تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

المعتصم بالله أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح ﵀

ملك أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها واتساقها، وأوضح رسمها، واثبت في جبين أوانه وسمها، لم تخل أيامه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة أو محاصرة، إلا ساعات أوقفها على المدام، وعطلها من ذلك النظام، وكانت دولته مشرعاً للكرم، ومطلعاً للهمم، فلاحت بها شموس، وارتاحت فيها نفوس، ونفقت فيها أقدار الأعلام، وتدفقت بحار الكلام، كإجادة ابن عمار وإبداعه، في قوله معتذراً من وداعه:

أمعتصماً بالله والحرب ترتميبأبطالها والخيل بالخيل تلتقي
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
دعتني المطايا للرحيل وإنّنيلأفرق من ذكر النوى والتفرقِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
وإنّي إذا غرّبتُ عنك فإنمّاجبينك شمسي والمريّة مشرقي

هذا على انكماش ولايته، وقلة جبايته، فإن نظرة لم يزد على امتداد ناظر، ولم يجد الغمام منه على يانع ولا ناضر، لأن أكثره منابت شيح، ومهامه فيح، استغفر الله إلا ضفتي نهر بجاية الممتد كالحبل، المستمد من الطل والوبل، فإن في جانبيه كاتساع الشبر، ما يفي بانتجاع ورق ولا تبر، فاقتصر هو على صمادحيته البديعة، وقصبته المنيعة، واشتغل بترميق أساطيله، وتنميق أباطيله، لم تمتد همته إلى مزاحمة ملك في ملكه، ولم يزد على مراعاة أمر جواريه وفلكه، ولا انتقل إلا من مجلس مدارسة، إلى مكنس موانسة، فكثيراً ما كان يعمر أندية اللهو، ويداولها من مجلس الحافة إلى البهو، كلاهما سري المنظر، قمري المرمر، وكان له نظم أرج النفحة، بهج الصفحة، يصف به مجالس إيناسه، ويصرفه بين ندمائه وكاسه، ولم يزل كذلك إلى ان نازلته المحلات، وطاولته المحلات، ففاضت نفسه في أثناء منازلتهم جزعاً، وذهبت روحه مقسماً بالأنكاد موزعاً، ونغصت عليه منيته حتى ما كان يلتفت إلا إلى رهج يغشاه، ولا يصيخ غلا إلى رجة تقلقل حشاه، فأكثر القتال أنما كان تحت مجلسه الذي كان به مضجعه، وفيه تألمه وتوجعه، ولقد أخبرني من سمعه يقول وقد علمت أصواتهم، وتقلقلت لغاتهم، نغص علينا كل شيء

حتى الموت فبكت إحدى حظاياه فرمقها بطرفه الكليل، وقال وهو يتنفس الصعداء من حر الغليل:

ترفّق بدمعك لا تفنهفبين يديك بكاء طويل
للشاعر سليمان بن المنصور، من قصيدة «بقيت غداة النّوى حائرا»

وبقي ابنه عز الدولة مختبل التلفت، مرتقباً للتفلت، لا يحكم تدبيراً، ولا يملك من أمره قليلاً ولا كثيراً، قد نهك بالغصص، وذهل خوفاً من القنص، إلى أن ركب في البحر طريقاً غير يبس، وساعدته الريح بنفس، فامتطى ثبجه، وأورد غربانه لججه، فكانت أطوع من غربان نوح، وبلغت بأجنحة إلى حيث شاء الجنوح، فأصبح ناس وأطراف شراعه تلوح، وإطلاله تبكي عليه وتنوح، فأزجاه إلى بجاية سكانه، وحياه منها موضعه ومكانه، فاستقر فيها تحت رعاية المنصور بن الناصر، وأوى منها إلى جنات ومقاصر، وتوقد له شهابه، وجدد له العز ذهابه، فمن بديع أفعال المعتصم أن النحلي دخل المرية وعليه إسمال لا تقتضيها الآداب، ولا يرتضها إلا الانتحاب والانتداب، والناس قد لبسوا البياض، وتصرفوا في حضرتهم، في مثل قطع الرياض، والنحلي ظمأن يسعره جواده، عريان لا يستره إلا سواده، فكتب إليه:

أيا من لا يضاف إليه ثانومن ورث العلي بابا فبابا
للشاعر زينب فواز، اقرأ القصيدة
أيجهل أن تكون سواد عينيوأبصر دون ما أبغى حجابا
ويمشي الناس كلّهمُ حماماوأمشى بينهم وحدي غرابا

فأدر له حباه، ووصله وحاباه، وبعث إليه من البياض ما لبسه، وجلل به مجلسه، وكتب إليه مع ذلك:

وردتَّ ولليل إليهم مطارفعليك وهذي للصباح برودُ
وأنت لدينا ما بقيت مقرّبومعيشك سلسال الجمام برودُ

واخبرني الوزير أبو خالد ابن بشتغير أنه ركب ليتطلع بعض أقطاره، ويتودع فيها بقية نهاره، وقدم بين يديه من آلات أطرابه، وأدوات شرابه، ما تخذه لأنسه جالباً، وللوعته غالباً، فإن إحدى خطاياه المكينات عنده تركها تجود بنفسها، وترود مكان رمسها، فخرج فاراً من قصتها، مستريحاً من غصتها، فلما وضع رجله في ركابه، ودمعه يغلب جلله بانسكابه، خرج من أعلمه بموتها، وعزاه على فوتها، فأمر أن توضع في قبرها، ووصى من ينظر في أمرها، ولم ينصرف من وجهته، ولم ينحرف

عن نزهته، وقال:

لمّا غدا القلب مفجوعاً بأسودهِوفصّ كلّ ختامٍ من عزائمهِ
ركبت ظهر جوادي كي أسليهوقلتُ للسيف كن لي من تمائمهِ

وأخبرني الوزير المذكور أنه حضر مجلسه بالصمادحية في يوم وفيه أعيان الوزراء، ونبهاء الشعراء، فقعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويتلوى في نواحيه، والمعتصم منشرح النفس، مجتمع الأنس، فقال:

انظر إلى حسن هذا الماء في صببهكأنّه أرقم قد جدّ في هربه

فاستبدعوه، ونيموه به وأولعوه، فاسكب عليهم شأبيب نداه، وأغرب بما أظهره من بشره وأبداه، واتفق أن غني بقول النابغة:

ولمّا نزلنا بجسر النتاجولم نعرف الحيّ إلا التماساً
أضاءت لنا النار وجهاً أغرّوملتبساً بالفؤاد التباساً
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

فاستطابه واستحسنه، وجعله أبدع منا للنابغة وأحسنه، وأمر ابن الحداد بمعارضته فقال على البديهة:

إذا ما التمست الغنا بابن معنظفرتَ وأحمدت منه التماساً
ومن يرج شمس العلى من نجيبفليس يرى من رجاه شماساً
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة

وبلغته عن ابن عمار هنات، لم تطرق جفونهه بهاسنات، وقرر عنه أنه يدب إليه دبيب الضراء، وينسبه إلى افن الآراء، ويكشف عن عوراته، ويستخف ببوادره وفوراته، فضاق بها ذرعاً، واعتقدها على ابن عمار أصلاً وفرعاً، ونوى غاية هجره، وزوى عينيه عن صباحه وفجره، فكتب إليه ابن عمار فلم يلتفت إلى ما كتبه، وعذل مبلغه وأنبه، واجتاز على المرية فما استدعاه، ولا أخصب له مرعاه، ولا بره على عادته ولا رعاه، فلما تمادى في تقاطعهما الأمد، وتوالى عليه بما يبلغه عنه الكمد، كتب إليه مراجعاً عن قطعة خاطبه بها:

وزهّدني في الناس معرفتي بهموطول اختباري صاحباً بعد صاحبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وزهَّدني في الناس معرفتي بهم»
فلم ترني الأيّام خلاّ تسرّنيمباديه إلاّ ساءني في العواقبِ
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّةمن الدهر إلاّ كان إحدى المصائبِ

فراجعه ابن عمار بهذه الأبيات:

فديتك لا تزهد فثمّ بقيّةسيرغب فيها عند وقع التجاربِ
وأبق على الخلصان أنّ لديهمعلى البدء كرّاتٍ بحسن العواقبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
تكنّفتني بالنظم والنثر جاهداًوسقت عليّ القول من كلّ جانبِ
وقد كان لي لو شئتُ ردّ وإنّماأجرّ لساني بعضُ تلك المواهبِ
ولابدّ من شكوى ولو بتنفّسيبرّد من حرّ الحشا والترائبِ
كتبت على رسمي وبعد نسيةقرأت جوابي من سطور المواكبِ
ثلاثة أبيات وهيهات إنّمابعثت إلى حربي ثلاث كتائبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
وكيف يلّذ العيش في عتب سيّدوما لذّ لي يوماً على عتب صاحبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
وقبل جرت عن بعض كتبيّ جفوةألحّت على وجهي بغمز الحواجبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
سلكت سبيلي للزيارة قبلهافقابلت دفعاً في صدور الركائبِ
وما كنت مرتاداً ولكن لنفحةتعودتُّ من ريحان تلك الضرائبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
ولو لمعت لي من سمائك برقةركبت إلى مغناك هوج الجنائبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
فقبّلت من يمناك أعذب موردوقضيّت من لقياك أوكد واجبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
وأبت خفيف الظهر إلاّ من النوىوخلّفت للعافي ثقال الحقائبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
سواك يعي قول الوشاة من العدىوغيرك يقضي بالظنون الكواذبِ
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة

وأقام عنده في بعض سفراته مقاماً امتد زمامه، وتوالت أيامه، حتى أقلقته دواعي شوقه، وشب صبره عن طوقه، والمعتصم يقيه ببره، ويعتمده بموالات لجبينه وتبره، ويرعيه ما شاء من بشره، ويستدعيه لبسط الأنس ونشره، ولما سئم الثواء ومله، وأنهله القلق وعله، وحن إلى حمص حنين نصيب للجفر، والمحرمين ليلة النفر، وهام بها هيام عمر بالثريا، وحارثه بن بدر بالحميا، كتب إليه يستسرحه، بشعر تتماه النفس وتقترحه، وهو:

يا واضحاً فضح السحاب يجود في معنى السماح
ومطابقاً يأتي وجوهـ الجدّ من طرق المزاح
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
أسرفت في برّ الضيافِ فجد قليلاً بالسراح
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة

فراجعه المعتصم:

يا فاضلاً في شكرهأصل المساء مع الصباح
هلاّ رفقت بمهجتيعند أتكلّم بالسراح
عن السماح ببعدكموالله ليس من السماح

وخرج إلى برجه ولادية وهما نظران لم يجل في مثلهما ناظر، ولم تدع حسنهما الخدود النواضر، غصون تثنيها الرياح، ومياه لها انسياح، وحدائق تهدي الأرج والعرف، ومنازل تبهج النفس وتمتع الطرف، فأقام فيها اياماً يتدرج في مسارحها، ويتصرف في منازهها ومسايحها، وكانت نزهة أربت على نزهة هشام بدير الرصافة، وأنافت عليها أي إنافة، وفي أثناء مقامه، وخلال اتساق الأنس له وانتظامه، عن له ذكر إحدى خطاياه فهيجه وأقلقه، وأزعجه وأرقه، فكتب إليها رقعة وطيرها وفيها:

وحمّلت ذات الطوق منّي تحيّةًتكون على أفق المريّة مجمراً

كمل ذكر المعتصم والحمد لله

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن الرؤساء وأبناءهم ودرج أنموذجات من مستعذب أنبائهم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.