من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن عباد (٢)
ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعد
ما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، وبكوا بدموع كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لايعدوهم، وفي ذلك يقول ابن اللبانة:
تبكي السماء بمزن رائح غادِعلى البهاليل من أبناء عبّادِ
على الجبال التي هدتّ قواعدهاوكانت الأرض منهم ذات أوتادِ
عريسة دخلتها النائبات علىأساود لهمُ فيها وأسادِ
وكعبة كانت الآمال تخدمهافاليومَ لا عاكفٌ فيها ولا بادِ
يا ضيق أفقر بيتٌ المكرمات فخذفي ضمّ رحلك واجمع فضلة الزادِ
ويا مؤمّل واديهم ليسكنهخفّ القطين وجفّ الزرع بالوادي
وأنت يا فارس الخيل التي جعلتتختال في عدد منهم وأعدادِ
ألق السلاح وخلّ المشرفيّ فقدأصبحتَ في لهوات الضيغم العادي
لمّا دنا الوقت لم تخلق له عدةوكلّ شيء لميقات وميعادِ
أن يخلعوا فبنوا العبّاس قد خلعواوقد خلت قبل حمصٍ أرضُ بغدادِ
حملوا حريمهمُ حتّى إذا غلبواسيقوا على نسق في حبلِ مقتادِ
وأنزلوا في متون الشهب واحتملوافريقَ دهمٍ لتلك الخيل اندادِ
وعيثَ في كلّ طوق من دروعهمِفصيغَ منهنّ أغلال لأجيادِ
نسيت إلاّ غداة النهر كونهمُفي المنشآت كأمواتٍ بالحادِ
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروامن لؤلؤ طافيات فوق أزبادِ
حطّ القناع فلم تستر مخدّرةومزّقت أوجه تمزيق أبرادِ
حان الوداع فضجّت كلّ صارخةوصارخ من مفدّاة ومن فادِ
سارت سفائنهم والنوح يصحبهاكأنّها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملتتلك القطائع من قطعات أكبادِ
ولما نقل من بلاده، وأعرى من طارفه وتلاده، وحمل في السفين، وأحمل في العدوة محل الدفين، تنبه منابره وأعواده، ولا يدنو منه زواره ولا عوادة، بقي آسفاً تتصعد زفراته، وتطرد أطراد المذانب عبراته، لا يخلو بموانس، ولا يرى إلا عريناً بدلاً من تلك المكانس، ولما لم يجد سلوا، ولم يؤمل دنوا، ولم يروجه مسرة مجلوا، تذكر منازله فشاقته، وتصور بهجتها فراقته، وتخيل استيحاش
أوطانه، وأجهاش قصره إلى قطانه، وإظلام جوه من أقماره، وخلوة من حراسة وسمارة، فقال:
بكى المبارك في أثر ابن عبّادِبكى على أثر غزلان وأسادِ
بكت ثريّاه لا غمّت كواكبهابمثل نوء الثريّا الرائح الغادي
بكى الوحيد بكى الزاهي وقبّتةوالنهر والتاج كلٌّ ذلُّة بادِ
ماء السماء على أبنائه درريا لجّة دومي ذات أزبادِ
وفي ذلك يقول ابن اللبانة:
استودع الله أرضاه عندما وضحتبشائر الصبح فيها بدّلت حلكاً
كانَ المؤيّد بستاناً بساحتهايجني النعيم وفي عليائها فلكاً
في أمره لملوك الدهر معتبرفليس يغترّ ذو ملك بما ملكا
نبكيه من جبل خرّت قواعدهفكلّ من كان في بطحائه هلكا
ما سدّ موضعه للرزق سدّ بهطوبى لمن كان يدري أيّةً سلكا
وكان الحصن الزاهر من أجمل المواضع لديه وأبهاها، وأحبها إليه وأشهاها، لإطلاله على النهر، وإشرافه على القصر، وجماله في العيون، واشتماله بالشجر والزيتون، وكان له به من الطرب، والعيش المزري بحلاوة الضرب، ما لم يكن بحلب لبني حمدان، ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان، وكان كثيراً ما يدير به راحه، ويجعل فيه انشراحه، فلما استد إليه الزمان بعدوانه، ووسد عليه أبواب سلوانه، لم يحن إلا إليه، ولم يتمن إلا الحلول لديه، فقال:
غريب بأرض المغربين أسيرُسيبكي عليه منبر وسريرُ
وتندبه البيض الصوارم والقناوينهلّ دمع بينهنّ غزيرُ
مضى زمنٌ والملك مستانسٌ بهوأصبح منه اليوم وهو نفورُ
برأيٍ من الدهر المضلّل فاسدٍمتى صلحت للصالحين دهورُ
أذلَّ بني ماءِ السماءِ زمانهموذلُّ بني ماءِ السماءِ كبيرُ
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةٌأمامي وخلفي روضةٌ وغديرُ
بمنبتة الزيتون مورثة للعلايغنّي حمامٌ أو تدنّ طيورُ
بزاهرها السامي الذرى جاده الحياتشير الثّريّا نحونا ونشيرُ
ويلحظنا الزاهي وسعد سعودهغيورين والصبّ المحبّ غيورُ
تراه عسيراً أو يسيراً منالهإلا كلّ ما شاء الإله يسيرُ
وأول عيد أخذه باغمات وهو سارح، وما غير الشجون له مسارح، ولا زيّ إلاّ حالة الخمول، واستحالة المأمول، فدخل عليه من بينه، من يسلم عليه ويهنيه، وفيهم بناته وعليهنّ أطمار، كأنّها كسوف وهنّ أقمار، يبكين عند التسايل، ويبدين الخشوع بعد التخايل، والضياع قد غير صورهن، وحير نظرهن، وأقدامهن حافية، وأثار نعيمهن عافية، فقال:
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسروراًفساءك العيد في أغمات مأسوراً
ترى بناتك في الأطمار جائعةيغزلن للناس ما يملكن قطميراً
برزن نحوك للتسليم خاشعةأبصارهنّ حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافيةكأنّها لم تطأ مسكاً وكافوراً
لأخدّ إلاّ تشكّى الجدبَ ظاهرهُوليس إلاّ مع الأنفاس ممطورا
أفطرتَ في العيد لا عادت إساءتهفكانَ فطرك للأكباد تفطيراً
قد كان دهرك إن تأمره متمثلاًفردّك الدهر منهيّاً ومأموراً
من بات بعدك في ملك يسرّ بهفإنّما بات بالأحلام مغروراً
وأقام بالعدوة برهة لا يروع له سرب، وإن لم يكن آمناً، ولا يثور له كرب، وإن كان في ضلوعه كامناً، إلى أن ثار أحد بينه باركش معقلاً كان مجاوراً لإشبيلية مجاورة الأنامل للراح، ظاهراً على بسائط وبطاح، لا يمكن معه عيش، ولا يتمكن من منازلته جيش، فغدا بالمكاره على أهلها وراح، وضيق عليهن المتسع من جهاتها والبراح، فسار نحوه الأمير ابن أبي بكر رحمة الله عليه، قبل أن يرتد طرف استقامته إليه، فوجه وشره قد تشمر، وضره قد تنمر، وجمرة متسعر، وأمره متوعر، فنزل عدوته، وحل للحزم حبوته، وتدارك داءه قبل أعضاله، ونازله وما أعد آلات نضاله، وانحشرت إليه الجيوش من كل قطر، وأفرغ في مالسكه كل قطر، فبقي محصوراً لا يشد له إلا سهم، ولا ينفذ عنه إلا نفس أو وهم، وامتسك شهوراً حتى غرضه أحد الرماة فرماه، بسهم أصماه، فهوى في مطلعه، وخر قتيلاً في موضعه، فدفن إلى جانب سريره، وأمن عاقبة تغييره، وبقي أهله ممتنعين مع طائفة من وزرائه حتى اشتد عليهم الحصر، وارتد عنهم النصر، وعمهم الجوع، وأغب أجفانهم الهجوع، فنزلت منهم طائفة متهافتة، ورقت بأنفاس خافتة، فتبعهم من بقي، ورغب
في التنعم من شقي، فوصلوا إلى قبضة الملمات، وحصلوا في غصة الممات، فرسمهم الحيف، وتقسمهم السيف، ولما زأر الشبل خيفت ثورة الأسد، ولم يرج صلاح الكل والبعض قد فسد، فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وأثناءها، وأحل ساحة الخطوب وفناءها، وحين أركبوه أساودا، وأورثوه حزناً بات له معاودا، قال:
غنّتك أغماتيّة الألحانثقلت على الأرواح والأبدان
قد كان كالثعبان رمحك في الوغافغدا عليك القيد كالثعبان
متعدداً بحميك كل تعدّدمتعطّفاً لا رحمة للعاني
قلبي إلى الرحمن يشكو بثّهما خاب من يشكو إلى الرحمن
يا سائلاً عن شأنه ومكانهما كان أغنى شانه عن شأني
هاتيك قينته وذلك قصرهمن بعد لأتى مقاصرٍ وقيان
ولما فقد من يجالسه، وبعد عنه من كان يوانسه، وتمادى كربه، ولم تسالمه حربه، قال:
تؤمّل للنفس الشجيّة فرحةوتأبى الخطوب السود إلاّ تمادياً
لياليك في زاهيك أصفى صحبتهاكما صحبتْ قلبي الملوك اللياليا
نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخوبعدهما نسخ المنايا الأمانيا
ولما امتدت في الثقاف مدته، واشتدت عليه قسوة الكبل وشدته، وأقلقته همومه، وأطبقته غمومه، وتوالت عليه الشجون، وطالت لياليه الجون، قال:
أنباء أسرك قد طبّقن أفاقاًبل قد عممن جهات الأرض إقلاقاً
سارت من الغرب لا تطوى لها قدمحتّى أتت شرقها تنعاك إشراقاً
فأحرق الفجع أكباداً وأفئدةًوأغرق الدمع إماقاً وأحداقاً
قد ضاق صدر المعالي غذ نعيتَ لهاوقيل إنّ عليك القيدَ قد ضاقا
إنّي غلبتَ وكنت الدهرَ ذا غلبللغالبين وللسبّاق سبّاقاً
قلت الخطوبُ أذلّتني طوارقهاوكان عزميَ لأعداء طرّاقا
متى رأيت صروفَ الدهر تاركةًإذا انبرت لذوي الأخطار أرماقا
وقال لي من أثق به لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المسلمين عليه ما أثار، جزع جزعاً مفرطاً، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطاً، وجعل يتشكى من فعله ويتظلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن،
ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي، ويتحيفه بعدي، ثم أطرق ورفع رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، ولشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه قد رجا عودة إلى سلطانه، وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا مقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة، حتى قال:
كذا يهلك السيف في جفنهإذا هزّ كف طويل الحنينِ
كذا يعطش الرمح لم أعتقلهولم تروه من نجيعٍ يمني
كذا يمنع الطرف علك الشكيم مرتقباً غرّة في كمينِ
كانّ الفوارس فيه ليوثتراعى فرائسها في عرينِ
إلا شرف يرحم المشر فيّ مما به من سماة الوتينِ
الأكرم ينعش السمهريَّويشفيه من كل داءٍ دفينِ
الأحنّة لبن محنيهشديد الحنين ضعيف الأنينِ
يؤمل من صدرها ضمّةتبوّئه صدر كفؤّ معينِ
وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثوا فيها وفسقوا، وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا، ومنعوا جفون أهلها السنات، وأخذوا البنين من جحور أمهاتهم والبنات، وتلقبوا بالإمارة، واركبوا السواء نفوسهم الإمارة، حتى كادت تقفر على أيديهم، وتدثر رسومها بإفراط تعديهم، إلى أن تدارك أمير المسلمين ﵀ أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأوجعهم ضرباً، وأقطعهم ما شاء حزناً وكرباً، وسجنهم باغمات، وضمتهم جوانح الملمات، والمعتهد غذ ذاك، معتقل هناك، وكان فيهم طائفة شعرية، مذنبة أو برية، فرغبوا إلى سجانهم، أن يستريحوا إلى المعتمد من أشجانهم، فخلى ما بينهم وبينه، وغمض لهم في ذلك عينه، فكان المعتمد ﵀ يتسلى بمجالستهم، ويجد أثر موانستهم، ويستريح إليهم بجواه، ويبوح لهم بسره ونجواه، إلى أن شفع فيهم وانطلقوا من وثاقهم، وانفرج لهم مبهم أغلاقهم، وبقي المعتمد في مجلسه يتشكى من ضيق الكبل، ويبكي بدمع كالوبل، فدخلوا عليه مودعين، ومن بثه متوجعين، فقال:
أما لانسكاب الدمع في الخد راحةلقد آن أن ينفي ويقنا به الخد
هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلبما منه قد عافاكم الصمد الفرد
تخلصتم من سجن أغمات والتوتعليّ قيود لم يحن فكّها بعدُ
من الدهم أمّا خلقها فأساودَتلوى وأمّا الأيد والبطش فالأسدُ
فهنّئتمُ النعمى ودامت لكّلكمسعادته أن كان قد خانني سعدُ
خرجتم جماعات وخلّفت واحداًولله في أمري وأمركمُ الحمدُ
ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطا لم يعلق لها جناح، ولا تعلق بها من الأيام جناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البشام ولا الأراك، وهي تمرح في الجو، وتسرح في مواقع النو، فتنكد مما هو فيه من الوثاق، وما دون أحبته من الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرته وشهدنه، فقال:
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بيسوارح لا سجن يعوق ولا كبلُ
ولم تكُ والله المعيد حسادةولكن حنيناً أنّ شكلي لها شكلُ
فإسرح فلاشمل صديع ولا الحشاوجيعٌ ولا عينان يبكيهما ثكلُ
وما ذاك ممّا يعتريه وإنّماوصفت الذي في جبلة الخلق من قبلُ
هنيئاً لها إن لم يفرَّقْ جميعهاولا ذاق منها البعد عن أهله أهلُ
وإن لم تبت مثلي تطير قلوبهاإذا اهتزّ باب السجن أو صلصل القفلُ
لنفسي إلى القيا الحمام تشوّفسواي يحبّ العيش في ساقه كبلُ
ألا عصم الله القطا في فراخهافإن فراخي خانها الماءُ والظلُّ
وفي هذه الحال زاره الأديب أبو بكر بن اللبانة المتقدم الذكر وهو أحد شعراء دولته المرتضعين درها، المنتجعين درها، وكان المعتمد ﵀ يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه في فرسان هذا الشأن، فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق أعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممزوجاً بدم، بعد ما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، وتشرف الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن يقاربه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحارث بن عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد، أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاختفاء طريقاً لاحباً، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحباً، فمن ذلك قوله:
لكلّ شيءٍ من الأشاء ميقاتُوللمنى من منائيهن غاياتُ
والدهر في صبغة الحرباء منغمسٌألوانُ حلّته فيها استحالاتُ
ونحن من لعب الشطرنج في يدهورّبما فخرت بالبيدق الشاةُ
انفضْ يديك من الدنيا وساكنهافالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعلمها السفليّ قد كتمتسريرة العالم العلويّ أغماتُ
طوتْ مظلّتها لا بل مذلّتهامن لم تزل فوقه للعزّراياتُ
من كان بين الندى والباس أنصلههنديّةٌ وعطاياه هنيداتُ
رماه من حيث لم تستره سابغةدهر مصيباته نبلٌ مصيبباتٌ
وكان ملء عيان العين تبصرهوللأمانيّ في مراءة مراءاتُ
أنكرتُ إلاّ التواءات القيود بهوكيف تنكر في الروضات حيّاتُ
غلطت بين همائين عقدنْ لهُوبينها فإذا الأنواع أشتاتُ
وقلت هنّ ذؤابات فكم عكستمن رأسه نحو رجليه الذؤابات
حسبتها من قناة أو أعنّتهإذا بها لثقاف المجد آلات
دورة ليثا فخافوا منه عاديةٌعذرتهم فلعدو الليث عاداتُ
منه المهابات في الأرواح آخذةوإن تكن أخذت منه المهاباتُ
لو كان يفرج عنه بعض أوانةٍقامت بدعوته حتّى الجماداتُ
بحر محيط عهدناه تجيء لهكنقطة الدارة السبع المحيطاتُ
وبدر سبعٍ وسبعً تستميد به السب??ع الأقاليم والسبع السماواتُ
به وإن كان أخفاه السرار سناقبل الصباح به تجلى الدجنّاتُ
لهفي على آل عبادٍ فإنّهمُأهلّة مالها في الأفق هالاتُ
تمسّكت بعرى اللّذات ذاتهمُيا بئس ما جنيت للذات لذّاتُ
راح الحيا وغدا منهم بمنزلةكانت لنا بكرٌ فيها وروحاتُ
أرض كانّ على أقطارها سرجاًقد أوقدتهنّ في الأذهان أنباتُ
وفوق شاطئ واديها رياض رباقد ظلّلتها من الأنشام دوحاتُ
كانّ واديها بلبّتهاوغاية الحسن أسلاك ولبّاتُ
نهر شربتُ بعبريه على صورِكانت لها فيّ قبل الراح سوراتُ
وكنتُ أورق في إيكانه ورقاًتهوى ولي من قريض الشعر أصوات
وكم جريت بشطَّي طعنتته إلىمحاسنٍ للهوى فيهنّ وقفاتُ
وربّما كنتُ أسمو للخليج بهوفي الخليج لأهل الراح راحاتُ
وبالغرسات لاجفّت منابتهامن النعيم غروسات جنّياتُ
معاهدٌ ليت أنّي قبل فرقتهاقدمتّ والتاركوها ليتهم ماتوا
فجئت منها بإخوان ذوي ثقةوالأرض فيها من الإخوان آفاتُ
وافيت في آخر الصحراء طائفةلغاتهم في كتاب الله لغاتُ
رغد من العيش مالي ارتقبه وليعند ابن أغلب أكناف بسيطاتُ
إن لم يكن عنده كوني فلا سعةللرزق عندي ولا للأنس ساعاتُ
هو المراد ولكن دونه خلجرخاوة عندها بيض معلاتُ
وإن تكن رجس من فوق مذهبهفليس تغرب في وجهي الملماتُ
هناك أوي من النعمى إلى كنففيه ظلال وأموه وجنّاتُ
بين الحصار وبين المرتضى عمرذاك الحصار من المحذور منجاةُ
هل يذكر المسجد المعمور شرجيهأو للعهود على الذكرى قديماتُ
عندي رسالاتُ شوق عنده فعسىمع الرياح توافيه رسالاتُ
ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات، وخلله يتردد بين النكبات والعثرات، ونفسه تتقسم بالأشجان والحسرات، إلى أن شفته منيته، وجاءته بها أمنيته، فدفن باغمات، وأريح من تلك الأزمات، وعطلت المآثر من حلاها، وأفرزت المفاخر من علاها، ورفعت المفاخر من علاها، ورفعت مكارم الأخلاق، وكسدت نفائس الأعلاق، وصار أمره عبرة في عصره، وصاب أبداً عبرة في مصره، وبعد أيام وافاه أبو بكر بن عبد الصمد شاعره المتصل به، المتوصل إلى المنى بسببه، فلما كان يوم العيد وانتشر الناس ضحى، وظهر كل متوار وضحى، قام على قبره عند انفصالهم من مصلاهم، واختيالهم بزينتهم زحلاهم، وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه، وخر على تربه ولثمه:
ملك الملوك أسامع فأناديأم قد عدتك عن السماع عوادِ
لما خلت منك القصور ولم تكنفيها كما قد كنت في الأعيادِ
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعاًوتخذت قبرك موضع الإنشادِ
قد كنت أحسب أن تبدّد أدمعينيران حزن أضرمت بفؤادي
فغذا بدمعي كلّما أجريتهزادت عليَّ حرارة الأكبادِ
فالعين في التسكاب والتهتان والأحشاء في الإحراق والإيقادِ
يا أيّها القمر المنير أهكذايمحى ضياء النيّر الوقادِ
أفقدتُ عيني مذ فقدت أنارهلحجابها في ظلمه وسوادِ
ما كان ظنّي قبل موتك أن أزرقبراً يضم شوامخ الأطوادِ
الهضبة الشمّاء تحت ضريحهوالبحر ذو التيّار والأزبادِ
عهدي بملك وهو طلق ضاحكمتهلّل الصفحات للقصّادِ
والمال ذو شمل مذاذٍ والندىيهمي وشمل الملك غير مذادٍ
أيام تخفق حولك الرايات فوق كتائب الرؤساء والأجنادِ
والأمر أمرك والزمان مبشّربممالك قد أذعنت وبلادِ
والخيل تمرح والفوارس تنحنيبين الصوارم والقنا الميّادِ
وهي قصيدة أطال أنشادها، وبنى بها اللواعج وشادها، فانحشر الناس إليه وأحفلوا، وبكوا لبكائه وأعولوا، وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج، مديمين البكاء والعجيج، ثم انصرفوا وقد نزفوا ماء عيونهم، وأقرحوا مأقيهم بفيض شؤنهم، وهذه نهاية كل عيش، وغاية كل ملك وجيش، والأيام لا تدع حيا، ولا تألوا كل نشر طيا، تطرق رزاياها كل سمع، وتفرق مناياها كل جمع، وتصمي كل ذي أمر ونهي، وترمي كل مشيد بوهي، ومن قبله طوت النمعان ابن الشقيقة، ولوت مجازها في تلك الحقيقة.
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع