من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
ذو الوزارتين الكاتب أبو بكر بن القصيرة ﵀
غرة في جبين الملك، ودرة لا تصلح إلا لذلك السلك، وباهت به الأيام، وتاهت في يمنه الأقلام، واستملت عليه الدول اشتمال الكمام على النور، وانسربت
إليه الأماني انسراب الماء إلى الغور، وأتت الدولة اليوسفية ففازت به قداحها، وأورى زنده اقتداحها، فقال فيها ما شاء، وأقال من عثاره الإنشاء، بعد خطوب أصارته طريدا، وقطعت منه وريدا، وما زال يرتضع أخلافها، وينتجع أكتفها، ويبسم ببيانه غفلها، ويتمم فرضها ونفلها، حتى طواه ضريحه، وركدت ريحه، فسقط بسقوطه نجم البيان، وأضحى دائر الأثر خفي العيان، وقد أثبتت في هذا التصنيف، من كلامه العالي المنيف، ما تتخذه سميرا، وتجعله على الكلام أميرا، فمن ذلك رقعة راجعني بها، وافتني أعزك الله لك أحرف كأنها الوشم في الخدود، تميس في حلل إبداعها كالغصن الأملود، وأنك لسابق هذه الحلبة لا يدرك غبارك في مضمارها، ولا يضاف سرارك إلى أبدارها، وما أنت في أهل البلاغة إلا نكتة فلكها، ومعجزة تتشرف الدول بتملكها، وما كان أخلقك بملك يدينك، وملك يقتنيك، ولكنها الحظوظ لا تعتمد من تتجمل به وتتشرف، ولا تقف إلى على من توقف، ولو اتفقت بحسب الرتب لما ضربت إلا عليك قبابها، ولا خلعت إلا عليك أثوابها، وأما ما عرضت فلا أرى أنفاذه أقواما، ولا أرضى لك أن تترك عيون أرائك نياما، ولو كففت من هذا الخلق، وانصرفت عن تلك الطرق، لكن أليق بك، واذهب مع حسن مذهبك، وقديماً أوردت الأنفة أهلها، موارد لم حمدوا صدرها، والموفق من أبعدها وهجرها، وسأستدرك الأمر قبل فواته، وأرهف لك مفلول شباته، فتوقف قليلاً، ولا تنفذ فيه دبراً ولا قبيلاً، حتى ألقاك هذه العشية وأعلمك بما تنبني عليه القضية، إن شاء الله، وكتب عن أمير المسلمين وناصر الدين أيده الله إلى طائفة متعدية، وأما بعد يا أمة اتعقل رشدها، ولا تجري إلى اتقتضيه نعم الله عندها، ولا تقلع عن أذى تفشيه قرباً وبعدا وجهدها، فإنكم لا ترعون لجار ولا لغيره حرمة، ولا تراقبون في مومن إلا ولا ذمة، فد أعماكم عن مصالحكم الأشر، وأضلكم ضلالاً بعيداً البطر، ونبذتم المعروف وراء ظهوركم، وأتيتم ما ينكر مقتديا في ذلك صغيركم بكبيركم، وخاملكم بمشهوركم، ليس فيكم زاجر، ولا منكم إلا غوي فاجر، ولم نرى إلا أن الله ﷿ قد شاء مسلخكم، وأراد نسخكم وفسخكم، فسلط عليكم الشيطان ويغركم ويغريكم، ويزين لكم قبائح معاصيكم، وكأنكم به قد نكص على عقبيه عنكم، وقال أني بريء منكم، وترككم في صفقة خاسرة، لا تستقيلونها إن لم تتوبوا في دنيا ولا آخره، وحسبنا
هذا أعذار لكم، وأنذار قبلكم، فتوبوا، وأنيبوا، وأقلعوا، وانزعوا واقتصوا من أنفسكم كل من وترتموه، وأنصفوا جميع من ظلمتموه وغششتموه، ولا تستطيلوا على أحد بعد، ولا يكن إلى أذاه صدور ولا ورد، ولا عاجلكم من عقوبتنا ما يجعلكم مثلاً سائراً، وحديثا غابراً، فاتقوا الله في أنفسكم وأهليكم، وإياكم والاغترار فإنه يورطكم فيما يرديكم، ويسقكم إلا ما يشمت بكم أعاديكم، وكفى بهذا تبصرة وتذكرة، وليست لكم بعدها حجة ولا معذرة، ولا توفيق إلا بالله تعالى، وكتب عنه ﵀ إلى صاحب قلعة حماد، وصل كتابك الذي أنقذته من وادي مني صادراً عن الوجهة التي استظهرت عليها بأضدادك، وأجحفت بطارفك وتلادك، وأخفقت فيها من مطلبك ومرادك، فوقفنا على معانيه، وعرفنا المصرح به والمشار إليه فيه، ووجدناك تجعل سيئك حسناً، ونكرك معروفاً وخلافكما صوابا بيننا، وتقضي لنفسك بفلح الخصام، وتوليها الحجة البالغة في جمع الأحكام، ولم تناول أن وراء كل حجة أدليت بها ما يدحضها، وإزاء كل دعوى أبرمتها ما ينقصها، وتلقاء كل شكوى صححتها ما يمرضها، ولولا استنكاف الجدال، واجتناب ترديد القيل والقال: ويخجل من ينتحله، حتى لا يدفع حجته دافع، ولا ينبو عن قبول أدلته راء ولا سامع، وها نحن ننشدك الله الذي لا تقوم السماء والأرض إا بأمره ألم نكن عندما نزع الشيطان بينك وبين فلان، وتفاقم الشنان، وقد توقدنا على ما كان بالحالة من أقلاق، وتأخرنا عما كانت النصبة تستقدم إليه من بدار أو سباق، ولم نمد الجهة حق أمدادها، ولا كثرنا وفق ما كان يلزم من جماهير أعدادها، ولا عناناً غير جهاد المشركين، ولا أقبلنا إلا على ما يحوط حريم المسلمين، رجاء أن يتوب استبصار، أو يقع إقصار، وأنت خلال ذلك تحتفل وتحشد،
وتقوم وتقعد، وتبرق غيظاً وترعد، وتستدعي ذؤابات العرب، وصعاليكهم من مبتعد ومقترب، فتعطيهم ما ف خزانتك جزافاً، وتنفق عليهم كنزه أوائلك إسرافاً، وتمنح أهل العشرات مئين وأهل المئين ألافاً، كل ذلك لتعضد بهم، وتعتمد على تعصبهم، وتعتقد أنهم جنتك من المحاذير، وحماتك من المقادير، وتذهل عما في الغيب من أحكام العزيز القدير، وكتب عنه ﵀ إلى أهل مكناسة، أما بعد أصلح الله من أعمالكم ما اختل، واصح
من وجوه صلاحكم ما اعتل، فقد بلغنا ما أنتم بسبيله من التقاطع والتدابر، وما ركبتم رؤوسكم فيه من التنازع والتهاتر، وقد استوى في ذلك عالمكم وجاهلكم، وصار شرعاً سواء فيه نبيهكم وخاملكم، ولا تأتمرون رشداً، ولا تطيعون مرشدا، ولا تأتون سددا، ولا تنحون مقصدا ولا تفلحون إن لم تنزعوا عن غوايتكم أبداً، فلا يسوغ لنا أن نترككم فوضى وندعكم سدى، ولابد لنا من أخذ قناتكم بثقاف أما أن تستقيم أو تتشظى قصداً، فتوبوا من ذنب التباغض بينكم والتباين، واهصوا شياطين التحاقد والتشاحن، وكونوا على الخير أعوانا، وفي ذات الله أخوانا، ولا تجعلوا لعقوبة عليكم يدا ولا سلطانا، واعلموا أن من نزغ بينكم بشر، أو نفث في فتنة بضر، وقلم عندنا عليه الدليل، واتجه إليه السبيل، وأخرجناه عنكم، وأبعدناه منكم، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين ولا تتولوا عن الموعظة وأنتم معرضون، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، وحسبن هذا وبالله التوفيق.
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع