبرُّكافشُفِيتُ مِن وَقْتِي وكنتُ على شَفَا
وظفِرتُ بالمطلوبِ من بَرَكاتهووجدتُ فيه ما أُرِيدُ مع الصَّفَا
لِمْ لا وصاحبُه أتانا رحمةًالهاشميُّ الأبْطَحِيُّ المُقْتفَى
صلَّى عليه اللهُ ﷻمع آلهِ الغُرِّ الكرامِ ذوِي الوفَا
أحسن ما قيل في هذا المعرض قول بعضهم:
مُذ شاهدتْ عَيْنَاي شكلَ نِعالِهِخطَرتْ عليَّ خوَاطرٌ بمِثالِهِ
فغدَوْتُ مشغولَ الفؤادِ مُفَكِّراًمُتَمَنيِّاً أنِّي شِراكُ نِعالِهِ
حتى أُلامِسَ أَخْمَصَيْهِ مُلاطِفاًقَدَماً لمن كشَف الدُّجَى بجَمالِهِ
يا عَيْنُ إن شَطَّ الحبيبُ ولم أجِدْسَبَباً إلى تَقْرِيبِه ووِصالِهِ
فلقد قنِعْتُ برُؤْيتِي آثارَهُفأُمَرِّغُ الخدَّيْن في أطْلالِهِ
وأصل هذا قول علاء الدين بن سلام:
يا عينُ إن بَعُدَ الحبيبُ ودارُهُونَأتْ مَراتِعُه وشَطَّ مَزارُهُ
فلقد ظفرْتِ من الزَّمانِ بطائلٍإن لم تَرَيْه فهذه آثارُهُ
ومثله قول لسان الدين بن الخطيب التلمساني:
إن بان مَنْزِلُه وشَطَّ مَزارُهُقامتْ مَقامَ عِيانِه أخْبارُهُ
قَسِّمْ زمانَك عَبْرةً أو عِبْرةًهذا ثَراهُ وهذه آثارُهُ
ولهذا الشاعر معاصرٌ اسمه محمد بن ضيف الله، ويعرف بالترابي، رشيدي التربة، له في وصف التمثال الشريف:
لِمَن قد مَسَّ شكلَ نِعالِ طهجَزِيلُ الخيرِ في يومِ الثوابِ
وفي الدنيا يكونُ بخير عَيْشٍوعِزٍ بالهَناءِ بلا ارْتيابِ
فبادِرْ والْثِمِ الآثارَ منهالَقصْد الفَوْزِ في يومِ الحسابِ
فنعمَ القَصْدُ أشْرفُ شَكْلِ نَعْلٍلقد وُضِعتْ على وَجْهِ التَّرابِ
والذي جرى في ميدان هذا التماثل فلم يلحق الشهاب الخفاجي، حيث قال:
لَعَمْرُك نَعْلُ المصطفى بَركاتُهايُشاهِدُها كلُّ امْرِىءٍ كان ذا عقلِ
ولو أن في وُسعِي زِمامَ تصرُّفِيجعلتُ لها جَفْنِي مِثالاً بلا مِثْلِ
وكان أَدِيمُ الوَجْهِ فوق أدِيمهايَقيِها غُباراً من تُرابٍ ومن رَمْلِ
أُفَصِّل من دِيباجَتيْهِ وِقايةًتُمَدُّ عليها حَذْوُكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ
وقال:
وحَقِّك تِمْثالُ النِّعَالِ مُكَرَّمٌبه اعْترفَ العقلُ المُدقِّقُ والفضلُ
ونَعْلٌ لأقْدامٍ يَلِينُ لها الصَّفَاأيَقْسُو عليها القلبُ ممَّن له عَقْلُ
تفاءَلتُ مِن تَقْبِيلها أنَّنا بهاعلى كلِّ ذي قَدْرٍ رفيعٍ غَداً نَعْلُو
موسى القلبيبي الأزهري كاملٌ في صنعة التأديب، لفظه الأزهري تهذيب التهذب.
أحسن ما شاء في النظم والإنشا، وأفاض قليبه فملا الدلو وبل الرشا.
ينادي الأدب إلى طاعته فلا يتوقف، ويلقي عصا سحره المصري فتتلقف.
فمما اخترته من شعره المعسول، هذه القطعة من موشح قاله في التوسل بجاه الرسول.
وقد كان أصابه رمد، فزال عنه بلطف القادر الصمد:
يا إلهي بكريمِ الكُرَمَاطاهرِ الأنْفاسْ
ألْطفِ الخلْقِ رحيمِ الرُّحَمَاسيِّدِ الأكْياسْ
عَبْدُك المُختار من أُمِّ القُرَىلقيامِ الدِّينْ
الحبيبُ المُجْتَبَى عالِي الذُّرَىصاحبُ التَّمكينْ
عَرْشُ سِرِّ الله ما بين الوَرَىشامِخُ العِرْنِينْ
رافعُ الخطب إذا مادَهَمَادَافِعُ الأدناسْ
أعلمُ الناسِ بما قد قَدِماقبل عصرِ الْياسْ
نُقْطةُ التَّفْضِيلِ في الدَّوْرِ القديمْمَظْهرُ اللاَّهوتْ
ظاهرُ التَّفْضيل مِن قبْلِ الْكَلِيمْباطنُ النَّاسُوتْ
مُفْصِحُ التَّعْبِير عن أهلِ الرَّقِيمْقامِعُ الطَّاغُوتْ
تُرْجُمانُ الطِّلْسَمِ الغَيْبِيّ ماقال ربُّ النَّاسْ
جاء جبريلُ به ممَّن سَمَالجلاءِ الْباسْ
الرسولُ المُقْتَفى ممَّن مَضَىمَهْبِطُ الأسْرارْ
الصِّراطُ المُسْتقِيمُ المُرْتضَىصاحبُ المِقْدارْ
شاهرُ السيفِ القويمِ المُنْتضَىمَاحِقُ الأغْيارْ
كالِىءُ الإسلامِ حتى أن سَمَاكاسِرُ الأرْجاسْ
شافعُ الخَلْقِ إذا اشْتدَّ الظَّمَاصافِعُ الوَسْواسْ
قد توسَّلْتُ به أرْجُو الفَرَجْفامْحُ آثامِي
وأزِلّ عنِّي عَنائِي والحَرَجْواجْلُ إجْرامِي
وبلُطْفٍ منك بَرِّدْ مَا وَهَجْواشْفِ أسْقامِي
وتلطَّفْ يا إلهي كَرَمَابضَعِيفِ الرَّاسْ
وأغِثْنِي وأعذْنِي كلَّماوَسْوَسَ الخَنَّاسْ
صلواتُ وَاصِلاتٌ كلَّمادارتِ الأفْلاكْ
وسلامُ ورِضاً قَدْرُ ماسبَّحت أمْلاَكْ
لحبيبٍ ونَبِيٍ قد حَمَىمِن عَمَى الإشْراكْ
وعلى آلٍ وصَحْبٍ رحماعِتْرة الْعَبَّاسْ
ما غُصَيْنٌ في رياضٍ قد سَمَاوبلُطْفٍ مَاسْ
محمد المنوفي القاضي أديبٌ جيد التعبير، متقن التوشية والتحبير.
والقاهرة أفقه الذي به أستهل، ومحل عيشه الذي شب فيه واكتهل.
ثم ولي القضاء مراراً عدة، وتردد في نصب المناصب إلى أن استوفى المدة.
وله شعر أطربت به قصب اليراعة، وابتهجت برونقه رياض البراعة.
