من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
ابنة الراضي بالله أبو خالد يزيد بن محمد ﵀
ملك تقرع من دوحة سناء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتحدر من سلالة أكابر، ورقاة أسرة ومنابر، وتصرف أثناء شبيبته بين دراسة معارف، وأفاضه عوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضته أجفانه، لا يستريح منه إلا إلى متن سائل الغرة، ميمون الأسرة، يسابق به الرياح، ويحاسن بغرته البدر اللياح، عريق في السناء، عتيق الاقتناء، سريع الوخد والإرقال: من آل أعوج أو ولد العقال: إلى أن ولاة أبوه الجزيرة الخضراء، وضم إليها رندة الغراء، فانتقل من متن الجواد، إلى ذروة الأعواد، وأقلع عن الدراسة، إلى تدبير الرياسة، ومازال يدبرها بجودة ونهاه، ويورد الآمل فيها مناه، حتى غدت عراقاً، وامتلأت إشراقاً، إلى أن اتفق
في الجزيرة ما تفق، وخاب فيها الرجاء وأخفق، فاستحالت بهجتها، وأسالت عليها من الحوادث لجتها، فانتقل إلى رندة معقل أشب، ومنزل للسماك متنسب، وأقام فيها رهن حصار، ومهين حماة وأنصار، ولقيت ريحه كل أعصار، حتى رمته سهام الخطوب عن قسيها، وأمكنت منه يدي مسيها، فحواه رمسه، وطواه عن غده أمسه، حسبما بسطنا القول فيه، فيما مر من أخبار أبيه، وكان المعتمد رحمه الله تعالى كثيراً ما يرميه بملامه، ويصميه بسهامه، وربما استلطفه بمقال أفصح من دمع المحزون، وأملح من روض الحزون، فإنه كان ينظم من بدائع القول لئلئ وعقوداً، تسل من النفوس سخائم وحقوداً، وقد أثبت من كلامه، في بث الأمة، واستجادة عذله وملامه، ما تستبدعه، وتحله النفس وتودعه، فمن ذلك ما قاله وقد أنهض جماعة من أخوته وأقعده، وأدناهم وأبعده:
أعيذك أن يكون بنا خمولويطلع غيرنا ولنا أفولُ
حنانك أن يكن جرمي قبيحاًفإن الصفح عن جرمي جميلُ
ألست بفرعك الزاكي وماذايرجّى الفرع خانته الأصولُ
واخبرني المعتد بالله أن المعتمد أباه وجهه إلى شلب واليا وكانت ملعب شبابه، ومالف أحبابه، التي عمر نجودها غلاماً، وتذكر عهودها أحلاماً، فقال يخاطب ابن عمار وقد توجه إليها:
إلا حيّ أوطاني بشلب أبا بكروسلهنّ هل عهد الوصال كما أدري
وسلم على قصر الشراجيب عن فتىًله أبداً شوق إلى ذلك القصرِ
وقصر الشراجيب هذا متناه في البهاء والإشراق، مباه لزوراء العراق، ركضت فيه جياد راحاته، وأومضت بروق أمانيه في ساحاته، وجرى الدهر مطيعا بين بكورة وروحاته، أيام لم تحل عنه تمائمه، ولا خلت من أزاهر الشباب كمائمه، وكان يعتدها مجنة أماله ومنتهى أعماله، يميل إلى بهجة جنباتها، وطيب نفحاتها وهباتها، والتفاف خمائلها، وتقلدها مكان حمائلها، وفيها يقول ابن اللبانة:
أما علم المعتد بالله أنّنيبحضرته في جنّة شقّها نهرُ
وما هو نهر أعشب النبت حولهولكنّه سيف حمائله خضرُ
ولما صدر عنها وقد حسنت آثاره في تدبيرها، وانسدلت رعايته على صغيرها وكبيرها، نزل المعتمد عليه مشرفاً لأوبته، ومعرفاً بسمو قدره لديه ورتبته، وأقام يومه عنه مستريحاً، وجرى في ميدان الأنس بطلاً مشيحاً، وكان واجداً على الراضي فجلت الحميا أفقه، ومحت غيظه عليه وحقنه، وصورته له عين حنوة، وذكرته بعده فجنح إلى دنوه، وبينما استدعي ووافى، مالت بالمعتمد نشوته وأغفى، فألفاه صريعاً في منتداه، طريحاً في منتهى مداه، فأقام تجاهه، يرتقب انتباهه، وفي أثناء ذلك صنع شعراً أتقنه وجوده، فلما استيقظ أنشده:
الآن تعود حيوة الأملويدنو شفاء فؤاد معل
ويروق للعزّ غصن ذويويطلع للسعد نجم أفل
فقد وعدتني سحاب الرضىبوابلها حين جادت بطل
أيا ملكاً أمره نافذةفمن شاء عزّ ومن شاء ذّل
دعوتَ فطار بقلبي السرورإليك وإن كان منك الوجل
كما يستطيرك حبّ الوغاإليها وفيها الظبا والأسل
ولا غرو أن كان منك اغتفاروإن كان منّا جميعاً زلل
فمثلك وهو الذي لم يزليعود بحلم على من جهل
ومرت عليه هوادج وقباب، فيها حبائب كن له وأحباب، الفهن أيام خلائه من دولة، وجال معهن في ميدان المنى أعظم جولة، ثم انتزعوا منه ببعده، وأودعوا الهوداج من بعده، ووجهوا هدايا إلى العدوة، وألموا بها إلمام قريش بدار الندوة، فقال:
مرّوا بنا أصلاً من غير ميعادِفأوقدوا نار شوقي أيّ إيقادِ
وذكّرونيَ ايّاماً لهوت بهمفيها ففازوا بإيثاري وإحمادي
لا غرو أن زاد في وجدي مرورهمُفروية الماء تذكي غلّة الصادي
ولما وصل المعتمد لورقة أعلم أن العدو قد جيش إليها واحتشد، ونهد نحوها وقصد، ليتركها خاوية على عروشها، طاوية الجوانح على وحوشها، فتعرض له المعتمد دون بغية، وطلع له من ثنيته، وأمر الراضي بالخروج إليه في عسكر جرده لمحاربته، وأعده لمصادمته ومضاربته، فأظهر التمارض والتشكي، وأكثر التقاعس والتلكي، فراراً من المصادر، وأحجاماً عن
المساورة، وجزعاً من منازلة الأقران، ومقابلة ذوابل المران، ومقاسات الطعان، وملاقات أبطال كالرعان، ورأى أن المطالعة، أربح من المقارعة، ومعانات العلوم، أريح من مداوات الكلوم، فقد كان عاكفاً على تلاوة ديوان، عارفاً بإجادة صدر وعنوان، فعلم المعتمد ما نواه، وتحقق ما لواه، فأعرض عنه، ونفض يده منه، ووجه المعتد مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده، ولم تصر جنوده، فعند ما لقوا العدو لاذوا بالفرار، وعادوا بإعطاء الغرة بدلاً من الغرار، وتفرقوا في تلك الأماريت، وفرقوا من تخطف أولئك العفاريت، فتحيف العدو من بقي مع المعتد واهتضمه، وخضم ما في العسكر وقضمه، وغدت مضاربه مجر عواليه، ومجرى مذاكيه، وآب أخسر من بائع السدانة، ومضيع الأمانة، فانطبقت سماء المعتمد على أرضه، وشغلته عن إقامة نوافله وفرضه، فكتب إليه الراضي:
لا يكرثنك خطب الحادث الجاريفما عليك بذاك الخطب من عارِ
ماذا على ضيغمٍ أمضى عزيمتهأن خانه حدّ أنياب وأظفارِ
لئن أتوك فمن جبنٍ ومن خورٍقد ينهض العير نحو الضغيم الضاري
عليك للناس أن تبقى لنصرتهمْوما عليك لهم إسعاف أقدارِ
لو يعلم الناس ما في أن تدومَ لهمبكوا لأنّك من ثوب الصبا عارِ
ولو أطاقوا انتقاصاً من حيوتهملهم يتحفوك بشيء غير إعمارِ
فحجب عنه وجه رضاه، ولم يستلمه بذلك ولا أرضاه، وتمادى على أعراضه، وقعد عن إظهاره وإنهاضه، حتى بسطته سوانح السلو وعطفته عليه جوانح الحنو، فكتب إليه بهزل، غلب فيه كل منزع جزل، وهو:
الملك في طيّ الدفاترفتخلّ عن قود العساكر
طف بالسرير مسلّماًوأرجع لتوديع المنابر
وازحف إلى جيش المعارف تقهر الحبر المقامر
واطعن بأطراف اليراع نصرت في ثغر المحابر
واضرب بسكّين الدواة مكان ماضي الحدّ باتر
أولستَ رسطاليس أنذكر الفلاسفة الأكابر
وكذاك أن ذكر الخلي??ل فأنت نحويّ وشاعر
وأبو حنيفة ساقطبالرأي حين تكون حاضر
من هرمسٌ من سيبوي??هـ من ابن فورك إذ تناظر
هذي المكارم قد حويتَ لمن حاباك شاكر
واقعد فإنّك طاعمٌكلسٍ وقل هل من مفاخر
فحجبت وجه رضاي عن??ك وكنتَ قد تلقاه سافر
أو لستَ تذكر وقت لورقة وقلبك ثم طائر
لا يستقرّ مكانهوأبوك كالضرغام خادر
هلاّ اقتديت بفعلهوأطلعته إذ ذاك أمر
قد كان أبصر بالعواقب والموارد والمصادر
فكتب إليه الراضي مراجعاً عنها، بقطعة مطولة منها:
مولاي قد أصبحت كافربجميع ما تحوي الدفاتر
وفللتُ سكّين الدواة وظلت للأقلام كاسر
وعلمت أن الملك مابين الأسنّة والبواتر
والمجد والعلياء فيضرب العساكر بالعساكر
لا ضرب أقوال بأقوال ضعيفات مكاسر
قد كنت أحسب من سفاةٍ أنّها أصل المفاخر
فإذا بها فرع لهاوالجهل للإنسان غادر
ولا يدرك الشرف الفتىإلاّ بعسّال وباتر
وهجرتُ من سمّيتهموجحدتّ أنّهمُ أكابر
مولاي أن تسخر فلاعار بنا أن كنتَ ساخر
ضحك الموالي بالعبيد إذا تأمل غير ضائر
لو كنتَ تهوى ميتيلوجدتّني للعيش هاجر
إن كان في فضل فمنك وهل لذاك النور ساتر
أو كان بي نقص فمن?ّ?ي غير أن الفضل غامر
ذكّرتَ عبدك ساعةيبقى لها ما عاش ذاكر
يا ليته قد غيّب??ته عندها إحدى المقابر
أتريد منّي أن أكون كمن غدا في الدهر نادر
هيهات ذلك مطمعيعيي الأوائل والأواخر
لا تنس يا مولاي قولة ضارع لأقول فاخر
ضبط الجزيرة عندمانزلت بعقوتها العساكر
أيّامَ ظلت بها فريداً ليس غير الله ناصر
إذ كان يغشى ناظريلمع الأسنّة والبواتر
وبصمّ أسماعي بهاقرع الحجارة بالحوافر
وهي الحضيض سهولةلكن بها ثبتٌ مخاطر
هبني أسأتُ كما اسأتُ أما لهذا العتب آخر
هب زلّتي لبنوّتيوأغفر فإنّ الله غافر
فقربه وأدناه، وصفح عما كان جناه، ولم تزل الحال آخذة في البوار، ومعتلة اعتلال حب الفرزدق للنوار، حتى مضوا لغير طية، وقضوا بين الصوارم والرماح الخطية، حسبما سردناه، وعلى ما أوردناه، وإذا أراد الله إنفاذ أمر مسبق في علمه، فلا مرد لأمره ولا معقب لحكمه، لا إله إلا هو، كمل خبر الراضي والحمد لله كثيراً.
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع