تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن عباد (٢)

ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعد

ما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، وبكوا بدموع كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لايعدوهم، وفي ذلك يقول ابن اللبانة:

تبكي السماء بمزن رائح غادِعلى البهاليل من أبناء عبّادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
على الجبال التي هدتّ قواعدهاوكانت الأرض منهم ذات أوتادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
عريسة دخلتها النائبات علىأساود لهمُ فيها وأسادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وكعبة كانت الآمال تخدمهافاليومَ لا عاكفٌ فيها ولا بادِ
يا ضيق أفقر بيتٌ المكرمات فخذفي ضمّ رحلك واجمع فضلة الزادِ
ويا مؤمّل واديهم ليسكنهخفّ القطين وجفّ الزرع بالوادي
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وأنت يا فارس الخيل التي جعلتتختال في عدد منهم وأعدادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ألق السلاح وخلّ المشرفيّ فقدأصبحتَ في لهوات الضيغم العادي
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
لمّا دنا الوقت لم تخلق له عدةوكلّ شيء لميقات وميعادِ
أن يخلعوا فبنوا العبّاس قد خلعواوقد خلت قبل حمصٍ أرضُ بغدادِ
حملوا حريمهمُ حتّى إذا غلبواسيقوا على نسق في حبلِ مقتادِ
وأنزلوا في متون الشهب واحتملوافريقَ دهمٍ لتلك الخيل اندادِ
وعيثَ في كلّ طوق من دروعهمِفصيغَ منهنّ أغلال لأجيادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
نسيت إلاّ غداة النهر كونهمُفي المنشآت كأمواتٍ بالحادِ
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروامن لؤلؤ طافيات فوق أزبادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
حطّ القناع فلم تستر مخدّرةومزّقت أوجه تمزيق أبرادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
حان الوداع فضجّت كلّ صارخةوصارخ من مفدّاة ومن فادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
سارت سفائنهم والنوح يصحبهاكأنّها إبل يحدو بها الحادي
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
كم سال في الماء من دمع وكم حملتتلك القطائع من قطعات أكبادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

ولما نقل من بلاده، وأعرى من طارفه وتلاده، وحمل في السفين، وأحمل في العدوة محل الدفين، تنبه منابره وأعواده، ولا يدنو منه زواره ولا عوادة، بقي آسفاً تتصعد زفراته، وتطرد أطراد المذانب عبراته، لا يخلو بموانس، ولا يرى إلا عريناً بدلاً من تلك المكانس، ولما لم يجد سلوا، ولم يؤمل دنوا، ولم يروجه مسرة مجلوا، تذكر منازله فشاقته، وتصور بهجتها فراقته، وتخيل استيحاش

أوطانه، وأجهاش قصره إلى قطانه، وإظلام جوه من أقماره، وخلوة من حراسة وسمارة، فقال:

بكى المبارك في أثر ابن عبّادِبكى على أثر غزلان وأسادِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكى المبارك في إثر ابن عباد»
بكت ثريّاه لا غمّت كواكبهابمثل نوء الثريّا الرائح الغادي
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكى المبارك في إثر ابن عباد»
بكى الوحيد بكى الزاهي وقبّتةوالنهر والتاج كلٌّ ذلُّة بادِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكى المبارك في إثر ابن عباد»
ماء السماء على أبنائه درريا لجّة دومي ذات أزبادِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكى المبارك في إثر ابن عباد»

وفي ذلك يقول ابن اللبانة:

استودع الله أرضاه عندما وضحتبشائر الصبح فيها بدّلت حلكاً
كانَ المؤيّد بستاناً بساحتهايجني النعيم وفي عليائها فلكاً
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
في أمره لملوك الدهر معتبرفليس يغترّ ذو ملك بما ملكا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
نبكيه من جبل خرّت قواعدهفكلّ من كان في بطحائه هلكا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ما سدّ موضعه للرزق سدّ بهطوبى لمن كان يدري أيّةً سلكا

وكان الحصن الزاهر من أجمل المواضع لديه وأبهاها، وأحبها إليه وأشهاها، لإطلاله على النهر، وإشرافه على القصر، وجماله في العيون، واشتماله بالشجر والزيتون، وكان له به من الطرب، والعيش المزري بحلاوة الضرب، ما لم يكن بحلب لبني حمدان، ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان، وكان كثيراً ما يدير به راحه، ويجعل فيه انشراحه، فلما استد إليه الزمان بعدوانه، ووسد عليه أبواب سلوانه، لم يحن إلا إليه، ولم يتمن إلا الحلول لديه، فقال:

غريب بأرض المغربين أسيرُسيبكي عليه منبر وسريرُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
وتندبه البيض الصوارم والقناوينهلّ دمع بينهنّ غزيرُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
مضى زمنٌ والملك مستانسٌ بهوأصبح منه اليوم وهو نفورُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
برأيٍ من الدهر المضلّل فاسدٍمتى صلحت للصالحين دهورُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
أذلَّ بني ماءِ السماءِ زمانهموذلُّ بني ماءِ السماءِ كبيرُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةٌأمامي وخلفي روضةٌ وغديرُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
بمنبتة الزيتون مورثة للعلايغنّي حمامٌ أو تدنّ طيورُ
بزاهرها السامي الذرى جاده الحياتشير الثّريّا نحونا ونشيرُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
ويلحظنا الزاهي وسعد سعودهغيورين والصبّ المحبّ غيورُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»
تراه عسيراً أو يسيراً منالهإلا كلّ ما شاء الإله يسيرُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غريب بأرض المغربين أسير»

وأول عيد أخذه باغمات وهو سارح، وما غير الشجون له مسارح، ولا زيّ إلاّ حالة الخمول، واستحالة المأمول، فدخل عليه من بينه، من يسلم عليه ويهنيه، وفيهم بناته وعليهنّ أطمار، كأنّها كسوف وهنّ أقمار، يبكين عند التسايل، ويبدين الخشوع بعد التخايل، والضياع قد غير صورهن، وحير نظرهن، وأقدامهن حافية، وأثار نعيمهن عافية، فقال:

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسروراًفساءك العيد في أغمات مأسوراً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
ترى بناتك في الأطمار جائعةيغزلن للناس ما يملكن قطميراً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
برزن نحوك للتسليم خاشعةأبصارهنّ حسيرات مكاسيرا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسْرُورا»
يطأن في الطين والأقدام حافيةكأنّها لم تطأ مسكاً وكافوراً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
لأخدّ إلاّ تشكّى الجدبَ ظاهرهُوليس إلاّ مع الأنفاس ممطورا
أفطرتَ في العيد لا عادت إساءتهفكانَ فطرك للأكباد تفطيراً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
قد كان دهرك إن تأمره متمثلاًفردّك الدهر منهيّاً ومأموراً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»
من بات بعدك في ملك يسرّ بهفإنّما بات بالأحلام مغروراً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا»

وأقام بالعدوة برهة لا يروع له سرب، وإن لم يكن آمناً، ولا يثور له كرب، وإن كان في ضلوعه كامناً، إلى أن ثار أحد بينه باركش معقلاً كان مجاوراً لإشبيلية مجاورة الأنامل للراح، ظاهراً على بسائط وبطاح، لا يمكن معه عيش، ولا يتمكن من منازلته جيش، فغدا بالمكاره على أهلها وراح، وضيق عليهن المتسع من جهاتها والبراح، فسار نحوه الأمير ابن أبي بكر رحمة الله عليه، قبل أن يرتد طرف استقامته إليه، فوجه وشره قد تشمر، وضره قد تنمر، وجمرة متسعر، وأمره متوعر، فنزل عدوته، وحل للحزم حبوته، وتدارك داءه قبل أعضاله، ونازله وما أعد آلات نضاله، وانحشرت إليه الجيوش من كل قطر، وأفرغ في مالسكه كل قطر، فبقي محصوراً لا يشد له إلا سهم، ولا ينفذ عنه إلا نفس أو وهم، وامتسك شهوراً حتى غرضه أحد الرماة فرماه، بسهم أصماه، فهوى في مطلعه، وخر قتيلاً في موضعه، فدفن إلى جانب سريره، وأمن عاقبة تغييره، وبقي أهله ممتنعين مع طائفة من وزرائه حتى اشتد عليهم الحصر، وارتد عنهم النصر، وعمهم الجوع، وأغب أجفانهم الهجوع، فنزلت منهم طائفة متهافتة، ورقت بأنفاس خافتة، فتبعهم من بقي، ورغب

في التنعم من شقي، فوصلوا إلى قبضة الملمات، وحصلوا في غصة الممات، فرسمهم الحيف، وتقسمهم السيف، ولما زأر الشبل خيفت ثورة الأسد، ولم يرج صلاح الكل والبعض قد فسد، فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وأثناءها، وأحل ساحة الخطوب وفناءها، وحين أركبوه أساودا، وأورثوه حزناً بات له معاودا، قال:

غنّتك أغماتيّة الألحانثقلت على الأرواح والأبدان
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غنتك أغماتية الألحان»
قد كان كالثعبان رمحك في الوغافغدا عليك القيد كالثعبان
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غنتك أغماتية الألحان»
متعدداً بحميك كل تعدّدمتعطّفاً لا رحمة للعاني
قلبي إلى الرحمن يشكو بثّهما خاب من يشكو إلى الرحمن
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غَنَّتكَ أَغماتيّةُ الأَلحانِ»
يا سائلاً عن شأنه ومكانهما كان أغنى شانه عن شأني
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غنتك أغماتية الألحان»
هاتيك قينته وذلك قصرهمن بعد لأتى مقاصرٍ وقيان
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «غنتك أغماتية الألحان»

ولما فقد من يجالسه، وبعد عنه من كان يوانسه، وتمادى كربه، ولم تسالمه حربه، قال:

تؤمّل للنفس الشجيّة فرحةوتأبى الخطوب السود إلاّ تمادياً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «تؤمل للنفس الشجية فرحة»
لياليك في زاهيك أصفى صحبتهاكما صحبتْ قلبي الملوك اللياليا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «تؤمل للنفس الشجية فرحة»
نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخوبعدهما نسخ المنايا الأمانيا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «تؤمل للنفس الشجية فرحة»

ولما امتدت في الثقاف مدته، واشتدت عليه قسوة الكبل وشدته، وأقلقته همومه، وأطبقته غمومه، وتوالت عليه الشجون، وطالت لياليه الجون، قال:

أنباء أسرك قد طبّقن أفاقاًبل قد عممن جهات الأرض إقلاقاً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أنباء أسرك قد طبقن آفاقا»
سارت من الغرب لا تطوى لها قدمحتّى أتت شرقها تنعاك إشراقاً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أنباء أسرك قد طبقن آفاقا»
فأحرق الفجع أكباداً وأفئدةًوأغرق الدمع إماقاً وأحداقاً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أنباء أسرك قد طبقن آفاقا»
قد ضاق صدر المعالي غذ نعيتَ لهاوقيل إنّ عليك القيدَ قد ضاقا
إنّي غلبتَ وكنت الدهرَ ذا غلبللغالبين وللسبّاق سبّاقاً
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أنباء أسرك قد طبقن آفاقا»
قلت الخطوبُ أذلّتني طوارقهاوكان عزميَ لأعداء طرّاقا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أنباء أسرك قد طبقن آفاقا»
متى رأيت صروفَ الدهر تاركةًإذا انبرت لذوي الأخطار أرماقا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أنباء أسرك قد طبقن آفاقا»

وقال لي من أثق به لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المسلمين عليه ما أثار، جزع جزعاً مفرطاً، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطاً، وجعل يتشكى من فعله ويتظلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن،

ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي، ويتحيفه بعدي، ثم أطرق ورفع رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، ولشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه قد رجا عودة إلى سلطانه، وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا مقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة، حتى قال:

كذا يهلك السيف في جفنهإذا هزّ كف طويل الحنينِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «كذا يهلك السيف في جفنه»
كذا يعطش الرمح لم أعتقلهولم تروه من نجيعٍ يمني
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «كذا يهلك السيف في جفنه»
كذا يمنع الطرف علك الشكيم مرتقباً غرّة في كمينِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «كذا يهلك السيف في جفنه»
كانّ الفوارس فيه ليوثتراعى فرائسها في عرينِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «كذا يهلك السيف في جفنه»
إلا شرف يرحم المشر فيّ مما به من سماة الوتينِ
الأكرم ينعش السمهريَّويشفيه من كل داءٍ دفينِ
الأحنّة لبن محنيهشديد الحنين ضعيف الأنينِ
يؤمل من صدرها ضمّةتبوّئه صدر كفؤّ معينِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «كذا يهلك السيف في جفنه»

وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثوا فيها وفسقوا، وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا، ومنعوا جفون أهلها السنات، وأخذوا البنين من جحور أمهاتهم والبنات، وتلقبوا بالإمارة، واركبوا السواء نفوسهم الإمارة، حتى كادت تقفر على أيديهم، وتدثر رسومها بإفراط تعديهم، إلى أن تدارك أمير المسلمين ﵀ أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأوجعهم ضرباً، وأقطعهم ما شاء حزناً وكرباً، وسجنهم باغمات، وضمتهم جوانح الملمات، والمعتهد غذ ذاك، معتقل هناك، وكان فيهم طائفة شعرية، مذنبة أو برية، فرغبوا إلى سجانهم، أن يستريحوا إلى المعتمد من أشجانهم، فخلى ما بينهم وبينه، وغمض لهم في ذلك عينه، فكان المعتمد ﵀ يتسلى بمجالستهم، ويجد أثر موانستهم، ويستريح إليهم بجواه، ويبوح لهم بسره ونجواه، إلى أن شفع فيهم وانطلقوا من وثاقهم، وانفرج لهم مبهم أغلاقهم، وبقي المعتمد في مجلسه يتشكى من ضيق الكبل، ويبكي بدمع كالوبل، فدخلوا عليه مودعين، ومن بثه متوجعين، فقال:

أما لانسكاب الدمع في الخد راحةلقد آن أن ينفي ويقنا به الخد
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أما لانسكاب الدمع في الخد راحة»
هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلبما منه قد عافاكم الصمد الفرد
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أما لانسكاب الدمع في الخد راحة»
تخلصتم من سجن أغمات والتوتعليّ قيود لم يحن فكّها بعدُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أما لانسكاب الدمع في الخد راحة»
من الدهم أمّا خلقها فأساودَتلوى وأمّا الأيد والبطش فالأسدُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أما لانسكاب الدمع في الخد راحة»
فهنّئتمُ النعمى ودامت لكّلكمسعادته أن كان قد خانني سعدُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أما لانسكاب الدمع في الخد راحة»
خرجتم جماعات وخلّفت واحداًولله في أمري وأمركمُ الحمدُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أما لانسكاب الدمع في الخد راحة»

ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطا لم يعلق لها جناح، ولا تعلق بها من الأيام جناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البشام ولا الأراك، وهي تمرح في الجو، وتسرح في مواقع النو، فتنكد مما هو فيه من الوثاق، وما دون أحبته من الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرته وشهدنه، فقال:

بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بيسوارح لا سجن يعوق ولا كبلُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي»
ولم تكُ والله المعيد حسادةولكن حنيناً أنّ شكلي لها شكلُ
فإسرح فلاشمل صديع ولا الحشاوجيعٌ ولا عينان يبكيهما ثكلُ
وما ذاك ممّا يعتريه وإنّماوصفت الذي في جبلة الخلق من قبلُ
هنيئاً لها إن لم يفرَّقْ جميعهاولا ذاق منها البعد عن أهله أهلُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي»
وإن لم تبت مثلي تطير قلوبهاإذا اهتزّ باب السجن أو صلصل القفلُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي»
لنفسي إلى القيا الحمام تشوّفسواي يحبّ العيش في ساقه كبلُ
ألا عصم الله القطا في فراخهافإن فراخي خانها الماءُ والظلُّ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي»

وفي هذه الحال زاره الأديب أبو بكر بن اللبانة المتقدم الذكر وهو أحد شعراء دولته المرتضعين درها، المنتجعين درها، وكان المعتمد ﵀ يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه في فرسان هذا الشأن، فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق أعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممزوجاً بدم، بعد ما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، وتشرف الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن يقاربه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحارث بن عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد، أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاختفاء طريقاً لاحباً، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحباً، فمن ذلك قوله:

لكلّ شيءٍ من الأشاء ميقاتُوللمنى من منائيهن غاياتُ
والدهر في صبغة الحرباء منغمسٌألوانُ حلّته فيها استحالاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
ونحن من لعب الشطرنج في يدهورّبما فخرت بالبيدق الشاةُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
انفضْ يديك من الدنيا وساكنهافالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وقل لعلمها السفليّ قد كتمتسريرة العالم العلويّ أغماتُ
طوتْ مظلّتها لا بل مذلّتهامن لم تزل فوقه للعزّراياتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
من كان بين الندى والباس أنصلههنديّةٌ وعطاياه هنيداتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
رماه من حيث لم تستره سابغةدهر مصيباته نبلٌ مصيبباتٌ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وكان ملء عيان العين تبصرهوللأمانيّ في مراءة مراءاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
أنكرتُ إلاّ التواءات القيود بهوكيف تنكر في الروضات حيّاتُ
غلطت بين همائين عقدنْ لهُوبينها فإذا الأنواع أشتاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وقلت هنّ ذؤابات فكم عكستمن رأسه نحو رجليه الذؤابات
حسبتها من قناة أو أعنّتهإذا بها لثقاف المجد آلات
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
دورة ليثا فخافوا منه عاديةٌعذرتهم فلعدو الليث عاداتُ
منه المهابات في الأرواح آخذةوإن تكن أخذت منه المهاباتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
لو كان يفرج عنه بعض أوانةٍقامت بدعوته حتّى الجماداتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
بحر محيط عهدناه تجيء لهكنقطة الدارة السبع المحيطاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وبدر سبعٍ وسبعً تستميد به السب??ع الأقاليم والسبع السماواتُ
به وإن كان أخفاه السرار سناقبل الصباح به تجلى الدجنّاتُ
لهفي على آل عبادٍ فإنّهمُأهلّة مالها في الأفق هالاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
تمسّكت بعرى اللّذات ذاتهمُيا بئس ما جنيت للذات لذّاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
راح الحيا وغدا منهم بمنزلةكانت لنا بكرٌ فيها وروحاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
أرض كانّ على أقطارها سرجاًقد أوقدتهنّ في الأذهان أنباتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وفوق شاطئ واديها رياض رباقد ظلّلتها من الأنشام دوحاتُ
كانّ واديها بلبّتهاوغاية الحسن أسلاك ولبّاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
نهر شربتُ بعبريه على صورِكانت لها فيّ قبل الراح سوراتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وكنتُ أورق في إيكانه ورقاًتهوى ولي من قريض الشعر أصوات
وكم جريت بشطَّي طعنتته إلىمحاسنٍ للهوى فيهنّ وقفاتُ
وربّما كنتُ أسمو للخليج بهوفي الخليج لأهل الراح راحاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وبالغرسات لاجفّت منابتهامن النعيم غروسات جنّياتُ
معاهدٌ ليت أنّي قبل فرقتهاقدمتّ والتاركوها ليتهم ماتوا
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
فجئت منها بإخوان ذوي ثقةوالأرض فيها من الإخوان آفاتُ
وافيت في آخر الصحراء طائفةلغاتهم في كتاب الله لغاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
رغد من العيش مالي ارتقبه وليعند ابن أغلب أكناف بسيطاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
إن لم يكن عنده كوني فلا سعةللرزق عندي ولا للأنس ساعاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
هو المراد ولكن دونه خلجرخاوة عندها بيض معلاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
وإن تكن رجس من فوق مذهبهفليس تغرب في وجهي الملماتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
هناك أوي من النعمى إلى كنففيه ظلال وأموه وجنّاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
بين الحصار وبين المرتضى عمرذاك الحصار من المحذور منجاةُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
هل يذكر المسجد المعمور شرجيهأو للعهود على الذكرى قديماتُ
عندي رسالاتُ شوق عنده فعسىمع الرياح توافيه رسالاتُ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات، وخلله يتردد بين النكبات والعثرات، ونفسه تتقسم بالأشجان والحسرات، إلى أن شفته منيته، وجاءته بها أمنيته، فدفن باغمات، وأريح من تلك الأزمات، وعطلت المآثر من حلاها، وأفرزت المفاخر من علاها، ورفعت المفاخر من علاها، ورفعت مكارم الأخلاق، وكسدت نفائس الأعلاق، وصار أمره عبرة في عصره، وصاب أبداً عبرة في مصره، وبعد أيام وافاه أبو بكر بن عبد الصمد شاعره المتصل به، المتوصل إلى المنى بسببه، فلما كان يوم العيد وانتشر الناس ضحى، وظهر كل متوار وضحى، قام على قبره عند انفصالهم من مصلاهم، واختيالهم بزينتهم زحلاهم، وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه، وخر على تربه ولثمه:

ملك الملوك أسامع فأناديأم قد عدتك عن السماع عوادِ
لما خلت منك القصور ولم تكنفيها كما قد كنت في الأعيادِ
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعاًوتخذت قبرك موضع الإنشادِ
قد كنت أحسب أن تبدّد أدمعينيران حزن أضرمت بفؤادي
فغذا بدمعي كلّما أجريتهزادت عليَّ حرارة الأكبادِ
فالعين في التسكاب والتهتان والأحشاء في الإحراق والإيقادِ
يا أيّها القمر المنير أهكذايمحى ضياء النيّر الوقادِ
أفقدتُ عيني مذ فقدت أنارهلحجابها في ظلمه وسوادِ
ما كان ظنّي قبل موتك أن أزرقبراً يضم شوامخ الأطوادِ
الهضبة الشمّاء تحت ضريحهوالبحر ذو التيّار والأزبادِ
عهدي بملك وهو طلق ضاحكمتهلّل الصفحات للقصّادِ
والمال ذو شمل مذاذٍ والندىيهمي وشمل الملك غير مذادٍ
أيام تخفق حولك الرايات فوق كتائب الرؤساء والأجنادِ
والأمر أمرك والزمان مبشّربممالك قد أذعنت وبلادِ
والخيل تمرح والفوارس تنحنيبين الصوارم والقنا الميّادِ

وهي قصيدة أطال أنشادها، وبنى بها اللواعج وشادها، فانحشر الناس إليه وأحفلوا، وبكوا لبكائه وأعولوا، وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج، مديمين البكاء والعجيج، ثم انصرفوا وقد نزفوا ماء عيونهم، وأقرحوا مأقيهم بفيض شؤنهم، وهذه نهاية كل عيش، وغاية كل ملك وجيش، والأيام لا تدع حيا، ولا تألوا كل نشر طيا، تطرق رزاياها كل سمع، وتفرق مناياها كل جمع، وتصمي كل ذي أمر ونهي، وترمي كل مشيد بوهي، ومن قبله طوت النمعان ابن الشقيقة، ولوت مجازها في تلك الحقيقة.

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن الرؤساء وأبناءهم ودرج أنموذجات من مستعذب أنبائهم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.