تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

المتوكل على الله أبو محمد عمر بن المظفر ﵀ وعفا عنه

ملك جند الكتائب والجنود، وعقد الألوية والبنود، وأمر الأيام فائتمرت، وطافت بكعبته الآمال واعتمرت، إلى لسن وفصاحة، ورحب جناب للوافد وساحة، ونظم يزري بالدر النظيم، ونثر تسري رقته النسيم، وأيام كأنها من حسنها جمع، وليال كان فيها على الأنس حضور ومجتمع، راقت إشراقاً وتبلجاً، وسالت مكارمه أنهارا وخلجاً، إلى أن عادت الأيام عليه بعهود العدوان، ودبت إليه دبيبها لصاحب الأيوان، وانبرت إليه انبراءها لابن زهير وراء عمان، فأرغمت فيه للمجد معطساً، ورماه سهم الحادثات فقرطساً، فدجت أيامه المشرقة، وذوت غصونه المورقة، ونقل هو وابناه، إلى حيث أمر لهم الدهر جناه، فأمضى عليهم حد الحسام حكمه، وأنفذ فيهم جور الأيام ظلمه، بحيث لم تعطف عليهم إلا جوانح الليل، ولم تقف لديهم إلا بوارح الويل، ولم يجب استغاثتهم إلا عواء الذياب، أو صدى تتسعر فيه نار الاكتئاب، فرويت الأرض من دائهم، وتعطلت المنابر من أسمائهم، وعاد صبح ملكهم عاتماً، وأقامت النجوم عليهم مأتماً، فخروا على الثرى

بدوراً، وسعروا بالجوى صدوراً، وغدوا صرعى تسفي عليهم الشمال، وتنفي منهم الآمالا، مجدلين على وجه الأرض، معفرين إلى يوم النشور والعرض، وقد توسدوا التراب بدلاً من الآرائك، وتضرجوا بالدماء بعد التضمخ بالمسك الصائك، وغدا مضرعهم من نجيعهم أحمر، كأنهم ما أعملوا أبيض ولا أسمر، وأرس الجلباب، غير انس الجناب، لا يطرقه إلا سبع أو ذيب، ولا يرمقه إلا تخيل للقلوب مذيب، وصارت في لحومهم للسباع ولائم، وعلى دمائهم من النسور حوائم، وطالما وردوا للمنى مناهل، ووجدوا الديار بها أواهل، وركبوا الجياد وجنبوها، وشهدوا الأعياد فوزينوها، ورقمت أوامرهم بطون المهارق، وتحكمت بواترهم في الطلى والمفارق، وطوقت مواهبهم الأعناق، وأغصت مهابتهم الجفون والأحداق، فمزقوا وما حضرهم أنيس، ولا أذهب إيحاشهم تانيس، وباتوا لم يطلب لهم بثار، ولا انتظم شملهم بعد الانتثار. أخبرني أحد قاتليه أنه رغيب في تقديم ولديه، بين يديه، ليحتسبهما حسنة تمحو بعض ذنبه، وكانا كوكبي رياسته، ووارثي نفاسته، فتقدما للحمام، وطلعا من ثنيته بدري تمام، وبدا منهما من الجلد، في ذلك الموطن الأنكد، ما حير قاتلهما وستر عنه مقاتلهما، ثم أمر عليهما غرارة، وساق الردى إلى تمامهما سراره، وقام المتوكل عند صرعتهما، مختبلاً من لوعتهما، ليصلي وقد أفرط في ملامه، وتشطط في كلامه، واختلط افتتاحه بسلامه، فبادروه بأسنتهم في الصلوة، وناهشوه مناهشة الطير لقتيل الفلاة، حتى خر لا لسجود، واستلقى لغير هجود، وهي الأيام هذه شيمها، تسيء وإن همت بالإحسان ديمها، أفقرت شعب ودان، وعفرت ملك غمدان، وأظفرت الحمام بعبد المدان، وفرقت عن مكنس رامة ظباءة، ورمت بسطام بن قيس مخر على الالآءة، ومزقت أبني بدر بجفر الهباءة، وقد رثاهم الوزير أبو محمد ابن عبدون عظيم ملكهم، ونظيم سلكهم، بقصيدة اشتملت على كل ملك قتل، وأشارت إلى من غدر منهم وختل، تكبرها المسامع، ويعتبر بها السامع، وهي:

الدهر يفجع بعد العين بالأثرفما البكاء على الشباح والصورِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
أنهاك أنهاك لا ألواك معذرةعن نومة بين ناب الليث والظفرِ
فالدهر حرب وإن أبدا مسالمةًوالبيض والسمر مثل البيض والسمرِ
ولا هوادة بين الرأس تأخذهيد الضراب وبين الصارم الذكرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
فلا يغرنّك من دنياك نومتهافما صناعة عينيها سوى السهرِ
ما لليالي أقال الله عثرتنامن الليالي وخانتها يد الغيرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
في كلّ حين لها في كلّ جارحةمنّا جراح وإن زاغت عن البصرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
تسرّ بالشيء لكن كي تغرّ بهكالأيم ثار إلى الجاني من الزهرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
كم دولة وليت بالنصر خدمتهالم تبق منها وسل ذكراك من خبرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
هوت بدراً وفلّت غرب قاتلهوكان عصباً على الأملاك ذا اثرِ
واسترجعت من بني ساسان ما وهبتولم تدع لبني يونان من أثرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
واتبعت أختها طمساً وعادَ عليعادٍ وجرهمَ منها ناقص المررِ
وما أقالت ذوي الهيأت من يمنٍولا أجارت ذوي الغيات من مضرِ
ومزّقت سبّأً في كلّ قاصيةٍفما ألتقى رائح منهم بمتكبرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وأنفذت في كليب حكمها ورمتمهلهلاً بين سمع الأرض والبصرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ولم تردّ على الضليل صحّتهولا ثنت اسداً عن ربّها حجرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ودوّخت آل ذبيانٍ وإخوتهمعبساً وعضّت بني بدر على النهرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وألحقت بعديّ بالعراق علىيد ابنه أحمر العينين والشعرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وبلّغت يزدجرد الصين واختزلتعنه سوى الفرس جمع الترك والخزرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ومزّقت جعفراً بالبيض واختلستمن غيله حمزة الظلاّم للجزرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وأشرفت بخبيب فوق فارعةوألصقت طلحة الفياض بالعفرِ
ولم تردّ مواضي رستم وقناًذي حاجب عنه سمعا في ابنة الغيرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وخضّبت شيب عثمانٍ دماً وخطمتإلى الزّبير ولم تستحي من عمرِ
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسنٍوأمكنت من حسين راحتي شمرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وليتها إذا فدت عمرا بخارجةفدت عليّاً بمن شاءت من البشرِ
ما رعت لأبي اليقظان صحبتهولم تزوّده إلاّ الضحّ في الغمرِ
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسنٍأتت بمعضلة الألباب والفكرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
فبعضنا قائل ما اغتاله أحدوبعضنا ساكت لم يوت من حصرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وعمّمت بالردى فودي أبي أنسٍولم تردّ الردى عنه فنا زفرِ
وأردت ابن زياد بالحسين فلميبؤ بشسع له قد طاح أو ظفرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وأنزلت مصعباً من رأس شاهقةكانت بها مهجة المختار في وزرِ
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولارعت عياذته بالبيت والحجرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ولم تدع لأبي الذبّان قاضبهليس اللطيم لها عمرو بمنتصرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولمتبقِ الخلافة بين الكاس والوترِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
حبابهُ حبُّ رمَّان ألمّ بهاوأحمرٌ قطّرته نفحة القطرِ
ولم تعد قضب السفّاح نائبةعن رأس مروان أو أشياعه الفجرِ
واسلبت دمعة الروح الأمين علىدمٍ يثجّ لآل المصطفى هدرِ
وأشرقت جعفراً والفضل ينظرهوالشيخ يحيى بريق الصارم الذكر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وأخفرت في الأمين العهد وانتدبتلجعفر بابنه والأعبد الغدرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وروّعت كل مأمون ومؤتمنوأسلمت كل منصور ومنتصر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وأعثرت آل عبّاس لعاً لهمُبذيل زبَّاءَ من بيض ومن سمرِ
وأوثقت في عراها كلّ معتمدوأشرقت بقذاها كلّ مقتدرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ولا وفت بعهود المستعين ولابما تأكدّ للمعتزّ من مررِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
بني المظفّر والأيام ما برحتمراحلاً والورى منها على سفرِ
سحقاً ليومكمُ يوماً ولا حملتبمثله ليلة في مقبل العمرِ
من للأسرّة أو من للأعنّة أومن للأسنّة يهديها إلى الثغرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
من لليراعة أو من للبراعة أومن للسماحة أو للنفع والضررِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
أو دفع كارثة أو ردع آزفةأو قمع حادثة تعيي على القدرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
من للظّبي وعوالي الخطّ قد عقدتأطراف السنها بالعيّ والحصرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وطوقت بالثنايا السود بيضهمُأعجب بذاك وما منها سوى ذكرِ
ويح السماح وويح الباس لو سلماًوحسرة الدين والدنيا على عمرِ
سقت ثرى الفضل والعبّاس هاميةتعزى إليهم سماحاً لا إلى المطرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ثلاثة ما رأى السعدان مثلهمُفضلاً ولو عززا بالشمس والقمرِ
ثلاثة ما ارتقى النسران حيث رقواوكلّ ما طار من نسر ولم يطرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ومرّ من كلّ شيء فيه أطيبهحتّى التمتّع بالآصال والبكرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
من للجلال الذي عمّت مهابتهقلوبنا وعيون الأنجم الزهرِ
أين الإباءِ الذي أرسوا قواعدهعلى دعائم من عزّ ومن ظفرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
أين الوفاء الذي اصفوا شرائعهفلم يرد أحد منهم على كدرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
كانوا رواسي أرض الله منذ نادواعنها استطارت بمن فيها ولم تقرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وكانوا مصابيحها فمذ خبوا غبرتهاذي الخليقة يالله في سرر
كانوا شجا الدهر فاستهوتهم خدعمنه بأحلام عاد في خطا الخضرِ
من لي ومن بهم أن أطنبت محنولم يكن وردها يفضي إلى صدرِ
من لي ومن بهم أن أظلمت نوبولم يكن ليلها يفضي إلى سحرِ
من لي ومن بهم أن عطّلت سننواخفتت ألسن الآثار والسيرِ
ويلمّة من طلوب الثأر مدركهلو كان ديناً على الأيام ذي عسرِ
على الفضائل إلاّ الصبر بعدهمُسلام مرتقب للأجر منتظرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
يرجو عسى وله في أختها طمعوالدهر ذو عقب شتّى وذو غيرِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
قرّطتّ آذان من فيها بفاضحةعلى الحسان حصى الياقوت والدررِ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة

واخبرني الوزير أبو بكر ابن القبطرنة أنه كان مسامراً للمتوكل غذ وافاه خبر بخروج أحد أهل يابرة فاراً من ابنه العباس ولحاقه بالمعتمد على الله فبينما هو يردد الوعيد، ويبدي في ذلك ويعيد، إذا بكتاب العباس قد وافاه، يقسم أنه ما أخرجه ولا نفاه، ولا حمله على ذلك إلا البطر، وأنه كان له في ذلك أرب ووطر، وكانت حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإرادة أنفذها وأمضاها، فوقع له على رقعة، قبولي لتنصلك من ذنوبك موجب لجرأتك عليها، وعودتك إليها، واتصل بي ما كان من خروج فلان عنك ولم تتثبت في أمره، ولا تحققت صحيح خبره، حين فر عن أهله ووطنه، والعجلة من النقصان، وليس يحمد قبل النضج بحران، وهو الذي أوجبه إعجابك بأمرك، وانفرادك برأيك، ومتى لم ترجع إلى ما وعدت به من نفسك، وصدرت به من كتبك، فإنا والله أريح نفسي من شغبك، وإن تكن الأخرى، فهو الحظ الأوفى، فاختر لنفسك أي الأمرين ترى إن شاء الله تعالى، وبلغه أنه ذكر في مجلس المنصور يحيى أخيه بسوء فكتب إليه، طويل

فما بالهم لا أنعم الله بالهمينيطون بي ذمّاً وقد علموا فضلي
يسيئون في َّ القول جهلاً وضلَّةوإني لأرجو أن يسوءهمُ فعلي
لئن كان حقاً ما أذاعوا فلا مشتإلى غاية العلياءِ من بعدها رجلي
ولم ألقَ أضيافي بوجه طلاقةٍولم امنح العافين في زمن المحلِ
كيف وراحي درس كل غريبةوورد التقى شمّي وحرب العدى نقلي
ولي خلقٌ في السخط كالشري طعمهوعند الرضا أحلى جنىً من جنى النحلِ
فيا أيها الساقي أخاه على النوىكؤوس القلى مهلاً رويدك بالعلِّ
لتطفي ناراً أضرمت في نفوسنافمثلىَ لا يقلى ومثلكَ لا يقلي
وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكياًفقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي
فبادر إلى الأولى وإلاَّ فإنّنيسأشكوك يوم الحشر للحكم العدلِ

وكان ابن الحضرمي وزيره فازدهى، واقتعد السهى، وعامل الناس أسوأ معاملة، وأعطاهم المقابحة عوضاً من المجاملة، وأهمل الحال التي علقها به وناطها، ودمرها عليه وما حاطها، ولما تجبر وعتا، وأتى من ذلك ما أتى، ظهر للمتوكل قبح أفعاله، واحتذائه بالنجم وانتعاله، فأقعده عن رتبته، وأبعده عن خدمته، فكتب إليه يستعطفه، فراجعه المتوكل، يا سيدي وأكرم عددي، الشاكي ما جنته يده لا يدي، ومن أسأل الله له التوفيق في ذاته، إذ حرمه في ذاتي، قرأت كتابك المتشكي فيه صدوري، وأعراضي عنك غاية مجهودي، نعم فإني رأيت الأمر قد ضاع، والأدبار قد انتشر وذاع، فأشفقت من التلف، وعدلن إلى ما يعقب إن شاء الله بالخلف، وأقبلت استدفع مواقع أنسي، وأشاهد ما ضيعته بنفسي، فلم أر إلا لحجاً قد توسطتها، وغمرات قد تورطتها، فشمرت عن الساق بلجمتها، وخدمت النفس بمهجتها، حتى خضت البحر الذي أدخلني فيه رأيك، ووطيت الساحل الذي كان يبعدني عنه سعيك، فنفسك لم، وبسوء صنيعك لذا واعتصم، وإن مت بجميل اعتقاد، ومحض وداد، فأنا مقر بغره، معترف بقله وكثره، ولكن كنت كالمثل شوى أخوك حتى إذا انضج رمد، وقد أطعمت في العدو، ولبست لأهل مصري الاستكبار والعتو، واستهنت بجيرانك، وتوهمت أن المروءة التزام زهوك وتعظيم شانك، حتى أخرجت النفوس على وعليك، فانجذب مكروه ذلك غليك، ومع ذلك فليس لك عندي إلا حفظ الحاشية، وإكرام الغاشية، ولما كتب الوزير أبو بكر بن القبطرنة مع بنت الحضرمي، وتأخر زفافها تأخراً أرقه، وأورى حرقه، واتفق أن نهض المتوكل إلى أرض الروم، لمنازلة أحد معاقلها وهو معه فأقام معه إلى أن فتحه، وأنهج له الظفر سعيه وأوضحه، فصدر والفتنة قد أنشبت أظفارها، وأعملت أسنتها وشفارها، وأغطشت ليلها، وأجالت في عراصه خيلها، فكتب إليه، ومملوكك قبل التهنئة:

بسيط

يشكو إليك الذي تطويه أضلعهبالحضرميّة من همّ وتسهيدِ
فانسخ ليّ السود من أيام وحشتهابالبيض قبل اختلاط البيض بالسودِ

فقال ابن ايمن أراد الشباب والمشيب وقال هو والله ما أراد إلا الروم والزنج وكان باختلاطهم، وانتشارهم فينا وانبساطهم، ووالله لا جمعن بينهما قبل أن ينجر باسهم إلينا فيعود الشباب مشيباً، وترى الولدان شيباً وترحل كل سلوة، وتنحل كل حبوة، وتكثر الأجاحات، وتصبح الأعراس وهي مناحات، وعاقت الفتنة عن ذلك وشغلت، وتوقدت عواديها واشتعلت، فلم يتكيف أعراسه، ولا جرت في ميدان المنى أفراسه.

ولما عفر المتوكل وصرع، وجرع من الردى ما جرع، ارتدت آمال أبي بكر على أعقابها، وانسابت إليه حيات الملمات من أنقابها، وانتهت أمواله، وهتكت أحواله، وغدت منازله وهي نزائل، وتراءى له ظل عزة وهو زائل، واستنسر له البغاث، وعدم المستصرخ والمستغاث، فقال يرثي المتوكل والفضل:

تهاوت بيَ الدنيا وهرّت كلابهابأسدي وجرّت بيض أفياليَ النملُ
فقلت لها عيثي جعار وجرّريفلا عمر منّي قريب ولا الفضلُ

ثم أعرس بها بعد والحال قد جف معينها، وخف قطينها، وورد ثمادها، وفقد عمادها، فأقام معها بين أحوال مكربة، وأمال مضطربة، إلى أن حان حينها، وبان رحيل المنايا وبينها، وفيها يقول عندما عاقها عنه الحمان وعداها، وثناها عنه كما ثنى عن الروضة نداها:

ادمعاً جموحاً وصبراً حزوناًلقد جمع الحزن فيك الفنونا
أيا ماشياً فوقها لاهياًتميس اختيالاً وتنتقدّ ليناً
ترفّع برجلك عنها رويداًستجعل خدّك فيها المصونا
فلا تبكينَّ لشرخ أملسقناتك ميماً وياء وسيناً
وخطّ على ورد كافورتيكبمسك عذاريك لاماً ونوناً
وممّا يثبّت قولي لديكورّبتما جرّشان شؤنا
مصاب حكى في ابنة الحضرميّمصاب صبيرة أدمى الجفونا
ولفّ الشباب بأوراقهوأودعه الترب غضّاً مصونا
فأنسي بها نضرة واقتبالاًوعيشاً نصيراً وأنساً طروناً

وأخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أن الجدب توالى بحضرته حتى جفت

مذانبها، وأغبرت جوانبها، وغرد المكا في غير روضة، وخاض الناس بالباس أعظم خوضه، وأبدت الخمائل عبوسها، وشكت الأرض للسماء بوسها، فأقلع المتوكل عن الشرب واللهو، ونزع ملابس الخيلاء والزهو، وأظهر الخشوع، وأكثر السجود والركوع، إلى ان غيم الجو، وأنسجم النو، وصاب الغمام، وغنت الحمام، وسفرت الأزهار، وزهت النجاد والأغوار، واتفق أن وصل أبو يوسف المغني والأرض قد لبست زخارفها، ورقم الغمام مطارفها، وتدبجت الغطيان والربى، وأرجت نفحات الصبا، والمتوكل ما فض لتوبته ختاماً، ولا نفض عن قلبه منها قتاماً، فكتب إليه:

ألمّ أبو يوسف والمطرفيا ليت شعري فما ينتظر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ولست بأب وأنت الشهيدحضور نديّك فيمن حضر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ولا مطلعي وسط تلك السماء بين النجوم وبين القمر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ركض فيها جياد المرام محثوثة بسياط الوتر

فبعث إليه مركوباً وكتب معه:

بعثت إليك جناحاً فطرعلى خفية من عيون البشر
على ذلل من نتاج البروق في ظلل من نسيج الشجر
فحسبيَ ممّن نأمن من دنافمن غاب كان فدا من حضر

فوصل القصبة المطلة على البطحاء، المزرية بمنازل الروحاء، فأقام منها حيث قال عدي بن زيد يصف صنعاء:

في قباب حول دسكرةحولها الزيتون قد ينعا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ولها بالماطرون إذا»

ومضى لهم من السرور ما مر لاذي رعين، ولا تصور قبل عيونهم لعين، وأخبرني أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذري والإعرم، التي لا يروعها صرف، ولا يقرعها طرف، لأنها متوعرة المراقي، معفرة للراقي، متمكنة الرواسي والقواعد، من ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد، وقد أطلت على خمائلها أطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من خصتها، فمروا بالبش قطر سالت فيه جداوله، واختالت فيه خمائله، فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، او بقعة أنيقة، فتلقاهم ابن مغاني قاضي حضرته وأنزلهم عنه، وأورى لهم بالمبرة زند، وقدم لهم طعاماً، واعتقد قبوله منا وأنعاما، وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيباً لا يبرح، وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تمرح،

فخرج أبو محمد وقد أبرمه بتثقيله، وحرمه رواحه ومقيله، فلقي ابن خيرون منتظراً له، وقد أعد لحضوره منزله، فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره، وخجلت خدود ورده من زواره، وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها، ولما حضر له وقت الأنس وحينه، وأرجت له رياحينه، وجه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه، ويزول موحشه لا أنيسه، فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، وقد لازمه كأنه غريمه، فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل، فلما عام أبو محمد بانفصاله بعث إلى المتوكل بقطيع خمر وطبق ورد وكتب معهما:

إليكها فاجتلها منيرةًوقد خبا حتى الشهاب الثاقبُ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وافقة بالباب لم يؤذن لهاإلاَّ وقد كاد ينام الحاجبُ
فبعضها من المخاف جامدوبعضها من الحياء ذائبُ
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة

فقبلها ﵀ وكتب إليه:

قد وصلت تلك التي زففتهابكرا وقد شاب لها ذوائب
فهبّ حتّى نستردّ ذاهباًمن أنسنا أن استردّ ذاهبُ

فركب إليه، ونقل معه ما كان بالمجلس بين يديه، وباتاً ليلتهما لا يريمان السهر، ولا يشيمان برقاً إلاّ الكاس والزهر، وأخبرني ابن زرقون أنه حضر مجلس راح، ومكنس ضباء وأفراح، وفيه جماعة منهم الوزير أبو بكر بن القبطرنة شيخ الفتوة، ومعرض فتياتها المجلوة، ومعهم سعد ابن المتوكل وهو غلام ما نضا عنه الشباب بردة، ولا اذوي ياسمينة ولا وردة، وكان الوزير أبو بكر وأخواه أبو محمد وأبو الحسن مختصين بالفضل أخيه اختصاص الأنوار بالكمائم، واللبات بالتمائم، فتذاكروا فقه، وكيف شفى عليه الزمان حقه، ووصفوا صرعته، وأوقدوا لوعته، والمدام قد روقت دمعه، وشوقت لأحاديثه سمعه، فهاج شجوه، وبان طربه ولهوه، وأرسل مدامعه سجالاً، وقال ارتجالاً:

يا سعد ساعدني ولست بخيلاًوامنن بها خمراً تفيض همولاً
وأحبس عليّ دموع عينك ساعةوأبرد بها ممّا ألمّ غليلاً
أن يصبح الفضل القتيل فإنّنيأصبحت من وجدي به مقتولاً
كم قد وفيتم والحمام بمهجتيوحملت شول علائكم معقولاً

ومن كلامه الحر، ونثره المزري بالدر، ما كتب به إلى المعتمد شافعاً وهو، ما يسفر لي أيدك الله وجه مطالعتك، ويعن لي سبب مراسلتك، إلا واجد الزمان قد أقبل بعد أعراضه، وأمد حبل انتقاضه، وارى المنى تلقي إلي عنانها، وتدني من يدي إحسانها، فإنك العماد الذي اعتده جبلاً الوذ بحقوه، ومنهلاً أكرع في صفوة، ومعظماً أعاطيه بقسطه، أناجيه على شطحه، ولما كان فلان أبقاه الله قد سبقت به المعرفة القديمة، وسلفت معه الأدمة الكريمة، وأتاني ثناؤه عليك بالغيب أرسالاً، كأنما هب صبا أو شمالاً، لزمني أن أعلمك بمكانه من الانقطاع إلى جهتك، والتحيز إلى فئتك، وإن أشفع له عندك شفاعة حسنة أدرك بها كرم الشفيع، ويحوز بها منك شرف العارفة والصنيع، وهي منة طوقته إياها، وأطلعته بروضها ورباها، ثم اعترض عليه فيها، وقد شهر ملكه لها ولنواحيها، ويعيذ الله فخرك أن يكون ما وهبت مرتجعاً، وما أوليت منتزعاً، وأنا ارتقب لها الإسعاف والقبول، كما يرتقب الظمأن الورود والوصول، وإن مننت أيدك الله بالمراجعة الجميلة البديعة، وقرنتها بأحوالك المصونة الرفيعة، وقرنتها بأحوالك المصونة الرفيعة، اقتضيت الشكر من شاكر، كنور زاهر وغمام باكر، إن شاء الله تعالى، وكان ليلة مع خواصه للأنس معاطياً، ولمجلس كالشمس وأطيا، وقد تفرغ للسرور، وتسوغ عيشاً كالأمل المزرور، والمنا قد أفضحت ورقها، وأومض برقها، والسعد تطلع مخائله، والملك يبدو زهوة وتخايله، غذ ورد عليه كتاب بدخول أشبونة في طاعته، وانتظامها في سلك جماعته، فزاد في مسرته، وبسط أسرته، واقبل على خدامه، وأسبل نداه على جلسائه وندامه، فقال له ابن خيرة وكان يدل بالشباب، وينزل منه منزلة الأحباب، لمن توليها، أو من يكون واليها، فقال لك، فقال فاكتب لي بذلك، فاستدنى الدواة والرق وكتب وما جف له قلم، ولا توقف عنه كلم، لم يسوغ أولياء النعم مثل الذي سوغتموه من التزم الطاعة، والدخول في نهج الجماعة، ولذلك لا ألوكم ونفسي فيكم نصحا فيمن أتخيره للنيابة عني في تدبيركم، والقيام بالدقيق والجليل من أموركم، وقد وليت عليكم من لم أوثر والله فيه دواعي التقريب، على بواعث التجريب، ولا فرات التخصيص، على لوازم التمحيص، وهو الوزير القائد أبو عبد الله ابن خيرة ابن درية بعضي صحبة، ونشاتي شبكة وقربة، وقد رسمت له من وجوه الذب والحماية، ومعالم الرفق والرعاية، ما لتزم الاستيفاء بعهده،

والوقوف بجده عند حده، والمسؤول في عونه من لا عون إلا من عنه، ولن أعرفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله، إلا بما سيبدو وللعيان، ويزكو مع الامتحان، ويفشو من قلبكم إن شاء الله على كل لسان، وقد حددت له أن يكون لناشئكم أباً، ولكهلكم أخا، ولذي التقويس والكبر ابنا، ما اعتموه على هذا المراد، ولزوم الجواد، وركوب الانقياد، وأما من شق العصا، وبان عن الطاعة وعصى، وظهر منه المراد والهوى، فهو القصي منه وأن مت إليه بالرحم الدنيا، فكونوا له خير رعية بالسمع والطاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبر والموالات خير وال، إن شاء الله ﷿، وأخبروني الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية أنه مر في بعض أيامه بروض مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، قد صقل الربيع حواذته، وانطلق بلبله وورشانه، والحف غصنه بروداً مخضرة، وجعل إشراقه للشمس ضرة، وأزاهيره تتيه على الكواكب، وتختال في خلع الغمائم السواكب، فارتاح إلى الكون به بقية نهاره، والتغم ببنفسجة وبهاره، فلما حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنب قد بللها الندى، وكتب فيها بطرف غصن يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه، ونجوم سمائه:

أقبل أبا طالب إليناوقع وقوع الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطيما لم تكن حاضراً لدينا

ولما وافي العيد الذي لم يفرع فيه بأسمائهم منبر، ولا تضوع في نواحيه منهم مسك ولا عنبر، وطوت الفضل منيته، وتعطلت في ذلك الموسم ثنيته، تذكر الوزير أبو محمد بن القبطرنة أيامه معه، وتصور أعياده وجمعه، وأشراقها بحلاه، وابتهاجها بعلاه، وتفكر في سقوط النسور عليه والعقبان، وتمزيق الوحوش لجسمه الذي كان كغصن البان، فقال:

أيا فضل لم أعجب لموتك أنّههو الدهر لا يبقى عليه ولا الدهرُ
ولكن لا سياف مشين عواضباإليك وكنت السيف حليته النصرُ
ويا عجباً للأرض حيّا ملكتهاومتّ ولم يسترك من قعرها شرُ
فليتك من عيني وقلبي صيانةتؤب إلى قبر إذا لم يكن قبرُ
ستبكي لهذا العيد بعدك فتنةزفيرهمُ نظم وأدمعهمْ نثرُ
تؤمّل هل يبيضّ وجهك طالعاًفيسودّ في ألحاظها العيد والفطرُ
ليرعاك منّي مشفق ذو حفيظةعليك إذا لم يرعك الذئب والنسرُ

نجز خبر المتوكل بحمد الله

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن الرؤساء وأبناءهم ودرج أنموذجات من مستعذب أنبائهم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.