تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه أحمد

أحمد بن عبد الغني بن أحمد بن خلف بن المسلم اللَّخميُّ القطرسيُّ.

كان من أهل الديار أ/ المصرية. وبها نشأ خاملاً، وكفله شخص من مصر يقال له "القطرس" ورّباه فلا يعرف إلاّ به. وفتح مكتبًا يعلّم فيه الصبيان، وبقي زمانًا طويلاً يؤدّب الصبيان ويعلمهم الخط. هكذا حكى لي من أثق به.

وكان فاضلاً نبيلاً شاعراً جليلاً فقيهاً على مذهب الإمام مالك بن أنس ﵁ وعنده معرفة حسنة بالأصولين والفلسفة، وحصل من ذلك على الأمد الأقصة.

ثم ترك ذلك وخدم في الأشغال الديوانية وفي ديار مصر؛ وله شعر كثير لطيف الغزل رقيقه. وتوفي بقوص في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستمائة.

وساق ذكره الإمام أبو حامد الكاتب في خريدته، وأثنى على فصاحته ومعرفته.

قال العماد أبو حامد محمد بن محمد الكاتب الأصفهاني في خريدته: النفسي بن القطرس شاب مصري فقيه في المدرسة المالكية بمصر له خاطر حسن ودراية، ولسن ويد في علوم الأوائل قوية وروية من منابع الأدب ومشارعه روية.

أنشدت له:

/ ب/ يسرُّ بالعيد أقوام لهم سعةمن الثَّراء وأمَّا المقترون فلا
هل سرَّني وثيابي فيه قوم سباأو راقني وعلى رأسي به أبن جلا
للشاعر النفيس القطرسي، اقرأ القصيدة

عيد عداني الغنى فيه إلى ....... لا تعرف العرف أيديهم ولا القبلا

ظللت أنحر فيهم مهجتي أسفًاوهم به ينحرون الشَّاء والإبلا

لكان أرفع ........ الَّذي سفلا

قال المبارك بن أبي بكر ...........، أنشدني أبو الفضل زهير بن محمد بن علي الكاتب، أنشدني الفقيه النفسي أبو العباس أحمد بن عبد الغني بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف بن المسلم اللخمي القطرسي لنفسه بقوص:

وأهيف كالقضيب إذا تثنَّىوكالقمر المنير إذا تبدَّا
سبى قلبي هواه وكنت حرّاًوأضرعني هواه وكنت جلدا
فديتك من يمان كاليمانيإذا ما أهتَّز الحاظًا وقدَّا
رآني الحسن أهوى الثَّغر المىفألبسه اللمَّى المعسول بردت
/ أ/ لئن لانت معاطفه دلالاًفإنَّ السَّيف يقتل وهو يندى
وإن عذبت مرأشفه فممَّايذيب حديثه فيهم شهدا

وأنشدني بالإسناد له:

وقامة كالقضيب مائسةتحمل جسمًا كأنه الذَّهب
شمائلً الحسن فيه شاهدةبأنَّه حيث ينتهي الطَّلب
.. تفته والدلال يجذبهوالقلب منه إليه ينجذب
وذقت ريقًا مزاجه عجبالخمر والمسك فيه والضَّرب
ولم أزل في أنتهابه شرهًافاعجب لملكي وكيف أنتهب

أنشدني زهير بن محمد بن علي الكاتب، قال: أنشدني أحمد بن عبد الغني لنفسه:

وذي هيأة يزهى بحال مهندسأموت به في كلِّ يوم وأبعث
محيط بأشكال الملاحة وجههكأن به أقليدسًا يتحدَّث
للشاعر النفيس القطرسي، اقرأ القصيدة
فعارضه خطُّ أستواء وخالهبه نقطة والخدُّ شكل مثلَّث
للشاعر البديع الإسطرلابي، اقرأ القصيدة

/ ب/ وقال:

نفسي الفداء لبابليِّ اللَّحظ فضِّيِّ الثَّنايا

ساجي الجفون على عرامة لحظه دمث السَّجايا

المى كأنَّ المسك قبَّله فأدوعه بقايا

وقوله:

وأغن أغنى وجهه عن روضةغنَّى وإن كان القضيب المائدا
وإذا رأيت جماله وسمعتهأبصرت بدراً وأستمعت عطاردا

عطارد: مغن مشهور من القدماء.

وقال أيضًا:

علق القلب غزالاً أحوراأهيفًا أسمر يحكي الأسمرا
بابليَّ اللَّحظ شهديَّ اللَّمىلؤلؤيَّ الثَّغر بدريَّ السُّرى
يوسفيَّ الحسن إلاَّ أنَّهما له بالثَّمن البخس شرا
لو رأى إبليس في صورتهآدمًا يأمره ما استكبرا
أرسل الطُّرَّة كاللَّيل علىغرَّة كالبدر لمَّا بدرا
وأراني الورد والنَّرجس منمقلًة حورا وخدِّ أحمرا
/ أ/ وحباني أقحوانًا أشنبًافضلً الخمر وفاق العنبرا

وقوله أيضًا:

وأخضر مثل غصن البان لدنوأحسن ما يكون الغصن أخضر
كأنَّ عذاره وافاه عذراًليظهر فيه حسنًا كان مضمر
جرى ماء الصِّبا فيه فأزهىوأشرف نوره فيه وأزهر
وأثمر بالدَّراري والدَّياجيوهل غصن بذلك قطُّ أثمر
وقالوا: ريقه خمر ومسكوقد جهلوا بأنَّ الطَّعم سكَّر
نعمت بوصله في جنح ليلتظاهر من ذوائبه بمغفر
إلى أن جرَّد الإصباح سيفًامضارب حدِّه الله أكبر!

وقال أيضًا:

وأهيف مثل الرُّمح لينًا ودقَّةوكالسَّيف قدّاً واهتزازاً ورونقا
يضيء الصِّبا في وجهه فجمالهيجدَّد فيه كلَّما قيل أخلقا
سبت مهجتي منه جفون كحيلهوما كحلت بالسِّحر إلاَّ لتعشقا

وقدم حلب أيام الملك الظاهر وامتدحه ومن شعره قوله:

/ ب/ هلاَّ عطفت على المحبِّ المدنففشفيت غلَّة قلبه المتلهِّف
يا محرقًا قلبي بناء صدودهلو شئت كان ببرد ريقك ينطفي
أتلفتني بهواك ثمَّ تركتنيحيران أسكب دمعتي يا متلفي
أو ما علمت بإنَّني رهن الضًّنىوقف الهوى لعذارك المتوقِّف
لا شيء أحسن من محبٍّ مغرموجد السَّبيل إلى حبيب منصف
من لي وقد سمح الزَّمان بخلسةلولا تذكُّر طيبها لمً تعرف
إذ بتُّ معتنق القضيب على النَّقاونعمت مغتبق السُّلاف القرقف

ومن شعره أيضًا:

يا من تعوِّذه محاسنهمن عين عاشقه إذأ شكُّوا
فبوجهه ياسين طرَّتهوعلى لماه ختامه مسك

وله يرثي صديقًا:

يا راحلاً وجميل الصَّبر يتبعههل من سبيل إلى لقياك تتَّفق
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه»
ما أنصفتك جفوني وهي داميةولا وفي لك قلبي وهو يحترق
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه»

أحمد بن أسعد بن أحمد أ/ بن عبد الرزاق بن بكران، أبو الفضل المزدقانيُّ الوزير.

استوزره عز الدين أبو سعيد فرخشاه بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي –صاحب بعلبك- وكان متقنًا في كل نوع من العلوم؛ كعلم الفقه والحساب والكلام والنحو اللغة

والأدب والشعر، وقرضه ومعانيه. وتوفي يوم الجمعة ثامن المحرم سنة خمس عشرة وستمائة.

أنشدني أبو محمد عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الكافي الدمشقي الأنصاري المعروف بابن الحنبليّ، قال: أنشدني الوزير أبو الفضل المزدقاني لنفسه:

ردُّوا زمان الصِّبا واللَّهو والكاسوعلِّلوني بندماني وجلاَّسي
وأسنيقنوا أن أقصى ما أؤمِّلهوأشتهي شربه من ماء بلناس
وإن تحقَّقتم أن ليس يمكنكمهذا فحسبي صباباتي ووسواسي
من ليس يقدر أن يقضي لصاحبهخقًّا يعدُّ من الأحياء في النَّاس

وأنشدني، قال: أنشدني أبو الفضل شعره:

واضيعتا إن لم تجدلي خالقي بالعفو عنِّي
/ ب/ أذهبت عمري في الهذاءوبالتَّرجَّي والتَّمنِّي
وأتيت أطلب عفوهفالذَّنب والتَّقصير منِّي

وأنشدني المفضل بن أحمد، قال: أنشدني والدي لنفسه:

قبِّل بساط الملك الشَّاغرعن عبد قنٍّ لنداه شاكر
الملك الأمجد دام ملكهسيف أمير المؤمنين النَّاصر
ذي الماثرات الباهرات في الورىربِّ النَّوال الجمِّ والماثر
وقف أمام دسته إذا أحتبىلوفده كبدر تمٍّ سافر
وأتل لديه سورة الفتح تقللك الجواد السَّمح لفظ العاثر
وقل له: يا ملكًا فاق الورىمن أوَّل في عصره وآخر
عزَّ بك الإسلام يا ناصرهوذلَّ منً خوفك كلُّ كافر
وفتَّ أرباب الفخار والعلابما تدرَّعت من المفاخر
لو كنت قسَّ زمني فصاحةقصَّر عن وصف علاك خاطري
لأن أبناء الزَّمان وشلوأنت كالبحر الخضم الزَّاخر
حجَّ إليك أملي من دونهمفعاد بالأخر الكثير الوافر
/ أ/ فكيف لا أشكر مولًى منعمًاملأت من نائله غرائري
قد كملا صفاته في ذاتهوفاق بالأصل الشَّريف الطَّاهر
دم ملكًا على الزَّمان حاكمًابقدرة الملك القديم القادر
ما لاحا النُّجوم في جنح الدُّجىوما بدا الصُّبح لعين النَّاظر

أحمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو العباس بن أبي محمد الواسطيُّ، المعروف بابن الدُّبيثيِّ.

وهو ابن عمِّ أبي عبد الله محمد بن سعيد الدُّبيثيِّ الواسطيِّ "صاحب المذيّل" الذي ذيّله على أبي سعد السمعانيِّ.

كانت ولادة أبي العباس سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وتوفي مستهل جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وستمائة. وكان ضامن البيع بواسط، والناس يسيئون الثناء عليه؛ لأنه كان غير محمود السيرة في ولايته.

سمع الحديث من أبي طالب محمد بن علي الكتانيّ، وكتب عنه جماعة. وكان عارفًا بالأدب شاعراً فاضلاً ب/ حسن الشعر، وديوان شعره كبير يحتوي على أصناف المدح والهجاء والغزل والنسيب وشرح رسالة أبي العلاء المعري المعروفة بالأغرضية.

أخبرني أبو عبد الله محمد بن سعيد الدّبيثي الواسطي، قال: أنشدني ابن عمي أحمد بن جعفر لنفسه –وهو مما عمله بدمشق-:

يا بين روّعت بالبعاد وكمقد بات قلبي والأسى يروِّعه
يا دهر كم لك من جمع تبدَّدهللعاشقين ومن شعب تصدِّعه
وأنت يا بين قلبي كم تجرعهمرَّ الأسى وفؤادي لم تقطِّعه
يا خالي القلب قلبي حشوه حرقوهاجع اللَّيل ليلي لست أهجعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
إن خنت عهدي فإنِّي أخنه وإنضيَّعت ودِّي فإنِّي لا أضيِّعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
هذا مقام ذليل عزَّ ناصرهيشكو إليك فهل شكواه ينفعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
يلومه في الهوى قوم وما علمواأنَّ الملامة تغريه وتولعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
من لا يكابد فيه ما أكابدهفيه ويوجعني ما ليس يوجعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
من لي بمن قلبه فأسمعهبثِّي فيبسط من عذري ويوسعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
قلَّ الوفاء فما اشكو إلى أحدإلاَّ أكبَّ على قلبي يقطِّعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
/ أ/ من منقذي من يدي من ليس يرحمنييقتادني للهوى المردي فأتبعه
آتيه بالصِّدق من حالي فيجحدهظلمًا ويكذبه الواشي فيسمعه
وليلة زارني فيها على عجلالشَّوق يحضره والوجد يفزعه

وبات مستنطقًا أوتار مزهره الفصاح يتبعها طبعًا وتتبعه

إذا بدت نغمة المثنى سمعت لهاوقعًا يلذُّ على الأسماع موقعه
فبت أنظره بدراً وأرشفهخمراً وأقطفه ورداً وأسمعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة
وقام والوجد يبطيه ويعجلهضوء الصَّباح وأنفاسي تشيِّعه
للشاعر أبو العباس البيع ابن الدبيثي، اقرأ القصيدة

وأنشدني الشريف أبو العباس أحمد بن الحسين ابن نقيب العباسيين الوايطي ببغداد، قال: أنشدني جدّي لأمي لنفسه يصف الشمعة:

ونديمة زارت لها بعد الكرىوجه إذا كلح الظَّلام صبيح
يقضي البقاء لها بلا روح كمايقضى الفناء لها وفيها الرُّوح
ممشوقة مثل القضيب قضيفةلم يضوها همُّ ولا تبريح
ومن العجائب أنَّ من جليت لهضحكت إليه ودمعها مسفوح

/ ب/ وقال أيضًا وقد حبس في ديوان واسط حبسًا طويلاً:

من كفي طارق الخطوب فأكفاأم عفي من صروفهنَّ فأعفا
الدهري حقد عليَّ وعهديزمني وهو بي أبرُّ وأحفى
أم لهذا الزَّمان عندي تراتتقتضيه لشدَّة البطش عنفا
كلَّ يوم يروعني منه خطبوالَّذي راع قبله ما تقفى

مغرم بي إما حبيب أورايه ثرى الأرض أو أفارق إلفا

خصَّني منه بالنَّوائب حتَّىصرت رهنًا على الحوادث وقفا
أتفدَّى الرَّدى وأحتمل الخطبجسيمًا وأشرب الهمَّ صرفا
وفؤادي عليه وقدة جمريشفع القلب جمرها ليس يطفا
قد طعمت الزَّمان حلواً ومراًوحملت الأنأم ثقلا وخفَّا
وتبدًّلت بعد أهلي عتاةيتمشَّون في الأساود عسفا
كلَّ عأن يئنُّ في ظلمة اللَّيلإذا أعتنَّ بأسه قال: لهفا
بوجوه أرقَّ من نطف المزنوأندى من السحائب كفَّا
نفس صبراً على الملمَّات صبراًوترجَّى لها من الله لطفا
/ أ/ كم رأينا من كان أشفى علىالموت فتقضى له الحياة فيشفى

فأجابه شخص من الواسطيين ينقض عليه:

قل لمن ظلَّ يعتب الدَّهر عنفالو كفيت الورى لقد كنت تكفى
أيَّ خير عملت بل أيَّ يوملا ترى أرض واسط منك خسفا
أتظنُّ الرَّقيب يخفى عليهمنك حال على الورى ليس يخفى
أتذمُّ الزُّمان من أجل ما أولادكصرفًا وكم لقي منك صرفا
طالما قد شربت نغمأه صرفًاوشربنا في وقتك البؤس صرفا

أترى قد نسيت أخذك للكتب وتقرا السُّطور حرفًا فحرفا

وضجيج النِّساء إذ هنَّ يبكينلضرب الرِّجال حزنًا ولهفا

كم ألوف قد أقترضت من النَّاس ولم تقضهأ وفرَّقت إلفا

وأناس من خوف ظلمك ضلُّوافي الفيافي ورسمه قد تعفَّى
إن أسرَّ المتاع منك أخذتالضِّعف عمَّا تريده منه ضعفا
أو أذاعوا لديك ما كتموهحزت ما تشتهيه منه مكفَّا
ثمَّ لمَّا عوقبت تنشد جهلاً:من كفى طارق الخطوب فأكفا

/ ب/ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هشام بن أحمد بن محمد ابن المظفر، أبو طاهر بن أبي الفضل الخطيب الطوسيُّ، الموصليُّ المولد والمنشأ.

من بيت الخطابة والعلم الغزير، والرواية والنسك والتصاون. له رواية بالحديث أخذه عن والده وجدّه وعمه أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد، وأبي البركات محمد بن محمد بن خميس [الموصلي، وسمع ببغداد في سنة أربع وخمسمائة من أبي الفرج عبد الخالق أحمد بن يوسف] وغيرهم من المشايخ.

خطب على منبر الجامع العتيق بعد والده بالموصل- وكان ربما يرتجل الخطبة من وقته. وكان قارئًا للقرآن، محدّثًا شاعراً متأدّبًا جميل الأخلاق حسن الدعابة.

سمع عليه الحديث شيخنا أبو الخير التبريزي، والصاحب أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي وغيرهما.

وكان مقعداً من فالج عرض له في آخر عمره لا يقدر على النهوض، ولم يزل يقرأ عليه الحديث، إلى أن توفي يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وستمائة. أ/ بالموصل. وكانت ولادته سادس رجب من سنة سبع عشرة وخمسمائة.

أنشدني أبو الثناء محمود بن أحمد بن الأنجب الإربلي، قال: أنشدني الخطيب أبو طاهر لنفسه:

بدمع في الملاحة ما يمارىإذا ما العقل فكَّر فيه حارا
لنا من وجهه قمر منيرومن خدَّيه نجني الجلَّنارا
ومن ألحاظه نفحات سحريثير شواظها في القلب نارا

وأنشدني، قال: أنشدني الخطيب قوله وقد سئل ذلك:

خليلي مرَّابي على أجرع الحمىوعوجا على أثلاث يبين والهضب
بين سلع وحاجروقولا لهم ما بال قلبي من الحبِّ
عساهم يرقُّوا للَّذي ملَّك الهوىلهم رقّه حتَّى غدا موثق القلب
أجيروه من نار الصُّدود فإنَّهله أضلع في الحبِّ موصدة اللَّهب
إذا قيل هذي دار ميٍّ برامةتزايد شوقي واستطار به لبِّي
يقولون لي عنها تسلَّ يغيرهافقلت لهم: كفُّوا فما بيدي قلبي

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

إن تناسيتم الوداد وحلتملي قلب إلى التَّواصل صابي
/ ب/ لست أبغي عن الحبيب سلوّاًفأطيلوا وأقصروا في عتابي
ليس أذني تصغي للوم وقلبيليس ممَّن يسلو عن الأحباب

إنَّ لوم العشَّاق لوم وعذل الصَّب ما فيه منهج للصواب

وقال أيضًا، رواها عنه محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي:

دعيه ففي تذكاره ما يشيبهولا تعذليه فالغرام حسيبه
ورقِّي له ممَّا يلاقي من الأسىلقد ذلَّ من قسم الصُّدود نصيبه
فكم بين أكناف العقيق وحاجرمحاجر يصمي نبلها من يصيبه
وكم بربى تلك الرُّسوم مدلَّهقتيل بداء الحبِّ باد شحوبه
إذا مرَّ بالأعلام هيَّجنوأغراه من ذاك النَّسيم دبيبه
وفي عذبات الرَّمل من جانب الحمىمواقف للمشتاق فيها يجيبه
بها كلُّ نضو الهمِّ طاو على الحشامروَّع مفقود الفؤاد سليبه
خليليَّ بالزًّوراء عوجًا فإنَّ ليبها قمراً في أفق قلبي غروبه
وفي نهر عيسى والصَّراة مرابعونهر معلَّى دوره ودروبه

/ أ/ وله:

قد أبدت الأرض كلَّما خزنتمن كلِّ نوع مدَّبج بهج
ترفل في بردها القشيب وقدضمِّخ طيبًا من عرفها الأرج
تبسم بالبشر كلَّما سفرتسماؤها عن أديمها السَّمج
ألقت قناع الحياء مذ رشفتكأس حميَّا الحيأ بلا حرج
أنهارها بالغناء مفصحةغرائب اللَّحن من يد الدُّعج
خريرها زيرها ويبتعهمن موجها البمُّ وهي في هزج
فانظر إلى مجلس قد أجتمعتفيه تحايا العقول والمهج
عجائبًا للربيع أبدعهابواعثًا للنُّفوس في الفرج

أحمد بن عليِّ بن الحسن بن أبي زنبور، أبو الرّضا النّيليُّ.

الساكن بالموصل.

قرأ بها النحو والأدب على أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي، وقرأ القرآن العظيم على أبي بكر يحيى بن سعدون بن تمام القؤطبي المقرئ الأزدي.

/ ب/ وكان عارفًا باللغة العربية والقراءات السبع والعشر وغير ذلك من الشواذ. وكان يختلف إليه جماعة يقرؤون عليه، وبلغ سنًا عالية، ونظم أرجوزة مزدوجة سمّاها "وسيلة الإنسان" تتضمن مدح الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب صاحب بلاد الشام –﵁ وشرحها في نحو أربع مجلدات فأحسن صلته.

وكان أعلم الناس في زمانه بنعوت الخيل وأوصافها –وكان يتدين بمذهب

الشيعة الإمامية، ويقول الأشعار ويمدح بها، وتوفي بالموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة.

أنشدني العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنبأني أبو الرضا لنفسه يمدح بني أيوب سلاطين الشام:

وصلكم يستنجح الفكر العقيموهواكم كالصِّراط المستقيم
فإذا ما هدي العبد لهكان عين العالم الحرِّ الحكيم
أصل من والى أصيل ناصعوالمعادي ناصل الأصل زنيم
يا بني أيُّوب ما أشرفكممن صناديد كرام لكريم
عرَّفت أخلاقكم أعراقكمإنَّكم إرث صميم عن صميم
/ أ/ جمع الله بكم شمل العلافي ذرى ملك أخي فضل عظيم
ماجد قرم جواد باسلعارف عاف عن الجرم حليم
كلُّكم متبَّع سيرتهيستفيد العلم من طبًّ عليم
رحم الله أمرءاً خلَّفكمورعاكم فهو رحمان رحيم
هل رأيتم قطُّ عبداً هكذاإثر فتح في جهاد ونعيم
يحمل المجروح منَّا رُّبهوهو ذو جهد من الجرح أليم
وترى الأبطال كلُّ منهميغبط المستلب النَّفس السَّليم
من يمت منَّا يبت في جنَّةوملاقونا يقيلون الجحيم
فأهنأوا طرّاً به وليهنهأنَّكم فيه ذوو عرف عميم
واكتبوا أعداء ما عشتمبمراعاة وليٍّ وحميم
يا بناة المجد قد عاملتكمبالَّذي نعضي بإكرام الغريم
بمديح وولاء مخلصمن يلمني فيهما فهو المليم
وأرى الحال أقتضتني رحلةًنحو قوم شوقهم عندي مقيم
كلُّهم يرجو إيابي سالمًاغانمًا من نائل غير ذميم
من مليك كاد يحيا في الثَّرىمن ندى راحته العظم الرَّميم
/ ب/ جوده للمرتجي إنعامهبالغنى عن كلِّ مرجو زعيم
ضاعف الله عليه فضلهوتولاَّه بنصر لا يريم
وأسلموا في دولة محروسةبمواضيكم وجبَّار قديم
ولأنتمالدَّهر لناً ... وغياث للهيف وعديم
ما شرى ركب وغنَّى راكبوبدا نجم .... لئيم
الحمد لله على أنَّنقضيت خمسًا وثمانينا
بلَّغنيها مجزل مفضلفازددت فيها العلم والدِّينا

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه:

ما لي أرى الرَّغبة قد أصبحتتطلب منِّي عوض الظَّرف
قد ذدتها عنِّي بسوط المنىوكفَّ عنها اليأس عن كفِّي

أحمد بن محمد، أبو نصر الآمدي.

فقيه عالم شافعي المذهب؛ وهو يتولى بماردين إعادة الفقه أ/ بالمدرسة العزيزية. وله أشعار في المقطعات.

أنشدني الأمير شرف الدين أبو حفص عمر بن أسعد بن عمار الموصلي، قال: أنشدني أحمد بن محمد الموصلي الآمدي لنفسه:

ينمُّ بها وجنح اللَّيل داجثلاث عن زيارتها تعوق
وساوس حليها عند التَّثنِّيومبسمها وريَّاها الفتيق
ولو خلعت حلاها واستكنَّتبفاضله لما تمَّ العبيق

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه إلى صديق له مسافر:

رحلتم ولا والله ما قرَّ في الحشافؤادي ولا والله ما قرَّ لي جنب

وجفني على ما كنت تعهد دائم الدُّموع وقلبي في الهوى ذلك القلب

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وكتب ذلك إلى ضياء الدين بن شيخ السلامية:

وما كنت إلاَّ في المحافل ناشراًعلاك بأفواه الثَّنا باذلاً جهدي
محبٌّ على بعد الدِّيار وقلَّماأقام الهوى في قلب صبٍّ على البعد
/ ب/ فما عند ليلى لي سقى الله دارهاوحيَّا مغانيها فهذا لها عندي

أحمد بن سليمان بن حميد بن إبراهيم بن أحمد بن عليِّ بن إبراهيم المخزوميُّ الكسائيُّ، أبو العباس البلبيسيُّ المعروف بابن كساء.

من شعراء ديار مصر-وبلبيس إحدى قرى مصر-.

شاعر يرحل إلى الملوك وسلاطين الأنام فيسترفدهم بأشعاره واشتهر أمره بالشعر.

أدركت زمانه وكان رجلاً شديد سمرة اللون، يرد كل عام الموصل مادحًا مالكها الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضائل –أدام الله اقتدراه- وكان متجملاً ذا هيأة وثروة وحال حسنة وغلمان ظراف، ومات بالقاهرة في صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ بعد أن دوَّخ قطعة من البلاد، وامتدح أكابرها.

وكان قبل ذلك قد تفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وفهم طرفًا صالحًا منه، وتأدّب وقال الشعر ومدح الملوك أ/ والوزراء، واشتهر بقول الشعر،

وسافر إلى بلاد الجزيرة وغيرها، وكتب الناس شيئًا من أشعارة.

وجدت له قصيدة مدح بها الملك الرحيم بدر الدين –ضاعف الله معاليه-:

وركبت ظهر توصُّلي في أوبتيوحلفت أنِّي لا أنام عن السُّرى
حتًّى رأيت الأفق أنَّ بدورهتخفى وبدر الدِّين متَّقداً يرى
ليث إذا ما الحرب شبَّت نارهاعاينت تحت النَّقع منها قسورا
وإذا انتضى البيض الصِّفاح أعادهايومًا وقد خضبت نجيعًا أحمراً
ومتى يصول على الفوارس تلقهمصرعى كأن شربوا شرابًا مسكرا
ألقت له الحدباء فضل زمامهاإذ عاينته للغوامض مبصرا
وإليه ألقى القأهر الملك الَّذيقد جلَّ لمَّا أن رآه مدٍّبرا
فأنار منهاج المكارم وارتدىبرد الفخار وحلَّ في أسنى الذُّرى
واستعبد الأحرار منه بأنعمسبقت سوابقها السَّحاب الممطرا
وغدا ينادي جوده يا للنَّدىكرمًا وتدعو ناره يا للقرى!
شهدت له شمُّ الملوك بأنَّهقد طاب خبراً في العلاء ومخبرا

أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات ب/ المستوفي بإربل –﵁ قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن سليمان بن كساء الشاعر لنفسه:

سل عن دمي غير السُّيوف والأسلولا تحد عن الخدود والمقل
للشاعر شرف الدين الحلي، اقرأ القصيدة
ويلاه ما أضيع مطلول دملم تحتكم فيه دمى ولا طلل
للشاعر شرف الدين الحلي، اقرأ القصيدة
وبي غزال كلَّما غازلنيطاب نسيبي في هواه والغزل

ومنها:

أغنُّ أغنى طرفه عمَّا أرتدىلقتلتي وعطفه عمَّا أعتقل
للشاعر شرف الدين الحلي، اقرأ القصيدة
أعرب عن حالي وواو صدغهلا تعرف العطف ولا عنه بدل
ذو حاجب ينسيك قوس حاجببحيث يرمي منه طرف من ثعل
قد أجمع النًّاس على تفضيلهمن بعد ما أفنوا زمانًا في الجدل
دعني قد أذَّنت في حبِّي لهمهاجراً حيَّ على خير العمل

منها:

مذاهب تجمع أشتات المنىوأنعم تضحك في وجه الأمل

أحمد بن عبد السيّد بن شعبان أ/ بن محمد بن بزوان بن جابر بن قحطان، أبو العباس الإربليُّ.

خدم جنديًا للملك المعظم أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكبين بإربل –﵁ وحاجبًا بين يديه.

ثم أبعده مخدومه وصار إلى الأمير شهاب الدين أبي الوفاء قراطايا، ورحل في صحبته عن إربل إلى الديار الشامية سنة أربع وستمائة واتصل بملوكها بني أيوب، وانحاز في جملة الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب، فأقام عنده وأنعم عليه إنعامًا سنيًا، ورزق ثروة من خدمته، وصار أحد ندمائه والمقربين إليه.

وكان شاعراً متأدبًا مغنيًا، اجتمعت فيه أسباب المنادمة. بلغني أنه توفي بالرها أواخر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.

أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات –﵀ قال: أنشدني أحمد بن عبد السيد لنفسه، وأوائل هذه الأبيات إذا اجتمعت كانت بيت شعر، وهو:

قاض به صحَّ يسريومات ضرِّي وعسري

/ ب/ كتبها إلى القاضي أبي محمد جعفر بن محمد الكفر عّزيّ الحاكم بإربل:

قل للَّذي لام تدريبأنَّ لومك يغري
الله ينصفني منكإذ ولعت بهجري
ضرِّي قصدت فهلاَّقصدت إصلاح أمري
يا منيتي في حياتيوبغيتي يوم حشري
بمن أباحك قتليصلني فقد عيل صبري
ها قد أتيتك أشكوحالى لتكشف ضرِّي
صل مدنفًأ صار نضواًما بين نهي وأمر
حرَّمت في العشق وصليهتكت بالصَّد سرِّي
يا قاتل الصَّب مهلاًعرفَّتني فيك قدري
سلني عن العشق يومًافمنه تعرف عذري
رميت قلبي بسهمأمسى يراش بسحر

يا من بمن نالني منه قد تقسَّم فكري

والله مازلت شوقًاأعدُّ يومي بشهر

من لي سواك حبيب أفضي إليه بسرَّي

/ أ/ إحتجت في العشق لمَّاأنفقت بيضي وصفري
ترجو سلامة روحيوخدُّ هجرك يغري
ضاقت عليَّ حياتيإذ وسَّع الشَّوق سكري

روحي سلبت وبدَّلت اسم خيري بشري

يحلُّ قتلي إذا قلت أنت في النَّاس بدري

وامحنتي كم أقاسيملام زيد وعمرو
عدني فالبوعد أحياوفيه طيِّى ونشري
سألت عن وصف حاليوما به جاش صدري
رتِّب حروف المعانيأوائل الشَّعر تدري
يا تاج دين المعاليأصبحت فخري وذخري

وقال أيضًا في الساعات التي عملت بقلعة القاهرة المعزِّية:

قل لي أيُّ حكمة في سماع الطَّبل ظهراً وعند وقت الأصيل

قلت ساعاتنا تخبِّر أنَّانحن سفر والطَّبل طبل الرَّحيل

وأنشدني أبو الثناء محمد بن محمد الإربليّ، قال: أنشدني ب/ أبو العباس

أحمد بن عبد السيد لنفسه جواب أبيات كتبها إليه جلال الدين أبو الحسن علي بن شماس الوزير بإربل:

ألبِّي جلال الدِّين عند دعائهبتلبية شكري بها يتسلسل
وأحمد درهاً خصَّني منه بالرِّضاولست بما قد قلته أتقوَّل
ولي شاهد من قلبه غير أنَّنيمجدِّد ذكر ليس فيه تأوُّل
وأحمل عنه النَّائبات إذا عرتوجملة سعدي أنَّني عنه أحمل
شكا رجلاً لا خير فيه وإنَّهبحنكته كلُّ امرئ يتمثل
وسمَّاه مقداراً ومقداره الَّذيعليه من القدر الحقير وأرذل

أحمد بن عبد الرحيم بن عليِّ بن الحسن بن الحسن بن أحمد، القاضي الأشرف، أبو العباس ابن القاضي الفاضل أبي عليٍّ اللخميّ البيسانيّ.

كان والده ممن يضرب به المثل في البلاغة والإنشاء وحسن العبارة؛ وابنه هذا من أماثل أهل زمانه، وأوفاهم قدراً، كثير الاعتناء بالحديث وسماعه.

قد بغداد رسولاً أ/ وسمع من أصحاب أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، وأبي بكر بن الزاغوني وفيه فضائل وآداب.

أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي، قال: أنشدني القاضي

أبو العباس لنفسه:

وقائله لا تلزم البيت دائمًافإنَّك قبل القبر مستعجل القبر
فقلت: دعي تحت الخمول عزائميلعلِّي أن أخفى على نظر الدَّهر
تعادلت الأحوال عندي كلُّهافما خفَّ ميزاني لأنس ولا ذعر
وأستترت عيني صباحًا على دجلىولا أسترحبت نفسي مطاراً على وكر

وأنشدني، قال: أنشدني من شعره:

من شاكر عنِّي نداك فإنَّنيمن عظم ما أوليت ضاق نطاقي
منن تخفُّ على يديك وربماثقلت مؤونتها على الأعناق

أحمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن جامع العقرّي، أبو العباس الفقيه الشافعيُّ.

اشتغل بالفقه بمدينة السلام على أبي الحرم أحمد بن إسماعيل ب/ القزويني، ويحيى بن فضلان البغدادي. وتولّى إعادة درسه.

ثم سافر إلى الموصل وسكنها إلى أن توفي بها في أوائل المحرم سنة إثنتين وعشرين وستمائة، ودفن جوار فتح الكاري الزاهد، وتولّى تدريس المدرسة الفخرية المطلّة على دجلة. وكان قد قرأ الخلاف والفرائض وقال أشعاراً.

أنشدني الخطيب أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد العقري، قال: أنشدني أخي أحمد بن عبد الله لنفسه:

يا ساكيني أهل الجبال ومنفي الكهف والحدباء والعقر
ما كنت أعرف قدر وصلكمحتَّى بليت بفارط الهجر
لو تعلمون تألُّمي بكميوم الفراق لساءكم أمري
قد كان لي صبر أعيش بهقدمًا فوا أسفا على صبري
من طيب أيَّام الوصال وماقضيته في سالف الدَّهر
وسقت ليالينا بخيف منىفالمأزمين سواكب القطر

أحمد بن عمر بن عليٍّ، المعروف أ/ بابن قرّة العين، أبو عبد الله الحلبيُّ.

نزل إلبيرة من أعمال حلب، وانحاز في جملة أصحاب مليكها الملك الزاهر أبي سليمان داود بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصار أحد شعرائه والمنقطعين إليه.

وهو شاعر مقصّد ينظم الشعر طبعًا، ناقص الخط من العربية وعلم الأدب وآلة القريض.

توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وكان جنديًا يلبس الشربوس ويقول شعراً متوسطًا يمدح به الصدور والسادات من الناس.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر الدبندار الشاعر الواسطي، قال: أنشدنا ابن قرّة العين لنفسه يمدح فلك الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن علي بن المسيري:

لو ساءه قبح هذا الغدر ما غدراولو درى كيف طعم الهجر ما هجرا
مهفهف رقدت عيناه مذ سهرتعيني وقد طال ليلي بعده قصر
ومائس العطف لا أمسي على خطرفي الحبِّ إلاَّ إذا ما ماس أو خطرا
كالرِّيم لم يرم سهمًا من لواحظهإلاَّ وصاد بذاك السَّهم ليث شرى
/ ب/ ظبي من التُّرك وحشي سجيتهينفِّر النَّوم عن عيني إذا نفرا
أفديه من رشأ في ليل طرَّتهيبدو لنا قمر للقلب قد قمرا
وليلة بات ندماني فأسكرنيبالسِّحر من غنج عينيه وما سكرا

لكن صحوت لما حبِّرت عن فلك الدِّين الَّذي خبره قد صغَّر الخبرا

عود إذا عاد ما أبداه من همملم نلق من عوده ضعفًا ولا خورا
سل الأعادي بيوم الرَّوع هل نظرواًبكفِّه قلمًا أو صار ما ذكرا
ماضي المضارب ما هزَّت خشينتهفي هامة قطُّ إلاَّ قطَّ أو بترا

لا يخذل الدَّهر من أمسى بعزم يد المولى أبي القاسم المنصور منتصرا

لو لامست كفُّه يوم النَّدى حجراًصلداً أسال بماء ذلك الحجرا
هو السَّماح الَّذي تعمي بوادرهعلى العفاة وإن لم يسألوا البدرا
لو لم يكن للورى في دسته فلكًاما كان في كلِّ يوم يطلع القمرا
فربعنا لم يزل من جوده خضراًووردنا لم يزل من حوضه خضرا
فقد أمنَّا به ممَّا نحاذرهفلو يسالمنا لم نعرف الحذرا
فراية الملك ما أهتزت ظفيرتهاإلاَّ به وتلقَّت ذلك الظَّفرا
وراحة الملك لا نلقى بها شللاًعند اللِّقاء ولا في باعها قصرا
/ أ/ يعطي فلم يلق في إكثار نائلهقلاً ولا في صفا إحسانه كدرا

ومنها قوله:

فربعنا بعد دثر مربع زهراوعودنا بعد يبس مطلع ثمرا
يبدو فنلقاه في الإقناط مبتسمايعطي فنلقاه في الإفراد معتذار
إذا تيَّممه سفر رأوا رجلاًفي وجهه الشَّمس تبدو كلَّما سفرا
جاد الزَّمان لأبناء البريَّة منابن المسيري بغيث ناب أو خضرا

أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي نصر، ابو حامد الساويُّ خطيب همذان.

قال القطيعي: قدم حاجًا سنة ثلاث عشرة وستمائة، وروى عن شيخنا أبي

الوقت. وسألته عن مولده، فقال: في سنة ست وأربعين وخمسمائة.

ثم أنشدني لنفسه:

أتيتك مستجيراً مستعيذاًبعفوك من عذابك يا إلهي
فقد أوقرت ظهري بالخطاياوقد أكثرت غشيان الملاهي
فإن لم تعف ربِّي عن ذنوبيرجائي حبله ياربِّ واهي
/ ب/ فكم عاص عفوت الذَّنب عنهوقلت له عصاني وهو ساهي

أحمد بن الحسن الدمشقيُّ الواعظ

كان يرتفق بالوعظ، وينتقل في البلدان طلبًا للجدوى. رأيت له هذه الأبيات أنفذها

إلى كامل الدين عمار بن سعد بن عمار الوزير بماردين:

وعار على ذي المكرمات وذي الحجىتغافله عن لائذ بجنابه
وليس له عون سواه فيرتجىولا مفزع إلاَّ الوفوق ببابه
إلى كامل الدِّين بن سعد مدائحيتزفُّ وتهدى رغبة في اقترابه

وكتب إليه أيضًا لنفسه وهو مقيم بماردين:

أرى الدَّين شين الدِّين حقًّا كما رويفجد بوفاه وأغتنم منِّي الشُّكرا
فلست أرى في ماردين مساعداًسواك أبن عمَّار فجد وأكسب الأجرا
وعدَّ الَّذي توليه منك تفضُّلاًكما لم تزل يا عدَّتي تكشف الضُّرَّا

أحمد بن إسحاق بن هبة الله أ/ ابن صديق بن محمود بن صالح، أبو العباس بن أبي البشائر الخلاطيُّ، المعروف بابن قاضيً خلاط:

لأنّ أباه كان يتولى القضاء بها.

وكان أحمد شابًا له فطنة في الشعر لطيفًا دمثًا سهل الأخلاق. رحل إلى مدينة السلام وصار صوفيًا متزهِّداً، ولزم طريقة أهل الدين والتصوُّف، وأقام بها إلى أن مات يوم الاثنين العشرين من ذي الحجة سنة سبع عشرة وستمائة ولم يبلغ الثلاثين. وكانت ولادته بخلاط في سنة تسعين وخمسمائة؛ روى لي من شعره عنه جماعة.

أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أحمد بن قاضي خلاط لنفسه يمدح الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب –﵀:

دعيه فقد أودى الغران بقلبهلقد لمت لواجدى الملام بصبِّه
إليك فمن يصغي إليك وللهوىلدى اللَّوم وقر سدَّ سمع محبِّه
أرى جلدي قد قل عمَّا عهدتهعلى أنَّه ما زال مغلوب حبِّه
فشدوة حاد بين جنبيَّ والجوىولمعة برق بين دمعي وسكبه
/ ب/ أزاجرهًا قف حيث تدنهو من اللِّوىبربع ملول لا أنقضاء بعجبه
وناد ألا هل من مجير على النَّوىلصبٍّ بسكب الدَّمع مغرى وصبِّه
ولي غلَّة في القلب ليس يبلُّهاسوى ثغر ألمى بارد الرِّيق عذبه
ولي نحو رضوى زفرة تملأ الحشاجوًى تاركًا قلبي دمًا ملء خلبه
ولو لم أكن أصبو إلى العلم الَّذيضراغمه صرعى جاذر سربه
لما ضاقت الدُّنيا علي بأسرهاإذا ذكرت عندي مضائق شعبه
سقى الله نجداً ملعبي زمن الصِّباوليُّ حيًا يولي حياةً لتربه
فتمسي أراضيه رياضًا وتجتليعلى وهدة وشي الرَّبيع وهضبه
وتطرب ورق الأيك فيه عشيَّةًعلى عفَّة الأرواح من بين عشبه
فيا غيث بخلاً بالحيا حيث يغتديفإن جئت نجداً جد به قبل جدبه
أحبُّ سيوف الهند حيث حكت ظبالواحظ ظبي وصله لم أفز به
رجوت كرى يدني بعيد مزارهويبرد قلبًا ذابً من حرِّ كربه
وأنَّى يذوق الغمض جفن مسهَّدجو فرشت شوك القتاد بجنبه
بعادي من الأهلين أدنى أنقلابهونأيي عن الأوطان أيسر خطبه
إلى م أقضِّي العمر للدَّهر عاتبًاوليس يفيد الدَّهر تكرار عتبه
/ أ/ يجور على ربِّ العلا متعمِّداًكأنَّ العلا للمرء أعزم ذنبه
لقد فرَّق الأيَّام شملي ولا أرىسوى الملك موسى من يرجَّى لشعبه
فتى سخطه إن يذك في البحر جذوةًمجاوره لم يلق ماءً لشربه
ولو هطلت يمناه في البرِّ بالنَّدىلأصبح مثوى الحوت مسكن ضبِّه
همام هو الحامي حمى الدِّين حيث لامردَّ له عمَّن تصدَّى لنهبه
بأملد خطَّي يريد أعوجاجهلتنساب ريم الرِّمل من بين كثبه
كأنَّ ظلام اللّيل حذَّر خصمهفأخبر عن طغيانه لمع شهبه
وأبيض ماض للفرند بمتنهكمثل تسامي النَّمل فوق مدَّبه
كأنَّ أشتقاق الصُّبح ينذر قرنهفيبدي له في الشَّرق آثار غربه
وعوجاء مرنان إذا طاش سهمهايخاف السُّها من مكثه عند قطبه
كأنَّ لموع البرق منه أرتعادهيخاف فيخفى في ستائر سحبه
ينظِّم نظم الدُّرِّ بالرُّمح للعداوينثرهم نثر الجمان بعضبه
فسبحان ربٍّ ليس يخلق ضدَّهكما خلقت طعناته ضدَّ ضربه
له الفخر فليسحب مدى الدَّهر ذيلهفقد ظلَّ في الدُّنيا مليًا بسحبه
أبا الفتح حزم العزم في طلب العدايرفع لوا .... عند نصبه
/ ب/ فبادر إلى إسراعه تملك الدُّنىفأنت منى عجم الأنام وعربه
ملأت فضاء الأرض من فيض نائلبه شرقه يثني عليك كغربه
حوت منه أرجاء الرَّجاء مناهلاًيفوز لديها كلُّ ظام بشربه
كما فازت الأيَّام منه بماجدحميد السُّجايا واسع الصَّدر رحبه
أتتك مليك العصر أفكار خاطريكأزهار روض في تنعُّم خصبه
فأقبل عليها بالقبول فإنَّهاثناء فتًى حر أخي الفضل تربه
وخذها عروسًا ما ترى ضرَّة لهاخذا من صبا نجد أمانًا لقلبه
مديح بأنواع البيأن مدَّبجيدوم دوام العصر من غير مشبه
أراد أمتزاجًا بالهواء لطافةعن الذِّهن لو لم أدركته بكتبه
بقيت لعاف يرتجيك وآملودمت لإحصاء الثَّناء وكسبه
وعشت على مرِّ الزَّمان مخلَّداًلإطلاق عانيه وإسهال صعبه

ولا زلت فيه وارف الظِّلِّ وافر النَّدى والأيادي بالنَّبيِّ وصحبه

وأنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيدي التبريزي، قال: أنشدنا أحمد بن إسحاق لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات أ/ المستوفى –رحمه الله تعالى-:

أساكني خطَّة الغرَّاء ما لكملا الفضل راقكم يومًا ولا الأدب
شعري هو الورد ريَّا المسك نفحتهوالورد النُّهى سلساله الخصب
وعندكم جعل الملقى سدًى هملاًأأنتم جعل أم عظلم كلب
أقول جهراً وصدق النُّطق من شيميقول أمرئ ليس فيما قاله كذب
لو لم يكن شرف الدِّين المبارك لميكن إليهًا لندب منكم طرب
خصَّ النَّدى بابن موهوب بذي كرميظنُّ أن ليس يبقىً غير ما يهب

سوى أبي البركات السَّمح من بركت .. لكلِّ من يجتدي في ربعه نجب

يودُّ للمال أن يودي الذَّهاب بهفداه كلُّ لئيم ربه الذَّهب
صدر حوى صدره الرَّحب العراضبحار الفضل فهي إذا يطمو ويضطرب
ويقذشف الدُّر أمواجًا لها كلمًادرّاً كأنَّ لديه الدُّرُّ مخشلب
من كلِّ عذراء بكر العقول لهاكفعل صهباء بكر أمها العنب
لو كان ذو الرُّمًّة المفقود يسمعهاوهو الَّذي فخرت قولاً به العرب
جرت مدامعه فقداً فقيل لهما بال عينيك منها الماء ينسكب
أو كان مهيار حيًّا كان قائدهابالنَّفس حبًّا وقلَّ المال والنَّشب
/ ب/ وكان هام بها وجداً وقال لها:لك الغرأم وللواشي بك التَّعب

عجبت من قلم ضمَّت عليه أنامل شأنها بين الورى عجب

تكاد من لمسها تندى الصُّخور ندًىفكيف لا من نداها يورق القصب
تروق طرفًا رآها سود أسطرهفلم يكن حيث يرنو عنه تحتجب
كأنَّما حكل الحسناء حال لهانفسًا ومن ثغرها طرسًا لها الشًّنب
غرُّ السَّجايا لديه تجتلي كرمًاوكلُّ مجد إليه اليوم ينتسب

والفضل كان يتيمًا قد أهين ومنه صار دون الورى يحنو عليه أب

طالت مع الدَّهر في رحب وفي رغد .................. العلا سبب

ما يعذب الماء للظامي وما خطرتًفمال للغصن أنفاس الصَّبا عذب

وأنشدني أبو الحسن علي بن مجد الكاتب التبريزي، قال: أنشدني أحمد بن إسحاق لنفسه في غلام خرج من الحمام:

رأيته مائلاً كالغصن في حللخمر تحاكيه عين الشَّمس بالشَّفق
ووجنتاه من الحمَّام قد جمعتًلونيّن من أحمر في أبيض يقق
والماء عن شعره يحكي تساقطهتساقط الشُّهب عن جنح من الغسق

/ أ/ وأنشدني الحسن بن علي بن شماس، قال: أنشد أحمد له في صفة عوَّاد:

ومهفهف غنَّى فغاب لطيبهرشدي وطاب كأن أتاني غائب
لعبت يداه بعوده فكأنَّمايمناه تكتب واليسار تحاسب

وأنشدني محمد بن أبي الخير النيسابوري –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن قاضي خلاط من شعره:

ولست بناس ليلةً كنت باللِّوىوقد جمع الدَّهر المشتُّ
فلانت لمًا قاسيت قسوة قلبهمن الوجد والتَّذكار والزَّفرات
وبات لما ألفاه منِّي سائلاًبلفظ أراني السِّحر في الكلمات

وقال:

ولمَّا أتاني ما كتبت معطَّراًبما قد حوى من فكرك الطَّيِّب النَّشر
نشرت على ما بي من النَّاس طيبهفنلت المنى من ذلك الطَّيِّ بالنَّشر

وقوله:

أقول لقلبي والنوى مطمئنَّةإذا نأب الأحباب لم تتأسف
/ ب/ فقال مجيبًا: إنَّني تابع لهمفقل ذا لقلب عنهم يتخلف

وله:

لله كم ليلة لي بالحمى سلفتبوصل ظبي رشيق القدِّ معتدل
أذبتها وجفوني غير راقدةأروي غليل أشتياقي منه بالقبل
يا طيبها من ليال لو رجعن وإنلم تدر فيهنَّ ما طيب الكرى مقلي

وقال:

لمَّا تولَّى سكني راحلايا ليت صبري لم يكن زائلا
لا تسألا عن خلدي إنَّهقد كان إذ كان النَّقا آهلا
تيَّمة حبُّ ظباء النَّقافليس إلاَّ للهوى قابلا
أطاع قلبي الحبَّ من بعدهلا غرو إن لم يطع العاذلا
ما كان فيهم لائم لامنيلو لم يكن من كلفي غافلا

وقال:

رأيت الَّذي قد شف جسمي غرامهأسير هوى من ليس في الحبِّ ينصف
فقلت له: ذقت المرارة في الهوىوقاسيت بلوى ما يقول المعنِّف
فرقَّ لما بي ثم قال: دع الهوىفما فيه إلاَّ زفرة وتلهُّف
/ أ/ وصف ما ترى حتَّى أرى كيف حالتيفقلت وقلبي قد براه التأسف
كأنَّك يا من حبُّه قد أذابنيمن الحزن يعقوب وفي الحسن يوسف

وقوله:

ومههفهف يحكي القضيب قوامهمن لين أعطاف وحسن تمايل
عاطيته راحًا يريح فلم يطبومرُّ الشَّمول بغيًر حلو شمائل

وله:

كم ليلة بالجزع لي سلفتإذ كان فيها مشبه الشَّمس
عذب اللَّمى أرج يسامرنيوضَّاح ثغر ناعم اللَّمس
فلهذه الأوصاف علقتهملكت قياد حواسي الخمس

وقال:

هيهات سرُّ هواك كيف يكتَّموالدَّمع عمَّا في الضَّمير يترجم
يا قاسيًا أشكو إليه فلم يزليتأمَّل الشَّكوى ولا يتألَّم

كيف السَّبيل إلى الوصال وحولك الرُّقباء قد كثرت وحولي اللُّوَّم

لا تظلمَّني في هواك فربماتعطى الهوى فأخاف أنَّك تظلم
وحذار من سفك الدِّماء فقلَّ منسفك الدِّماء ولا يراق له دم
/ ب/ لي في الجنان جنان وجهك صورةوالنَّار فيه من الهوى تتضرَّم
إنِّي عجبت له ومن عجب الهوىقلبي وفيه جنَّة وجهنَّم

وله من قصيدة:

فرش النَّوى شوك القتاد بمضجعيفالطَّيف كيف يزور من لم يهجع

لله ما فعلت عشيَّة ........ بالقلب منِّي حين قأل مودِّعي:

نجد عشيته تزول سريعةفاطلب شميم عراره وتمتَّع

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.