فمنه قوله من قصيدة في المدح، أولها:
لئن ضاق ذَرْعِي أو تغيَّر حالِيوعَطَّل منِّي الدهرُ ما هو حَالِي
وأفْردنِي صِفْرَ اليديْن ونَاشَنِيبِمِخْلَبِه إلا شَفْى وفَرَّق بالِي
فخيرُ الورَى ذُخْرِي وكَهْفِي وعُدَّتِييُخلِّصُنِي منه بغيرِ سُؤالِ
فهِمَّتُه زُهْرُ الكواكِب دُونَهاومجلسُه السَّامِي مَحِطُّ رِحالِي
منها:
إذا خَطَّ طِرْسٍ رأيتَ جواهراًتَنظَّمُ في سِمْطَيْ حَياً وجَمالِ
وإن قال لم يتْرُك مَقالاً لقائلٍوإن صالَ جالَ القِرْنُ كلَّ مَجالِ
ولا عَجَبٌ من سَيْبِ سُحْبِ نَوالِهِومَبْسِمِه الأسْنَى وحُسْنِ فِعالِ
ولكنْ عجيبٌ لا تَرَى بك وَحْشةًوأنتَ بدُنْيانا عَدِيمُ مِثالِ
وكتب يهنيه بعيد النحر:
تَهَنَّ بعيد النَّحْرِ يا واحدَ الدَّهْرِودُم في الْهنا والعزِّ والمجدِ والنصْرِ
تُقلدنا فيه قلائدَ أنْعُمٍوأحسنُ ما تبْدُو القلائدُ في النَّحْرِ
فهذا زمانُ الأمْنِ واليُمْنِ والمُنَىوهذا زمانُ المدحِ والحمدِ والشكرِ
ولمَّا حَطَطْتُ الرَّحْلَ دون عِراصِهِأخذتُ أمانَ الدهرِ من نُوَبِ الدهرِ
وما عَتْبُه إلاَّ بأني وَصفتْهُوشبَّهتُه بالبدرِ والليثِ والبحرِ
ومن يكُنِ الرحمنُ خَلَّد مُلْكَهوأثنَى عليه الله في مُحْكَمِ الذِّكْرِ
يَحِقُّ له أن يبسُط الكَفَّ بالْعَطَاوينصُرَ مكسوراً من الفقرِ بالجَبْرِ
قوله: تقلدنا فيه قلائد البيت، لما رأيته منسوباً إليه، استكثرت معناه البديع عليه.
ثم ظفرت به في أشعار بلدية ابن نباتة، فعرفت أن التضمين ما فاته.
ولابن نباتة بيتٌ قبله، وهو:
تَهَنَّ بِعيد النحرِ وابْقَ مُمتَّعاًبأمثالهِ سامِي العلى نافِذ الأمْرِ
وأصله قول زكي الدين بن أبي الإصبع، وفيه الاستتباع،
تخيَّل أن القِرْنَ وَافاهُ سائلاًفقابلَه طَلْقَ الأسِرَّةِ ذا بِشْرِ
ونادَى فِرِنْدَ السيفِ دُونَك نَحْرَهُفأحْسَنُ ما تُهْدَى الَّآلِي إلى النَّحرِ
وفي منشآت ابن نباتة: وصل المثال الأعظم فقبل المملوك الأرض أمامه مراراً، واسترسل سماء النعمة مدراراً.
وعارض بقطرات مدحه البحر، وتقلد في هذا العيد قلادة الكرم وأحسن ما كانت القلادة في النحر.
محمد بن معتوق المنوفي القاضي فاضلٌ قال من الفضل بظلٍ وريف، وكاملٌ حل من الكمال بين خصب وريف.
حسن اللفظ وجوده، وبيض وجه البلاغة بما سوده.
وله شعر ألذ من غمزات الألحاظ المراض، وأشهى من تلفت الظباء بعد الإعراض.
أنشدني له بعض المصريين قوله:
رمى رِيمُ النَّقا من أرْض رَامَهْبلَحْظٍ في الْحَشَا يُذْكِي ضِرامَهْ
فما ثُعَلٌ برامِيَةٍ نِبالاًإذا ما استَلَّ من لَحْظٍ حُسامَهْ
شُعورِي ضَلَّ في داجِي شُعورٍتُظلِّلُ وَجهَه من فوقِ هَامَهْ
ألا فاعجَب لِظلٍ فوق شَمْسٍوبدرٍ قد أظلَّتْه غمامَهْ
وخِشْفٍ بالشَّمائِل والمَزايَاتراه يَصِيدُ مِن غَابٍ أُسامَهْ
يمُرُّ مُسلِّماً صبٌّ عليهفلا يَرْضَى لعاشِقه سَلامَهْ
ويقتُل مَن يهَيمُ به مَلُوماًوليس عليه في قتْلٍ مَلامهْ
منها:
أَخا الغزْلانِ رفْقاً بالمعَنَّىفمِن مَعْنَاك قد حَلَّى نظامهْ
يُسامِي فكرُه الْعَيُّوقَ حتَّىيُسامِرَه ويُسْمِعه كلامَهْ
علي بن موسى الأبيض قمر ذكاءٍ يلذ على طلعته السمر، وربيع فضلٍ يطيب منه النور والثمر.
رأيته بمكة فرأيت شخصاً بحلية التقى متحليا، ومن هجنة الرياء متخليا.
وهو ذو بيضاء نقية، فيه من نزقة الشباب بقية.
وله شعر أعده من وساوس فكره، إلا أني لم أر بداً من ذكره.
فمنه قوله، من قصيدة في الغزل:
سَبتْني بحُسْنِ البَها والكَحَلْإلى أن بَدَا الشيبُ عندي وحَلّ
وفتَّشْتُ قلبي وجسمي فلمْأجِدْ فيهما لسِواها مَحَلّ
وحالفْتُ سُهْدِيَ جُنْحَ الدُّجَىوخالفتُ يا صاحِ نَوْمَ المُقَلْ
أيا عاذلِي دَعْ مَلامِي ولاتسَلْ عن غرامِي بها لا تَسَلْ
أنا الْوالِهُ الصَّبُّ لا غَرْوَ أنلبِسْتُ ثيابَ التَّصابِي حُلَلْ
رعَى اللهُ دهراً بها قد مَضَىبوَصْلٍ ومنها سُقِيتُ الْعَلَلْ
وفيها صَفا باللِّقا خاطرِيوزالتْ كُروبِي بها والعِلَلْ
وماسَتْ بأعْطافها وانْثَنتْدَلالاً بقَدٍ يفُوق الأسَلْ
وطافتْ بكأسِ الطِّلا في الدُّجَىكبدرٍ بِبُرجِ السُّعودِ اكْتَمَلْ
وقالتْ ألا أيها المُجْتَبىتَهَيَّ إلى الوَصْلِ وانْفِ المَلَلْ
سكِرتُ سكِرْتُ ووَقْتِي صَفَاونَجْمِي بسَعْدِ السُّعودِ اتَّصَلْ
ونِلْتُ المُنَى حين وَاصَلْتُهاومَصَّيْتُ ثَغْراً يُحاكِي العَسَلْ
ونزَّهْتُ طَرْفِيَ في وَجْنةٍغدا الوردُ مِن حُسْنِها في خَجَلْ
وهِمتُ بأقداحِ أحْداقِهاوتَيَّمنِي غَزْوُها والغَزَلْ
فللهِ من أعْيُنٍ جَرَّدتْسِهاماً وكم جَنْدَلتْ من بَطَلْ
رَنَتْ لي بها بعدَ ما أنْشدَتْعلى عُودِها نَغْمةً مِن رَمَلْ
وأطْيارُ أُنْسِيَ قد غَرَّدتْبمُعْربِ لَحْنٍ غَرِيبِ الْمَثَلْ
وَلِعْتُ بها وخلَعتُ السِّوَىوسَمْسَمَنِي رِدْفُها والكَفَلْ
فوُقِّيت في الحبِّ شرَّ العِدَىوفي كلِّ حالٍ بلغْت الأمَلْ
محمد بن عمر الخوانكي أديبٌ خبره متمتع الأسماع، وعشرته سلوى الأماني وحظ الأطماع.
لقيته بالروم والحال حالي، والعيش من كدر الأيام خالي.
وأنا وإياه حليفا صبا، وأليفا شمولٍ وصبا.
لم يشب مسك عارضينا بعارض، ولم يدر كافور التجارب منا في عارض.
فكنت أتمتع من لفظه بما ينعش كل خافٍ خافت، ومن معناه بما يحرك كل هافٍ هافت.
حتى غار القضا فأغار، واسترد مني ما كان أعار.
فانفصم ذلك العقد الثمين، وتفرقنا ذات الشمال وذات اليمين.
ثم رأيته بدمشق في سنة مائةٍ وألف، وقد عرض البياض لعارضه، كما صرح لي بعد معارضة.
وصرنا في بردٍ من الشيب منهج، بعد أن كنا في بردٍ من العيش مبهج.
فمما استتم السؤال عن كيفية الحال، حتى خاطبته على سبيل الارتجال:
لا تَعِيبَنَّ صُفْرةَ اللَّونِ منِّيواحْمِرارَ الدموعِ في أجفْانِي
فبَياضُ المَشِيبِ يُنْبِىءُ أنِّيغَيَّرتْنِي تَلوُّناتُ الزمانِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع